تـــتـــصـــاعـــد «حـــــــرب الأرشــــــيــــــف» بـــــن الإعــــــام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجانا في تدريب أدوات الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي. وأفـــــــاد خــــبــــراء بـــأن «الحظر مجرد إجـــراء مـؤقـت»، ودعـــوا إلــى «وضـع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات». تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص فـــي دراســــــات الــصــحــافــة، أخـــيـــراً، تـــطـــرّق إلــــى بــدء موقعا إخباريا محليا فـي الـولايـات 340 أكثر مـن المــتــحــدة فـــي حـظـر أو تـقـيـيـد الـــوصـــول لأرشـيـفـهـا على الإنترنت. وأشــار إلـى أن هـذا التحرك بـدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها عـلـى الإنــتــرنــت، بـعـد تـأكـيـدهـا أنـــه «يـسـتـخـدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي». مخاوف من استغلال عنصر المجانية ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجها ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جـــاء مــدفــوعــا بــمــخــاوف مـتـصـاعـدة مـــن اسـتـغـال شــــركــــات الــتــكــنــولــوجــيــا لـــأرشـــيـــف المـــجـــانـــي فـي تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخـــرى فــي بـريـطـانـيـا والــبــرازيــل رغـبـة فــي حماية حقوق الملكية الفكرية». الـــدكـــتـــورة مـــي عـبـد الــغــنــي، أســـتـــاذة الإعـــام فـي جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة فـي الإعـام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المــدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لـــــدى المـــنـــصـــات الــــكــــبــــرى». وأردفــــــــت أن «أرشـــيـــف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج الــلــغــويــة لـــلـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي؛ بـــل هـــو جــــزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضا البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية». وتــابــعــت أن «هــــذا الـــصـــراع الــظــاهــري يخفي جـوانـب أكـثـر أهـمـيـة، إذ إن جـوهـر الــصــراع يتركز حــــول مـلـكـيـة الـــبـــيـــانـــات والـــســـيـــطـــرة عــلــى المــعــرفــة الــرقـمــيــة بــهــدف احــتــكــار الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة لـلـذكـاء الاصـطـنـاعـي، إضــافــة إلـــى الـحـق الـقـانـونـي المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات عـلـى مــبــدأ الـحـوكـمـة المـــتـــوازنـــة لــلــذاكــرة الـرقـمـيـة، الـــتـــي تــعــنــى بــحــمــايــة المـــحـــتـــوى مــــن دون تـدمـيـر البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتـخـاذ قـــرارات مـن أبــرزهــا: الـحـذف الانتقائي بدل الــحــظــر الـــشـــامـــل، والــتــرخــيــص المــنــظــم لاســتــخــدام المــحــتــوى، وإنـــشـــاء أرشــيــفــات إعــامــيــة مؤسسية مستقلة بــــدلا مــن الاعــتــمــاد الـكـامـل عـلـى الأرشــفــة الخارجية». وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والـوصـول المـدفـوع، وكــذا تنظيم استخدام الذكاء الاصــطــنــاعــي عـبـر عـقـد اتــفــاقــيــات تـتـضـمـن عـقـود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقـرار تعويضات مالية، حسبما يـــتـــنـــاســـب مـــــع طـــبـــيـــعـــة كـــــل مـــؤســـســـة وإنـــتـــاجـــهـــا الإعلامي». مــــن نـــاحـــيـــة أخـــــــرى، لــفــتــت إلـــــى أن «الــحــظــر يُشكل ضررا على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونــشــأتــهــا... وأن الـبـحـث الأكـــاديـــمـــي يـحـتـاج إلـى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات الـسـابـقـة، واسـتـنـسـاخ الـــدراســـات، وبـالـتـالـي، فـإن حظر الأرشـيـف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يــؤدي عمليا إلى تـعـطـيـل الــــقــــدرة الـعـلـمـيـة عــلــى فــهــم الـــظـــواهـــر في سياقها الزمني والـتـطـوري خصوصا فـي العلوم الاجتماعية والإنـسـانـيـة، التي لا تــدرس الظواهر بــوصــفــهــا أحــــداثــــا ثـــابـــتـــة، بـــل بــوصــفــهــا عـمـلـيـات ديناميكية تتشكل عبر الزمن». واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الـــرقـــمـــيـــة لــلــعــصــر الـــحـــديـــث الـــتـــي يــعــتــمــد عـلـيـهـا المـــؤرخـــون، مــا يـــؤدي إلـــى خـلـق فــراغــات تاريخية رقـــمـــيـــة، ويـــســـهـــم فــــي ظـــهـــور انـــقـــطـــاعـــات لـلـسـجـل الــتــاريــخــي مــمــا يـنـتـج تــشــوهــا فـــي فــهــم الأحـــــداث التاريخية، فضلا عـن تعزيز احتكار التاريخ من قـبـل المــنــصــات، وهـــو مــا يــــؤدى إلـــى تـهـديـد كتابة التاريخ الرقمي». الذاكرة الرقمية على صعيد ثـانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فــــإن هــــذا الـــتـــحـــرك يــثــيــر تــــســــاؤلات بـــشـــأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والـبـاحـثـن والمــؤرخــن الــذيــن يـعـتـمـدون عـلـى هـذا الأرشـــيـــف فــي عملهم وفـــي رصـــد الــتــطــورات حـول العالم. هـــنـــا، قــــال الـــدكـــتـــور حــســن عــبــد الـــلـــه، نـائـب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنـه «فـي ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الـــرغـــم مـــن أهـمـيـة حـمـايـة حــقــوق المـلـكـيـة الـفـكـريـة للمؤسسات الإعـامـيـة، يبقى الــسـؤال الـجـوهـري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد عـاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟». ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحديا حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهـم مصادر المـعـلـومـات المـــوثـــوقـــة». وشــــرح أن «اســتــخــدام هـذا المحتوى مـن دون تنظيم أو تعويض عــادل يهدد الاســـتـــدامـــة الاقــتــصــاديــة لـلـمـؤسـسـات الإعــامــيــة، لا سيما في وقـت تعاني فيه الصحافة التقليدية مـــن تـــراجـــع الإيــــــــرادات وتــغــيــر أنـــمـــاط الاســتــهــاك الرقمي. وبناء عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حـا جـذريـا، بل قد يؤدي إلـى إضعاف الوصول إلـى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي». ولــفــت أيــضــا إلـــى أن الـفـتـرة الأخـــيـــرة شهدت ازديـــــــــادا فــــي الــــنــــزاعــــات الــقــانــونــيــة بــــن الـصـحـف وشــــركــــات الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي بـــشـــأن اســتــخــدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقـــــال إن «الـــحـــل الـحـقـيـقـي يــكــمــن فـــي بـــنـــاء إطـــار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضـــحـــة تـسـمـح بــاســتــخــدام المــحــتــوى الـصـحـافـي مقابل تعويض عــادل وشـفـاف، إضـافـة إلـى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عــــن مــــصــــادر الـــبـــيـــانـــات المـــســـتـــخـــدمـــة فــــي تـــدريـــب نماذجها». Issue 17352 - العدد Monday - 2026/6/1 الاثنين الإعلام 17 MEDIA تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين ترند د. ياسر عبد العزيز عَلام تعتمد لمعرفة أخبار الحرب الإيرانية؟ الجمهور العالمي الـيـوم لا يتلقى أخـبـار الـحـرب الجارية بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر عبر مسار إعلامي واحد، كما كانت الحال في العقود السابقة. لقد انهار الاحتكار التقليدي لتفسير الصراعات. لـــم تــعــد الــحــكــومــات، ولا المـــؤســـســـات الإعـــامـــيـــة الـكـبـرى وحدها، قادرة على احتكار السردية؛ فالحرب المعاصرة تُبث في الزمن الحقيقي عبر شبكة مُعقدة من المنصات، والخوارزميات، والمقاطع القصيرة، والمؤثرين الجُدد، والصحافيين المستقلين، والـتـسـريـبـات الـرقـمـيـة. وهــنــا تــحــديــدا تتغير طبيعة الـوعـي الجمعي بالحروب. الدراسات الحديثة تشير إلى أن الجمهور العالمي يعتمد بدرجة متزايدة على المنصات الرقمية بوصفها المصدر الأول لمـتـابـعـة الــنــزاعــات الــدولــيــة. وتــقــريــر «مـعـهـد رويـــتـــرز لــدراســة الـصـحـافـة» الأخــيــر أظـهـر تـراجـعـا مستمرا فــي الاعـتـمـاد على الــتــلــفــزيــون والـــصـــحـــف الــتــقــلــيــديــة مــقــابــل الـــصـــعـــود الــكــاســح للمنصات الاجتماعية والـهـواتـف المحمولة بوصفها البوابة الأساسية للأخبار الدولية. وفـي الـحـروب تحديدا يتضاعف تأثير هذه المنصات بسبب السرعة والطابع العاطفي وهيمنة الصورة. لكن هـذا التحول لم يلغ دور الإعــام «التقليدي» تماماً، بل أعاد تعريفه؛ فلا تزال مؤسسات مثل «رويترز»، و«بي بي سي»، و«نيويورك تايمز»، و«سي إن إن» تمثل مرجعية مركزية في إنتاج المادة الخام للأخبار، غير أن الجمهور لا يستهلك هذه المواد غالبا عبر مواقعها الأصلية، بل عبر إعادة تدويرها على منصات مثل «إكس»، و«تيك توك»، و«إنستغرام»، و«يوتيوب». وهـــكـــذا تــتــحــول الأخــــبــــار مـــن مـــــادة تــحــريــريــة مـتـمـاسـكـة إلــى شظايا بصرية وعاطفية يعاد تركيبها داخل فضاءات رقمية متصارعة. لـــم تــعــد الـــحـــروب تُـــشـــن عــلــى الأرض وحـــدهـــا، بـــل تُــشــن فـي الـوقـت نفسه على الـوعـي الـبـشـري، وحــن اندلعت الحرب ، وجـــد الـجـمـهـور 2026 ) الإيـــرانـــيـــة فـــي أواخـــــر فــبــرايــر (شـــبـــاط العالمي نفسه أمام سيل متدفق من الصور والأرقام والتأطيرات المـتـضـاربـة، فمن أيــن يستقي هــذا الجمهور معرفته بـأحـداث الحرب؟ وأي مرايا تعكس له صورتها؟ وما الحصيلة المعرفية التي تتشكل في أذهانه؟ تكشف البيانات المتاحة أن «يوتيوب فوكس نيوز» سجل وحـــده، وهو 2026 فـبـرايـر 28 مليون مـشـاهـدة، فـي يــوم 36.8 أعلى رقم يومي تحقّقه الشبكة في العام كله، قبل أن تتجاوز مليار مشاهدة 1.5 مشاهداتها على «يوتيوب» في الربع الأول بفضل تغطية الحرب. غـيـر أن المــصــدر الإعـــامـــي لا يــحــدد الاتـــجـــاه وحــــده، فما يُــعــرَض مــن هـــذا المــصــدر ومـــا يُــحـجـب يصنع الأثـــر الحقيقي. أثــبــتــت دراســــــة أجـــرتـــهـــا مــؤســســة «نــافــيــغــايــتــور ريــســرتــش» ، على عيّنة من 2026 ) ) فـي مــارس (آذار Navigator Research( نـاخـب أمـيـركـي مُــسـجـل، أن المــوقــف مــن الــحــرب يتباين 1000 تباينا حـــادا بحسب عـــادات المـشـاهـدة؛ فالجمهوريون الذين يـتـابـعـون «فــوكــس نــيــوز» يُــبــدون دعـمـا أعـلـى لـلـحـرب مـقـارنـة بالجمهوريين الـذيـن لا يتابعونها، بينما يميل مستخدمو منصة «إكس» اليوميون إلى تأييد الحرب، في حين يعارضها جـمـهـور «تـيـك تـــوك» فــي مـعـظـمـه. وهـــذا الـتـبـايـن فــي المـصـادر يُترجَم مباشرة إلى انقسام في الفهم والتقدير. ولعل الأشد دلالة ما رصدته مؤسسة «أرغيل كونسلتنغ في المائة من أكثر 60 ) من أن Argyle Consulting Group( » غروب المنشورات تداولا على منصة «إكس» بشأن إيران، في الأسبوع الأول للحرب، صدرت من حسابات خارج الولايات المتحدة، وإن كانت تُظهر نفسها أصواتا أميركية. يشير هذا بوضوح إلى طبيعة التدخلات السياسية عبر المنصات وأثرها الكبير. وعـــلـــى المـــســـتـــوى الـــعـــالمـــي، جــــاء اســـتـــطـــاع «إيـــبـــســـوس» 31 على عيّنة من 2026 ) )، الذي أُجري في أبريل (نيسان Ipsos( في المائة يرون أن بلدانهم ينبغي ألا 81 : دولة ليُضيف بُعدا آخر دولة تدهورت صورة 29 من أصل 27 تنخرط في الحرب، وفي الولايات المتحدة في أعين المُستطلعين قياسا بما كانت عليه .2025 في خريف هــذه الأرقـــام ليست مجرد آراء؛ بـل إنها نتاج مباشر لما وصل إلى هؤلاء من معلومات، وكيف وصل. والـسـؤال هنا ليس فقط عمّن يُغذي هـذه المعرفة، بل عن الإطار الذي تُقدم فيه. وفي هذه البيئة المُتضاربة، برزت بدائل بوتيرة غير مسبوقة؛ فـ«تيك توك» لم يكن مجرّد منصة ترفيه؛ بـل بــات فـضـاء لـتـدويـر مشاهد الـحـرب بمنطق أُفـقـي شعبي، يـضـع المـــواطـــن فــي مـواجـهـة مـبـاشـرة مــع الـــروايـــات الـرسـمـيـة، ويُشكل ما يُمكن تسميته «فجوة المصداقية»، حين تتناقض الصور المتداولة مع ما تُقره المؤسسات. وفـــي المــحــصّــلــة، يـبـنـي الـجـمـهـور الــعــالمــي مـعـرفـتـه بـهـذه الــحــرب عـبـر بيئة إعـامـيـة مُتشظية ومـتـنـازع عليها فــي آن: وســـائـــل تـقـلـيـديـة تـــراجـــع نـــفـــوذهـــا، ولــكــنــهــا لـــم تــســقــط بـعـد، ومـــنـــصـــات رقـــمـــيـــة تـــتـــقـــدم بـــســـرعـــة تـــفـــوق قــــــدرة أي مـنـظـومـة عـلـى مـواكـبـتـهـا، وســـرديـــات مُــتـضـاربـة تعكس بـدقـة انقساما جيوسياسيا أعمق. مـا يعرفه الـعـالـم عـن الـحـرب لـم يكن حـــرّا تماما فـي يوم من الأيـام، لكنه اليوم أكثر تشابكا وأشد تأثرا بالخوارزميات وحروب النفوذ الرقمي من أي وقت مضى. «ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين فــــي خـــطـــوة تُـــصـــعّـــد المـــنـــافـــســـة مــــع مــنــصــات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شــركــة «مــيــتــا» تطبيقا جـــديـــدا أسـمـتـه «فـــــوروم»، يــهــدف إلـــى تـحـويـل كــل المـجـمـوعـات الــتــي يشترك فــيــهــا المـــســـتـــخـــدم عـــلـــى «فـــيـــســـبـــوك» إلـــــى تــجــربــة تفاعلية مستقلة. وفـقـا لمـا ذكـرتـه «مـيـتـا» فـي بـيـان لها بنهاية مــايــو (أيـــــار) المــنــصــرم، فـــإن «فـــــوروم» يُــعــد ساحة للنقاش العميق فـي المـواضـيـع التي تثير اهتمام المــســتــخــدم، ويــعــتــمــد فـــي الأســــــاس عــلــى خـاصـيـة «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية. وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عـلـيـهـا المـسـتـخـدم يــصــار إلـــى جـمـعـهـا وتـدقـيـقـهـا عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي». مـــراقـــبـــون يـــــرون أن مـــا تــقــدمــه «مــيــتــا» ليس ابـــتـــكـــاراً، بـــل هـــو مـــيـــزة يـــوفـــرهـــا بــالــفــعــل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المــواضــيــع، وهــو الـسـبـب ذاتـــه الـــذي يجعله حاليا أحــد أكـثـر المــصــادر الـتـي تستشهد بها برمجيات وتـطـبـيـقـات الـــدردشـــة الآلــيــة الـقـائـمـة عـلـى الــذكــاء الاصطناعي للحصول على الإجابات. الــدكــتــور الـسـر عـلـي سـعـد، الأســـتـــاذ المـشـارك في تخصّص الإعـام الجديد بجامعة أم القيوين، يــــرى أن «مــيــتــا» تـــراهـــن عــلــى نــقــل المــســتــخــدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم». ويـــوضـــح عـلـي سـعـد لــــ«الـــشـــرق الأوســـــط» ان «هـذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساسا بـــالاكـــتـــفـــاء داخــــــل المـــنـــصـــة مــــن دون الـــحـــاجـــة إلـــى المـغـادرة إلـى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية». ويــتــابــع أنــــه «بـيـنـمـا تــوفــر مـنـصـة (ريـــديـــت) مساحة مجهولة لـطـرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هـــي نــجــاح فـــي جــــذب المــســتــخــدم الـــيـــومـــي، مـقـابـل صـعـوبـة فـــي اسـتـقـطـاب المـجـتـمـعـات المتخصصة التي تفضل السرية». مــــن نـــاحـــيـــة أخــــــــرى، فـــــإن «مـــيـــتـــا» بــطــرحــهــا تطبيق «فــــوروم» تـدخـل وفــق الـدكـتـور علي سعد «مـنـطـقـة حـسـاسـة أخـاقـيـا وقـانـونـيـا مــع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم فـــي تـــدريـــب الـــنـــمـــاذج، مـــع صــعــوبــة حــــذف أثــرهــا لاحقا ً». ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجـــابـــات الـجـمـهـور يـفـتـح الـــبـــاب أمــــام الـتـحـيـزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمدا لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات مــحــددة». كـذلـك تـــزداد هــذه المـخـاطـر مـع «احتمال تـسـرّب البيانات الحساسة رغــم مـحـاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي». للعلم، يـقـوم مستخدمو «فــــوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبـنـاء على ذلـك يجري استيراد مـجـمـوعـاتـهـم تلقائيا داخــــل الـتـطـبـيـق. وسـيـكـون بــــإمــــكــــان المـــســـتـــخـــدمـــن بـــعـــد ذلــــــك المــــشــــاركــــة فـي مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناء على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل. في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» فـي المملكة العربية الـسـعـوديـة ومـصـر، فـي حـوار مــع «الـــشـــرق الأوســـــط» بـــأن شــركــة «مـيـتـا» تعتمد «الاســــتــــنــــســــاخ الــــرقــــمــــي» اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة راســــخــــة وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءا من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مـــــرورا بــــ«الـــريـــلـــز» لمــواجــهــة صــعــود «تــيــك تــــوك»، ووصولا إلى إطلاق «ثريدز» بديلا مباشرا لمنصة «إكس»، والآن «فوروم». القاهرة: إيمان مبروك دعوات إلى وضع قواعد «توازن بين الملكية الفكرية والوصول إلى المعلومات» «حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي القاهرة: فتحية الدخاخني زيادة الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية) أمام مبنى «نيويورك تايمز» (أ.ب)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky