issue17360

تـتّــسـم الآيـديـولـوجـيـة الـتـاريـخـيـة فــي أميركا الـــاتـــيـــنـــيـــة (وأمـــــيـــــركـــــا الـــجـــنـــوبـــيـــة) بـــالـــتـــقـــلّـــبـــات والانقسامات الجنوبية؛ فهي تترنّح بين الأنظمة الـــشـــعـــبـــويـــة الــــيــــســــاريــــة تـــــــــارة، والـــديـــمـــقـــراطـــيـــات الـــلـــيـــبـــرالـــيـــة تــــــــارة أخــــــــرى. كـــمـــا تـــتـــأثـــر بـــالـــصـــراع الـــجـــيـــوســـيـــاســـي الــــدولــــي بــــن الـــــولايـــــات المــتــحــدة والــــصــــن الــــــذي أصـــبـــح الـــشـــريـــك الـــتـــجـــاري الأول والمــســتـثـمــر الأكـــبـــر فـــي الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة والمــــــوارد الطبيعية فــي مـعـظـم دول أمـيـركـا الـجـنـوبـيـة، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تعزيز حضورها وإقــصــاء الـنـفـوذ المـنـافـس لاسـتـعـادة السيطرة في نصف الكرة الغربي. كذلك تلعب المنظمات الدولية، والـــســـوق الأوروبـــيـــة المـشـتـركـة لأمـيـركـا الجنوبية (مـيـركـوسـور)، دورا كبيرا فـي تشكيل السياسات الاقتصادية والدبلوماسية المشتركة. تــقــع بـولـيـفـيـا فـــي وســــط أمــيــركــا الـجـنـوبـيـة، وهي دولة متعدّدة القوميّات، وتُعد خامسة كبرى دول الـــقـــارة مـسـاحـة بـعـد الـــبـــرازيـــل، والأرجــنــتــن، وكولومبيا. تــعــود جــــذور الأزمــــة بــن بـولـيـفـيـا والـــولايـــات المـــتـــحـــدة إلــــى الـــتـــدخـــات الأمـــيـــركـــيـــة الــســابــقــة في الشؤون الداخلية البوليفية، وصـراع النفوذ حول الــحــرب عـلـى المـــخـــدرات، والــتــوجّــهــات الاشـتـراكـيـة لـقـادة بوليفيا الـتـي أدّت إلــى قطيعة دبلوماسية عاماً، حيث بــدأت فعليا منذ القرن 17 دامــت نحو العشرين، تحديدا في إطار «دبلوماسية الدولار». ومبدأ مونرو هو سياسة خارجية أعلنها الرئيس ، وتنص على أن أي تدخل 1823 جيمس مونرو عام اسـتـعـمـاري أوروبـــــي فــي دول الأمـيـركـتـن (نصف الــــكــــرة الــــغــــربــــي)، ســـيُـــعـــد تـــهـــديـــدا لـــأمـــن الــقــومــي للولايات المتحدة، حيث مارست الولايات المتحدة نــفــوذهــا الــســيــاســي والاقـــتـــصـــادي عــلــى قـطـاعـات اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة مـــثـــل الـــتـــعـــديـــن. وتــــصــــاعــــدت حـــدة التدخلات لاحقا خـال «الـحـرب الــبــاردة» للوقوف فـي وجــه وصــول الـتـيـارات اليسارية إلــى السلطة، وقـــد دعــمــت وكــالــة المــخــابــرات المــركــزيــة الأمـيـركـيـة ) العمليات العسكرية المناهضة للشيوعية، CIA( التي تُوّجت بمحاصرة وإعدام الثوري تشي غيفارا .1967 عام ولكن مع وصـول إيفو موراليس إلـى السلطة الـتـي استمرت 2006 وتـسـلّــمـه ســـدة الــرئــاســة عـــام ، أخــــــــذت المــــشــــاكــــل الـــتـــاريـــخـــيـــة 2019 حـــتـــى عــــــام الـسـيـاسـيـة والـــتـــوتـــرات الـدبـلـومـاسـيـة، فــي أواخـــر فترته الرئاسية، تتفاقم بين إدارة الرئيس الأميركي دونــالــد تـرمـب والـــدولـــة البوليفية بشكل أسـاسـي فـي تـصـادم الـــرؤى الآيـديـولـوجـيـة والـتـدخـات في الـــشـــؤون الـداخـلـيــة الـبـولـيـفـيـة، وظــهــرت بـوضـوح خـــال فـتـرتـي الـــولايـــة الأولـــــى والــثــانــيــة، ووصـلـت ،2019 أكتوبر (تشرين الأول) عـام 20 ذورتـهـا فـي بــعــد أن اعـــتـــرضـــت واشـــنـــطـــن وإدارة تـــرمـــب على نتائجها، وعدّتها «غير ديمقراطية». وهكذا فإن حكم موراليس لم يدُم طويلاً، بعد أن قدّم استقالته ، بسبب 2019 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 10 في الــضــغــط الـشـعـبـي والــعــســكــري ورفــــض المــعــارضــة لنتائج الانتخابات الرئاسية. وهــــكــــذا، فـــــإن ســـبـــب الــــخــــاف الآيـــديـــولـــوجـــي بـن الإدارة الأميركية والـرئـيـس تـرمـب، والرئيس الأســـبـــق إيــفــو مـــورالـــيـــس، يـتـمـحـور حـــول الــصــدام بين الاشتراكية والسياسات المناهضة للإمبريالية والـــســـيـــاســـات الـــرأســـمـــالـــيـــة الــيــمــيــنــيــة المـــتـــطـــرّفـــة. لــــذا، عــــدّت واشـنـطـن اسـتـقـالـة مــورالــيــس انـتـصـارا لـلـديـمـقـراطـيـة، بينما نــــدّدت الــحــركــات الـيـسـاريـة، 2019 ووصـــفـــت إطـــاحـــة الـــرئـــيـــس مـــورالـــيـــس عــــام بالانقلاب المدعوم أميركياً. ،2026 ) تشهد بوليفيا منذ أوائــل مايو (أيـــار وفــــي عــهــد الـــرئـــيـــس الــبــولــيــفــي الـيـمـيـنـي الــحــالــي رودريغو باز، مظاهرات شعبية تقودها النقابات العمالية وعمّال النقل والمناجم والمعلمون، وتعود أسـبـابـهـا بـشـكـل رئـيـسـي إلـــى مـطـالـب اقـتـصـاديـة، لـتـتـحـول إلــــى مــطــالــب سـيـاسـيـة تــطــالــب بـإسـقـاط الحكومة. وتتلخص أبرز المطالب الاقتصادية في زيادة الــرواتــب، وتوفير إمـــدادات وقــود وطـاقـة مستقرة، وإلغاء الإصلاح الزراعي، ووضع حد لنقص الغذاء والدواء وغيرها... وقـــــــد تــــحــــوّلــــت الاحـــــتـــــجـــــاجـــــات إلـــــــى ثـــــورة عـــارمـــة جـعـلـت مـــن مــديــنــة لابــــاز ســاحــة مـعـركـة، عــلــى الــــرغــــم مــــن أن الـــرئـــيـــس بـــــاز قــــــدّم تـــنـــازلات 24 بـالإصـاح الــزراعــي، وتخفيض راتـبـه البالغ دولار 3500 ألـف بوليفيانو، أي مـا يـــوازي نحو أميركي، إلى النصف، لتهدئة غضب المتظاهرين؛ لكن من دون جدوى. كـــــان الاقــــتــــصــــاد فــــي عـــهـــد الـــرئـــيـــس الــســابــق ) في 2019 - 2006( اليساري الاشتراكي موراليس طـــور ازدهــــار اقـتـصـادي واجـتـمـاعـي غـيـر مسبوق فـي المـائـة، وتأميم 4.6 تميّز بنمو قــوي بلغ نحو المــوارد الطبيعية الاستراتيجية (الغاز الطبيعي) وانخفاض حاد في معدلات الفقر المدقع، وتضاعف الـــنـــاتـــج المـــحـــلـــي الاجـــتـــمـــاعـــي ثـــــاث مـــــــرات، ورفــــع في 80 فــي المــائــة إلـــى نـحـو 22 عــائــدات الــدولــة مــن المائة، وزيادة الاعتماد على التصدير، مما أدّى إلى زيادة احتياطات النقد والعملة الصعبة، ولكن على الرغم من ذلـك، فقد رافقت ذلـك انعكاسات سلبية؛ مـن أهمها عرقلة الاستثمارات الخارجية وزيــادة الاعـتـمـاد على اسـتـخـراج المـــوارد الطبيعية (الـغـاز الطبيعي). مـن الـافـت أن الاقـتـصـاد البوليفي وصــل إلى حافّة الانهيار قبل وصول الرئيس باز إلى السلطة وتوليه الرئاسة، وذلك نتيجة لاعتماد الدولة بشكل مفرط على استخراج وتصدير الغاز الطبيعي، مما أدّى إلى نضوب تدريجي لحقول الغاز وانخفاض الإيرادات والنقد الأجنبي، كما أدّى إلى عجز الدولة عن تمويل واردات الوقود والغذاء والــدواء بسبب شـــح الـعـمـات الأجـنـبـيـة، وتـضـخّــم تـخـطّــى حاجز فـــي المـــائـــة فـــي المــــائــــة، وشـــلـــل فـــي الــقــطــاعــات 20 الـــــــ التجارية والاستثمارية. لقد ورث الرئيس رودريــغــو بــاز هــذه التركة، فـهـل سـيـتـمـكـن مـــن الاســـتـــمـــرار فـــي الــحــكــم، وحـمـل هـذا الإرث المـشـؤوم بعد رفـع الدعم عن المحروقات وتطبيق إجراءات تقشّفية قاسية؟! Issue 17360 - العدد Tuesday - 2026/6/9 الثلاثاء وصل العهد الجديد برمزه الرئيس جوزيف عون، ورئـيـس الحكومة نــواف ســام، بأجندة مغايرة لكل ما عـرفـه لبنان منذ ربــع قـــرن ونـيـف. انتهى زمــن الثلاثية الكارثية: «شعب وجيش ومـقـاومـة»، ورسـمـت الهزيمة المروعة، التي نجمت عن زج النظام الإيراني، عبر وكيله المحلي، لبنان قسرا في حرب «إسناد» غـزة، معالم هذه الأجـــنـــدة، الــتــي تُــفـضـي إلـــى احــتــكــار الـسـلـطـة الـشـرعـيـة «العنفَ»، فتستعيد مكانتها بصفتها مرجعية وحيدةً، وتُــســتــعــاد مـعـهـا الـــدولـــة الـــقـــادرة عـلـى حـمـايـة أبـنـائـهـا وأرضها. حـمـل «اتـــفـــاق وقـــف الأعـــمـــال الــعــدائــيــة» بــن الـعـدو الإســـرائـــيـــلـــي و«حـــــــزب الــــلــــه» فــــي مــقــدمــتــه مـــعـــالـــم هـــذه الأجـــنـــدة، الــتــي تــقــوم عـلـى نـــزع الـــســـاح الــاشــرعــي من جهات شرعية؛ هـي: الجيش، 6 كل لبنان، وحصره في والأمن الداخلي، والأمن العام، وأمن الدولة، والجمارك، والشرطة البلدية. وللتاريخ؛ فإن خطاب القسم حمل هذا العنوان الذي تكرس في البيان الوزاري للحكومة، وعلى أساسه نالت الثقة، حتى من «الثنائي الشيعي» الممثَّل في الحكومة وفي البرلمان. غني عن الإشارة أن رئيس البرلمان، نبيه بري، كان جهة التفاوض ووافقه على ذلك نعيم قاسم. هـــو عـــام 2025 قـــالـــت الـــرئـــاســـة الـلـبـنـانـيـة إن عــــام التخلص من السلاح اللاشرعي، وإنهاء زمن جعل لبنان ساحة مستباحة في خدمة مصالح الآخرين. لكن تطور الأحــــــداث حــمــل مــبــالــغــات لـجـهـة الــتــخــويــف مـــن الــحــرب الأهـلـيـة، مـع تنكّر «حـــزب الـلـه» للاتفاق ورفـضـه تسليم ســـاحـــه لـلـجـيـش وتـــهـــديـــده بـالـفـتـنـة، وتــتــالــت روايـــــات عــن تـرمـيـم قــدراتــه و«رتــــق» الــخــروقــات الإسـرائـيـلـيـة في صـفـوفـه، كـمـا الاســتــعــداد لـلـمـواجـهـة مــع إســرائــيــل «فـي الوقت المناسب». رغــــم أن لــبــنــان لا يـمـلـك تــــرف الـــوقـــت مـــع الاقـــتـــاع الإجـــرامـــي لمــئــات ألــــوف الـجـنـوبـيـن، وتــحــويــل الـعـمـران رمـــاداً، وتهديد إسرائيل بإقامة حــزام أمني يضمن لها مــا تسميه «دفــاعــا مـتـقـدمـا»، فـــإن الـسـلـطـة، رغـــم قـرارهـا حـصـر الـسـاح 2025 ) أغـسـطـس (آب 5 الــتــاريــخــي يـــوم بيد الدولة، تأخرت عن استخدام قوة الشرعية في وجه القوى اللاشرعية، وقوى التدخل الخارجي، وتأخرت في اكتشاف تدفق أعـــداد مـن «الـحـرس الـثـوري» إلـى لبنان، بعدما كانت حكومة نجيب ميقاتي قد أباحت للإيرانيين الدخول من دون حاجة إلى تأشيرة مسبقة. وتلكأت في تنفيذ قـراراتـهـا بشأن نـزع الـسـاح؛ تنفيذا لـ«الطائف» والـدسـتـور وللبيان الــــوزاري؛ لأنـه مـا مـن دولــة طبيعية ترتضي بقوة عسكرية رديفة، علما بأن «حزب الله» جزء أصيل مـن المنظومة العسكرية والأمنية الإيـرانـيـة؛ مما يعني أن وجـودهـا يشكل اعـتـداء موصوفا على الـدولـة اللبنانية؛ وفق توصيف الوزير الراحل محمد شطح. طيلة أشـهـر؛ راح الفصيل المـهـزوم يخوف السلطة من سحب سلاحه، ولبعض الوقت تقدمت حالة رعب من فكرة استخدام قوة الشرعية وسلاحها. كان هناك كثير مــن الـتـخـويـف مــن الـسـيـئ، فـوصـلـت الــبــاد إلـــى الأســـوأ، مـارس (آذار) 2 عندما أخذ «الحرس الثوري» لبنان في الماضي إلى حرب «إسناد» إيــران... فكانت قـرارات حظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»، وقـــرارات إبعاد المـسـتـشـاريـن الإيـــرانـــيـــن، وتــبــن أن بينهم مــن يملكون 8 » جوازات سفر لبنانية مزورة. وبعد «الأربعاء الأسود ، كانت قــرارات جعل بيروت مدينة 2026 ) أبريل (نيسان آمـنـة خالية مـن الـسـاح الـاشـرعـي، وكـــان مـن المفترض أن «بيروت منزوعة السلاح» الورقة الأهم بيد المفاوض اللبناني، بعدما أطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بشراكة أميركية... لكن التردد في التنفيذ تقدم ما عداه. بــــعــــيــــدا عـــــن حــــمــــات الــــتــــخــــويــــن والــــتــــجــــنّــــي، فــــإن المفاوضات؛ رغـم النكبة التي أُنزلت بلبنان وبالجنوب خـــصـــوصـــا، حــقــقــت تــحــيــيــد بــــيــــروت والـــبـــنـــى الـتـحـتـيـة والـضـاحـيـة. وصـــار جليا أن «الـبـيـان الـثـاثـي»، بما أنه ترجمة صعبة لـ«نكبة الإسنادَين» التي ينكرها «حزب الـــســـاح الإيــــرانــــي» ولا يـعـتـرف بــهــا، هـــو أفــضــل الممكن مـع تضمنّه تأييدا أميركيا لـوحـدة أراضـــي لبنان؛ مما سيحاصر ويُسقط أهـــداف إسرائيل فـي بقاء الاحـتـال، فــي حــن أن الـــذهـــاب إلـــى «مـنـاطـق تـجـريـبـيـة»، تتوسع تــبــاعــا، يـنـسـحـب مـنـهـا الـــعـــدو الإســرائــيــلــي فيتسلمها الجيش و«ينظفها» من السلاح والبنى التحتية لـ«الفيلق اللبناني»، رَفَــضَــه «الـحـرس الـثـوري» وتــاه نعيم قاسم الذي «عرّب البيان الفارسي». والرفض هو لعودة الدولة إلى ممارسة سلطة عامة فتستعيد دورها ومسؤوليتها بصفتها مرجعية حصرية للقرارَين الأمني والسيادي. كـان رئيس الـــوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فــي أزمــــة، فــجــاءت الـنـجـدة مــن نعيم قـاسـم بـرفـض وقـف النار؛ ليمنح إسرائيل مبررات مواصلة نهجها الاقتلاعي والتدميري، ومـد الخط الأصفر نحو غـرب البقاع، وبدء مخطط الإطــبــاق عـلـى مدينتي النبطية وصــــور، بعدما وجّهتا نـداء لجعل المدينتين مفتوحتين وحصر السلاح بـــيـــد الـــــدولـــــة، فــــي أوضـــــــح رفـــــض مــــن الـــنـــخـــب الـشـيـعـيـة لـتـرّهـات «حـــزب الــســاح الإيـــرانـــي»، وإدانــــة ادعـــاءاتـــه في «المقاومة»؛ فيما يُبيد العدو الإسرائيلي الأرض والبشر، ويطول التجريف كل العمران لقطع صلة الناس بأرضهم ومكانهم. يــريــد «حــــزب الـــلـــه»، وكـــالـــة عـــن مـشـغّــلـيـه، نــجــاح مـسـار إســـام آبـــاد فـي إعـــان وقــف لـلـنـار، أي الـوصـول إلى صفقة تؤبّد السلاح اللاشرعي، ليبقى لبنان بين مطرقة وسندان: احتلال إسرائيلي للأرض، ومصادرة إيرانية للقرار. إنه نهج يجمع قوى متضررة من قيام مـــشـــروع الـــدولـــة الــوطــنــيــة، فــيــراهــنــون عـلـى «الــحــرس الثوري» لقطع طريق لبنان إلى مستقبل آمن، وسيادة مكتملة، وإنهاء الاستباحة وزمن الإفلات من العقاب... لـكـن أيـــا كــانــت الــعــقــبــات، وهـــي حقيقية وجـــديـــة، فـإن «الزمن الأول تحوّل». فـي منطقة الـشـرق الأوســـط المفاهيم سائلة لا يـمـكـن أن تـعـطـي مـــدلـــولاتِـــهـــا الــســيــاســيــة كما تعرفها العلوم السّياسيةُ. الحرب ثم المفاوضات ثم الهدنة وحتى السلام... هي مفاهيم ذات سياق خـــاص مـنـذ لـحـظـة الــسَّــابــع مــن أكـتـوبـر (تشرين الأول)، ومــا تـاهـا مـن فـصـول لمسلسل متشابك طـويـل مــن الأزمـــــات الـجـزئـيـة الـتـي تـغـذي الـنـزاع الأكـــبـــر بـــن الــــولايــــات المــتــحــدة وإســـرائـــيـــل وبــن إيران. مـــن مـــشـــروع غـــــزة إلــــى هـــدنـــة الــســتــن يـومـا مـــع إيـــــران لا شـــيء مـــن ذلـــك يـنـهـي الأزمـــــة، وحـتـى الــهــدن لا تـتـحـوَّل إلـــى خـطـوة أولـــى نـحـو مـشـروع ســـام؛ فـكـل الـحـلـول المـؤقـتـة هــي مـجـرد تعبيرات ملطفة لإدارة الأزمة ومحاولة تخفيف تعقيداتها، التي تكبر بفعل عامل الوقت، وهـي ما رأيناه في المـفـاوضـات الأميركية - الإيـرانـيـة حــول البرنامج الـــنـــووي بـــدايـــة، ثـــم مـضـيـق هـــرمـــز، الــتــي تـحـوَّلـت إلــى مسألة نـــزاع طـويـل لا أحــد يملك فيه شجاعة الحسم، حتى أصبح البقاء على حافة القلق الدائم مـــن جـمـيـع الأطـــــراف مـسـألـة إشـكـالـيـة لا يـمـكـن أن تحتملها الأوضــــاع فــي منطقة شــديــدة التعقيد، بسبب وقوعها فـي قلب مـمـرات الطاقة والتجارة والطرق البحرية، وبالتالي في سقف كل التوازنات الإقليمية، الـتـي بــات مـجـرد إضـافـة يــوم مـن حالة اللاحسم فيها هو تكلفة إضافية ضخمة. جـذر الأزمــة إطالة التفاوض بهدف الانتظار لانهيار نظام طـهـران أو تراجعه، وهـو للأسف لا يعبر عن أي استراتيجية مضمونة العواقب قدر ما يبدو مقامرة في منطقة جغرافية وفترة زمنية حــرجــة لا تـحـتـمـل الــتــأجــيــل، ولا سـيـمـا أن إيــــران تعمل في المقابل على استمرار الأزمـة والتضحية بــمــقــدراتــهــا والــضــغــط عــلــى شـعـبـهـا لـــرفـــع تكلفة اســتــمــرار الأزمـــــة، وإربـــــاك المـجـتـمـع الـــدولـــي حيال الـــتـــأثـــيـــرات الاقـــتـــصـــاديـــة الــكــبــيــرة عــلــى مـسـتـوى الإمدادات، وأيضا نزف الأسواق. نحن اليوم أمام نمط جديد ليس من الحروب فحسب، بل حتى من المفاوضات التي يتكرر فيها الإعـــــان عـــن قـــرب الاتـــفـــاق، ثـــم الـتـلـويـح بـالـحـرب، ثم إعــان هدنة وشيكة، مع تفاصيل إضافية عن الـــشـــروط عـــــادة يـعـلـن عـنـهـا بـشـكـل مــنــفــرد وعـبـر حسابات تواصل اجتماعي. وهـذه مفارقة ليست عــابــرة أو شكلية، بــل تعبير عــن تـحـول كبير في تـقـالـيـد إدارة الـــصـــراع؛ لا ســـام واضــــح ولا حـرب شـامـلـة، بــل منطقة رمـــاديـــة لــزجــة يـتـعـايـش فيها التصعيد، جنبا إلى التفاوض والوساطة والهدنة التي عادة ما تُخترق بإطلاق النار المحدود. اسـتـدامـة هــذا الـوضـع على أمــل الانـهـيـار، أو الحرص على التأجيل والمماطلة من أجل مناسبات سياسية، ليس سوى تأجيل للأسئلة الكبرى إلى مــراحــل حـرجـة دون حـسـم، وعـلـى رأســهــا: مضيق هرمز، وامتلاك السلاح الـنـووي، والتهديد الدائم لجيران طهران بشكل غير مقبول، ثم الاستهداف المــســتــمــر لــلــبــنــان وحـــتـــى غـــــزة، فـــي مـــحـــاولـــة لمنح ذريعة وحدة الساحات، على حساب كل ما قدمته الــدولــة اللبنانية مـن ضـمـانـات وتـصـريـحـات غير مسبوقة للتفاوض على فصل الحالة اللبنانية عن النزاع وتحييد لبنان عن أن يكون ساحة تصعيد تجريبية لصلف الأطراف المتنازعة. مـــا يــحــدث الـــيـــوم مــشــابــه لمـــا حــــدث فـــي غــــزةَ؛ فوقف إطـاق النار كـان من المفترض أن يقود إلى خطوات واضحة: انسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح «حماس»، وإعادة الإعمار. لكن الشهور مرت دون أن يحدث أي تقدم في هذه الوعود، حتى تحوَّلت الهدنة إلى إطار هش لتمديد الأزمة لا حلها بشكل نهائي. هذا السيناريو أكثر خطورة على مستوى الأزمــــة الإيــرانــيــة؛ لأنَّـــه لا يـتَّــصـل بجبهة داخـلـيـة، وإنَّــمـا بمصير ممر التجارة العالمية واقتصادات الطاقة، وبشبكة معقدة من التحالفات الإقليمية، إضافة إلى البرنامج النووي، وهو ما يعني توتير المنطقة بشكل غير مسبوق باتجاه العسكرة. إيــران تقامر بكل شـيء لتبدو أنَّها مسيطرة على الوضع؛ فالحرب، ولا شكَّ، ألحقت بها أضرارا كبيرة تحتاج إلــى سـنـوات لترميمها، لكن حتى المــفــاوضــات وإطـــالـــة أمــدهــا لـهـا تـأثـيـرهـا العميق خـارج منطق ولغة النَّصر المفتعلة؛ فهناك بطالة عـمـيـقـة تــضــرب بـــجـــذورهـــا كــــل أنـــحـــاء الـــبـــاد، مع مستويات تضخم خانقة، ووصول نقص الإمدادات إلى مستوى حرج... ومن هنا نفهم حرص طهران على مسألة الإفراج عن الأصول المجمدة. الأكــيــد أن الــحــلــول الـجـزئـيـة والـتـسـويـف في التفاوض الجاد، هما بمعنى آخر خطوة أقرب إلى لحظة الانـفـجـار. حتى مـع الفتح الجزئي لمضيق هرمز، فـإن ذلـك وإن خفف الضغط على الأســواق، لكنَّه حتما لن يعيد الثقة إليها. نحن أمـام ثقافة جديدة من اقتصادات القلق تتحرك فيها الـشـركـات ورؤوس الأمـــوال والسياح بـحـذر شــديــد، لـكـن الأخــطــر هــو مـنـح إيــــران الـوقـت والذرائع لتهديد جيرانها بشكل عبثي، في محاولة لرفع تكلفة الحرب، لكن بثمن باهظ، ألا وهو فقدان أي ثقة إقليمية بنظامها الذي أُعطي الفرصة لكي يتخلى عن عباءته الثورية وينخرط في تفاهمات جديدة للمنطقة، وفي لحظة تاريخية بعد أن عانى النظام من أكبر أزمة وجودية له وتجاوزها، ليس بـفـضـل أسـلـحـتـه أو قـــدرتـــه الـعـسـكـريـة، بـــل بفضل الـتـحـيـيـد الـــدولـــي والــعــقــانــيــة الــتــي تـمـسـكـت بها دول المنطقة لآخر لحظة، وعلى رأسها السعودية، لإدراك الـــجـــمـــيـــع أن الـــــحـــــروب لا تـــحـــل المـــشـــاكـــل، بالإضافة إلى خطورتها على حالة الاستقرار. لذا، فـــإن الـحـلـول الجزئية تفتح نـوافـذ الـقـلـق، وتجعل مستقبل المنطقة والعالم معلقا برسم انتظار لحظة الانفجار التي ستعمّق الأزمة. حنا صالح يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 حالة اللاحسم والحرب السائلة «التخوف» من السيئ أوصل لبنان إلى الأسوأ بوليفيا بين عهدين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky