issue17353

قبل عقود مـن ظهور الـذكـاء الاصطناعي، أســهــمــت الــــدعــــاوى الــقــضــائــيــة، الـــتـــي يقيمها أشخاص يمثلون أنفسهم، في إحداث تعديلات هــائــلــة فـــي الـــقـــانـــون. أرســـــت عــريــضــة مـكـتـوبـة قدّمها إلى المحكمة العليا 1963 بخط اليد عام عاما في سجن 52 كلارينس إيرل، مدان كان يبلغ ولاية فلوريدا، حقا دستوريا في الحصول على استشارة ومساعدة قانونية في قضايا الجنح في محاكم الولايات. وقال ساتيش نوري، وهو مـــحـــام يـعـمـل فـــي مــجــال المـــســـاعـــدات الـقـانـونـيـة عــامــا، إنـــه قــد استخدم 20 فــي نـيـويـورك طـــوال الـذكـاء الاصطناعي منذ عامين بعدما تبين له أن مصادر المساعدة القانونية في نيويورك غير كافية، ولا تلبي احتياجات المدينة. كانت الشكوى، التي قدمها دونالد سُوف في ولاية مينيسوتا خلال العام الماضي، مألوفة في المحاكم الفيدرالية بالبلاد. وقد أقام دونالد الـــدعـــوى، بحسب لـغـة الــقــانــون، عــن نـفـسـه، أي بصفته الشخصية ودون توكيل أي محامٍ، في مـواجـهـة زوجــتــه الـسـابـقـة، ومحاميها وقـــاض بالولاية رفض إحدى دعاواه القضائية السابقة بوصفها «تافهة». وكـــان دونــالــد قــد أقـــام دعـــوى قضائية في أوراق مكتوبة بخط اليد يطالب فيها بتعويض ألـــف دولار زاعــمــا حـرمـانـه من 275 مـالـي قـــدره مـنـزلـه دون وجـــه حـــق. وقـــد اسـتـغـرق الـقـاضـي جيري بلاكويل شهرا لرفض القضية استنادا أشهر 3 إلى انتفاء الاختصاص القضائي. وبعد عاد سُوف، لكنه حصل على المساعدة هذه المرة. وقـــد أقــــام سُــــوف دعــــوى قـضـائـيـة جـــديـــدة أمـــام محكمة فـيـدرالـيـة بـاسـتـخـدام تطبيقي الـذكـاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» و«كلود». وهـــذه المـــرة، كـانـت الوثيقة مكتوبة بشكل ملفا إضافياً، 50 منمق ومنضبط ومرفق بها مـــن بـيـنـهـم «تـحـلـيـل لـلـسـوابـق الـقـضـائـيـة» من بحث قانوني قال إنه يدعم ادعاءه. وقال دونالد خلال مقابلة إن الذكاء الاصطناعي قد أتـاح له «مسار التقدم الوحيد» لقضيته، وأضاف قائلاً: «إن المعرفة قوة». وقـال قضاة فيدراليون وخبراء قانونيون إنهم يـرون بشكل متزايد ملفات مثل تلك التي قدمها دونـالـد تغزو سجلات المحاكم، وتشكل ضغطا على نظام مثقل بالأعباء، في ظل دعم الذكاء الاصطناعي لإقامة الـدعـاوى القضائية من دون الحاجة إلـى توكيل محامين، حتى إن كان يفتح أبواب النظام القضائي أمام أشخاص لــم يـكـونـوا لـيـتـمـكَّــنـوا مــن تـحـمـل نـفـقـات إقـامـة دعاوى قضائية لولا وجوده. كانت النتيجة النهائية بالنسبة لدونالد هــــي نـــفـــســـهـــا، فـــفـــي ســبــتــمــبــر (أيــــــلــــــول)، وبــعــد شـهـريـن مـــن إقـــامـــة الـــدعـــوى الـقـضـائـيـة، رفـض القاضي باتريك شيلتز، رئيس محكمة المقاطعة في ولاية مينيسوتا، الدعوى مرة أخرى، ولكن صفحة أكدت 14 تلك المرة في وثيقة حيثيات من فشل المدعي في إثبات ادعـائـه وزعـمـه. مع ذلك كــان مـن الـــازم قـــراءة مـوظـف المحكمة كـل ملف قـــدّمـــه دونـــالـــد، والـتـعـلـيـق عـلـيـه، وإدراجــــــه في الـسـجـات الـعـامـة الـحـكـومـيـة. وأصــــدر شيلتز أمـرا بـ«تمزيق أي ملفات أخـرى دون أي إخطار إضافي». وكتب شيلتز: «لا يمكن لمدعي إتخام محكمة بمئات الصفحات من الوثائق، وتوقع مراجعة المحكمة لها جميعا للعثور على حقائق أو ادعاءات قد تدعم مطالب بحق مدعى عليه». وقـــال قـضـاة وخــبــراء فــي مقابلة إن هناك مـــزايـــا محتملة لاســتــخــدام مــتــقــاضِــن ممثلين لأنفسهم للذكاء الاصطناعي. وكتب أحد القضاة قائلاً: «يحمل الذكاء الاصطناعي وعدا عظيماً، بتعزيز الحصول على العدالة، بالنسبة لمن لا يملكون الموارد للاستعانة بمحام ومساعدة من يمثلون أنفسهم ليفعلوا ذلك بنجاح». كـذلـك يـنـاقـش بـعـض الـقـضـاة الـفـيـدرالـيـن طـــرقـــا تــتــيــح اســــتــــخــــدام الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي بشكل مـسـؤول، للمساعدة فـي سير العمل في المحاكم، مشيرين إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي يوما ما في مساعدة الموظفين في قراءة، وتقييم عدد أكبر من الملفات. مع ذلـك على الجانب الآخــر، أكـد كثير من الـقـضـاة عـلـى خــطــورة المـشـكـات الـنـاجـمـة عن ضغط العمل الحالي، بسبب الملفات التي تقدم مـن مـدعـن يمثلون أنفسهم بمساعدة الـذكـاء الاصـــطـــنـــاعـــي. ووصـــــف شــيــلــتــز، الـــــذي رفــض مناقشة أي قضية بعينها، المشكلة بوجه عام بأنها «تهديد وجودي للمحاكم الفيدرالية». لــقــد تـسـبـب وصـــــول الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي فـي زيـــادة «عــدد وطــول وتعقيد» الملفات التي يقدمها مـدعـون يمثلون أنفسهم، بحسب ما أوضــــح. وقــــال: «لا تـلـوح أي نـهـايـة فــي الأفـــق، وكذلك لا يوجد حل مُرضٍ». وتــعــمــل مــحــاكــم المــقــاطــعــات كـــل عــــام على ألف 42 ألف قضية جديدة، فضلا عن 300 نحو قضية جـديـدة تُــقـام أمـــام محاكم الاستئناف. وتـــمـــثـــل الــــــدعــــــاوى، الـــتـــي يــقــيــمــهــا أشـــخـــاص يمثلون أنفسهم، ثلث حجم القضايا مجتمعة، بـــحـــســـب بــــيــــانــــات جـــمـــعـــهـــا المــــكــــتــــب الإداري للمحاكم الأميركية الـذي يساعد في الإشـراف على النظام القضائي الفيدرالي. وأكـــــــثـــــــر هــــــــــؤلاء ســــجــــنــــاء يـــســـتـــخـــدمـــون المكتبات القانونية فـي دعــم حقوقهم المدنية أو الاعـــتـــراض عـلـى ظــــروف الــســجــن، فـــي حين كان آخرون أشخاصا عاديين غير قادرين على تحمل نفقات الاستعانة بمحامٍ، أو أشخاصا يعتقدون أنهم أفضل من أي محام في تمثيل فـي المـائـة مـن المـدعـن، 96 أنفسهم. وقــد خسر الذين يمثلون أنفسهم، الدعاوى التي أقاموها .2017 و 1998 بين عامي مـــــــــع ذلـــــــــــك يـــــــقـــــــول قـــــــضـــــــاة ومــــــحــــــامــــــون وأكــاديــمــيــون إن حـجـم المــلــفــات، الــتــي يقدمها مدعون يمثلون أنفسهم، قد زاد بشكل كبير مع انتشار استخدام الـذكـاء الاصطناعي. وزادت نــســبــة هــــذا الـــنـــوع مـــن الــقــضــايــا بـــن صـفـوف في المائة، من 11 الأشخاص غير السجناء من إجـمـالـي القضايا المـدنـيـة منذ خمس سنوات فـــي المـــائـــة، بـحـسـب دراســـــة جــديــدة 16.8 إلــــى أجراها باحثان للدكتوراه. ووجدت الدراسة أن جزءا كبيرا من الزيادة سببه استخدام المدعين، الذين يمثلون أنفسهم، لــلــذكــاء الاصـــطـــنـــاعـــي. وازداد عــــدد الـــدعـــاوى الـقـضـائـيـة، الــتــي يقيمها أولـــئـــك الأشـــخـــاص، والــتــي رُجـــح احــتــواؤهــا عـلـى نـصـوص مـولّــدة بـــاســـتـــخـــدام الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، مــــن صـفـر في المائة 18 ، إلى أكثر من 2019 افتراضي عام ، بحسب ما أشارت الدراسة. 2026 عام وقال أناند شاه من معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، وأحد مؤلفي الدراسة المذكورة: ســاعــة فــي الـــيـــوم. لا 24 «لا يــــزال لـــدى الـقـضـاة بــد أن تـنـهـار الأمــــور فــي وقـــت مــــا». تـكـمـن قـوة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المدعين الذين يمثلون أنفسهم، في قدرته على تحويل بعض الأوامــــر الـقـصـيـرة الـــصـــادرة عــن مستخدم إلـى وثائق طويلة لها عناوين رئيسية واقتباسات وعلامات أخرى لموجز قانوني منطقي سليم. وقــــــــال ســـتـــيـــفـــن دانـــــوهـــــيـــــو، وهـــــــو مــــحــــام لـــدى محكمة مـقـاطـعـة مينيسوتا الأمـيـركـيـة، والمـــــــســـــــؤول عـــــن مــــراجــــعــــة مــــلــــفــــات الـــــدعـــــاوى الــقــضــائــيــة الـــتـــي يـقـيـمـهـا أشـــخـــاص مـمـثـلـون 50 لأنفسهم، إنــه قـد لاحــظ زيـــادة قـدرهـا نحو في المائة في عدد الملفات المقدمة من أشخاص .2025 ) غــيــر ســجــنــاء بـــدايـــة مـــن مـــــارس (آذار وأشـــار إلــى وجــود زيـــادة فـي جميع أنـــواع تلك الـــدعـــاوى الـقـضـائـيـة بـمـا فيها الـــدعـــاوى التي تزعم عمليات اعتقال ملفقة ومحاكمة تتضمن أذى متعمد ونــزاعــات أسـريـة فـوضـويـة تشمل الطلاق. وتضمنت القضايا في بعض الأحوال «الــجــانــب الأكــبــر مــن الـقـضـايـا الـيـومـيـة» التي تُــقــام حـالـيـا أمـــام محكمة فـيـدرالـيـة بمساعدة تـطـبـيـقـات لــلــقــانــون الــفــيــدرالــي مـسـتـلـهـمـة من الذكاء الاصطناعي. وقال: «يمكن أن تتحول كل عملية إخلاء منزل إلى انتهاك لقانون الإسكان العادل». ومــــع وجــــود إشـــــراف بــشــري دقـــيـــق، يمكن لمخرجات الذكاء الاصطناعي أن تنافس أحيانا عــمــل شــخــص مـهـنـي قـــانـــونـــي، عــلــى الأقـــــل في أمـور بسيطة مثل صياغة عقد إيجار. مع ذلك قــد يـــؤدي الـلـجـوء إلـــى الــذكــاء الاصـطـنـاعـي في القضايا الأكـثـر تعقيداً، إلــى جانب أمــور قـد لا تــكــون مـائـمـة لأن تـصـبـح قـضـيـة، أحـيـانـا إلـى كتابة صفحات مـن النصوص شبه القانونية غير الجديرة بالنظر فيها قانونياً». وقال القاضي جوشوا ولسون من مقاطعة بــنــســلــفــانــيــا الـــشـــرقـــيـــة خـــــال مـــؤتـــمـــر قـضـائـي فـــي مـــايـــو (أيّـــــــــار): «أيـــهـــا الـــقـــضـــاة ابـــحـــثـــوا عن الحقيقة» في سياق حديثه عن تداعيات الذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي. وأضــــــاف قـــائـــاً: «عــنــدمــا تـكـون هـنـاك إمكانية لجعل الأمـــور تـبـدو كالحقيقية لكنها فعليا ليست كــذلــك، وتنخفض التكلفة وتـرتـفـع الـــجـــودة، فـهـذا هــو الـتـحـدي الحقيقي أمامنا كمحاكم». ولـــم تـــرد شـركـة «أنــثــروبــيــك»، الـتـي تمتلك تطبيق «كلود»، على طلب التعليق على الأمر. كــذلــك رفــــض مــتــحــدث بــاســم شــركــة «أوبـــــن إيــه آي»، الـتـي تمتلك تطبيق «شـــات جـي بـي تـي»، التعليق. وتـنـص شـــروط الاسـتـخـدام الخاصة بمنتجي الشركتين على مسؤولية المستخدمين عـــن المـــخـــرجـــات والـــتـــي لا يـنـبـغـي اسـتـخـدامـهـا «بديلا للاستشارة المهنية المتخصصة». ورغـــم تلك الـعـوائـق والـعـيـوب، قــال قضاة ومحامون إنه من الممكن إتاحة استخدام الذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي بــشــكــل مـنـتـشـر لــصــالــح الــنــظــام القضائي، حيث يسهم في فتح أبــواب المحاكم أمـــــام أشـــخـــاص لا يـسـتـطـيـعـون تــحــمــل تكلفة الاستعانة بمحامين. وقال دانوهيو: «يمكن أن يصبح (الــذكــاء الاصـطـنـاعـي)، إذا مـا استُخدم بشكل مــائــم، أداة قـويـة بشكل مـذهـل لصالح شخص يعتقد أنه تعرض للظلم، ويؤمن بحقه في تصحيح الأمر». لــــكــــن المــــحــــاكــــم لـــيـــس بـــوســـعـــهـــا مـــنـــع تـلـك الدعاوى القضائية حتى إذا أرادت ذلك؛ فللناس الـــحـــق فــــي إقــــامــــة دعـــــــاوى قــضــائــيــة إذا كـــانـــوا يــعــتــقــدون أن لــديــهــم مـطـلـبـا؛ إذ قــــال المـتـحـدث باسم المكتب الإداري للمحاكم الأميركية بيتر كــابــان، إن مكتبه كــان «مــدركــا لـهـذه المـسـألـة»، و«يجمع معلومات» تتعلق بآثارها على النظام القضائي. *خدمة «نيويورك تايمز» Issue 17353 - العدد Tuesday - 2026/6/2 الثلاثاء يحدث مصادفة أن تكون في بيتك مع أفراد عائلتك، ثم فجأة تسمع طَرقا على الباب الخارجي أو رنين جرس، فتنهض لمـعـرفـة مَـــن الـــطـــارق ومــــاذا يــريــد. وحـــن تفتح الباب تجد أمامك شخصا غريبا -رجلا أو امرأةً- يحييك بأدب ويخبرك بأنه قضى جزءا من طفولته وصباه في البيت، وجاء قصدا برغبة استعادة بعض ذكرياته. فهل تــأذن لـه بـالـدخـول؟ أم تـتـردد قليلا وتتركه ينتظر أمـام الباب؟ مـــن المـسـتـبـعـد فـــي لـحـظـة مــثــل تــلــك أن تــــرد طـلـبـه، وتغلق الباب في وجهه. الحنين (النوستالجيا) إلى ما مضى من حيواتنا مثل ظل يتبعنا. يظهر ويختفي، يطول أو يقصر، تبعا لتغيُّر الـفـصـول. ولــه طُـــرق عـــدة يتسرب منها إلــى المـرء مـــنَّـــا. وهـــو مـنـصـف، لا يــفــرق بـــن شـخـص وآخــــر سـوى في الـدرجـة. متى وجـد الفرصة مناسبة وفُتحت أمامه الأبـــــواب يــبــرز ويـسـتـولـي عـلـى ذاكــراتــنــا وأحـاسـيـسـنـا. أحيانا يتسرَّب إلينا مثل قطرات ماء تشق طريقها في صخر، صامتة ومثابرة. كلما طـالـت بـنـا رحـلـة الـعـمـر تلبَّسنا حـنـن غامر بالعودة إلـى طفولتنا وصبانا. وإن صـدف ورمــت بنا المـــقـــاديـــر فـــي مَــهــاجــر بــعــيــدة نـعـيـش بـــن أنـــــاس غــربــاء وثقافات ولغات غريبة، يباغتنا الحنين إلى أوطاننا في أشـكـال متعددة. ولـو كـان بعضنا على علاقة بالكتابة والأدب، يـكـون الشعر -فــي أغـلـب الأحــيــان- الملجأ الـذي نتيح فيه لذلك الحنين الظهور؛ مرَّات بشكل مبالغ فيه، ومرَّات أخرى بتلميح واستحياء. بـــالـــعـــودة إلــــى الــــطــــارق الـــغـــريـــب عــلــى الــــبــــاب، فــإن السماح له بالدخول يكون قـرارنـا الـذي اتخذناه بدافع الــتــعــاطــف مــــن جـــهـــة. ومـــــن جــهــة أخــــــرى كـــونـــه يــذكــرنــا بأنفسنا والـبـيـوت الـتـي عشنا بـهـا. وفـــي الــوقــت ذاتـــه، يـعـنـي كــذلــك أنــنــا نـفـتـح أمـــامـــه مـــن حـيـاتـنـا الـعـائـلـيـة، ونمنحه هامشا صغيرا يكتبه ليستعيد نتفا من طفولته وصباه. أدب الضيافة يفرض حضوره علينا، فلا نجرؤ على سـؤالـه وهــو يتنقل فـي أنـحـاء الـبـيـت، مستحضرا ذكرياته الماضية. نحن -تلك اللحظات- على دراية بأن الطارق الغريب لم يأت للبيت ليرانا أو ليتكلم معنا؛ بل جاء ليستنطق الــجــدران، ولـكـي يسمع صــدى صـوتـه الطفولي القديم. ذلـــك المـشـهـد يـصـدمـنـا فــي الــبــدايــة، ثــم نــبــدأ بـعـدهـا في محاولة قـــراءة مـا يظهر مـن تفاصيل على ملامح وجه ذلك الغريب. الأمر عادي جداً، قد يحدث لأي منا في أي يوم. وعاديَّته تلك هي التي تجعلنا لا نتوقع أن يحدث لنا، وبالتالي لا نفكر فيه. بــعــد مـــغـــادرتـــه، تـظـهـر لــنــا فـــجـــأة حـقـيـقـة مـنـسـيـة. وهـي أن البيت الـذي يضمُّنا ونسميه بيتنا لا يحتوي فـقـط عـلـى أشـيـائـنـا وأنــفــاســنــا وذكــريــاتــنــا؛ بـــل أنـفـاس وذكريات من سكنوه قبلنا أيضاً. ونتذكر أن لنا شركاء لا نعرفهم شخصياً، ولكن بالإمكان تخيُّلهم ورصد ما تركوه خلفهم. وما ينطبق على البيوت -في رأيي- يطول الأوطــان. فالأوطان هي أيضا بيوت؛ لكن أكبر مساحة. نُولد ونكبر فيها، ونبذر بين جدرانها آمالنا وأحلامنا، ونُودِعها ذكرياتنا. مــا الــســر يــا تـــرى وراء الـحـنـن الـــذي يـأكـل مــن قلب مـهـاجـر مــثــاً، ويـجـعـلـه يـحـلـم بــعــودة إلـــى بــــاده، وهـو يعرف مسبقا أنها قد لا تتحقق مطلقاً؟ طبيعة الأسئلة التي تظل بلا إجابات أنَّها لا تغادر. تبقى فــي الــعــادة تـاحـقـنـا وتــربــك حـيـواتـنـا وروتـيـنـهـا الــيــومــي. والــحــنــن لــو تـمـعَّــنـا فـيـه قـلـيـا لاكـتـشـفـنـا أنـه أقرب إلى سؤال بلا إجابة. وهو -في الوقت ذاته- عاطفة وجـدانـيـة عميقة وجـيَّــاشـة ومـجـرَّبـة مـن أغلبنا. ولهذا السبب قد يتحوَّل إلى ما يشبه القوة الجامحة داخلنا إذا وجد الفرصة. تلك القوة هي التي تستحوذ على الروح والعقل معاً، بخاصة في حالة المهاجر المـذكـورة أعـاه، والتي هي حال كثيرين، فلا نرى حينئذ إلا ما يجيش في داخلنا من صور وذكريات، نهفو لاستعادتها مع علمنا باستحالة ذلك. الــحــنــن عــاطــفــة أشــــد مــكــرا مــمــا نــتــخــيَّــل؛ فــهــو مَــن يختار فريسته ويختار التوقيت، وليس أنسب لـه من عقل وقلب مهاجر تفتك به الوحدة. العلاقة بين الحنين والوحدة بنيوية في جوهرها؛ فكلما اسـتـوطـنـت الـــوحـــدة قـلـب المـــرء والـتـفَّــت كـأفـعـوان بحياته، يباغته الحنين مستفردا به. ولا مهرب. سُئل حسن نصر الله في مقابلته المتلفزة أنـه «لو 2006 ) الأولــى بعد حـرب يوليو (تـمـوز عاد بك الزمان ستكرر ما حدث في خلة وردة؟» فأجاب: «قطعا لا. لم تكن لدينا الحسابات أن عــدونــا سـيـدخـل فــي حـــرب مــن أجـــل جـنـديـن». وكــــان نـصـر الــلــه الــــذي هــالــه دمــــار تـلـك الـحـرب أطلق عبارته الشهيرة: «لو كنت أعلم؟». لم يكن نقد نصر الله لهذه الممارسة أكثر من ذر للرماد في العيون. الروايات عن امتلاكه اسـتـقـالـيـة فــي الـــقـــرار عــن «الـــحـــرس الـــثـــوري»، ، مع 2023 ) أكتوبر (تشرين الأول 8 تبخرت ليلة الانـصـيـاع لإمــــاءات إسماعيل قــاآنــي، فتم زج لبنان قسرا في حرب «إسناد» غزة، التي ارتدت خسائر كبيرة بشرا وعمرانا وتهجيرا جماعياً، وأُخضع لبنان، وبخاصة جنوبه، لأبشع عقاب جماعي. أما هزيمة «حزب الله» فماثلت الإبادة: كـــارثـــة «الــبــيــجــر»، وشــطــب «مـجـلـس الـجـهـاد» وقـادة الصفين الأول والثاني ومقتل نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين... فكان طلب وقف النار أيا كان الثمن، ليفرض العدو الإسرائيلي «حق» استباحة لبنان لـ«الدفاع عن النفس ضد هجمات مخططة أو وشيكة»! لـــذلـــك؛ انـــعـــدمـــت المـــفـــاجـــأة فـــي زج لـبـنـان فـي «الإســنــاد» الثاني لإيـــران هــذه المـــرة والـثـأر للمرشد عـلـي الـخـامـنـئـي، ولـــو أنـــه صحيح أن «حـزب السلاح الإيـرانـي» أراد استغلال الحرب الأمــيــركــيــة - الإسـرائـيـلـيـة عـلـى إيـــــران لتعديل نوفمبر (تشرين 27 الــشــروط المشينة لاتــفــاق ، كـان المطلوب منه التوقف عند 2024 ) الثاني الــــهــــوة الــســحــيــقــة بـــمـــوازيـــن الــــقــــوى لــلــتــراجــع والـــوقـــوف خـلـف الـسـلـطـة، مــا كـــان قــد يـحـد من الأهـــــوال الــتــي يـتـعـرض لـهـا جـبـل عــامــل، الــذي يـتـواصـل محو عـمـرانـه بعد فــرض إخـائـه من البشر، وقـد تلقى صـور والنبطية مصير بنت جبيل. خـــــــال «إســـــــنـــــــاد» غـــــــزة حـــــــــذّر المـــبـــعـــوث الأمـيـركـي آمـــوس هوكشتاين رئـيـس البرلمان اللبناني نبيه بري من أبعاد كارثية قد تفضي إلى احتلال خطير، وأن الانسحاب إلى شمال الليطاني يبعد الـخـطـر. المـؤكـد أن توصيات مركز «المـــا» الإسرائيلي التي طــورت «عقيدة الضاحية» كانت معروفة، وقـد حملت دعـوة إلـى «كـي الـوعـي الشيعي» عـــادَّة أن الــرد على أوهـــــام اجــتــيــاح الـجـلـيـل يــكــون بـمـحـو الـقـرى والمــــــدن مــثــل بــنــت جـبـيـل وصـــــور والـنـبـطـيـة، ومـــنـــع إعــــــادة تــكــويــن «الــبــيــئــة» الـــتـــي تسمح بـــعـــودة الــخــطــر. لـــكـــن المـطـمـئـنـن إلــــى قــــدرات «مدن الأنفاق» التي أقامتها إيـران، استخفوا بالتحذيرات، فنقل بري إلى هوكشتاين جوابا مفاده أنـه «أسهل نقل الليطاني إلـى الحدود مــن انــســحــاب (حــــزب الــلــه) إلـــى شــمــالــه»! ولـم يبادر بري لتاريخه بأي خطوة كان يمكن لها تفادي تقديم جبل عامل ولبنان لقمة سائغة لإسرائيل خدمة لإيران. صـــــار واضــــحــــا أنـــــه فــــي خــلــفــيــة الــــقــــرارات الـحـكـومـيـة بـحـظـر الـعـمـل الـعـسـكـري والأمــنــي لــــ«حـــزب الـــلـــه» قــنــاعــة أن هــــذه الـتـركـيـبـة الـتـي يـــقـــودهـــا «الــــحــــرس الـــــثـــــوري»، تــعــكــس إصــــرار طهران على استثمار توظيفها بإحياء «وحدة الـسـاحـات»، حماية لمصالحها، فـي استخفاف بأبعاد التحولات الهائلة بعد كـارثـة «طوفان الأقصى»: دمـار غزة وإعــادة احتلالها واقتلاع الجنوبيين وقـيـام سـوريـا الـجـديـدة ... وصـار واضحا أكثر أن هذا التنظيم العسكري الأمني «جزء من الجمهورية الإسلامية هو اعتداء على الدولة اللبنانية» كما كان يؤكد الوزير محمد شطح المتهم «حزب الله» باغتياله! 3 ســـنـــة إلـــــى 20 أن يـــؤخـــذ لـــبـــنـــان خـــــال حــــــروب مــــدمــــرة خـــدمـــة لإيـــــــــران، أمـــــر يـتـطـلـب الــــفــــضــــح والإدانـــــــــــــة والاســــــتــــــعــــــداد لمــحــاســبــة المــرتــكــبــن، والمـــمـــر إلـــى ذلـــك يـفـتـرض تظهيرا لــلــغــضــب الـــشـــيـــعـــي، ورفـــــــع الــــصــــوت يـنـبـغـي أن يـعـكـس حــجــم الـــوجـــع. مـــحـــوري هــنــا دور النخب الشيعية؛ لأنه قاطرة دعم منحى وقف الـهـزيـمـة عـنـد الــحــدود الـتـي بلغتها مــا يتيح للبنان التقاط الأنفاس لرسم سياق آخر لليوم الــتــالــي... هـنـا يـبـرز بالضبط أهـمـيـة الــنــداء - الاستغاثة، لنخب من صور والنبطية، الطالع مـن قلب الـوجـع فأعلن سقوط القناع ورفـض الانتحار وتمسك بالحق بالعيش الطبيعي. النداء الثنائي مع مئات التواقيع من فعاليات طـــالـــبـــت بــجــعــل المـــديـــنـــتـــن: صـــــور والـنـبـطـيـة مــديــنــتــن مــفــتــوحــتــن خــالــيــتــن مــــن الـــســـاح تحت حراسة الجيش والقوى الشرعية، يرقى لمستوى النداء التاريخي؛ لأنه الأول من نوعه سنة (تاريخ تأسيس «حزب 41 منذ أكثر من )، يـــديـــن «الــــحــــزب» ويــرفــض 1985 الـــلـــه» عــــام «المــــقــــاومــــة»، وقــــد بـــاتـــت مـــقـــاولـــة، ويـطـالـبـهـا بـــمـــغـــادرة المــديــنــتــن. إنــــه بـمـعـنـى مـــا الـتـمـرد الأول على سـطـوة «حـــزب الـلـه» على الإجـمـاع الشيعي، ورفـــض لتلك الــروايــات الـتـي حملت زورا شــعــارات مــن نـــوع «نـحـمـي ونـبـنـي»، في حـــن الــــواقــــع تـمـثـل بـــمـــصـــادرة الـــقـــرى والمــــدن وأهلها وجعلهم دروعا خدمة إيران. النداء الثنائي بداية خريطة طريق لتحرير الــجــنــوب وإنـــقـــاذ لــبــنــان، يـنـبـغـي أن تستكمل وطــنــيــا، بـعـدمـا رســـم الـــنـــداء الـثـنـائـي الـسـيـاق المفترض لبدء مسار فضح الإجـــرام والارتـهـان وتوفير مناخ حقيقي لمساءلة جدية، لـ«حزب إيــران في لبنان» وأعـوانـه. إنـه المنحى المنتظر لفضح وكـسـر تـحـالـفـات «حـــزب الــلــه» العميقة مع منظومة الفساد قاطبة؛ لأنها غطت تغوله وإمساكه بمفاتيح القرار ما عطل تنفيذ قرارات حـكـومـيـة تـاريـخـيـة بــنــزع الـــســـاح الــاشــرعــي. واكـــتـــمـــال هــــذا المــنــحــى يـتـطـلـب بـــلـــورة سـريـعـة لشبكة حماية وطنية تشمل المـوجـوعـن وهم أكثرية اللبنانيين المـدعـويـن للنهوض بأعباء هــــذا الـــتـــحـــدي الإنــــقــــاذي بــعــدمــا بــــات الـــوجـــود الوطني محاصرا بـالـخـطـر... وبـقـدر مـا يمكن أن يتبلور هذا المنحى، يمكن أن تقصر جلجلة البلد، ولـيـس الطائفة الشيعية وحـدهـا، التي أنزل بها الحزب الأصفر قبل بنيامين نتنياهو أخطر نكبة! جمعة بوكليب حنا صالح *ماتاثياس شفارتز وزاك مونتيغيو OPINION الرأي 14 خريطة طريق لإنقاذ الجنوب ولبنان! استنطاق الجدران الذكاء الاصطناعي يتحدى القضاة والمحامين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky