لقد تجلَّت بالفعل وعــود ومخاطر الدبلوماسية الـــكـــرويـــة خــــال بــطــولــة كــــأس الــعــالــم لـــكـــرة الـــقـــدم الـتـي يـــونـــيـــو (حـــــزيـــــران) - وذلــــــك فـي 11 سـتـنـطـلـق غـــــدا فــــي ديـسـمـبـر (كـــانـــون الأول) المــاضــي - خـــال الــقــرعــة التي أقيمت في مركز ترمب (كينيدي) في واشنطن. وقـد اعتلى المنصة ثلاثة من قــادة العالم يمثلون الــــدول المضيفة للبطولة فــي أول نسخة ثـاثـيـة الـــدول لــكــأس الــعــالــم: الأمــيــركــي دونـــالـــد تـــرمـــب، والمكسيكية كلوديا شينباوم، والكندي مارك كارني. ولم تكن هناك أي مشاعر ود متبادلة بين ترمب والزعيمين الآخرين، بعد أن لمّح سابقا إلى تدخل عسكري في المكسيك وضم كــنــدا، تـمـاشـيـا مــع الهيمنة عـلـى نـصـف الــكــرة الغربي بأكمله، من فنزويلا وكوبا إلى غرينلاند. وعـنـدمـا مـنـح الاتــحــاد الــدولــي لـكـرة الــقــدم (فيفا) للمستضيفين 2026 حـق استضافة كــأس الـعـالـم لـعـام الثلاثة خـال الـولايـة الأولـــى لترمب، كـان مـن المفترض أن يسلط تعاونهم الضوء على التكامل في قارة أميركا الشمالية؛ وكـان الشعار الأولــي المتفائل هو «متحدون ككيان واحد». بـيـد أن هــذا الـشـعـار لــم يـعـد يـبـدو مـنـاسـبـا، حيث حلت الحروب التجارية المتقطعة محل الأحلام القديمة بمنطقة التجارة الحرة. الشعار الرسمي لـ«فيفا» الآن ». وقد دخلت السياسات القارية في حالة 26 هو «نحن من الجمود. ومـع ذلـك، فـإن كـرة القدم تتيح فرصا دبلوماسية لا يمكن لأي محفل آخر - سـواء الأمـم المتحدة، أو حلف (الناتو)، أو البنك الدولي، أو (مجموعة العشرين)، أو أي شـــيء مــن هـــذا القبيل - أن يـقـدمـهـا. وهـــذا مــا حـدث بالفعل خلال تلك القرعة. إذ شاركت شينباوم وكارني بـروح رياضية وعزيمة كبيرة إلى جانب ترمب، وكانا يسحبان أسماء الدول لتوزيع المجموعات، وكأنهما في برنامج مسابقات تلفزيوني. ثم تراجع الثلاثة بعد ذلك إلى غرفة خاصة لإجراء محادثة ثلاثية. وبــهــذه الـطـريـقـة، تـعـد كـــرة الــقــدم مـثـالـيـة لتوفير ما يسميه الدبلوماسيون «العفوية المنظمة». ولطالما سـدت ريـاضـة تنس الطاولة والكريكيت وغير ذلـك من الرياضات فجوات الـعـداء، غير أن كـرة القدم فريدة من نوعها؛ لأن قطاعا هائلا من البشرية يعشقها. ويقول ترافيس ميرفي، المـسـؤول المخضرم السابق فـي وزارة الــخــارجــيــة الأمــيــركــيــة، الــــذي يــديــر الآن شــركــة لتعزيز الدبلوماسية الـريـاضـيـة، إن المشجعين والـاعـبـن في المـدرجـات وعلى أرض الملعب «يفرقهم قميص الفريق، ويــوحــدهــم شـغـفـهـم بــالــريــاضــة». ويـضـيـف مـيـرفـي أن كرة القدم، في الأجنحة المخصصة لكبار الشخصيات، هي «الأداة الأكثر موثوقية لجمع الشمل على الساحة الدولية». بيد أنه لا يزال يتعين على القادة إدراك قيمة هذه الأداة بصفتها هــذه، وحتى ذلـك الحين، فإنهم بحاجة إلى موهبة وحنكة في استخدامها. ويــمــكــن لـلـدبـلـومـاسـيـة الـــكـــرويـــة أيــضــا أن «تــأتــي بـنـتـائـج عــكــســيــة»، حـسـبـمـا أخــبــرتــنــي هـــيـــذر ديـخـتـر، الأسـتـاذة في جامعة دي مونتفورت البريطانية، التي تـولـت حرفيا تحرير كـتـاب عـن الدبلوماسية الكروية. ومثلما يمكن لهذه الرياضة أن تضفي طابعا إنسانيا عـلـى الـخـصـوم وتــذيــب جليد الـــحـــروب الـــبـــاردة، فإنها يمكنها أيضا أن تؤجج النزعات النرجسية والقومية. ويــزخــر الـتـاريـخ بكثير مــن الأمـثـلـة عـلـى النتائج الإيـــجـــابـــيـــة والــســلــبــيــة، ولـــكـــن الــكــفــة تــمــيــل أكـــثـــر نحو الـنـتـائـج الإيــجــابــيــة. إذ أثـبـتـت كـــرة الــقــدم قـوتـهـا لأول مـــرة فــي تـسـامـي الــنــزاعــات الـوطـنـيـة خـــال «هــدنــة عيد ، عندما توقف الجنود الألمان 1914 الميلاد» الشهيرة عام والإنجليز فـي الـحـرب العالمية الأولـــى عـن إطـــاق النار مـؤقـتـا ولـعـبـوا مـــبـــاراة وديـــة بــن الــخــنــادق. ومـنـذ ذلـك الـحـن، اسـتـخـدمـت أمــم كـثـيـرة كــرة الــقـدم للتغلب على الضغائن القديمة. ، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية 2008 وفي عام تربط بين تركيا وأرمينيا، وكانت حدة الانقسام بينهما مـريـرة جــراء الإبـــادة الجماعية التي ارتكبت فـي العهد العثماني. ولكن بعد ذلك، دعا الرئيس الأرميني نظيره التركي لمشاهدة مباراة التأهل بين بلديهما لكأس العالم المقبلة. وأدى ذلك إلى أول تبادل للزيارات الرسمية وإلى مــا عُـــرف بـــ«بــروتــوكــولات زيـــوريـــخ»، الـتـي بـــدأت مسار تطبيع العلاقات الثنائية. وقــد أعـقـب ذلــك ذوبـــان الجليد فـي حـــالات مماثلة بـــعـــد المــــبــــاريــــات الــــتــــي جـــمـــعـــت بــــن الـــكـــوريـــتـــن وبـــن الألمانيتين في أثناء الحرب الباردة وبعدها. ويحمل رمز الاستضافة المشتركة قوة وتأثيرا خاصاً؛ إذ لم يحدث هذا سوى مرة واحـدة من قبل، عندما تعاونت اليابان ،2002 وكـــوريـــا الـجـنـوبـيـة لـتـنـظـيـم كـــأس الــعــالــم لــعــام متغلبتين عـلـى تــاريــخ مــؤلــم مــن الـــصـــراع، وممهدتين الطريق لشراكتهما المتطورة. ولعل المثال الأكثر دفئا - في سياق الحرب المستمرة في الشرق الأوسـط - هو تلك المباراة التي أقيمت خلال في فرنسا بين الولايات المتحدة 1998 كأس العالم لعام وإيــــران اللتين كانتا عـدوتـن رسميتين آنـــذاك كما هي حالهما الآن. وقد دخل اللاعبون إلى الملعب وسط حالة عــارمــة مــن الـقـلـق والــتــرقــب الـــعـــام، ولـكـن بـــدلا مــن ذلــك، تــمــازج لاعـبـو الـفـريـقـن مـعـا لالـتـقـاط صـــورة مشتركة، وقدم الإيرانيون الورود البيضاء للأميركيين؛ فشعر كل مـن كــان داخــل الاسـتـاد وخـارجـه - باستثناء آيــات الله ربـمـا - ببريق مـن الإنسانية يـلـوح فـي الأفـــق. ورغـــم أن ، كان المنتصر 1 - 2 النتيجة انتهت بفوز إيران بنتيجة الحقيقي كرة القدم. بـيـد أنـــه عـنـدمـا تـسـيـر الأمـــــور عـلـى نـحـو خـاطـئ، ، التقى 1969 فـإنـهـا تـنـحـرف نـحـو الأســــوأ تـمـامـا. عـــام فريقا هندوراس والسلفادور في استاد أزتيكا الشهير في مكسيكو سيتي، وهو الاستاد نفسه الذي يستضيف مباراة الافتتاح هذا العام بين المكسيك وجنوب أفريقيا. وكانت العلاقات متوترة بالفعل بين الجارتين، بسبب هجرة المزارعين المعدمين من السلفادور إلى هندوراس بـــحـــثـــا عــــن الأراضــــــــــي الـــشـــحـــيـــحـــة. وبــــعــــد أن انـــتـــزعـــت في شوط إضافي، 2 - 3 السلفادور فوزا صعبا بنتيجة اشــتــعــلــت الــــجــــذوة والـــنـــعـــرات الــقــومــيــة لـــدرجـــة دفـعـت البلدين إلى خوض حرب استمرت أربعة أيام. ، فقد أدى الأمر 2026 وبالنسبة لكأس العالم لعام إلـى ترتيبات غير مألوفة سيمكث بموجبها اللاعبون الإيرانيون في المكسيك خلال فترة البطولة، ويتنقلون منها لخوض مبارياتهم الثلاث في الـولايـات المتحدة. كما فـرض ترمب قيودا مشددة على تأشيرات الدخول وغيرها من القيود على المشجعين المقبلين من كثير من الدول المشاركة في منافسات البطولة. ومع ذلك، فقد حققت كرة القدم في السابق إنجازات أبعد من أن تُصدق في تحقيق التناغم والوفاق. ولا يزال بإمكان تـرمـب، وكـارنـي، وشينباوم، وكثير مـن القادة الآخـــريـــن الـــذيـــن ســيــأتــون لـتـشـجـيـع فــرقــهــم، اسـتـغـال كـأس العالم هـذه لبدء محادثات ونقاشات من شأنها أن تجعل الـعـالـم أكـثـر سـامـا. والــشــرط فـي ذلــك هـو أن يدركوا جميعا أن الرياضة تدور حول الزمالة والرفقة لا السيطرة والهيمنة، وعن الاحتفاء بالإنسانية بدلا من تملق غرور أي قائد بعينه. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» لـــم يــعــد الـــبـــرنـــامـــج الــــنــــووي الإيــــرانــــي مـجـرد مـــشـــروع تــقــنــي مــرتــبــط بــالــطــاقــة أو حــتــى بــورقــة تفاوضية تُستخدم في مواجهة الغرب، بل تحوّل مــــع مــــــرور الــــســــنــــوات جــــــزءا مــــن الـــبـــنـــيـــة الـنـفـسـيـة والــســيــاســيــة لــلــنــظــام نــفــســه، حــتــى بــــدا كــــأن بـقـاء السلطة بات مرتبطا بقدرتها على الحفاظ على هذا «الإنجاز الاستراتيجي» بوصفه آخر أوراق الهيبة والــقــوة بعد تـآكـل معظم أدوات الـنـفـوذ التقليدية في المنطقة. فمنذ سنوات طويلة، حرصت طهران على تقديم مشروعها النووي للرأي العام الداخلي والإســـامـــي عـلـى أنـــه مـــشـــروع «مـــقـــاومٌ» يستهدف كـسـر الـتـفـوق الإســرائــيــلــي، بــل أوحــــت أحـيـانـا بـأن امــــتــــاك الــــســــاح الـــــنـــــووي - إن حــــــدث - ســيــكــون خطوة في طريق «إزالــة إسرائيل» أو خلقا لتوازن رعـب معها. غير أن الـقـراءة الأعمق لسلوك النظام الإيـــرانـــي تـكـشـف عـــن أن الـقـضـيـة أبــعــد مـــن مـجـرد صراع مع إسرائيل، وأقرب إلى سباق جيوسياسي وهـويـاتـي مـع قــوى إقليمية وإسـامـيـة أخـــرى، في مقدمتها باكستان؛ الدولة الإسلامية الوحيدة التي نجحت فعليا في امتلاك السلاح النووي. هـنـا تــحــديــدا تـكـمـن الــعــقــدة الإيـــرانـــيـــة الأشـــد حساسية، فطهران الـتـي قـدّمـت نفسها منذ ثـورة بوصفها «قـائـدة العالم الإسـامـي الـثـوري»، 1979 وجــدت نفسها أمــام حقيقة استراتيجية محرجة: الـــدولـــة الإســـامـــيـــة الـــوحـــيـــدة الــتــي دخــلــت الــنــادي الـــــنـــــووي لــيــســت إيـــــــــران، بــــل بـــاكـــســـتـــان؛ الـحـلـيـف الـتـقـلـيـدي لــلــغــرب والـــصـــن والــخــلــيــج فـــي مــراحــل مختلفة. ولـهـذا؛ يـبـدو أن جـــزءا مهما مـن الإصـــرار الإيـــرانـــي عـلـى الـتـخـصـيـب الــعــالــي لا يـرتـبـط فقط بالردع تجاه إسرائيل أو أميركا، بل أيضا بالرغبة فــي نـيـل لـقـب «الـــقـــوة الإســامــيــة الــنــوويــة الأبــــرز»، أو على الأقـل في خلق تــوازن نفسي واستراتيجي داخل العالم الإسلامي. هـــذه الـنـقـطـة نـــــادرا مـــا تُــنــاقَــش بــصــراحــة في الإعـام الإيراني أو العربي؛ لأن الخطاب التعبوي المـــوجّـــه لـلـجـمـهـور يـفـضّــل إبــقــاء المـــشـــروع الــنــووي ضــمــن إطــــار «الــقــضــيــة الـفـلـسـطـيـنـيـة» و«مــواجــهــة إســـــرائـــــيـــــل»... وهـــــي شــــعــــارات أقــــــدر عـــلـــى الـحـشـد العاطفي والشعبي، بينما الحقيقة الأشـد تعقيدا تكمن فــي طبيعة الــصــراع الـطـائـفـي عـلـى الـزعـامـة الإقليمية والرمزية الحضارية داخل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فالدول لا تنفق مئات المليارات، وتتحمل عقوبات خانقة عقوداً، وتغامر بمستقبل أجيال كاملة، فقط من أجل شعارات آيديولوجية... هناك دائـمـا حسابات قـوة ومكانة وهيبة ونفوذ، وإيران ليست استثناء من هذه القاعدة. لقد وصل البرنامج النووي الإيراني اليوم إلى مرحلة شديدة الحساسية، مع امتلاك طهران مئات الــكــيــلــوغــرامــات مـــن الـــيـــورانـــيـــوم المـخـصـب بنسبة عالية، وهي كمية يرى خبراء غربيون أنها تكفي - نظريا - لصناعة قنابل نووية عدة إذا اتُخذ القرار الـسـيـاسـي بــذلــك، وهـــذه الحقيقة تجعل مــن الملف الـــنـــووي أكــثــر مــن مــجــرد مــشــروع عـلـمـي؛ إنـــه بـات «ضمانة بقاء» للنظام نفسه. فالسلطة التي خسرت كـثـيـرا مـــن أوراقـــهـــا الإقـلـيـمـيـة، وتــعــرضــت أذرعــهــا المسلحة لضربات قاسية في أكثر من ساحة، تجد في اليورانيوم المخصب آخر مظاهر القوة الردعية القادرة على إبقاء واشنطن وتل أبيب والعالم في حالة حذر دائم منها. مـــن هـنـا يـمـكـن فـهـم سـبـب صـعـوبـة أن تسلّم طـــهـــران مـخـزونـهـا المــخــصــب، كـمـا يـتـصـور بعض الـــدوائـــر الــغــربــيــة، فـالمـسـألـة بـالـنـسـبـة إلـــى الـنـظـام لـيـسـت تــقــنــيــة، بـــل وجــــوديــــة ونــفــســيــة وســـيـــاديـــة. والـــتـــخـــلـــي عــــن هـــــذا المــــخــــزون يــعــنــي - فــــي الـــوعـــي العميق للسلطة - التخلي عـن آخــر عناصر الــردع وهـــيـــبـــة المــــشــــروع الــــثــــوري بـــعـــد تــــراجــــع كــثــيــر مـن أدواتـــه السياسية والعسكرية، بـل يمكن الـقـول إن النظام الإيـرانـي لم يعد يخصّب اليورانيوم فقط، بـل يخصّب أيـضـا فـكـرة بقائه واســتــمــراره، فكلما ارتـــفـــعـــت نــســب الــتــخــصــيــب، ارتـــفـــعـــت مــعــهــا قـــدرة الـنـظـام عـلـى تـسـويـق نفسه داخـلـيـا بـوصـفـه «قـــوة عظمى محاصرَةً»، قادرة على تحدي الغرب وإرباك إسرائيل وفرض نفسها لاعبا لا يمكن تجاوزه. لكن المفارقة أن هـذا «الإنـجـاز الـنـووي»؛ الذي يُــسـوَّق على أنـه انتصار قـومـيّ، تـحـوّل فـي المقابل عبئا اقتصاديا واستراتيجيا هائلا على الإيرانيين أنفسهم، فالعقوبات الطويلة، والعزلة، واستنزاف المــــــوارد، والـــتـــوتـــرات الـعـسـكـريـة المــســتــمــرة، دفـعـت أثمانَها قبل غيرها الطبقات الفقيرة والمتوسطة داخــــل إيـــــران، وهــنــا يـظـهـر الـتـنـاقـض الـعـمـيـق بين الـدولـة الطبيعية والـدولـة الآيديولوجية؛ فالأولى تــســأل: كـيـف نـحـسّــن حـيـاة الــنــاس؟ بينما الثانية تـسـأل: كيف نحافظ على المـشـروع «حتى لـو تآكل المجتمع تحت أقدامه»؟ وربـمـا لـهـذا السبب تـبـدو طـهـران الـيـوم أشد تمسكا ببرنامجها النووي من أي وقت مضى؛ لأن التراجع عنه لم يعد يُقرأ بوصفه تـنـازلا سياسيا فـــقـــط، بـــل هــزيــمــة رمـــزيـــة لــنــظــام بــنــى جـــــزءا كـبـيـرا مـن شرعيته على فـكـرة «الـصـمـود الـتـاريـخـي» في مـواجـهـة الــعــالــم. ومـــع ذلـــك، فـــإن الــتــاريــخ الحديث يقدّم دروسا قاسية بشأن «هوس القوة النووية»، فالقنبلة قــد تمنح الــدولــة ردعـــا وهـيـبـة، لكنها لا تبني اقتصاداً، ولا تُطعم شعباً، ولا تُنتج استقرارا دائـــمـــا، والاتــــحــــاد الــســوفــيــاتــي نـفـسـه امــتــلــك آلاف الرؤوس النووية، لكنه انهار من الداخل؛ لأن فائض القوة العسكرية لا يستطيع دائما إنقاذ الأنظمة من أزماتها البنيوية. أمـــا الـــشـــرق الأوســــــط، الــــذي يـئـن أصــــا تحت أعباء الحروب والانقسامات والطائفية والفقر، فلا يبدو بحاجة إلى سباق نووي جديد بقدر حاجته لمشروعات تنموية وعقلانية سياسية تعيد تعريف معنى القوة بعيدا عن أوهـام الإبـادة والانتصارات الآيــديــولــوجــيــة... فـحـن تـتـحـول الـقـنـبـلـة الـنـوويـة وسيلة لإطالة عمر الأنظمة بدل حماية الأوطان، لا يعود اليورانيوم مجرد عنصر كيماوي، بل يصبح وقـودا لإدامـة القلق التاريخي في منطقة لم تعرف السلام الحقيقي منذ عقود. هل ينتظر الاتحاد الأوروبــي المصير ذاتـه الـذي حل بالإمبراطورية الـرومـانـيـة؟ علامة استفهام ارتفعت في الأسابيع القليلة الماضية، بعد أن صـرح رئيس الـــوزراء الـتـشـيـكـي أنــــدريــــه بــابــيــتــش، فـــي حـــــوار لـــه مـــع صحيفة «فاينانشال تايمز» بأن: «الاتحاد ربما يسير على خطى الإمبراطورية الرومانية نفسها في نهاية وجودها». مـــا الـــــذي قـــصـــده بـابـيـتـش بـــهـــذا الــتــحــذيــر الـخـطـر؟ الـرجـل انتقد سياسات بروكسل المتعلقة بخفض معدل الانـبـعـاثـات الـكـربـونـيـة، عــــادَّا أن هـــذه الإجــــــراءات «تـدفـع الاقتصاد الأوروبي نحو الهاوية». يبدو خيار الطاقة النظيفة أو الـخـضـراء، بالنسبة للأوروبيين، خيارا حاسماً، في مواجهة أزمة الإيكولوجيا العالمية المتدهورة من جراء الاحتباس الحراري؛ وهو ما تجلى في تصريح المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية فالديس دومبر فسكيس في أبريل (نيسان) الماضي، بأن «أوروبـــــا لا تـنـوي الـتـخـلـي عــن أجــنــدة الـطـاقـة الـخـضـراء في مواجهة أزمـة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط». المثير في تصريحات بابيتش، ربطه بين استخدام الفحم، وصناعة الحديد والصلب، أم كل الصناعات، عادَّا أنها تنهار من جراء الاختيار الأوروبي. حديث الطاقة في الداخل الأوروبي في هذه الأوقات، مثير للشجون والمخاوف، لا سيما أنه يتم توليد نصف الـــكـــهـــربـــاء فــــي الاتــــحــــاد الأوروبـــــــــي مــــن مــــصــــادر الــطــاقــة المـتـجـددة؛ مـا يعني أن النصف الآخـــر لا بـد لـه مـن الغاز الــــروســــي، أو الــنــفــط الـــشـــرق أوســـطـــي، وكــاهــمــا يــواجــه عقبات في الإمداد. عطفا على ذلك، فإن شبكات الطاقة في أوروبا، غالبا عاماً، وهي في معظمها غير مصممة 40 يتجاوز عمرها لاستيعاب كميات كبيرة من الكهرباء الخضراء المولدة محلياً، ونقلها إلى حيث توجد حاجة إليها. وبالعودة إلى المقاربة أصل المقال، يمكن القطع بأن أزمة الطاقة لم تكن يوما من الأسباب التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية، وقد أرجعها المـؤرخ الإنجليزي )، إلـــى طـائـفـة من 1794 -1737( الأشـــهـــر إدوارد غـيـبـون الـغـزوات البرية، والفساد المالي والسياسي، عطفا على الاعتماد المفرط على المرتزقة، بجانب تشظي روح قادتها داخلياً؛ ما أشاع وأذاع الاضطرابات الاقتصادية. سؤال نهاية الاتحاد الأوروبـي، لا يزال يشغل عقول كثيرة، وهناك دراسات حديثة، ربما يتم استدعاؤها من الماضي إلى الحاضر؛ بغرض لا يبدو ظاهرا للعوام، لكنه لا يغيب عن أعين الإنتجلنسيا الأوروبية بنوع خاص. في أوائـل شهر مايو (أيـار) الماضي، خلصت دراسة جينية لسكان حـــدود الإمـبـراطـوريـة الـرومـانـيـة الغربية م، إلـــى أن تــحــولا حـــدث فــي التركيبة السكانية 476 عـــام لـإمـبـراطـوريـة الــرومــانــيــة، كـــان هــو الـسـبـب الـرئـيـس في انهيارها، بعد الاختلاط السلمي الـذي جـرت به المقادير بين السكان الرومان والأجانب. الـــدراســـة صــــدرت عــن جـامـعـة يــوهــان غـوتـنـبـرغ في ، وهـي واحـدة 1477 ماينتس بألمانيا، التي تأسست عـام من أكبر الجامعات وأعرقها هناك. المثير في هذه الدراسة، ميلها للقطع بأن مجموعات بشرية صغيرة، من الأقـارب، وأحيانا أفـراد، سارعوا إلى التزاوج من السكان المحليين؛ ما أسهم في تشكيل مجتمع جـديـد أكـثـر تـنـوعـا، وبــذلــك بـــدأت أجــنــاس غـيـر رومـانـيـة تتفاعل داخل الإمبراطورية عبر أعراف وتقاليد وأنساق حياة مغايرة؛ ما جعل روما العظيمة تتهاوى، ومن غير جحافل الجيوش الجرارة. يعن لنا هنا أن نتساءل: هل صدور هذه الدراسة أمر مقصود به البحث العلمي فحسب، أم جرس إنـذار، ينبّه إلى إمكانية تكرار الماضي، مرة أخرى؟ الــــجــــواب هـــنـــا يـــعـــود بـــنـــا إلـــــى إشـــكـــالـــيـــة مــــا تـطـلـق عـلـيـه بـعـض الأصـــــوات الأوروبـــيـــة والأمــيــركــيــة اليمينية «الاستبدال الكبير»، أي حلول شعب غريب محل شعوب أصـــيـــلـــة، ويـــبـــدو الــقــصــد الـتـنـبـيـه إلــــى أزمــــــات الـاجـئـن والمـهـاجـريـن، ونموهم وتـكـاثـرهـم، والكثير مـن القضايا الـهـويـاتـيـة الـتـي تنشأ عـلـى ضـفـاف عيشهم فــي الـداخـل الأوروبي. ويبدو هذا وهما كبيراً. هذا التيار تذكيه أفكار رجالات مثل الفرنسي، رينيه كـــامـــو، والــبــريــطــانــي نـايـجـل فــــــاراج، والأمـــيـــركـــي ستيف بـانـون، ومــن لــف لفَّهم ممن يقطعون بــأن مصير الغرب بــرمــتــه، ولــيــس مـصـيـر الاتـــحـــاد الأوروبــــــي فـحـسـب، بـات المكافئ الموضوعي لسقوط الإمبراطورية الرومانية. لكن قــراءة معمقة، تقطع بـأن أوجـه الشبه مختلفة؛ ذلك أن روما الماضي، كانت قوة مركزية توسعية، تمضي لــلــغــزو والــهــيــمــنــة عــلــى مـــا حــولــهــا؛ مـــا خــلــق مـنـافـسـات جيوسياسية، وصراعات اقتصادية، فتت في عضدها مع مرور الأيام. مــا يــهــدّد الاتـــحـــاد الأوروبــــــي، هــو تفككه الــداخــلــي، وعــدم مقدرته على اتفاق دولــه على الكثير من القضايا الخلافية، وربما العلاقات مع روسيا في مقدمها. وفي كل الأحــوال، فإن مفهوم الوحدة الأوروبية هو مفهوم ثقافي علماني بامتياز، بخلاف الطابع الديني لــإمــبــراطــوريــة الــرومــانــيــة. كـمـا أن نـشـأتـه كــانــت نتاجا لـتـحـالـفـات طـوعـيـة ومــعــاهــدات ولـيـسـت نتيجة لـحـروب غرور إمبريالي روماني. الخلاصة... التاريخ لا يعيد نفسه. Issue 17361 - العدد Wednesday - 2026/6/10 الأربعاء OPINION الرأي 14 إميل أمين *أندرياس كلوث مفهوم الوحدة الأوروبية هو مفهوم ثقافي علماني بامتياز طهران... حين يخصِّب اليورانيوم النظام الاتحاد الأوروبي ووهم «الاستبدال الكبير» الشرق الأوسط ليس بحاجة إلى سباق نووي بقدر حاجته إلى التنمية كفاح محمود كيف نجعل من كأس العالم انتصارا للدبلوماسية الكروية؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky