OPINION الرأي 12 Issue 17368 - العدد Wednesday - 2026/6/17 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أسئلة وتكهّنات في البُعد اللبناني لـ«مذكّرة التفاهم» إذا كـــان وقـــف الــحــروب والمــــوت والـتـدمـيـر سببا وجيها للترحيب، والترحيب في كل وقت، فالواضح أن البلدان لا تتساوى في تلقّيها للحدث نفسه. وفي ما خـص لبنان، وضـع الأسـتـاذ عبد الرحمن الراشد إصبعه على جرح قابل لأن يتقيّح. فقد كتب قبل أيّام، في هذه الجريدة، عمّا اعتبره «أخطر بند في الاتّفاق» الأمـــيـــركـــي – الإيـــــرانـــــيّ، والــــــذي هـــو «عـــــدم الاعـــتـــداء الإقليمي المتبادل» وفـق تأويل يجعل قـوى كـ«حزب الله» والحوثيّين أطرافا «معترفا بها ومَحميّة». صـحـيـح أن أبـــــواب الـتـكـهّــن والاجـــتـــهـــاد لا تـــزال مفتوحة في صـدد «مـذكّــرة التفاهم» الثنائيّة، وهي مــرشّــحــة لأن تـبـقـى مـفـتـوحـة لمــــدّة يُـــرجّـــح ألا تـطـول كثيرا في ظل حاجة الطرفين الأميركي والإيراني إلى مخاطبة جمهوريهما وبيئتيهما. فوق هذا قد تحمل مهلة الستين يـومـا المقبلة مـفـاجـآت يصعب التكهّن مسبقا بـهـا، لا سيّما أن القضايا الأصـعـب والأعـقـد قد أُجّلت. وثمّة من يذهب إلى أن الأمر قد لا يتجاوز هدنة طويلة نسبيّا تبعا لضخامة الهوّة التي لا تقبل التجسير بين الطرفين، أو أنّه مجرّد تجميد للمشاكل بدلا من حلّها. مـــع ذلـــك فـالـفـرضـيّــة الاحــتــمــالــيّــة الــتــي طرحها الراشد ينبغي أن تستوقف. وكان لبنانيّون كثيرون قد عبّروا عن مخاوفهم من أن ينتهي النزاع الإقليمي على نحو يغاير كلّيّا تـــوازن الـقـوى العسكري فيما تأبى إسرائيل الامتثال لما يفرضه عليها وقف الصراع الإقليميّ. والحال أن ثمّة شكّا فعليّا في أن تستطيع الـولايـات المتّحدة، حتّى الـولايـات المتّحدة، إجبارها على الامتثال لقرار تراه مُهدّدا لأمنها القوميّ، ويراه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو مُــهـدّدا لمستقبله السياسيّ، وربّما الشخصي أيضاً. فإذا سارت الأمور على هذا النحو، واستطاعت الدولة العبريّة، بصورة أو أخــرى، التملّص من إمـــاءات «التفاهم» الثنائيّ، بتنا أمـــام أوضـــاع أشـــد درامــيّــة وبُــعــدا عـن النهايات السعيدة. فنتنياهو ســـوف يتعاظم جـنـوحـه إلـــى العنف بــوصــفــه، فــضــا عـــن كـــافّـــة الأســـبـــاب الأخــــــرى، بـيـانـا بالتمايز الاستقلالي عـن الرئيس الأميركي دونالد تـرمـب وإدارتـــــه، وهــو مـا بــات إسـرائـيـلـيّــون كثيرون، مـــوالـــون ومـــعـــارضـــون، يـرفـعـونـه إلـــى ســويّــة المطلب السيادي المُلحّ. هــكــذا يـــعـــزّز الاحـــتـــال الإســرائــيــلــي مــواقــعــه في لـبـنـان، وقـــد يــوسّــع رقـعـتـه، مــن دون أن يقضي على سلاح «حزب الله»، فيما يحافظ الأخير على وجوده من دون أن يقاوم الاحتلال، دع جانبا إنجاز التحرير. وبنتيجة استمرار الاحتلال والمقاومة، وتساكُنهما، تـبـقـى قــائــمــة شــــروط اســتــمــرار الـــحـــرب الإسـرائـيـلـيّــة – الإيـــرانـــيّـــة بــالــواســطــة، إن لــم يـكـن الــحــرب نفسها. وفـي ظـل ما يفترضه البعض من انسحاب للولايات المـــتّـــحـــدة مـــن كــــل دور عـــســـكـــريّ، قـــد تــتــحــوّل الــحــرب مسرحا لاستنقاع وتهرّؤ مديدين. وهــــــذا مــــا قــــد يــــطــــرح، بــــن مــــا يـــطـــرحـــه، مـصـيـر التفاوض المباشر الجاري في واشنطن، والذي سيقل تــعــويــل إســـرائـــيـــل عــلــيــه، وهــــو تــعــويــل قـلـيـل أصــــاً، خصوصا متى كُتبت لسلاح «حزب الله» حياة جديدة ضـــدّا عـلـى فـرضـيّــة نـــزع ســاحــه. ولـيـسـت هــنــاك، في المقابل، ضمانات صلبة بأن تتمسّك واشنطن بمسار يحمل اسمها، في ظل تبلور خيار إسـام آبـاد، ومع الاشــارات المبعثرة والمتزايدة إلى «حـوار أميركي مع حزب الله». وتاليا لا بد لهذه الخريطة المستجدّة أن تـطـرح مـوقـع الــدولــة اللبنانيّة وتـأثـيـرهـا، هــي التي سوف يمضي في اعتصارها احتلال لا يُزيل المقاومة ومـــقـــاومـــة لا تُــــزيــــل الاحـــــتـــــال. هـــكـــذا يــجــثــم مـــجـــدّدا عـلـى صـــدر لـبـنـان وضـــع دائـــــري مــفــاده أن الاحــتــال يـبـرّر الـسـاح فيما الـسـاح يـبـرّر اسـتـمـرار الاحـتـال وضرباته. فـالـدولـة، والـحـال هــذه، سـوف تتعرض لتعاظم الضغطين المتعاكسين: - واحـــــد يـطـالـبـهـا بـــالـــعـــودة إلــــى الانــــضــــواء في الخيمة الإيرانيّة وإلى الثلاثيّة المتهالكة عن «الشعب والجيش والمقاومة»، مع ارتفاع مطالب بدأنا نسمعها عن إسقاط الحكم الحالي ورمزيه عون وسلام. - وآخــر يطالبها بالصلح الـفـوري مع إسرائيل قفزا فوق ما يعتبره نقّاد هذا الخيار شروطا داخليّة أو عربيّة لأي صلح. والأهـم ربّما أن البلد، في وضع كهذا، سيواجه دفـعـة أخــــرى، أكـبـر مـن سـابـقـاتـهـا، فـي الـتـعـفّــن الـذي يـطـال الاقــتــصــاد والـسـيـاسـة، وخـصـوصـا الـعـاقـات الأهليّة الشديدة التردّي أصلاً. وهـــنـــا، مــــرّة أخـــــرى، ســــوف يُــكــتــب لـــ«الــســاحــة» انتصارها على «الـوطـن»، وللميليشيا على الدولة، مــا يشير إلـيـه ضـعـف الـتـذكـيـر، فــي الآونــــة الأخــيــرة، بمسألة «الأذرع» واقـتـصـار كـــل نـقـاش تقريبا على الملف النووي الإيراني وحده. وغـــيـــر بـعـيـد عـــن لــبــنــان هـــنـــاك طــلــل مـــن أطـــال الـتـعـفّــن الـــذي ينجم عــن وقـــف الــحــرب وبــقــاء الحالة الـحـربـيّــة. فـهـذا المِــعـلـم الــتــذكــاري عـلـى المـــوت هــو ما نــراه فـي منطقة فــاروشــا، جنوب مدينة فماغوستا القبرصيّة. ذاك أنّــه إلـى التهجير الــذي أصابتها به ، تعيش المنطقة المذكورة خلف الحواجز 1974 حرب الــعــســكــريّــة، مــهــجــورة المــبــانــي المــهــدّمــة وخــالــيــة من السكّان. لـكـن ســـوق الـتـكـهّــنـات الـتـي لا تنضب تطالعنا أيضا باحتمال يرجّحه بعض أصـحـاب التكهّنات. فـــإذا صـــح أن المـكـسـب الإيـــرانـــي الأبــــرز الـحـفـاظ على النظام، فهل سيكون هذا المكسب قابلا لحياة مديدة بعد أن تسكت المدافع؟ هذا السؤال الكبير الذي تتداوله مناطق ودوائر كثيرة في العالم، هو في لبنان سؤال وجودي حارق. حازم صاغيّة إذا صح أن المكسب الإيراني الأبرز الحفاظ على النظام فهل سيكون قابلا لحياة مديدة؟ طوفان «التيك توك» وسجالات «التقنين» شـهـدنـا عـبـر الـشـهـور المـاضـيـة ملحمة الــ«تـيـك تــــوك» الــقــانــونــيـة؛ ســـجـــالات فـــي عــــدد مـــن الـجـلـسـات البرلمانية بالدول العربية والإسلامية من إندونيسيا إلى المغرب. تجلّى النقاش على هيئة صـراعـات واتهامات، حـيـث تشابكت أطـــروحـــات الأفــكــار الاقـتـصـاديـة، مع الـتـطـاحـن الـسـيـاسـي الآيـــديـــولـــوجـــي، يــنــضــاف إلـيـه التزاحم على النقاش الأخلاقي والتربوي، وبخاصة لـجـهـة الـتـأثـيـر الــســريــع عـلـى المـتـلـقـي بـحـكـم سهولة استعمال التطبيق وعنصر التسلية التي يمنحها لكل الأعمار. والـــــحـــــق أن مــــوضــــوع الـــتـــقـــنـــيـــات وحــمــولــتــهــا الأخلاقية نقاشها قديم، سواء على مستوى التقنيات الــعــســكــريــة، أو الــطــبــيــة، والــهــنــدســيــة، أو الـتـقـنـيـات التواصلية التي أدمنها الإنسان اليوم. والنقاش عن «تيك توك» والقيم يوحي إليك وكأن شبكة التطبيقات كلها مكتبات، وفلسفات وتراتيل، بينما تتضمن في جوفها كـل شــيء، بما فـي ذلـك التشوّه الــذي وصلت إليه الإنسانية. ووصفها بالتشوه لا يعني ضرورة مــنــعــهــا، وإنـــمـــا أعـــنـــي أنـــهـــا تــشــبــه نـــاقـــديـــهـــا، لأنـهـم ينتقدون الـشـيء ويستعملونه ويـدمـنـونـه؛ مـن هنا أظـن أن النقاش حـول المـوضـوع بواقعية راهنة أكثر حيوية من التنظير حوله بمثالية مستحيلة. من هنا أقترح أن نناقش مفهوم «القيم» بالمعنى الفلسفي، ويمكن الإحالة لأفكار مهمة في موسوعة «ستانفورد»، حيث درست وحللت «فلسفة التقنية» بمبحث كتبه كـل مـن: مارتن فرانسين، وغيرت جان لوخرست، وآيبو فان بول، وترجمه مالك آل فتيل. تشير الموسوعة إلى أنه «لطالما كانت المسؤولية مـــوضـــوعـــا رئــيــســيــا فــــي أخــــاقــــيــــات الـــتـــقـــنـــيـــة. ومـــع ذلـــك، كـانـت الفلسفة التقليدية وأخـاقـيـات التقنية تـــمـــيـــل إلــــــى مـــنـــاقـــشـــة المـــســـؤولـــيـــة بــــعــــبــــارات عـــامـــة، وكـانـت متشائمة إلـى حـد مـا بشأن إمكانية تحميل المهندسين المـسـؤولـيـة عـن التقنيات الـتـي طـوروهـا. وصــف (إلــــول) على سبيل المــثــال، المهندسين بأنهم كبار كهنة التقنية، الذين يعتزُّون بالتقنية ولكن لا يمكنهم توجيهها. جادل هانز جوناس بأن التقنية تتطلب أخـاقـا تكون المسؤولية هـي الإلـــزام المركزي فيها، لأنَّــنـا لأول مــرة فـي الـتـاريـخ أصبحنا قـادريـن على تدمير الأرض والبشرية. وأهم ما في المبحث انتقاد بعض الكتب لـ«كثرة التركيز على المخاطر في أخلاقيات التقنية، فبعضهم يـرى أننا غالبا ما نفتقر إلـى المعرفة لتقييم أخطار التقنية الـجـديـدة بشكل مـوثـوق قبل أن تـدخـل حيز الاسـتـخـدام. غالبا مـا نعرف احتمالية حــدوث خطأ ما، وأحيانا لا نعرف، أو على الأقل لا نعرف تماماً، ما الـذي قد يحدث وما هي العواقب السلبية المحتملة. لـلـتـعـامـل مـــع هــــذا الانـــتـــقـــاد اقـــتـــرح بـعـضـهـم تـصـور إدخـــــال الـتـقـنـيـة الـــجـــديـــدة فـــي المـجـتـمـع بـاعـتـبـارهـا تجربة اجتماعية، وحثوا على التفكير في الظروف الـتـي تـكـون فيها مثل هــذه الـتـجـارب مقبولة. هناك مجال آخر من الانتقادات ينص على أن التركيز على المخاطر أدى إلى تقليل تأثيرات التقنية التي أُخِذت فـــي الاعـــتـــبـــار فــقــط كــالــتــأثــيــرات المـتـعـلـقـة بـالـسـامـة والصحة، بينما تم تجاهل التأثيرات الأخـــرى، ذات الطبيعة الاجتماعية أو النفسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجفيف التقييم الأخلاقي للتقنيات الجديدة». نعم؛ إنه الطوفان، لقد أشارت الدراسات الأخيرة فـــي المـــائـــة مـــن «جــيــل زد» يـسـتـخـدم الآن 40 َّ إلــــى أن موقعَي «تيك توك» و«إنستغرام» في عمليات البحث. الـــخـــاصـــة، أن الـــنـــقـــاشـــات حـــــول «تـــيـــك تــــوك» أخــذت منحى قويا لوضع التطبيق ضمن المعايير الأخلاقية، والدراسة القيمية. لا شك أن التنازع على الـدنـيـا قـلـل مــن حـضـور الـقـيـم فــي الـحـيـاة اليومية، حـتـى وصـــف الـبـعـض الـنـقـاش فــي الـقـيـم لــه سحره مثل النقاش في الوجود، ولكن كل ذلك لا يعني أن نتعامل مـع التطبيقات بوصفها وسـائـل تربوية، بـل هـي شظايا تأتي ضمن التسليع الـعـام للأفكار والوقت والأشكال والأنماط، وهذا موضوع إشكالي يــطــول شـــرحـــه، ويـبـقـى الـــســـؤال هـــل يـمـكـن للتقنين أن يقاوم هـذا الطوفان كما في نقاشات وسجالات كـــل بـــرلمـــان؟ أم أن الأمــــر خـــرج عـــن الــســيــطــرة؟ وهـل يـحـل التوجيه والإرشــــاد والـتـوعـيـة مـكـان التنظيم والتقنين؟ هـذه مهمة المتخصصين بعلوم المجتمع والتقنية والقانون. فهد سليمان الشقيران عشرة أعوام على «بريكست» تصادف هذا الشهر الذكرى العاشرة لخروج بـــريـــطـــانـــيـــا مــــن الاتـــــحـــــاد الأوروبــــــــــي (بـــريـــكـــســـت). فـــي المـــائـــة من 51.9 صـــــوَّت 2016 فـــي صــيــف عــــام البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبذلك بــدأت صفحة جديدة في تاريخ بريطانيا؛ صفحة لا يـــزال الـجـدل محتدما حــول مـا إذا كانت تستحق أن تُفتح أصلاً. حدثان مهمَّان علَّما المناسبة؛ الأول: قيام هيئة الإذاعــــة البريطانية (بــي بـي ســي) بتقديم شريط وثائقي، وهو الأول من نوعه بعنوان: «بريكست: حـرب أهلية بريطانية جـــداً». العنوان وحــده كـاف للدلالة على حجم الجرح الذي لم يندمل بعد. الــحــدث الـثـانـي تمثَّل فـي صـــدور كـتـاب حــرَّره الأستاذ الأكاديمي والمعلق السياسي البارز أنتوني سيلدون، جمع فيه مقالات كتبها أربعون شخصية إعلامية وأكاديمية وسياسية واقتصادية، تناول فيها كــل منهم رأيـــه فـي «بـريـكـسـت» ومــا آلــت إليه الأحـوال. وهي المرَّة الأولى التي يتعرض فيها هذا الحدث لنقاش جاد وعميق وعلى أعلى المستويات، آخـذيـن فـي الاعـتـبـار أنــه كــان أهــم وأخـطـر قـــرار في مسار السياسة الخارجية البريطانية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في المقابلة التي عرضها الشريط التلفزيوني مع اللورد ديفيد كاميرون، رئيس الحكومة الأسبق ،2016 الــذي وعـد بعقد الاستفتاء ونـفَّــذ وعــده فـي ثم استقال مباشرة بعد هزيمة فريق حملة البقاء في الاتحاد؛ كشف كاميرون أنه خلال مباراة تنس جمعته ببوريس جونسون، قائد حملة الخروج، عــــــرض عـــلـــيـــه تــعــيــيــنــه وزيـــــــــرا لإحـــــــدى الــــــــــوزارات الـسـيـاديـة المهمة مقابل موافقته على دعــم البقاء داخل الاتحاد، فرفض جونسون العرض. هــــذه المــعــلــومــة -حـــســـب عــلــمــي- لـــم تُـــذكـــر من قـــبـــل، وهـــــذه المـــــرة الأولــــــى الـــتـــي تـــخـــرج فــيــهــا إلــى العلن. وعلى أهميتها البالغة، فإنها تطرح سؤالا تاريخيا لا يمكن تجاهله: ماذا كان سيحدث لو أن بوريس جونسون قبل العرض؟ الإجـابـة ليست مجرد تكهُّن؛ فجونسون كان يخطط لقيادة حملة الخروج طموحا إلى الجلوس داونينغ ستريت، وقد تحقق 10 مكان كاميرون في له ما أراد بعد وقت قصير من الاستفتاء. فلو قبِل المنصب الوزاري الكبير، لفقدت حملة الخروج أبرز وجوهها الشعبية وأكثرها جاذبية لـلـرأي العام. ولــــو سـقـطـت الـحـمـلـة بـــفـــارق أكـــبـــر، لمـــا تـــجـــرَّأ أحــد بعدها على إعادة طرح المسألة. الـــتـــاريـــخ، فـــي كـثـيـر مـــن الأحــــيــــان، يـعـلـو فيه الطموح الشخصي على المصلحة الوطنية، وهذه واحدة من أوضح صوره. أمـا الكتاب الـذي حــرَّره البروفسور سيلدون، فقد خلص المساهمون فيه -على اختلاف مواقفهم بــــن مـــؤيـــديـــن لـــلـــخـــروج ومــــعــــارضــــن لـــــه- إلـــــى أن «بـريـكـسـت» لــم يـعـد الــيــوم فــي صــــدارة الأولـــويـــات البريطانية. غير أن أحـــدا منهم لـم يستطع إنكار أن تداعياته لا تزال حاضرة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ من تراجع الاستثمارات الأجنبية، إلـى تعقيدات التجارة مع الـــجـــوار الأوروبـــــــي، إلــــى الـتـشـقـقـات الــتــي أصــابــت النسيج السياسي والمجتمعي البريطاني. والـحـقـيـقـة أن ثـمـة سـيـاقـا تـاريـخـيـا لا يمكن فهم «بريكست» بمعزل عنه؛ فمنذ خـروج السيدة مارغريت ثاتشر من الحكم، تحوَّل حزب المحافظين إلى ساحة معارك لا تهدأ يقودها الصقور ممثلين فــي الـتـيـار اليميني المــنــاوئ لأوروبـــــا. ذلـــك التيار كان يطالب بالخروج من الاتحاد الأوروبـــي، وظل بــمــنــزلــة كــــابــــوس لـــرئـــيـــس الـــحـــكـــومـــة آنـــــــذاك جـــون ميجور، وحتى بعد خـروج الحزب من الحكم عام ، ظل يخيم بوصفه غمامة سوداء على كل من 1997 تقلَّد زعـامـة الـحـزب فـي المـعـارضـة. وعـنـدمـا تسلَّم ديفيد كاميرون قـيـادة المحافظين، واجــه ضغوطا 2013 مــتــزايــدة مـــن هـــذا الــتــيــار، واضـــطـــر فـــي عـــام إلـى إطــاق وعــده الشهير بـإجـراء استفتاء شعبي حـول البقاء أو الـخـروج، أمــا فـي احـتـواء الصقور وتوحيد الـحـزب. ولكن خطأ كاميرون القاتل كان اعـتـقـاده بـــأن الـنـاخـبـن البريطانيين سيصوِّتون لصالح البقاء؛ فدفع الثمن باهظا باستقالته فور إعلان النتائج. أضف إلى ذلك أن «بريكست» صار إرثه الذي يلتصق به حَيّا وميِّتاً، كما صار العراق إرث توني بلير. الــافــت أن حـلـول الـــذكـــرى الــعــاشــرة يـأتـي في وقت لم يعد فيه أحد من قادة ذلك التيار الصقوري المحافظ المناوئ لأوروبا موجوداً. جميعهم اختفوا مــــن المــــســــرح، وتــــركــــوا بــريــطــانــيــا تــــواجــــه تـبـعـات قرارهم. وتؤكد استطلاعات الرأي الراهنة أن الناخبين الــبــريــطــانــيــن ســـيـــصـــوِّتـــون لــصــالــح الــــعــــودة إلــى الاتـــحـــاد الأوروبــــــي لــو عُــقــد اسـتـفـتـاء جــديــد. تـرى من يذكِّر البريطانيين بمثلهم الشعبي القائل: «لا جدوى من البكاء على حليب مسكوب». جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky