issue17346

لمسات LAMASAT 21 Issue 17346 - العدد Tuesday - 2026/5/26 الثلاثاء من بياريتز إلى نيويورك... رسائل الموضة تتشكل برؤى جديدة ... بين الحلم والربح 2027 عروض «الكروز» لـ 2027 انتهت عــروض «الــكــروز» لعام منذ أكثر مـن أسـبـوع، ولا تــزال أصـداؤهـا تـــــتـــــردد فـــــي أوســـــــــاط المــــــوضــــــة. الـــســـبـــب؟ تــــزامــــنــــهــــا مـــــع نــــقــــاشــــات وأخــــــبــــــار تــفــيــد بتعافي بعض بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل»، من الأزمة التي عصفت بصناعة المـــوضـــة والـــرفـــاهـــيـــة عـــمـــومـــا، واســـتـــمـــرار مـعـانـاة بعضها الآخــــر، مـثـل «غـوتـشـي»، وسط محاولات لاستعادة التوازن. يذكر أن عروض «الكروز» ذات أهمية كــبــيــرة لـــهـــذه الـــــــدور؛ لأنـــهـــا الأطــــــول بـقـاء فـي المـتـاجـر، والأكــثــر قـــدرة على مخاطبة مختلف المـواسـم والفصول، مما يجعلها الأعــــلــــى ربـــحـــيـــة. مــــن هــــــذا المـــنـــطـــلـــق، مـن الطبيعي ألا تبخل بيوت الأزيــاء الكبيرة عـلـيـهـا بـــأي جـهـد أو تـكـلـفـة؛ إذ حـوّلـتـهـا فـرصـة لا تُــفـوّت لـ«تدليل» زبوناتها عبر اصطحابهن إلـى وجـهـات بعيدة ومثيرة تتيح لهن فـرصـة الانـغـمـاس فـي عـالـم كل دار، ومن ثم توطيد علاقتها بهن. الأماكن ودلالاتها فـي العقود الأخـيـرة تحوّلت عـروض هــــذا الـــخـــط إلــــى مـــا يــشــبــه اســتــعــراضــات متنقلة، تُختار لها أعلى الوجهات إبهارا ورمــزيــة. فـالأمـاكـن هنا لا تقل أهمية عن الأزيــاء نفسها، بوصفها وسيلة لإيصال الـــرســـائـــل الإبــــداعــــيــــة وتــحــقــيــق أهـــدافـــهـــا التجارية على حـد ســـواء. لـذلـك؛ لا يكون اختيارها عشوائيا أو لمـجـرد البحث عن أشـــعـــة الـــشـــمـــس ودفـــئـــهـــا، بــــل تــحــمــل كـل مدينة دلالاتها الخاصة المرتبطة بهوية الدار ورؤيتها في تلك المرحلة. وتكتسب المرحلة حاليا أهمية اســـتـــثـــنـــائـــيـــة فـــــي ظـــــل مـــــا تـــشـــهـــده صــــنــــاعــــة المــــــوضــــــة الــــعــــالمــــيــــة مــن تحوّلات، وتصاعد الضغوط على الــعــامــات الـكـبـرى لإيــجــاد تـــوازن بـــن الإبـــــداع والــربــحــيــة. مـــن هـنـا، تـتـحـول كــل وجـهـة إلـــى أداة سـرد بـصـري متكاملة، وهـــو مــا أكـدتـه الـــعـــروض الأخـــيـــرة، بكشفها عن الـخـيـط المـشـتـرك بينها جميعاً، الـــذي يتمثل فـي توظيف المكان مـــرآة لهوية الــــدار؛ ســـواء أكانت راسخة أم في طور التشكل. فــي حــن اخـــتـــارت «شـانـيـل» بـــلـــدة بــيــاريــتــز المــرتــبــطــة تـاريـخـيـا بغابرييل شانيل نفسها؛ لتأكيد صـــورة الـرفـاهـيـة فـي المنتجعات الفرنسية والــعــودة إلــى الـجـذور تـــحـــت قــــيــــادة مـــاثـــيـــو بـــــازي، اتـــــجـــــهـــــت «ديـــــــــــــــور» إلـــــى لـــوس أنـجـلـيـس؛ المـديـنـة الــــــتــــــي تــــخــــتــــصــــر ثــــقــــافــــة الــشــهــرة وصــنــاعــة الــصـــورة والــــحــــلــــم الأمـــــيـــــركـــــي، فـي عـــرض عـكـس الـعـاقـة المــــــتــــــنــــــامــــــيــــــة بــــن المــــــوضــــــة وثــــقــــافــــة المــــــــــــشــــــــــــاهــــــــــــيــــــــــــر فــــــي «هوليوود»، إلى جانب الأســــلــــوب الــتــجــريــبــي الــــذي يـــســـعـــى جــــونــــاثــــان ســـونـــدز لترسيخه داخل الدار. أقـــــــيـــــــم هـــــــــــذا الــــــعــــــرض فـــي مـتـحـف «لاكـــمـــا» ضمن مـشـهـد سـيـنـمـائـي مـتـكـامـل ضــــــــم ســـــــــيـــــــــارات «كـــــــــاديـــــــــاك» وســــيــــنــــوغــــرافــــيــــا مــــســــتــــوحــــاة مــــــن عـــالـــم الـــــســـــيـــــارات الأمــــيــــركــــيــــة فـــــي خــمــســيــنــات الـقـرن المــاضــي. كـانـت فيه لمسة مـن درامــا «هـــولـــيـــوود» الــكــاســيــكــيــة، وإشـــــــارة إلــى الـعـاقـة الـتـاريـخـيـة الـطـويـلـة بــن «ديـــور» وصناعة السينما. «غوتشي» وثقافة الاستهلاك أما «غوتشي» فبدلا من اختيار موقع شــاعــري أو تــاريــخــي، فـقـد ذهـبـت مباشرة إلـى مـيـدان «تايمز سكوير» فـي نيويورك. لا قــصــور وقــــاع ولا مـنـاظـر حـــالمـــة... فقط شاشات عملاقة وإعلانات تجارية وفوضى حضرية تجسد ثقافة الاستهلاك الحديثة فـــي أوضــــح صـــورهـــا. والمـــفـــارقـــة أن المـديـنـة شـهـدت فــي الـفـتـرة نفسها تـقـريـبـا، افتتاح مـتـجـر ضــخــم لـــــ«بــــرايــــمــــارك»؛ إحـــــدى أبـــرز العلامات الشعبية المتهمة بتكريس مفهوم الموضة السريعة. تحت هذا المفهوم، يبدو ديمنا، المدير الإبداعي الجديد للدار، كأنه يبعث برسالة مـــفـــادهـــا بـــــأن «غـــوتـــشـــي» تـــحـــت إدارتــــــــه لا تبحث عــن الـرومـانـسـيـة والـنـخـبـويـة بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات. فاختيار نـيـويـورك، وتـحـديـدا «تايمز ســـكـــويـــر»، لـــم يــكــن مــجــرد بــحــث عـــن مـوقـع صـــاخـــب يــلــفــت الانـــتـــبـــاه، بـــل جــــاء مــحــمّــا بـــدلالات رمـزيـة وتجارية تنسجم مـع رؤيـة ديـمـنـا، المــعــروف بـإثـارتـه الــجــدل مــن خـال تـــنـــاولـــه ثــقــافــة الاســـتـــهـــاك بـــأســـلـــوب شبه فلسفي، يجمع بين التهكم والسخرية. غير أن مقاربته في هـذا العرض بدت مــخــتــلــفــة... فــهــو يُــــــدرك تــمــامــا مـــا تـعـانـيـه «غـــوتـــشـــي» مـــن تـــراجـــع فـــي المــبــيــعــات، كما يــعــرف أن مهمته الأســاســيــة تـتـلـخّــص في إعادتها إلى الواجهة بوصفها أهم جوهرة فـي تـاج مجموعة «كيرينغ». والنتيجة أن الـعـرض كــان أشـبـه بـإعـان عـن هــذه الرغبة في استعادة موقعها ظاهرة شعبية عالمية. كـانـت نـيـويـورك، بثقافتها الصاخبة وإيقاعها السريع وهوسها بالنجاح والمال، الوجهة المثالية لرؤية ديمنا، الذي لا يبدو مــعــنــيــا فــيــهــا بـــتـــرســـيـــخ مـــفـــهـــوم الــفــخــامــة الــــهــــادئــــة. فـــهـــو يـــتـــوجـــه هـــنـــا إلـــــى الـــقـــاعـــدة الـجـمـاهـيـريـة الــواســعــة الــتــي تـضـم أثــريــاء جددا لا يرفضون الشعارات البارزة والقطع اللافتة، من دون أن ينحرف تماما عن إرث «غـوتـشـي» الـقـائـم على الحرفية الإيطالية والذوق الأرستقراطي. ما فعله أنه أخذ هذا الإرث وأغرقه في فوضى بصرية صاخبة. ففي يوم العرض، أضاءت الشاشات الرقمية العملاقة «تايمز سكوير»، لتكرس ذلك التقاطع الذي يجسد هـــــوس أمـــيـــركـــا بـــالاســـتـــهـــاك والـــتـــســـويـــق. امـتـأت هــذه الـشـاشـات بمنتجات بتوقيع «غــــــوتــــــشــــــي»؛ مــــــن الـــــشـــــوكـــــولاتـــــه والمـــــيـــــاه إلــــى الـــحـــيـــوانـــات الألـــيـــفـــة، ومــــن الـــســـيـــارات حـــتـــى أدويـــــــة لإطــــالــــة الــــعــــمــــر... فــــي مـشـهـد بـــــدا كـــأنـــه تــجــســيــد لــحــلــم تــــجــــاري مـكـتـمـل الأركــــــــان، تــدعــمــه شــــعــــارات جـــذابـــة وصـــور آســـرة مـهـدت لـعـرض لـم يكتف فيه المصمم بـعـارضـات الأزيــــاء الـشـهـيـرات، بـل استعان أيــــضــــا بـــمـــشـــاهـــيـــر الـــــ«ســــوشــــيــــال مـــيـــديـــا» وفـــتـــيـــات المــجــتــمــع المــخــمــلــي، مــثــل بــاريــس هيلتون، ونـجـوم السينما والـريـاضـة مثل تـــوم بـــرايـــدي. فــالــصــورة الـثـقـافـيـة الـراهـنـة بالنسبة إلــى ديمنا تشمل كـل هـــؤلاء، إلى جانب شريحة الأثــريــاء الـجـدد المهووسين بالموضة والسلع الفاخرة. مـــن هــــذا المــنــطــلــق، أطــلــقــت الــــــدار على الـعـرض عـنـوان «غوتشي كــور» فـي إشــارة، وفق شرحها، إلى جوهرها الإيطالي، وإلى «تــنــوع مـديـنـة نــيــويــورك». أمـــا كـيـف ترجم ديـمـنـا هـــذا الـــقـــول فـنـيـا، فــكــان عـبـر خـزانـة ترتكز على قطع أساسية تحمل هوية الدار الإيــطــالــيــة بــالــخــط الـــعـــريـــض، لــكــن بنكهة تجارية بحتة. فـمـثـل مـعـظـم بــيــوت الأزيــــــاء الـعـالمـيـة، تــــعــــيــــش «غـــــوتـــــشـــــي» مــــرحــــلــــة مــــــن الـــقـــلـــق والـــــتـــــذبـــــذب الاقـــــتـــــصـــــادي نـــتـــيـــجـــة تـــراجـــع المبيعات وخـفـوت الـزخـم الـــذي رافـــق طفرة مـــا بــعــد الـــجـــائـــحـــة. هــــذا إلــــى جـــانـــب فـتـور حماس المتسوقين بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار من دون ابتكارات فنية موازية تــــبــــررهــــا. لـــذلـــك راهــــنــــت «غــــوتــــشــــي»، مـثـل «شـانـيـل» و«ديــــور»، على مصممين شباب لتحفيز مبيعاتها واستعادة بريقها، وهو ما يُفسِر ميل هـؤلاء المصممين؛ من ماثيو بلازي في «شانيل»، إلى جوناثان آندرسون فـــي «ديــــــور»، وديــمــنــا فـــي «غـــوتـــشـــي»، إلـى المــــاضــــي، أو بــــالأحــــرى إلــــى الـــفـــتـــرات الـتـي شهدت فيها البيوت التي تسلموا زمامها، عــصــرا ذهــبــيــا. هــــذا الــعــصــر بـالـنـسـبـة إلــى جوناثان يرتبط بجون غاليانو، وبالنسبة إلــــى ديــمــنــا بــــإرث تــــوم فـــــــورد... لـــذلـــك؛ فقد افـــتُـــتـــح الـــعـــرض بـــبـــدلات مـفـصـلـة بــإحــكــام وفـــســـاتـــن مــفــعــمــة بــــالأنــــوثــــة، فــــي إشـــــارة واضـــحـــة إلـــى مـــا قــدمــه فــــورد فـــي منتصف التسعينات من القرن الماضي. لغة البيع الجديدة غير أن ديمنا لا يستطيع البقاء طويلا داخل حدود المضمون. كما لا يستطيع كبح جماح نزعاته الفنية، والتالي فإن المتوقع أن يــعــيــد تــفــكــيــك هـــــذه الــــرمــــوز بــأســلــوبــه الساخر معبرا عن موقفه من البورجوازية، مـن خــال عـودتـه إلــى الأشــكــال المستوحاة مـن الـحـيـاة اليومية والــواقــع الاستهلاكي المعاصر. ويـبـقـى الـــســـؤال المـــطـــروح حــالــيــا: هل سيتمكن من بيع فكرة «غوتشي» بوصفها علامة ديمقراطية للجميع لا للنخبة فقط؟ هذا ما يأمله ويسعى لتحقيقه، وعبّر عنه بوضوح في هذه التشكيلة. فـــي المـــقـــابـــل، بــــدا جـــونـــاثـــان آنـــدرســـون أكثر انشغالا بالتجريب والبحث؛ إذ حملت مجموعته كل بصماته المألوفة، من التفصيل الــــدقــــيــــق والأحــــــجــــــام الـــنـــحـــتـــيـــة والـــخـــطـــوط الانــســيــابــيــة غــيــر المــكــتــمــلــة، إلــــى الإشــــــارات الـثـقـافـيـة والــفــنــيــة المـــتـــعـــددة. والـنـتـيـجـة أن العرض جاء مشبعا بالأفكار والصور، لكن من دون حسم واضـح في الرؤية؛ وهـذا مما يجعل تجربته مختلفة كأنه لا يزال في رحلة بحث عن موقعه في الدار. وبــن ديمنا وآنـــدرســـون، يقف ماثيو بـــــازي أعـــلـــى تـــوازنـــا وثـــقـــة؛ إذ نــجــح منذ وصوله إلى الدار في تحديث صورتها من دون إحداث قطيعة مع ماضيها، أو إشعار زبـونـاتـهـا الـوفـيـات بـــأن هويتها تتعرض للتفكيك. هـــذه الـــرؤيـــة المــتــوازنــة انعكست إيجابا على مبيعاتها، بدليل أنها الأفضل حظا من حيث الأداء والنتائج، وفق مؤشر «لـيـسـت» الــــذي صـنّــفـهـا «أوســـــع الـعـامـات رواجـــــــا وشـــعـــبـــيـــة». فــمــنــذ الـــتـــحـــاقـــه بــهــا، ارتـفـعـت إيــراداتــهــا بنسبة اثـنـن فـي المائة مليار دولار، 19.3 العام الماضي لتصل إلى في وقت سجل فيه قسم الأزياء والمنتجات الجلدية لدى مجموعة «إل في آم آش» المالكة «لـــوي فـويـتـون» و«ديـــــور» تـراجـعـا بنسبة اثـنـن فــي المــائــة، فيما انخفضت مبيعات مجموعة «كرينغ» المالكة «غوتشي» بنسبة في المائة. 10 ووفـــــــق مـــــذكـــــرة حـــديـــثـــة صـــــــــادرة عـن «مورغان ستانلي»، فقد نجحت «شانيل» فــــي تــحــقــيــق نـــمـــو لافـــــت هـــــذا الــــعــــام، وإذا استمرت على هذه الوتيرة، فإنها يمكن أن تكون من كبرى دور الأزيــاء حظاً. عرضها الأخـــيـــر فـــي بــيــاريــتــز أكــــد أن لمــســة مـاثـيـو بــــــازي مــــن ذهــــــب؛ إذ الـــتـــقـــط فـــيـــه خـيـوطـا قـديـمـة صـاغـهـا بـأسـلـوب مـعـاصـر تصعب مقاومة سحره. وهـكـذا تبدو عــروض «الــكــروز» اليوم أكثر من مجرد أزياء موسمية أو عروض في ، كانت مساحة 2027 أماكن بعيدة... ولعام تختبر فيها كل دار هويتها، وقدرتها على إقناع عالم متغير بأن الفخامة لا تزال حلما للمتلقي وفنا بالنسبة إلى صناعها. فستان سهرة لافت من مجموعة «شانيل» الأخيرة (إ.ب.أ) لندن: جميلة حلفيشي فهم ديمنا ثقافة الاستهلاك وترجمها بالاستعانة بالمؤثرات والنجوم مثل باريس هيلتون (رويترز) إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت (إ.ب.أ) 1915 معملا خاصا بالـ«هوت كوتور» عام من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز) سيندي كروفورد وفستان يجمع الكلاسيكية بالمعاصرة في عرض «غوتشي» (رويترز) «غوتشي» بإدارة ديمنا تبحث عن الربح على حساب الرومانسية والنخبوية من عرض «ديور» في متحف «لاكما» (أ.ف.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky