11 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS قالوا ASHARQ AL-AWSAT Issue 17357 - العدد Saturday - 2026/6/6 السبت الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف أعــــادت الــحــرب المـتـطـاولـة الــتــي دخلت عــــامــــهــــا الـــــــرابـــــــع فــــــي الـــــــــســـــــــودان، تــشــكــيــل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعـــادت مجموعات على منصّات التواصل، كـــــــ«واتــــــســــــاب» و«فــــيــــســــبــــوك» و«تـــــلـــــغـــــرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الـنـاس على المـعـلـومـات، وكـيـف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخــبــار، ويـواجـهـون آثــار النزوح والغياب والخوف. أبقت الأسر متصلة لـم تـفـرّق الـحـرب السودانيين بـن المـدن والــولايــات فحسب، بـل وزّعـتـهـم أيـضـا على عــــشــــرات الــــــــدول، واضـــطـــرتـــهـــم لــلــعــيــش فـي بـيـئـات جـــديـــدة. وهــكــذا فـقـد كــثــيــرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المـــنـــصـــات الـــرقـــمـــيـــة الـــــرابـــــط الـــيـــومـــي الــــذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية. بالنسبة للعديد من الأسـر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف... صــبــاح أحـــمـــد، مـــثـــاً، وهـــي نـــازحـــة من ولايـة الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوســط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فـائـتـة مــن أفــــراد أسـرتـهـا، لأن الــحــرب - كما تصفها - جعلت الـنـاس يتوقعون الأخـبـار الـسـيـئـة فــي كــل لـحـظـة، وأصــبــح الاطـمـئـنـان على الأقارب جزءا من الروتين اليومي. ولكن لا يقتصر هـذا الاعتماد المتزايد على المـنـصـات الرقمية على تـبـادل الأخـبـار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصـفـحـات الــ«فـيـسـبـوك» إلـــى نــافــذة يومية يــطــلــون مـــن خــالــهــا عــلــى مـــا يـــجـــري داخـــل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ الـسـودانـي فـي أوغــنــدا، إن هــذه المجموعات أصبحت «الـوسـيـلـة الرئيسة لمعرفة أحــوال الأهـــــــل والأصـــــــدقـــــــاء، وتـــحـــولـــت أيــــضــــا إلـــى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح». أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ عـــلـــم الاجـــتـــمـــاع الـــســـيـــاســـي فــــي الــجــامــعــات الــــســــودانــــيــــة، فـــيـــرى فــــي لـــقـــاء مــــع «الـــشـــرق الأوســـــــــــــط» أن الــــــحــــــرب أفـــــــــــرزت مــــــا يــشــبــه «الأســــــرة الإلـــكـــتـــرونـــيـــة»، حــيــث «بـــــات أفــــراد العائلة المـمـتـدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بـن الــســودان ودول الـلـجـوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح». قرارات مصيرية عن بعد أكـــثـــر مــــن هــــــذا، فــــي ظــــــروف الــــحــــرب لا تـقـتـصـر أهـمـيـة المــعــلــومــات عـلـى مـعـرفـة ما يـجـري، بـل تمتد أحـيـانـا إلــى اتـخـاذ قـــرارات تــتــعــلــق بـــالـــحـــيـــاة والمـــــــــوت، فـــعـــنـــدمـــا بــــدأت المــــخــــاوف تـــتـــزايـــد فــــي ولايــــــة الــــجــــزيــــرة، لـم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخـــبـــار الــعــامــة وحـــدهـــا، بـــل لــجــأت إلـى شـــبـــكـــاتـــهـــا الاجــــتــــمــــاعــــيــــة لـــلـــحـــصـــول عــلــى تــقــديــرات مـبـاشـرة مــن الأصـــدقـــاء والمــعــارف الموجودين في مناطق مختلفة. وبـــحـــســـب صـــبـــاح أحـــمـــد فـــــإن أســرتــهــا شــعــرت بـخـطـر مــتــزايــد يــهــدد سـامـتـهـا في مـــديـــنـــة الــحــصــاحــيــصــا، بــــولايــــة الـــجـــزيـــرة، فـــي أثـــنـــاء ســيــطــرة «قــــــوات الـــدعـــم الــســريــع» عـــلـــيـــهـــا. وبــــنــــاء عـــلـــيـــه بـــــــدأت الــــتــــشــــاور مـع أصـــــدقـــــاء وزمــــــــاء لـــلـــحـــصـــول عـــلـــى صــــورة أوضــــح لـــأوضـــاع، مـضـيـفـة: «بــعــد سلسلة مـن الاتــصــالات والـنـقـاشـات، اتـخـذت الأســرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة. وتــعــكــس هــــذه الــتــجــربــة واقـــعـــا أوســــع، إذ تـــحـــولـــت المـــنـــصـــات الـــرقـــمـــيـــة إلـــــى شـبـكـة إنــــذار غـيـر رسـمـيـة يعتمد عليها كــثــرة من الـــســـودانـــيـــن فــــي تــقــيــيــم المـــخـــاطـــر واتـــخـــاذ قــــــــرارات الــــنــــزوح أو الـــبـــقـــاء أو الــتــنــقــل بـن المناطق. شبكات استجابة وتكافل فـــــي الــــــواقــــــع، لـــــم تـــنـــتـــظـــر المــجــتــمــعــات المــحــلــيــة وصــــــول المـــنـــظـــمـــات الـــدولـــيـــة حـتـى تبدأ الاستجابة لآثــار الـحـرب. ففي الأشهر الأولــــــــــى، اعــــتــــمــــدت جــــهــــود المــــســــاعــــدة عـلـى شبكات اجتماعية قائمة أصـا على روابـط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت مــــا عـــرفـــت بــــ«الـــتـــكـــايـــا»، وهـــــي مــجــمــوعــات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والــشــراب وأحـيـانـا الــــدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط. ويــــــــرى مــــدنــــي عـــــبـــــاس، خـــبـــيـــر الــعــمــل الإنــــســــانــــي ووزيــــــــر الــــتــــجــــارة الــــســــابــــق، أن «مـجـمـوعـات الــواتــســاب لـعـبـت دور الحلقة الـــتـــي ربـــطـــت بــــن المـــحـــتـــاجـــن والــــداعــــمــــن، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخــل المجتمعات المحلية. ومع مــرور الـوقـت، أصبحت هـذه المنصات أيضا مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمـــنـــظـــمـــات الـــوطـــنـــيـــة الـــعـــامـــلـــة فــــي المـــجـــال الإنساني». وأردف عــــبــــاس لـــــ«الــــشــــرق الأوســـــــط» شـارحـا: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووســـــائـــــل الــــتــــواصــــل الأخـــــــــرى فـــــي تــوثــيــق الأوضـــــــــــاع الإنــــســــانــــيــــة ونــــقــــل احـــتـــيـــاجـــات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الـــدعـــم لمـــشـــاريـــع مــرتــبــطــة بـــالأمـــن الــغــذائــي والـصـحـة والتعليم والـطـاقـة الشمسية، بل وحــتــى فــي تـوفـيـر الـتـمـويـل لـبـعـض أنشطة الاستجابة الإنسانية». بـــــل فـــــي المــــنــــافــــي والمـــــاجـــــئ أخــــــذ هـــذا التكافل أشكالا أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغـــنـــديـــة كــمــبــالا، مـــثـــاً، تــوجــد مجموعة «واتـــــســـــاب» أخـــــذت اســــم «وفــــيــــات كــمــبــالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويــتــشــاركــون الـفـقـر فـــي جـمـع المــــال لتغطية تـكـالـيـف دفـــن المــوتــى ومــســانــدة أســـرهـــم. إذ يــجــمــع الأعــــضــــاء المـــســـاهـــمـــات المـــالـــيـــة عـبـر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة تـرتـيـبـات التجهيز والـــدفـــن والـتـشـيـيـع، في نـــــمـــــوذج يـــعـــكـــس كـــيـــف تـــحـــولـــت المـــنـــصـــات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية. في أثر الغائبين ولــــكــــن، لـــعـــل مــــن أكـــثـــر الاســـتـــخـــدامـــات الإنـسـانـيـة تـأثـيـرا للمنصات الرقمية خلال الــــحــــرب، تــحــوّلــهــا إلــــى وســيــلــة لـلـبـحـث عن المــــفــــقــــوديــــن والمــــخــــتــــفــــن، فـــفـــي مـــجـــمـــوعـــات الــــــ«واتـــــســـــاب» وصـــفـــحـــات الــــ«فـــيـــســـبـــوك»، تتكرّر يوميا منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفـي كثير من الأحـيـان تتضمّن هذه المــــنــــشــــورات صـــــور الأشـــــخـــــاص المـــفـــقـــوديـــن ومــعــلــومــات عـــن آخــــر مـــكـــان شــــوهــــدوا فـيـه، أمــا في أن تقودها المصادفة إلـى شاهد أو معلومة أو خيط جديد. هـذه المـنـاشـدات مـا عــادت تقتصر على الأشــــخــــاص الــــذيــــن تــبــحــث عــنــهــم أســـرهـــم، بــــل امــــتــــدت أيــــضــــا إلــــــى مـــجـــهـــولـــي الـــهـــويـــة والأشــخــاص الـذيـن يعثر عليهم فـي ظـروف إنـــســـانـــيـــة صـــعـــبـــة. وفــــــي إحــــــــدى الــــحــــالات المـــــتـــــداولـــــة، نـــشـــر مــــواطــــنــــون صـــــــورة رجـــل عثر عليه فـي إحـــدى المـــدن الـسـودانـيـة وهو عاجز عـن التعريف بنفسه، دعــوا المتابعين والأعـــضـــاء إلـــى مـشـاركـة المـنـشـور حـتـى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته. وفـــــــي حـــــالـــــة أخــــــــــرى، ســـــاعـــــد انـــتـــشـــار المـنـاشـدات عبر «واتـسـاب» و«فيسبوك» في الــــوصــــول إلــــى مــعــلــومــات عـــن رجــــل اخـتـفـى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الـــــرجـــــل، الـــــــذي طـــلـــب إغــــفــــال اســــمــــه خـشـيـة الانـــتـــقـــام والـــرمـــز إلــيــه بــــــ«م. ن»، إن أســرتــه لجأت إلى نشر بياناته وصـوره على نطاق واســـــع بــعــد فـــقـــدان الأمـــــل فـــي الـــعـــثـــور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره. وإلـــــــــــى جــــــانــــــب الأشـــــــــخـــــــــاص، ظــــهــــرت مــــجــــمــــوعــــات وصــــفــــحــــات مـــتـــخـــصّـــصـــة فــي تــتــبّــع الـــســـيـــارات المـــفـــقـــودة أو المــنــهــوبــة، إذ يـنـشـر أصـحـابـهـا الـــصـــور وأرقـــــام الـلـوحـات ومعلومات الـفـقـدان أمـــا فـي الـعـثـور عليها ٍعبر الشبكات الاجتماعية. إعلام مواز مـن ناحية ثـانـيـة، فـي بلد تعطلت فيه مـؤسـسـات إعـامـيـة كـثـيـرة، وجـــدت الأخـبـار طــريــقــهــا إلـــــى الـــجـــمـــهـــور عـــبـــر المــجــمــوعــات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويـــــــرى الـــصـــحـــافـــي والــــبــــاحــــث فـــــي الإعــــــام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المـؤسـسـات الإعـامـيـة مـن الخدمة فـي الأيــام الأولى للحرب خلق فراغا معلوماتيا واسعاً، سـرعـان مـا مـأتـه المـنـصـات الـرقـمـيـة، وعلى رأســهــا تطبيق «واتــــســــاب». وســـاعـــدت عـدة عـــوامـــل فـــي ذلــــك، مـــن بـيـنـهـا قــــدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانـتـشـاره الـواسـع بـن مختلف الفئات الاجتماعية. وهـــنـــا يـــذكـــر الـــدكـــتـــور عـــصـــام عــبــاس، خــبــيــر تـقـنـيـة المـــعـــلـــومـــات، خــــال حـــــوار مع «الــــشــــرق الأوســــــــط» أن «هــــــذه الــخــصــائــص جـعـلـت واتـــســـاب مـنـصـة مـثـالـيـة لـلـعـمـل في بـيـئـة مـضـطـربـة مـثـل الــــســــودان». وبـالـفـعـل، تجلت أهمية التطبيق أكـثـر عندما توقفت خــدمــة المــكــالمــات الـصـوتـيـة عـبـر «واتـــســـاب» داخـــــل الــــســــودان إبـــــان الــــحــــرب. وبــيــنــمــا لم تـــقـــدم تـــفـــســـيـــرات رســـمـــيـــة مــفــصــلــة لـــلـــقـــرار، رجّــــح مــراقــبــون ارتــبــاطــه بــاعــتــبــارات أمنية واســـتـــخـــدام الــتــطــبــيــق فـــي الاتــــصــــالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة مـــن المــســتــخــدمــن إلــــى الـــرســـائـــل الـصـوتـيـة والمــــكــــتــــوبــــة، الــــتــــي غــــــدت وســـيـــلـــة رئــيــســيــة للتواصل اليومي. وفـــي الــوقــت نـفـسـه، نـشـأت مجموعات مـهـنـيـة مـتـخـصـصـة لــلــصــحــافــيــن، أبـــرزهـــا مـــجـــمـــوعـــة «مـــمـــكـــن رقــــــــم»، الـــــــذي يــســتــخــدم لـلـحـصـول عـلـى أرقــــام المــســؤولــن والـخـبـراء والمــــصــــادر المــخــتــلــفــة. وظـــهـــرت مـجـمـوعـات أخــــرى لــتــبــادل الأخـــبـــار ومــتــابــعــة تــطــورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة. مـــــع هـــــــــذا، لا يـــتـــعـــامـــل الـــصـــحـــافـــيـــون المـــحـــتـــرفـــون مــــع هــــــذه المـــنـــصـــات بــوصــفــهــا مصدرا نهائيا للمعلومات. وهـذا ما يقوله عـــبـــد المـــنـــعـــم أبـــــو إدريــــــــس، مــــراســــل «وكـــالـــة ) ونـــقـــيـــب AFP( » الــــصــــحــــافــــة الــــفــــرنــــســــيــــة الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خـيـطـا أولــيــا أو يــقــود إلـــى مــصــدر محتمل، لكنه يحتاج دائما إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة». في مرمى الحرب لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفــــــرت أيـــضـــا مـــســـاحـــة واســــعــــة لـلـتـضـلـيـل. فـبـجـانـب المــجــمــوعــات الـشـعـبـيـة والمـهـنـيـة، ظـــهـــرت إبـــــان الـــحـــرب مــجــمــوعــات وقـــنـــوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الـرئـاسـيـة، كما أنـشـأت أطــراف الــصــراع قـنـواتـهـا الـخـاصـة لنشر روايـاتـهـا للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام». وتـــعـــكـــس هـــــذه المـــنـــصـــات فــــي الـــغـــالـــب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جـــــــزءا مـــــن مـــعـــركـــة الـــــســـــرديـــــات المـــصـــاحـــبـــة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الـشـبـكـات المغلقة وصـعـوبـة مـعـرفـة المـصـدر الأول لـلـمـعـلـومـة سـهـلـتـا انـــتـــشـــار الأخـــبـــار المــفــبــركــة والمـــقـــاطـــع المـــجـــتـــزأة والـتـسـجـيـات المـــضـــلـــلـــة». بــيــنــمــا يــشــيــر الـــدكـــتـــور عــصــام عــبــاس إلـــى أن «غــيــاب آلــيــات فـعـالـة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعـــادة توجيه الـرسـائـل والمـقـاطـع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمـــــحـــــتـــــوى الــــتــــحــــريــــضــــي، وبــــــــذا تـــحـــوّلـــت المـنـصـات إلــى سـاحـة تـتـداخـل فيها الأخـبـار الـــصـــحـــيـــحـــة مــــع الإشــــــاعــــــات، والمـــعـــلـــومـــات الموثقة مع الروايات الموجّهة». خارج الصفوف والعيادات من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الـــرقـــمـــي عـــنـــد حــــــدود الأخـــــبـــــار والـــتـــواصـــل والإغــــاثــــة، فـمـع تـــراجـــع الــخــدمــات الصحية وصـعـوبـة الـــوصـــول إلـــى الأطـــبـــاء والمـشـافـي فــــي بـــعـــض المــــنــــاطــــق، انـــتـــقـــلـــت اســـتـــشـــارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المـألـوف أن يتلقى الأطـبـاء صـــورا للتحاليل أو الأعــــــــــراض عـــبـــر الــــهــــاتــــف، ثــــم يـــرســـلـــون الإرشادات العلاجية عن بعد. وهـنـا يـقـول الـدكـتـور بــدر الـديـن أجبر، أسـتـاذ كلية الطب بجامعة كـردفـان والمدير الــــعــــام الـــســـابـــق لــــــــوزارة الـــصـــحـــة بـــالـــولايـــة، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شـمـل مــرضــى الأمــــــراض المــزمــنــة أيـــضـــا، في ظــل الـصـعـوبـات الــتــي تــواجــه الـــوصـــول إلـى الخدمات الصحية في بعض المناطق». وفــــي قــطــاع الـتـعـلـيـم، لـعـبـت المـنـصـات الرقمية دورا مماثلاً. فبعد توقف الـدراسـة الـــــحـــــضـــــوريـــــة فــــــي كــــثــــيــــر مــــــن الــــجــــامــــعــــات والمـــــدارس، لـجـأت مـؤسـسـات التعليم الـعـام والعالي إلـى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المــحــاضــرات والمـــــواد التعليمية والـتـواصـل مــع الــطــاب. وتــقــول جـهـاد عــبــاس، الطالبة المــتــخــرجــة فـــي «جـــامـــعـــة بـــحـــري» فـــي أثــنــاء الــــــحــــــرب، إن هـــــــذه الــــتــــجــــربــــة مـــكـــنـــتـــهـــا مــن اسـتـكـمـال دراســتــهــا الـجـامـعـيـة رغـــم ظــروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جـزءا من غياب الحياة الجامعية التقليدية. مجتمع يعيد تنظيم نفسه وهـــــكـــــذا، بـــعـــد أكــــثــــر مـــــن ســـنـــتـــن مـن الــــــحــــــرب، مـــــا عـــــــــادت المــــنــــصــــات الـــرقـــمـــيـــة مـجـرد وســائــل لـلـتـواصـل، بــل تـحـولـت إلـى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجــتــمــاعــي، ووســيــلــة للتعليم والـــعـــاج، ومــصــدر لــأخــبــار، وســاحــة لـلـصـراع على الروايات. ولــــم تــكــن هــــذه الـــتـــحـــولات نـــتـــاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارهــا التقليدية، فاندفع السودانيون لإعـــادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق. وطـــــــــوال ســـــنـــــوات الـــــحـــــرب الأربــــــــــع، لـم تعد المنصات الرقمية مـجـرد وسـائـط لنقل الــرســائــل بـــن الـــنـــاس، بـــل صــــارت جــــزءا من الـــبـــنـــيـــة الاجـــتـــمـــاعـــيـــة الـــتـــي يــعــتــمــد عـلـيـهـا السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المـسـاعـدات والبحث عـن المفقودين ومتابعة الأخبار. بــل، ومــع أن الـسـودانـيـن قـد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمر واحد محل اتفاق هو «أن جانبا مهما من الحياة السودانية انتقل خـــال الـــحـــرب إلـــى الــفــضــاء الــرقــمــي، وأعـــاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنـسـانـيـة على الـشـاشـات الصغيرة التي حملوها معهم فــي رحـلـة الــنــزوح والـلـجـوء والبقاء». من مشاهد الحرب السودانية (أ.ف.ب) تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مـجـمـوعـة أخــــرى عـلـى التطبيق ذاتــــه يـجـمـع لاجـئـون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملا في أن يتعرّف عـلـيـه أحـــــد. وفــــي مـجـمـوعـة (غــــــروب) لـلـصـحـافـيـن، يـتـبـادل الـصـحـافـيـون والمـــراســـلـــون أرقــــام المـسـؤولـن والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها فـي الــواقــع أجـــزاء مـن قصة واحــــدة، بـــدأت منذ أبـريـل (نيسان) 15 انـــدلاع الـحـرب فـي الــســودان يــوم ، وتـحـولـت معها المـنـصـات الـرقـمـيـة مـن أدوات 2023 لـلـتـواصـل الاجـتـمـاعـي، إلـــى فـضـاء بـديـل تـــدار عبره تفاصيل الحياة اليومية. تطبيقات المنصّات الرقمية صارت جزءا من الحياة اليومية للمواطنين كمبالا (أوغندا): أحمد يونس «نحن ندعم وقف إطلاق النار بين لبنان وإســـرائـــيـــل وأي شـــيء يـسـاهـم فـــي اسـتـعـادة الـــــســـــام ومـــكـــافـــحـــة الــــنــــشــــاطــــات الإرهــــابــــيــــة وترسيخ سيادة لبنان ووحدة أراضيه بشكل كامل... فرنسا، كما دائماً، مستعدة للمضي قدما في هذا المسار. هناك آلية تنسيق قائمة بـن الـولايـات المتحدة وفرنسا. إذا كـان وقف إطـــاق الـنـار جـــاداً، فيجب إعـــادة تفعيل هذه الآلية للمتابعة والتحقق من تنفيذها». الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «إنـــــــــــــهـــــــــــــم (أي إيـــــــــــــــــــــران) يــــســــتــــخــــدمــــون لـــــبـــــنـــــان كـــــورقـــــة مـــســـاومـــة فــــي مـــفـــاوضـــاتـــهـــم مـع الولايات المتحدة (...) يجب على حزب الله أن يفهم أنه لا سبيل إلا الــجــلــوس والـــتـــفـــاوض، لا سبيل آخــــر لــحــل هــــذه المــشــكــلــة وإنـــقـــاذ مـــــا تـــبـــقـــى إلا عـــبـــر المــــفــــاوضــــات والدبلوماسية». الرئيس اللبناني جوزيف عون «أفـضـل طريقة للحد مـن التهديد (حــــزب الـــلـــه) هي الــــذي تـمـثـلـه جــمــاعــة تـــعـــزيـــز الـــــدولـــــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة، وتــمــكــن مؤسساتها، واستعادة حقها الحصري في استخدام القوة... لقد وافق الاتحاد مليون يورو 100 الأوروبـي على تقديم إضافية للجيش اللبناني». كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «لا يـــــزال الــــنــــادي بــعــيــدا عـــن قمة مـــــســـــتـــــواه... لـــقـــد اعــــتــــدنــــا الـــــفـــــوز لأن الأمـــــــر يـــكـــمـــن فـــــي حــمــضــنــا الـــــنـــــووي. هــــذا الـــنـــادي مـصـمـم ومــبــنــي مـــن أجــل تحقيق الانـتـصـارات... وبـوضـوح، مع الإضافات التي سنجريها هذا الصيف، أنـــــا واثــــــق جــــــداً. أعـــتـــقـــد أنـــنـــا سـنـعـود الموسم المقبل بقوة كبيرة جداً». خلدون المبارك، رئيس نادي مانشستر سيتي الإنجليزي لكرة القدم في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري بل تمتد أحيانا إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky