issue17364

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel لقد أشـكـل الإنــســان على الإنــســان (أبـــو حيان التوحيدي). الـــــحـــــرب كـــــارثـــــة رافـــــقـــــت الإنـــــســـــان عـــلـــى مـــدى الـــدُّهـــور. الـــكـــوارث الـطـبـيـعـيـة مــن زلازل وبــراكــن، وكذلك الأوبئة القاتلة بكل أنواعها، قتلت الملايين من البشر، وكذلك المجاعات التي لا تغيب، إل لتعود وتـحـصـد أرواح الــفــقــراء. يجتهد الـــنـــاس لمـقـاومـة تلك المـصـائـب الطاغية. لكن الـكـارثـة الكبرى التي يصنعُها الإنسان بعقلِه ويديه هي الحرب. تختلف الـــدوافـــع والأدوات مــن زمـــن إلـــى آخـــر، لـكـن الـهـدف لا يـتـغـيـر أبـــــداً؛ وهـــو أن يـقـتـل الإنـــســـان الإنـــســـانَ. بـعـد الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة الـتـي اسـتـخـدم فيها المتحاربون، آخر ما اخترعته البشرية من السلاح، تــكــدَّســت مـــايـــن الــجــثــت تـحـت جــبــال الــــرُّكــــام. في تلك الحرب الكونية الرَّهيبة، شهد العالم مجزرة غير مسبوقة، عندما أُلقيت القنبلتان النَّوويتان على هيروشيما ونـاغـازاكـي اليابانيتين. اهـتـزَّت الضَّمائر والعقول واستيقظت النفوس، وتنادَى السّياسيون والفلاسفة والمفكرونَ، لتأسيس قواعد عــالــم الـــســـام، وبـــنـــاء الـــســـدود الـسـيـاسـيـة المـانـعـة لطوفان العنف والحروب. لكن الغرائز فعلها يجب ما تنتجُه الأمنيات والأحـام. ظل القتل والحروب يحدوان حركة البشر دون توقف. في هذه الأيام تزف وسائل الإعلام المختلفة، إلى البشر في كل الدنيا، صور القتل والدماء والدمار التي تصعق النفوس والـعـقـول. السياسيون والمحللون والصحافيون، يتحدَّثون ويكتبون عن تفاصيل مجريات المعارك. السؤال المزمن كان ولا يـزال؛ لماذا لم يتمكَّن البشر بعد ارتقاء الحضارة وقفزة الحداثة وازدهار العلم والفلسفة وانتشار العلم والتعليم، من إبداع ترياق يجتث نوازع العنف والحروب من كينونة الخلق؟ في الحوار الطويل بين جابر بن حيان ومسكويه، في كتاب «الهوامل والشوامل»، طاف مسكويه في دخائل النَّفس البشرية، وحلَّل الدوافع والكوابح، وكانت أسئلة جابر بن حيان متدفقة، وفي الختام ســكــب الــعــصــارة وقــــال: «لــقــد أشــكــل الإنـــســـان على الإنسان». الفلاسفة وعلماء النفس والمفكرون، منذ قرون مضت وإلـى اليوم، يحفرون فيما خفي في أعماق النَّفس البشرية ويدفعها إلى العنف بكل أشكاله. ذهب هؤلاء إلى أن في داخل كل إنسان، هناك أكثر من شخص واحـد خفيّ، لا يـراه الآخـــرونَ، وذاك ما يحرّك أفعالَه التي تُولد في ظلام حياته. الطبيب الفيلسوف آندريه يونغ كـان يـرى أن الإنسان يعيش معظم حياته خلف قناع اجتماعي يصنعه هو حتى يقبله النَّاس، وحتى يبدو قويّا وطـبـيـعـيّــا أمـــام الآخـــريـــن، ولـكـن خـلـف هـــذا القناع توجد شخصية أخــرى مختلفة. شخصية مليئة بالخوف والرَّغبات المكبوتة، وأطلق يونغ على هذا الجزء من شخصية الإنسان، منطقة الظل، الّذي لا يختفي أبـداً، والإنسان يخاف ممَّا يوجد بداخله. الرّوائي والمفكر الكبير تيودور ديستوفسكي؛ كان يـــرى شـيـئـا مـرعـبـا فـــي الـنـفـس الــبــشــريــة، شـيـئـا لا يحب النَّاس الاعتراف به أبـداً، فالإنسان لا يبحث عن السعادة دائماً؛ بل أحيانا يبحث عن الألم دون أن يشعر، ويرى أن داخل الإنسان رغبة في تدمير نفسِه، وأعتقد أن أخطر معركة يخوضُها الإنسان ليست مع العالم، بل مع نفسه؛ لأن الإنسان عندما ينكسر بصمت، يتحوَّل إلى عدو يرافقه. آرثر شوبنهاور كان يرى أن أكثر شيء يخيف الإنسان ليس الظَّلام؛ بل الجلوس وحيدا مع نفسه، فكان يؤمن بـأن أغلب البشر يهربون من الوحدة؛ ليس لأنَّهم يحبّون النَّاس فعلاً، بل لأنَّهم يخافون مـن أفـكـارهـم عندما يصبح كـل شــيء صامتاً. كان شــوبــنــهــاور يـــرى أن الـــوحـــدة تـشـبـه مــــرآة ضخمة تـكـشـف لـإنـسـان حقيقتَه دون تـجـمـيـل، ولــهــذا لا يحتمل كثير من النَّاس البقاء وحدَهم فترة طويلة، لأنَّـــهـــم يـكـتـشـفـون أشـــيـــاء فـــي داخــلــهــم لا يـــريـــدون رؤيـــتَـــهـــا، ويــضــيــف أن الإنــــســــان الـــــذي لا يحتمل الوحدة لن يعرف نفسه أبداً. تـومـاس هـوبـز كـــان يـؤمـن بفكرة مخيفة جدا عن النفس البشرية؛ وهـي أن الإنـسـان ليس طيّبا بطبيعته، بل كـان يـرى أن داخــل كل إنسان جانبا مـظـلـمـا، قـــد يـظـهـر فـــي أي لــحــظــة عــنــدمــا يختفي الأمــان والـخـوف من العقاب، وكــان يقول إن البشر عندما يعيشون بلا قوانين أو نظام، يتحوَّل العالم إلى مكان مرعب، ويصبح الإنسان عدوا للإنسان. الخوف بالنسبة لتوماس هوبز ليس مجرد شعور عـــابـــر؛ بـــل قــــوة قــــــادرة عــلــى تــحــويــل أكـــثـــر الــنــاس هـــــدوءاً، إلـــى أشــخــاص قـسـاة وخـطـيـريـن، وعندما يشعر الإنسان بأن حياته مهددة، قد يفعل أشياء لم يكن يتخيل يوما أنه قادر على فعلها؛ فقد يخون ويكذب ويؤذي الآخرين فقط لينجو بنفسه. وهذا ما كان يخيف هوبز أكثر من أي شيء آخر؛ فهو لم يكن يخاف الوحوش بقدر ما يخاف من الإنسان، وكــــان يـــرى أن الــحــضــارة والــقــوانــن ليستا دلـيـا على طيبة البشر؛ بـل مجرد قـنـاع يمنع الفوضى المختبئة داخل النفوس، ولهذا فإن الحروب تكشف دائما الوجه الحقيقي للبشر. كـثـيـر مـــن المـفـكـريـن غــيــر هـــــؤلاء الـــذيـــن وقـفـت عندهم، غاصُوا في أركيولوجيا النَّفس البشرية. الـخـاصـة أن الـــحـــروب الـتـي تـتـوالـد بـوتـيـرة أكـثـر عـنـفـا، مــجــرد زلازل تـكـسـر الــقــشــرة الـرقـيـقـة، التي تغطي ما يسكن في أعماق النَّفس البشرية، ولكن يـبـقَــى الأمــــل فــي أن تـكـبـر الــقــشــرة، لــتــكــوِّن الإرادة الـصـلـبـة لإنـــســـان عـــصـــر الـــسَّـــام الـــجـــديـــد، وتُـــدفـــن الحروب في قاع النفوس. النفس الإنسانية... تشابكاتها وتناقضاتها كيف يمكن أن نفهم التَّطويل والتأخير والتعديل عـلـى الـوثـيـقـة الـتـي يُــقــال إنَّـــه تـــم إنــجــاز كثير منها والمسماة «ورقة التفاهم الإيرانية-الأميركية»؟ فكثيرا ما يُنظر إلى المفاوضات السياسية باعتبارها عملية تبادل مطالب وتنازلات بين طرفين متقابلين. إلا أن التجارب التاريخية تكشف عن أن الواقع أكثر تعقيدا مـن ذلـــك. فغالبا مـا تـتـحـوَّل طـاولـة المـفـاوضـات إلى ساحة تتداخل فيها مصالح أطراف أخرى، وتصبح القضايا المطروحة أكبر ممَّا سببه الـنـزاع المباشر، الـذي أدَّى إلى الجلوس حول الطاولة. وفي اللحظة الراهنة يمكن ملاحظة أربع قضايا مترابطة تؤثر في بعضها، لمحاولة الوصول إلى تلك الورقة، اشتراط أحـد الأطــراف (إيـــران) على الطرف الآخـر التأثير في دولـة أو جهة ثالثة، وحــدود قـدرة الـولايـات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل، وأثر عامل الزمن على المـفـاوض الإيـرانـي، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة، وأخيرا موقع الأذرع الإقليمية الإيرانية في لبنان والعراق واليمن ضمن الحسابات الأميركية. القضية الأولــى: التاريخ السياسي يقدم أمثلة عديدة على أن الدول لا تفاوض فقط حول خلافاتها المـــبـــاشـــرة، بـــل حــــول نـــفـــوذهـــا أيـــضـــا. فــفــي عــــدد من الاتفاقات الدولية لم يكن المطلوب من الدولة الجالسة على الطاولة تغيير سلوكها فحسب، بل استخدام نفوذها لتغيير سلوك حلفائها، أو الأطراف المرتبطة بـهـا. والـسـبـب أن الـقـوة فـي السياسة لا تـقـاس فقط بما تملكه الــدولــة مـن إمـكـانـات عسكرية، بـل أيضا بقدرتها على التأثير في الآخرين. من هنا يصبح مفهوم النفوذ جزءا أساسيا من أي مفاوضات كبرى. فإذا كانت دولة ما تدعي امتلاك نفوذ على جماعات أو دول أخرى، فإن الطرف المقابل سوف يسعى إلى اختبار هذا النفوذ وتحويله إلى التزامات عملية. أما إذا تبين أن النفوذ أقل مما يُعلن، فإن قيمة الورقة التفاوضية نفسها تتراجع. في هذا السياق يبرز السؤال المتكرر حول قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل. والإجابة ليست بنعم مطلقة، أو لا مطلقة. فالولايات المتحدة هي القوة الدولية الأكثر تأثيرا في إسرائيل. 1956 وقـــد أثـبـت الــتــاريــخ، مـنـذ أزمـــة الـسـويـس عـــام إلــى محطات أخــرى لاحـقـة، أن واشنطن قـــادرة على ممارسة ضغوط مؤثرة عندما تعتبر أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب ذلك. لــكــن الــنــفــوذ لــيــس مـــرادفـــا لـلـسـيـطـرة الـكـامـلـة. فإسرائيل تمتلك مؤسساتها واعتباراتها الأمنية والــســيــاســيــة الــداخــلــيــة، وقــــد قـــاومـــت إســـرائـــيـــل في مـــراحـــل مـخـتـلـفـة ضــغــوطــا أمــيــركــيــة، أو ســعــت إلــى تـعـديـلـهـا. لــذلــك هـــل واشــنــطــن قـــــادرة عــلــى الـتـأثـيـر الكامل؟ سؤال معلق يحتمل الإجابة بنعم أو لا. وهــــنــــا نـــصـــل إلــــــى الـــقـــضـــيـــة الـــثـــانـــيـــة: الــــزمــــن. فالمفاوضات ليست مجرد تبادل أوراق، بل هي أيضا ســبــاق بــن أطــــراف تــحــاول كــل مـنـهـا إقــنــاع الأخـــرى بـــأن الــوقــت يعمل لصالحها. ومـنـذ ســنــوات تـراهـن إيـران على أن الصبر الاستراتيجي يمكن أن يحسن شـروطـهـا التفاوضية. فهي تـؤجـل الحسم أحياناً، وتـــرفـــع ســقــف المـــطـــالـــب أحـــيـــانـــا أخــــــرى، وتـسـتـخـدم أذرعــتــهــا فــي الإقــلــيــم، عـلـى أمـــل أن تتغير الــظــروف الإقليمية أو الدولية. غير أن هذا الرهان (ثالثاً) يواجه اليوم تحديات متزايدة. فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران لا تبدو مريحة. والاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخـيـرة كشفت عن أن الضغوط الداخلية لم تعد حدثا عابرا يمكن تجاهله. كما أن الأوضـاع الاقــتــصــاديــة تــفــرض أعـــبـــاء مـــتـــزايـــدة عــلــى المــواطــن الإيــرانــي، وهـو مـا يجعل عامل الـزمـن بالنسبة إلى إيران أكثر حساسية مما كان عليه في مراحل سابقة. أمـــــا الــقــضــيــة الــــرابــــعــــة، وهـــــي الأكــــثــــر ارتـــبـــاطـــا بـالمـفـاوضـات الــراهــنــة، فتتمثل فــي نـظـرة الــولايــات المــتــحــدة إلــــى الــنــفــوذ الإيــــرانــــي فـــي لــبــنــان والـــعـــراق واليمن. فواشنطن لا تبدو معنية فقط بالملف النووي أو مضيق هـرمـز أو بـالـعـاقـة الثنائية مــع طـهـران، بـــل تـنـظـر إلــــى مـجـمـل الــنــفــوذ الإيــــرانــــي فـــي الإقـلـيـم باعتباره جـزءا من أي تسوية مستقبلية. ومـن هذا المنطلق يظهر الاعتقاد الأميركي بأن على إيـران أن تستخدم نفوذها لخفض التوتر، واحتواء حلفائها وشركائها الإقليميين، إذا كانت تريد الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية من التفاوض. وتنبع هذه الرؤية من قناعة أميركية مفادها أن الـــنـــفـــوذ الـــــذي تـــم بـــنـــاؤه خــــال عـــقـــود يــجــب أن يقابله قـــدر مــن المـسـؤولـيـة الـسـيـاسـيـة. فـــإذا كانت طــهــران تـؤكـد أنـهـا لاعـــب رئـيـسـي فــي الإقــلــيــم، فـإن واشنطن تسأل بـصـورة مباشرة أو غير مباشرة: هل تستطيع ترجمة هذا النفوذ إلى استقرار؟ أم أن النفوذ يقتصر على توسيع مساحة المشاغبة دون تحمل تبعاتها؟ فــــي المــــقــــابــــل، تـــنـــظـــر إيــــــــران إلـــــى هـــــذه الــشــبــكــة الإقـــلـــيـــمـــيـــة بـــاعـــتـــبـــارهـــا أحـــــد أهـــــم عـــنـــاصـــر قــوتــهــا الـتـفـاوضـيـة. فالتخلي عـنـهـا أو تقليص دورهــــا لا يُــنــظــر إلـــيـــه فـــي طـــهـــران بـــاعـــتـــبـــاره خـــطـــوة فـنـيـة أو تفصيلية، بـل باعتباره مسألة تمس مكانة الدولة الإقليمية وموقعها الاستراتيجي. ومـن هنا تنشأ المعضلة الحقيقية: مــا تعتبره واشـنـطـن جـــزءا من الحل، قد تعتبره طهران جزءا من قوتها. عـنـد الـــربـــط بـــن هـــذه الـقـضـايـا الأربـــــع تتضح صـــورة أكـثـر شــمــولاً. فـالمـفـاوضـات الحالية لا تـدور فـــقـــط حـــــول أجــــهــــزة الــــطــــرد المــــركــــزي أو الــعــقــوبــات الاقـتـصـاديـة، بـل حـول النفوذ والـقـدرة على التأثير والإرادة الـسـيـاسـيـة وعــامــل الـــزمـــن. والـــســـؤال الــذي يواجه جميع الأطـــراف ليس: مَــن يملك أوراقـــا أكثر، بل مَن يستطيع تحويل أوراقه إلى مكاسب مستدامة قبل أن تتحول تلك الأوراق نفسها إلى عبء. آخر الكلام: قد يأتي يوم تكتشف فيه الدول أن أصعب ما في بناء النفوذ ليس توسيعه، بل تحمل تكلفته. هل أصبح النفوذ الإيراني عبئا عليها؟ OPINION الرأي 15 Issue 17364 - العدد Saturday - 2026/6/13 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky