الثقافة CULTURE 18 Issue 17360 - العدد Tuesday - 2026/6/9 الثلاثاء ترك بلاده فرنسا بسبب الظلامية الأصولية حين كان ديكارت على حافة الجنون قــــــد نــــتــــوهــــم أحـــــيـــــانـــــا أن الـــفـــاســـفـــة يـــتـــوصـــلـــون إلـــــى الــحــقــيــقــة بــشــكــل جـــاهـــز، سـهـل، وهـــم جـالـسـون فــي بـرجـهـم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لـهـم إلا بـعـد مـعـانـاة داخـلـيـة طـويـلـة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت. مـن المعلوم أنـه تـرك بــاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمة عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقا في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو بــريــنــو بــعــد أن قــطــعــوا لــســانــه فـــي أقـبـيـة الـفـاتـيـكـان المـظـلـمـة. بـالـتـالـي فـمـن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هــذا الـجـو الـخـانـق المــرعــب. ويـبـدو أن أصــدقــاءه الباريسيين هـم الـذيـن نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لــم تـعـد مـلـكـا لنفسك فــقــط، إنــمــا أصبحت مـلـكـا لـلـبـشـريـة جـــمـــعـــاء. فـــي الــــواقــــع إنـهـم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كـانـت تهيمن آنــــذاك عـلـى بــاريــس وفرنسا كـــلـــهـــا. وهـــــي مـــخـــابـــرات فـــــوق بـــشـــريـــة، أي أخـــطـــر أنـــــــواع المــــخــــابــــرات. وأدركـــــــــوا أنــهــا ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هـو بالضبط، ومـــاذا يعتمل فـي داخـلـه من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعـي للبحث عن الحقيقة لأنـهـا مـــوجـــودة جــاهــزة فــي كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المـــغـــرور؟ لمـــاذا تضيع وقــتــك؟ لـهـذا السبب غـادر ديكارت فرنسا وعـاش معظم حياته خـارجـهـا. فـي ذلــك الـوقـت كــان هـنـاك بلدان يـتـمـتـعـان بـهـامـش كـبـيـر مـــن الــحــريــة هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سرا تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غـادر بـاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومة يوما ما بأصولية ظلامية مطبقة خـانـقـة تـشـبـه «طـــالـــبـــان» فـــي أفـغـانـسـتـان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئا ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة: يقولون لي من أنت في كل بلدة وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى (المتنبي) وعــلــى دروب الــتــجــوال والــتــرحــال في مختلف أنـحـاء أوروبــــا راح ديــكــارت «يقرأ الــعــالــم كــكــتــاب مــفــتــوح عــلــى مــصــراعــيــه». لاحـــظـــوا مـــا أجــمــل هــــذه الـــعـــبـــارة. لاحــظــوا شـــحـــنـــة الــــحــــريــــة الـــهـــائـــلـــة الــــتــــي تــنــطــوي عليها. فمتى سيلتقي ديـكـارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيـــتـــهـــا الــحــقــيــقــة يــــا أحـــلـــى عــشــيــقــة فـي التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بـمـرآك؟ ولكنه لـن يلقاها ولـن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألـــــف مــــوتــــة. فــالــحــقــيــقــة لا تــعــطــي نـفـسـهـا بسهولة. الحقيقة بخيلة جـدا وقـد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عدا ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال: فيا دارها بالحَزْن إن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال (المعري) ثم اشتدت الأزمــة الداخلية في أعماق ديــكــارت وتـفـاقـمـت واسـتـفـحـلـت. ثــم نهشه جـحـيـم الــشــك نـهـشـا حـتـى لـــم يـعـد يستقر على حـال. ولـم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهـنـاك الـشـك الـعـدمـي العقيم الـقـاتـل. وما أدراك مــا جحيم الــشــك؟ ثــم نـــزل عليه بـرد اليقين فـي آخــر لحظة. البعض يـقـول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل مــا لا تـحـمـد عـقـبـاه. مـتـى حـصـل ذلــــك؟ في نوفمبر (تـشـريـن الـثـانـي) مـن عام 10 ليلة سنة من الآن. وتقول لنا 400 ، أي قبل 1619 الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نـحـبـه فـــي تــلــك الـلـيـلـة الـــلـــيـــاء، حــيــث رأى ثـاثـة أحـــام مـرعـبـة هـزتـه هـــزاً. فاستيقظ مـذعـورا مرعوبا وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الـــحـــظ. وتـمـخـضـت فـــي نـهـايـة المـــطـــاف عن الــحــدث الأعــظــم: انـعـتـاق الــــروح وانـكـشـاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلــهــام الـصـاعـق الـــذي لا يـنـزل إلا على كـبـار الـعـبـاقـرة. عندئذ تجلت لـه الحقيقة الــتــي لا تـعـطـي نفسها إلا لـلـعـظـمـاء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يمينا بالله أنـــه سيحج إلـــى مـــزار الـسـيـدة الـــعـــذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيرا على الأقـــدام. وهـــي مــن أهـــم مـــــزارات الــحــج الكاثوليكية .1623 فـــي الـــعـــالـــم. وفــــى بـــنـــذره فــعــا عــــام هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية فـــــي الـــــغـــــرب لـــــم يـــكـــن عـــقـــانـــيـــا إلــــــى الـــحـــد الـــذي نـتـصـوره. أو قـل كــان عقلانيا تماما فيما يـخـص الــشــؤون الـبـشـريـة والأرضــيــة واكـتـشـاف قــوانــن الطبيعة والـــكـــون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تـــتـــجـــاوز أفــهــامــنــا وعـــقـــولـــنـــا. وربـــمـــا كــان يـشـعـر ضـمـنـا بـــأن الـعـنـايـة الإلـهـيـة تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بـأنـهـا تـطـل عليه مــن فـــوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحـقـق الاكـتـشـافـات الـكـبـرى الـتـي أضـــاءت للبشرية عتمات الطريق. عـــلـــى أي حــــــال لـــــم يـــســـتـــطـــع ديــــكــــارت الــتــوصــل إلــــى الـحـقـيـقـة إلا بـعــد أن خــاض المـــعـــركـــة مــــع ذاتـــــــه عـــلـــى المــــكــــشــــوف. لــذلــك وصـفـه هيغل بـأنـه «البطل المـقـدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الــشــخــصــيــة وحــقــيــقــتــه الــــجــــوهــــريــــة. وقـــد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الـشـهـيـر «مــقــال فــي المــنــهــج». وهـــو الـكـتـاب الــــذي نـتـجـت عـنـه كـــل الــحــضــارة الـحـديـثـة الــتــي نـعـرفـهـا الـــيـــوم: أي سـيـطـرة الإنــســان عـلـى الطبيعة وانــتــصــاره عليها بواسطة الـعـلـم والـتـكـنـولـوجـيـا. قـــال فــي اعـتـرافـاتـه الـشـخـصـيـة مـــا مــعــنــاه: «كــنــت كـمـن يتقدم وحـــيـــدا فـــي بـحـر مـــن الــظــلــمــات. كـنـت كمن يـمـشـي عـلـى خـيـط رفــيــع جـــدا جــــداً، ويـكـاد أن يـسـقـط فــي أي لـحـظـة. كـنـت عـلـى وشـك السقوط فـي هـاويـة سحيقة، ولا قــــرار...»، لكنه لـم يسقط إنـمـا وصــل إلــى بـر الأمـــان. أخيرا وصل رينيه ديكارت. بـعـد أن انكشفت لــه الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهــواجــســه الـجـنـونـيـة، بـعـد أن حـقـق أكبر انــــتــــصــــار عـــلـــى مـــجـــهـــول المــــجــــاهــــيــــل، قـــرر ديـكـارت أن يقطع مع أفـكـاره السابقة التي تـلـقـاهـا مــن الـعـائـلـة والمـــدرســـة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كـل فلسفة الـقـرون الوسطى اللاهوتية الــكــهــنــوتــيــة الـــتـــكـــراريـــة الاجــــتــــراريــــة. ومــن تلك اللحظة ابـتـدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حــســن عــنــدمــا كــــان فـــي بـــاريـــس وأشـعـلـت شــــــرارة الــتــنــويــر الـــعـــربـــي. يـــقـــول ديـــكـــارت بـــــالـــــحـــــرف الـــــــواحـــــــد فــــــي كــــتــــابــــه الـــعـــظـــيـــم «الــــتــــأمــــات الــــديــــكــــارتــــيــــة» أو «الـــتـــأمـــات الميتافيزيقية»: «كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الـخـاطـئـة فـــي ســـنـــوات عــمــري الأولــــــى. لقد تلقيتها على أســاس أنها صحيحة تماما ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بـعـد أن كـــل مـــا أسـسـتـه عـلـى هـــذه المــبــادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوها جـدا ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قــررت أن أدمر كل أفكاري السابقة». لاحـــظـــوا مــــدى خـــطـــورة هــــذه الــعــبــارة الأخـيـرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف الــعــربــي ارتـــجـــافـــا. مـــن يـسـتـطـيـع أن يلفظ عـــبـــارة كـــهـــذه: «قـــــررت أن أدمــــر كـــل أفــكــاري الـتـراثـيـة والمــاضــويــة والـرجـعـيـة الـسـابـقـة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قـررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة الــتــي تـربـيـت عـلـيـهـا مـنـذ نـعـومـة أظــفــاري وتـــشـــربـــتـــهـــا مــــع حـــلـــيـــب الـــطـــفـــولـــة؟ وهـــي أفــكــار تكفر الآخــريــن وتـبـيـح دمـهـم شـرعـا. سوف يتهمونه فورا بالخروج على ثوابت الأمـة ومقدساتها. وهـذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيدا أكثر في تفكيك الـعـقـائـد الـتـراثـيـة الـتـكـفـيـريـة. على هـــذا الـنـحـو أشــرقــت علينا أنــــوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى. أخيرا كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعا على مـسـرح الـتـاريـخ»، وكـــان يقصد بـذلـك أنه لا يستطيع الكشف عـن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى. ديكارت هاشم صالح لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر» «الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية صدرت حديثا عن منشورات «رامينا» فـــي لـــنـــدن، روايـــــة «الـــزمـــن الـــبـــرّي» لــلــروائــي والقاص السوري حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عـــالمـــا روائــــيــــا مــشــبــعــا بــــالــــذاكــــرة والــحــنــن والأســـئـــلـــة الـــوجـــوديـــة الـــتـــي تــتــقــاطــع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن. مـنـذ الـصـفـحـات الأولـــــى، يـضـع حسين سليمان قارئه داخـل فضاء روائــي تتداخل فــيــه الـــواقـــعـــيـــة مـــع الـــتـــأمـــل، وتـــتـــجـــاور فيه الـــحـــيـــاة الـــيـــومـــيـــة مــــع طـــبـــقـــات عــمــيــقــة مـن الـذاكـرة الفردية والجماعية. تـدور الأحـداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجيا إلى مسرح واسع لاســـتـــكـــشـــاف الــــعــــاقــــات الإنـــســـانـــيـــة، وأثــــر الـزمـن فـي البشر والأمـكـنـة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال. تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والــنــهــر والــــبــــراري، حــامــلــة أسـئـلـة تـتـجـاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الـشـخـصـيـة، يـنـسـج الــكــاتــب شـبـكـة واسـعـة مـــن الــعــاقــات الــتــي تـضـم الآبـــــاء والأمـــهـــات والأجــــداد والأقـــــارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان. ويمنح حسين سليمان للمكان حضورا استثنائيا في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والــــذكــــريــــات والــــــرمــــــوز. الـــســـطـــوح والأزقــــــة والبيوت القديمة والنهر والــبــراري تشارك جــمــيــعــهــا فــــي تــشــكــيــل المــــعــــنــــى، وتـــتـــحـــول إلـــى عـنـاصـر فـاعـلـة فــي الــســرد، تحمل آثــار مــن مــــرّوا بـهـا وتحتفظ بــأصــداء أصـواتـهـم وحكاياتهم. ومــــــن أبــــــــرز مــــامــــح الـــعـــمـــل انـــشـــغـــالـــه بـفـكـرة الـــزمـــن، الــــذي يـتـحـرك فـــي اتـجـاهـات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين مــا حـــدث ومـــا يمكن أن يــحــدث. لـذلـك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات فـــــي الـــــوعـــــي الإنـــــســـــانـــــي، وفـــــــي الــــعــــاقــــات الـعـائـلـيـة، وفـــي صــــورة الإنـــســـان عـــن نفسه وعن العالم المحيط به. ويـتـوقـف الـنـص طـويـا عند موضوع الـحـب بمستوياته المختلفة؛ حـب العائلة، وحـب الأرض، وحـب الإنـسـان لـآخـر، وحب الــحــيــاة ذاتـــهـــا. وتـــأتـــي هــــذه الـثـيـمـة ضمن ســــيــــاق تـــأمـــلـــي يــــربــــط الـــعـــاطـــفـــة بـــالـــذاكـــرة والإيــمــان والـبـحـث الــدائــم عـن المـعـنـى. لذلك تـــكـــتـــســـب الـــشـــخـــصـــيـــات أبـــــعـــــادا إنـــســـانـــيـــة تـتـجـاوز أدوارهـــــا المــبــاشــرة داخــــل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة. يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كــثــيــفــة ومـــشـــحـــونـــة بـــالـــتـــأمـــات والــــصــــور والاســتــعــادات الـزمـنـيـة. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الـفـلـسـفـيـة والــوجــدانــيــة الــتــي تـمـنـح الـنـص طــابــعــه الــــخــــاص. كــمــا تـتـكـئ الــــروايــــة على حــــــوارات داخــلــيــة وأســئــلــة مـفـتـوحـة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث. وتـكـشـف الـــروايـــة عــن اهـتـمـام واضــح بـــالـــعـــالـــم الـــداخـــلـــي لــلــشــخــصــيــات، حـيـث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم مــتــعــدد الـــطـــبـــقـــات، يــفــتــح أبــــوابــــا واســعــة لـلـتـأمـل فـــي الإنـــســـان ومــصــيــره وعـاقـتـه بالماضي والحاضر. لندن: «الشرق الأوسط» الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية فـــــــي روايــــــــتــــــــه «كـــــل شــــيء مـــيـــت»، الـــصـــادرة عـــــــــن دار «الـــــــعـــــــربـــــــي» بـــــــالـــــــقـــــــاهـــــــرة، تــــرجــــمــــة مــــحــــمــــد عــــبــــد الــــعــــزيــــز، يتقن الكاتب الآيرلندي جـــــــــون كـــــونـــــولـــــي رســـــم ملامح شخصية المحقق الــــــســــــابــــــق فــــــــي شــــرطــــة نيويورك تشارلي باركر الـــــذي يــجــد نــفــســه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الـــــصـــــغـــــيـــــرة، فـــيـــمـــتـــزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام. وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثـر فتاة مفقودة، يــجــد بـــاركـــر نـفـسـه وقــــد عــــاد مــــرة أخــــرى إلــــى عــالــم يــمــأه الـقـتـل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطا ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد. هـــكـــذا بـــمـــســـاعـــدة عـــالمـــة نـــفـــس شـــابـــة واثــــنــــن مــــن المــجــرمــن المحترفين، ينطلق باركر باحثا عن الحقيقة، متورطا في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبـواب الجحيم عــلــى الـــقـــاتـــل المـتـسـلـسـل المــــعــــروف بـــاســـم «الــــرجــــل المـــســـافـــر»، في نـص مليء بــالإثــارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية. ورغـــم أجـــواء الـتـشـويـق، فــإن المـؤلـف يمنح الـجـانـب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماما واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخــفــاق العاطفي وذكــريــات المشاعر الـقـديـمـة الـتـي يـظـن أصـحـابـهـا أنـهـا اخـتـفـت إلــى الأبــــد، غـيـر أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية. ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الـجـمـيـع، وتـظـهـر فــي مــواقــف بعينها فــي إطــــار عـــام مــن الخيبة والخذلان. ، واشتُهر 1968 مـايـو (أيــــار) عــام 31 وُلـــد جــون كـونـولـي فـي بسلسلة روايــاتــه مـن بطولة المحقق الـخـاص «تـشـارلـي بـاركـر». درس اللغة الإنجليزية وآدابــهــا فـي كلية «ترنينتي» فـي دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سـرعـان مـا أحـس بالإحباط مـن عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية. ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصا متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتبا جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتبا تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنبا إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي. رأيت أيضا جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جـوائـز حصل عليها والـتـر فـي الـرمـايـة، وقــد وُضـعـت الـجـوائـز دون تنسيق وكـأنـه شعر بـالـحـرج جـــراء افـتـخـاره بـقـدراتـه. كــان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائـح الحشائش المقصوصة للتو، وأصــوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ. دخـلـت زوجــتــه لــي إلـــى الــوكــر عـبـر الـــبـــاب، مـضـى عـلـى زواجـهـا بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معا باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنـا وســوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصا أبيض وجينز أسود أظهرا قواما لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky