رحـــــل قـــبـــل أيـــــــام ديـــفـــيـــد هـــيـــنـــدرســـون، الـشـاعـر الـــذي بـــرز اسـمـه مــع «حــركــة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والــــــذي مــضــى لــيــؤلــف ســـيـــرة ذاتـــيـــة حققت أعـلـى مبيعات عــن حـيـاة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هـنـدريـكـس ومــوســيــقــاه ونـهـايـتـه المـأسـويـة مايو (أيار) في لينكون بارك 14 المفاجئة، في عاما ً. 83 بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز وقـالـت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف. ، كــــــــان هــــيــــنــــدرســــون، 1962 فــــــي عــــــــام المـــولـــود فــي حــي هــارلـــم، شخصية محورية فـي تأسيس «جمعية أومــبــرا»، وهــي تجمع أدبــــــي رائــــــد لـــلـــســـود كـــــان مـــقـــره فــــي مـنـطـقـة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتــوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المـنـتـسـبـن لــهــذه المـجـمـوعـة، فـقـد سـعـى إلـى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء. تــــذكــــر هــــيــــنــــدرســــون تـــلـــك الـــحـــقـــبـــة فـي مـــع مـوقـع 2009 مــقــابــلــة أُجــــريــــت مــعــه عــــام «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فـــرنـــســـي، قــــائــــاً: «لـــقـــد كــنــا مـسـتـبـعـديـن من الـخـطـاب الـثـقـافـي. وهـــذا الاسـتـبـعـاد هــو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانـغـسـتـون هــيــوز، وغـويـنـدولـن بـروكـس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين». وغـــدت جمعية «أومـــبـــرا» حـجـر أســاس لحركة الفنون السوداء الأوسـع نطاقاً، التي بـــرزت فــي منتصف ستينات الــقــرن المـاضـي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الــــــذي عُـــــرف لاحـــقـــا بـــاســـم أمـــيـــري بــــاراكــــا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضا شـخـصـيـات مــن مــجــالات الــفــنــون الـبـصـريـة، والمسرح، والرقص، والموسيقى. وقـــال إشـمـائـيـل ريـــد، الـشـاعـر والـكـاتـب المـسـرحـي المـثـيـر لـلـجـدل الشهير فــي مقابلة مـعـه: «لـقـد كنا الـثـوريـن. إن الـكُــتّــاب السود لـــم يـــعـــودوا يــــرون ضـــــرورة لاتـــبـــاع الـتـقـالـيـد الـــســـرديـــة لـــكُـــتّـــاب مــثــل إرنـــســـت هيمينغوي أو هــنــري جـيـمـس. لـقـد كـسـرنـا ذلـــك الـنـمـط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع». وجــــســــدت «الـــتـــنـــســـيـــقـــات الــتــجــريــبــيــة» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بـهـمـا عـصـر الــحــقــوق المــدنــيــة، مـسـتـمـدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز. وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة «عمدة هارلم»: 1970 عام سكان أصليون صامتون يصرخون عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب آلات ساكسفون تينور طويلة بوق أسود يصدح صفحات من السيوف سبتمبر (أيلول) 19 وُلد هيندرسون في ، وهـــــو الابــــــن الأكــــبــــر بــــن ولــديــن 1942 عـــــام لــ«رايـمـونـد هـيـنـدرسـون»، الـــذي كــان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون». وفــــــي مـــرحـــلـــة المــــراهــــقــــة، غـــــــادر مــنــزلــه وانـــتـــقـــل إلـــــى وســـــط المـــديـــنـــة وتـــحـــديـــدا إلـــى حـــي إيــســت فـيـلـيـج لـيـتـفـرغ لـلـشـعـر. وتــذكــر هيندرسون ذلــك لاحـقـا قـائـاً: «كـــان هــذا في أوائـل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمـام أعيننا، لكنني لست متيقنا من أنني لاحظته حينئذ». وآنـــــــــذاك، بـــــدأ فــــي الاخــــتــــاط بــالــوســط الإبـداعـي الأســود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شـيـب»، وعـــازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقـــائـــد الــفــرقــة الــســريــالــيــة «صــــن را»، الـــذي تعاون معه في وقت لاحق. وفـــي أوائـــــل سـبـعـيـنـات الــقــرن المــاضــي، عُــن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهــي الأولـــى مـن بـن عــدة مناصب أكـاديـمـيـة شغلها عـلـى مــر الـسـنـن. وكـانـت تــرافــقــه زوجـــتـــه «بـــاربـــرا كــريــســتــيــان»، الـتـي أصبحت لاحقا أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعا بارزا في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة. وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عاما ً. 20 ، وذلك بعد انفصال دام 2000 عام بـــعـــد فــــتــــرة وجـــــيـــــزة مـــــن وصـــــولـــــه إلـــى كـالـيـفـورنـيـا، شـــرع الـسـيـد هــيــنــدرســون في ســـنـــوات لإنـــجـــاز كـتـاب 5 رحـــلـــة اســتــغــرقــت 18 عن هندريكس، الــذي توفي في لندن في عاما ً. 27 عن عمر ناهز 1970 سبتمبر عام لم يكن هيندرسون صحافيا موسيقيا عـلـى الإطـــــاق، ولـكـنـه كـتـب عـــن حـفـل أحـيـاه لـصـالـح مـجـلـة الـــروك 1968 هـنـدريـكـس عـــام «كــــــــراودادي». وتــذكــر هـيـنـدرسـون ذات مـرة فــي مقابلة مـرئـيـة قــائــاً: «لـقـد تـعـرفـت على هندريكس قليلا في أثناء التسكع بالنوادي فـي مانهاتن، وأخـبـرتـه أنـنـي سأكتب شيئا عنه». وقـــد ســـاعـــدت صــداقــتــه مـــع هـنـدريـكـس فـــي فــتــح الأبــــــواب أمـــامـــه، مــمــا دفــــع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هــنــدريــكــس. كـمــا تـمـكـن هــيــنــدرســون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية. نُــشــر كــتــاب «جــيــمــي هــنــدريــكــس: طفل (ثم نُقّح 1978 الفودو في العصر الدلوي» عام الـكـتـاب لاحـقـا وتـغـيـر عـنـوانـه إلـــى «اعــذرنــي حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»). وكــان هـذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هـنـدريـكـس، ووفــقــا لـكـاتـب مـوسـيـقـى الـــروك غـــريـــل مــــاركــــوس: «هــــو بــالــتــأكــيــد المــحــاولــة الأكــــثــــر جـــديـــة حـــتـــى الآن لــفــهــم حـــيـــاة أحـــد رمـــوز الستينات». ووصـفـه السيد ريــد ذات مـرة بأنه «مزيج بين الإثــارة والـرثـاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقدا مثيرا من الحياة». وتـــمـــيـــز الــــكــــتــــاب بـــــن الـــســـيـــر الـــذاتـــيـــة لمـوسـيـقـيـي الـــــروك بــأســلــوبــه الـــســـردي الـــذي ينتمي إلـى المـدرسـة «الصحافية الجديدة»، والـــذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُـــعـــاد صـيـاغـتـهـا وأســـالـــيـــب أخـــــرى تـذكـرنـا بالأدب الروائي والقصصي. ووفـــقـــا لــكــاتــب مــوســيــقــى الــــــروك غـريـل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام ، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية 1978 حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بــشــأن وفــــاة هــنــدريــكــس. إذ دحــــض الـكـتـاب بــشــدة الـــروايـــة المـقـبـولـة عـلـى نــطــاق واســـع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانـــيـــمـــان»، وتـــكـــررت لاحــقــا فـــي ســيــر ذاتــيــة أخـــــرى، مـثـل كــتــاب تــشــارلــز كــــروس الشهير ،2005 «غــرفــة مليئة بــالمــرايــا» الـــصـــادر عـــام ومـفـادهـا أن هندريكس تـنـاول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه. كـتـب هـيـنـدرسـون: «نـتـيـجـة لــذلــك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لــنــجــوم الــــــروك: جــرعــة زائـــــدة مـــن المـــخـــدرات وســـط الــشــهــرة، والــنــســاء الــشــقــر، والـــتـــرف، والجنس». واســـتـــنـــادا إلــــى وثـــائـــق قــانــونــيــة كُــشـف عنها لاحـقـا، إلــى جـانـب مـقـابـات مـع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خـــــال تـــلـــك الأيــــــــام الأخـــــيـــــرة، خـــلـــص الــســيــد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً». وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الـذي جعلها تتلبد فـي ملابسه وشـعـره وتـتـدفـق مـن أنـفـه وفمه حتى بعد وفـاتـه، وذلــك رغـم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً. وكـــتـــب هـــيـــنـــدرســـون أن قـــــوى غـامـضــة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بــمــا فـــي ذلــــك الــجــريــمــة المــنــظــمــة والــــوكــــالات الـفـيـدرالـيـة الــتــي تـسـعـى إلـــى إلـــحـــاق الـضـرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف. *خدمة «نيويورك تايمز» كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس الثقافة CULTURE 18 Issue 17352 - العدد Monday - 2026/6/1 الاثنين «جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعا في فنلندا تـقـوم روايــــة «جـريـمـة فــي دار المـسـنـن»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الــفــنــلــنــديــة لــيــنــدجــريــن، عــلــى حــبــكــة درامـــيـــة تـجـمـع بـــن لــغــز وفـــــاة غــامــضــة والــكــومــيــديــا السوداء لتكشف الأحداث تدريجيا عن شبكة صـادمـة مـن المـصـالـح الاقـتـصـاديـة والــقــرارات الـبـيـروقـراطـيـة الـتـي تحكم مـؤسـسـات رعـايـة المسنين حيث تُختزل حياة الإنـسـان لتصبح مجرد رقم. بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الــــذي تـرجـمـتـه نــهــى مـصـطـفـى، بـتـقـديـم لغز بوليسي بل يطرح نقدا اجتماعيا حادا يعري الطريقة الـتـي يتعامل بها المجتمع الحديث مــع فـئـة أصـحـب الـشـيـخـوخـة مـمـن هــم الأكـثـر هشاشة ليبرهن على أن الـوعـي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر. تـــجـــري أحــــــداث الــــروايــــة فـــي دار رعــايــة خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكانا مثاليا لـــقـــضـــاء ســــنــــوات الـــشـــيـــخـــوخـــة الأخـــــيـــــرة فـي رفـاهـيـة وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان ســـيـــري وإرمـــــا الــلــتــان يـنـقـلـب فـــجـــأة عـالمـهـمـا المريح بسبب واقعة موت مشبوهة. هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر لــلــتــحــقــيــقــات» لــتــكــتــشــفــا أنـــــه خـــلـــف واجـــهـــة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال. وهي 1963 وُلـــدت مينا ليندجرين عــام صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت فــــي ســـــان صــــت جـــــــروف» نـــجـــاحـــا بــــاهــــرا فـي فنلندا خصوصا بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الـــثـــالـــث «الـــنـــهـــايـــة فــــي ســـــان صــــت جــــــروف». اســتــوحــت المــؤلــفــة فــكــرة هــــذه الـسـلـسـلـة بعد بحثها فــي مــوضــوع معاملة كـبـار الـسـن في فنلندا لصالح إحدى المجلات. ومن أجواء الرواية نقرأ: «كـــل صــبــاح تـسـتـيـقـظ ســيــري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وتـرتـدي ملابسها وبـــعـــدهـــا تـــتـــنـــاول إفــــطــــارا خــفــيــفــا. يـسـتـغـرق ذلـــك بـعـض الــوقــت لكنها لا تـكـتـرث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي لـلـبـرامـج الإذاعـــيـــة الـصـبـاحـيـة فـهـذا يمنحها شعورا بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالبا ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج. كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة فـــي دار الــتــقــاعــد (صــــن ســـت جـــــروف) تعطي المكان أجـواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء. فــجــأة شــعــرت ســيــري بــالــحــزن ستفتقد تـيـرو كثيرا لـدرجـة أن معدتها بـــدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هـذا الشاب المعافى في حين لا يـمـوت مـن يبلغ مـن العمر أربـعـة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قـرأت في الجريدة أنه بـمـجـرد أن تبلغ التسعين مــن الـعـمـر تتوقف عملية الشيخوخة، هـذا فظيع لأنـه يعني أن الأشـــخـــاص المـسـنـن مثلها قــد تـــأخـــروا حتى على موعد وفاتهم. فـــــي الــــبــــدايــــة كــــــان الـــجـــمـــيـــع يـــمـــوتـــون، الأصـــدقـــاء والأزواج ثـــم لـــم يـعـد أحـــد يـمـوت. كــان اثـنـان مـن أبـنـاء سـيـري قـد مـاتـا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصـــغـــر بـسـب الإفـــــراط فـــي تـــنـــاول الـطـعـام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيما وريــاضــيــا، لـكـنـه أخـــذ يــأكــل بـكـثـرة ولا يفعل شيئا سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إلـيـه، يأكل البيتزا ورقـائـق البطاطس ويدخن السجائر. هـذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر عـــلـــى الـــشـــخـــص عـــنـــدمـــا يـــصـــل إلـــــى مـسـتـوى معيشي مرتفع لـدرجـة أنـه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى». القاهرة: «الشرق الأوسط» مؤمن سمير يفتح صناديق الذاكرة في «فضائل الضغينة» سيرة شعرية لذات ممزقة فـــــــي ديــــــــوانــــــــه الأحـــــــــــــدث «فــــضــــائــــل الـــضـــغـــيـــنـــة»، يـــســـعـــى الــــشــــاعــــر المـــصـــري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحــام، والعائلة، فــي جـــدل هـــذه الــــذات مــع امــتــداداتــهــا في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانبا من جــوانــب هـــذه الـسـيـرة المـفـعـمـة بــالأحــام، والــــــــــــرؤى الأســــــطــــــوريــــــة، والــــســــريــــالــــيــــة، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والــحــب، والــغــيــاب، والـــحـــروب، وغـيـرهـا، إذ تـقـع الـــــذات الــشــاعــرة فـــي تـقـاطـع هـذه المتناقضات، لـتـدرك فـي الأخـيـر ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخــلــيــة فــي لا وعـــي هـــذه الــــذات، وتفجرها من داخلها. صـــــــدر الـــــــديـــــــوان عـــــن «دار الــــعــــن» بــــالــــقــــاهــــرة، ويــــتــــكــــون مـــــن ثــــــاث عـــشـــرة قــصــيــدة، تـــتـــراوح مـــا بـــن كــتــابــة الـسـطـر الأفقي في القصيدتين الأولــى والأخيرة، والــــســــطــــر الـــــرأســـــي فــــي بـــقـــيـــة الــقــصــائــد تـقـريـبـا. كـمـا أن طـريـقـة عـنـونـتـهـا تشير إلى ترابط النصوص في وحـدة عضوية واحـــــــــــدة. الــــقــــصــــيــــدة الأولــــــــــى «تـــبـــاشـــيـــر الــحــيــاة» مختلفة عن هــــذه الـــعـــنـــونـــة، حيث تتوسل بطاقة هائلة مـــن الـــحـــس الـــســـردي، والحكائي، كـي تـؤرخ لــــــلــــــذات، وأصــــولــــهــــا، لـــذلـــك فــهــي أقـــــرب إلــى مـقـدمـة أو تمهيد عن الـتـاريـخ البعيد لهذه الـــــــــــذات، وانـــتـــســـابـــهـــا الـــــعـــــائـــــلـــــي، وهــــــــو مــا تؤكده دلالات العنوان بــــــتــــــلــــــك الـــــتـــــبـــــاشـــــيـــــر الـــــــتـــــــي كـــــــانـــــــت بــــــــذرة للحياة الـتـي تحققت بــــعــــد ذلــــــــــك، وأرســــــــت مواضعات العالم في هذا المكان. أمــــــا بـــقـــيـــة الـــقـــصـــائـــد فــعــنــاويــنــهــا كلها بــدأت بمفردة «صـنـدوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق الـــنـــار»، و«صـــنـــدوق الـــنـــوم»، و«صــنــدوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الـــشـــغـــف»... وهـــكـــذا تــتــوالــى الـصـنـاديـق التي تفتحها الـذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحـامـهـا، وذكـريـاتـهـا، وتضع كــل شـــيء تـحـت مجهر شــعــري، ويـحـاول الإمــــســــاك بـــأبـــعـــاد المـــشـــهـــد، وبـتـفـاصـيـل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والــــغــــرائــــبــــيــــة، إنــــهــــا عـــبـــر إبــــحــــارهــــا فـي هـــــذه الـــصـــنـــاديـــق تــفــتــح أبــــوابــــا ضـخـمـة تـــرى مـنـهـا، ويـــرى المتلقي مـعـهـا، كيفية تشكل هـــذه الــــذات، وتــغــوص فــي طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة اســــتــــخــــاص مـــــامـــــح رؤيـــــــــة مــتــمــاســكــة لتحولات وتقلبات هذه الذات. تعتمد الــذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المـخـاطـب، مـا بين مخاطب فــردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يـا شيخنا/ أفصح عن مـــقـــاصـــدكَ/ حــتــى لا يـــغـــادر الــســامــعــون المـــقـــهـــى». وأحـــيـــانـــا مــخــاطــبــة سـامـعـن مـــفـــتـــرضـــن: «الــــحــــكــــايــــة يـــــا ســـامـــعـــن/ ترقد عند السِّحر المسمى بــالأحــام...»، متخذا سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير مـحـددة، كما فـي قصيدة «صندوق الـفـراشـات»، إذ يـقـول: «أنــا أيضا مثلكم، أمــتــلــك صــنــاديــق تـشـبـهـنـي، وأشـبـهـهـا، لــكــن صــنــدوقــي الأخـــيـــر مــجــرد صــنــدوق فـــراشـــات، بـسـيـط ولا يــدعــو لـلـتـبـاهـي»، فـــهـــو هـــنـــا يــتــمــاهــى مــــع الـــجـــمـــاعـــة الــتــي يخاطبها بوصفه جـزءا منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بـــامـــتـــاكـــه -مــــثــــل جـــمـــاعـــتـــه- صــنــاديــقــه الــســريــة الـــتـــي لا يـــعـــرف أحــــد مـكـنـونـهـا، لـكـن مـوضـع اخـتـافـه عــن هـــذه الجماعة هـــو مــحــتــوى هــــذه الــصــنــاديــق المــمــلــوءة بــالــفــراشــات، بـمـا يتناغم مــع كـونـه ذاتــا حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والــجــمــاعــة فـــي الــقــصــيــدة نـفـسـهـا، حين يصف نفسه قائلاً: ً«أنا طائر ولست طائرة أنا فراشة ولست قذيفة أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...». فــفــي الــســطــريــن الأولــــــن ثـنـائـيـتـان ضـــديـــتـــان، يــمــثــل الـــطـــرف الأول منهما الــــــــذات بــشــكــل واضــــــح (طـــــائـــــر، فـــراشـــة) بـكـل مـــا يـتـعـلـق بـهـمـا مـــن دلالات الــرقــة، والـــرهـــافـــة، فـــي حـــن أن الـــطـــرف الـثـانـي مـــن الـثـنـائـيـتـن (طــــائــــرة، قــذيــفــة) يمثل الــجــمــاعــة الإنـــســـانـــيـــة الـــتـــي تـنـتـمـي لها هــذه الــــذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فـــالمـــســـافـــة بــــن الــــــــذات وجـــمـــاعـــتـــهـــا هـي نـفـسـهـا المــســافــة بـــن دال الــفــراشــة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -فـــي الـسـطـر الــثــالــث- فـــإن الــــذات تحافظ أيضا على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الـخـيـال المــرتــعــش، والمــخــفــي، والمـسـكـوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة. هــــذه الــــــذات الــرهــيــفــة هـــي صنيعة الـــــــغـــــــيـــــــاب، والمــــــــــــوت، وصنيعة الفقد الـذي جعلها تـبـدو عجينة طـــــــيـــــــعـــــــة، وتـــــخـــــشـــــى الـــــــتـــــــورط فــــــي قـــســـوة الـــعـــالـــم، وخـــاصـــة مع فقد الأب، والحبيبة، وتــــوالــــي المــــــوت الــــذي اقــــــــتــــــــنــــــــص كــــــــــــل مــــن حـــولـــهـــا، وحـــاصـــرهـــا عــلــى مــــدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غـــــطـــــاء، ولا حـــمـــايـــة، مـــــثـــــقـــــلـــــة بــــــالــــــنــــــدوب الروحية، والجسدية، فـــــــــــــفـــــــــــــي قـــــــــصـــــــــيـــــــــدة «صندوق الغياب» يقول مفككا تركيبته النفسية: «أخلع ردائي وأقول هذا غياب أبي الذي جعلني أعمى وهذا غياب حبيبتي ينقش جلدي بالبثور...». إن هذه الـذات، بعد فتح صناديقها المـــخـــفـــيـــة، وخــــلــــع الـــــــــرداء الـــــــذي تـتـسـتـر خلفه أمـــام الآخـــريـــن، بـعـد الـتـعـري الـتـام أمــــــام الـــــــــذات، ومـــصـــارحـــتـــهـــا، أصــبــحــت قـــــادرة عــلــى الــتــصــالــح مـــع أعــطــابــهــا، أو بــــالأحــــرى مـــع خــصــائــصــهــا، وصـفـاتـهـا الــــتــــي لا تـــمـــلـــك لـــهـــا رداً، ولا تـــعـــديـــاً، والـــــتـــــعـــــاطـــــي مـــعـــهـــا بــــوصــــفــــهــــا نـــتـــاجـــا لمــعــطــيــات واضــــحــــة، يــمــكــنــهــا أن تـشـيـر إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشـارة «هـــــذا»، كـــأحـــداث قــريــبــة، ولـصـيـقـة بـهـا، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خــاصــة الــبــصــر، وغـــيـــاب الـحـبـيـبـة شـــوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية. وتـــــتـــــنـــــامـــــى رهــــــــافــــــــة هــــــــــذه الــــــــــذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بـدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كـان جبلا شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ًليتبدى جوهره الهش، يقول: ً«نظرت فجأة ُفلمحت جبلا كأنه لص يرتعش ِوسط السوق... ربَت عليه فنام جواري كالجثة...». ًعمر شهريار عاما 83 رحيل رائد حركة الفنون السوداء عن عمر يناهز هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود *أليكس ويليامز النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky