يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17346 - العدد Tuesday - 2026/5/26 الثلاثاء رغم اختلاف اللهجات والتقاليد والعادات تبقى لغة الإيمان القاسم المشترك صعيد منى... يقرّب المسافات ويحتضن الدعوات لــــــم تــــكــــن المــــســــافــــة الــــفــــاصــــلــــة بــن مخيمات الحجاج في مشعر منى سوى خـطـوات مـعـدودة، لكنها اختزلت آلاف الأمـيـال التي قطعها حـاجـان؛ أحدهما جــاء مـن أقـصـى مـشـرق الـعـالـم العربي، والآخـر من أقصى مغربه. وتُعرف منى بـ«مدينة الخيام الـكـبـرى» الـتـي اكتمل وصــــول الــحــجــاج إلــيــهــا أمــــس الاثــنــن، وهي أكبر مدينة خيام في العالم، تقع في واد تحيط به الجبال على بُعد نحو كــيــلــومــتــرات شـــمـــال شـــرقـــي المـسـجـد 7 الــحــرام فـي مكة المـكـرمـة، وتُــعـد المحطة الأولــــى لـرحـلـة الــحــج، حـيـث يقيم فيها الــــحــــجــــاج، مـــعـــظـــم أيـــــــام الــــحــــج. وعــلــى جنبات وادي منى، حيث تذوب الفوارق وتـتـوحـد الـقـلـوب، التقى صـالـح محمد الـقـادم مـن اليمن مـع محمد أبــو سامح الوافد من الجزائر، ليجسدا معا لوحة إيـــمـــانـــيـــة حـــيـــة تــخــتــصــر مــشــهــد الــحــج وقيمه. رحلة الشوق من اليمن السعيد عـــامـــا) في 52( جـلـس صــالــح مـحـمـد زاويــــــة خــيــمــتــه، يــتــأمــل جـــمـــوع الـحـجـيـج لحظة وصولهم إلى منى. لم تكن رحلته مـــن الــيــمــن إلــــى مــكــة المــكــرمــة مــجــرد سفر عابر، بل كانت مخاضا طويلا من الصبر والدعاء وسط ظروف استثنائية يعيشها بــلــده. يــقــول صــالــح لـــ«الــشــرق الأوســــط»: «لــقــد ظـــل حــلــم الــحــج يــــراودنــــي لـسـنـوات طــويــلــة، كــنــت أجــمــع تـكـلـفـة هــــذه الـرحـلـة ريالا فوق ريال، وفي كل خطوة خطوتها مـن قريتي المعلقة على قمم جـبـال اليمن حتى وصولي إلى المشاعر المقدسة، كنت أحمل معي هموم وطني، وأشواق عائلتي الـــتـــي حــمّــلــتــنــي أمــــانــــة الــــدعــــاء بــالــســام والازدهــار لليمن السعيد». يحمل صالح تـطـلـعـات بـسـيـطـة لـكـنـهـا عـمـيـقـة؛ يتطلع إلــــــى غــــــد أفــــضــــل، وإلـــــــى حــــيــــاة مــســتــقــرة يملؤها الأمـان، وقد وجد في رحـاب منى الطمأنينة التي بحث عنها طويلاً. من الجزائر... تلبية لنداء العمر على بُعد مسافة قصيرة جـداً، كان عـــامـــا) يــرتــدي 45( مــحــمــد أبــــو ســـامـــح ملابس الإحـرام البيضاء، وهو يتحدث بــنــبــرة يــمــلــؤهــا الـــتـــأثـــر والــــوقــــار، قطع أبـــو ســامــح آلاف الأمـــيـــال مـــن الــجــزائــر، عـابـرا البحر والـبـر، ليلبي الـنـداء الـذي انتظره طـوال حياته. يقول أبـو سامح: «الحج بالنسبة لسكان المغرب العربي هـــو رحـــلـــة الــعــمــر الـــتـــي يــســتــعــدون لها وجــدانــيــا ومـــاديـــا قـبـل ســـنـــوات، يـأتـون مـــن بـلـدانـهـم مـحـمـلـن بـــآمـــال عـريـضـة، وأدعـــيـــة لا تـنـتـهـي لــأبــنــاء والأحـــفـــاد، وللأمة جمعاء برغد العيش والوحدة». وأضاف والابتسامة ترتسم على وجهه: «أن تــقــف هــنــا فـــي مــنــى، وتــجــد نفسك بـــجـــوار أخ لـــك مـــن دولـــــة عــربــيــة أو من أي بـقـعـة فــي الأرض، تــشــاركــه الـسـكـن، والمـــــــشـــــــرب، والـــــنـــــســـــك، هـــــو الــتــجــســيــد الحقيقي لقيم الحج ومعانيه». ورغـم اختلاف اللهجات والتقاليد والـعـادات، فـإن لغة الإيـمـان هي القاسم المشترك الذي ألغى المسافات بين صالح ومـــحـــمـــد، الــتــقــيــا عــنــد مـــدخـــل الــخــيــام، وتــبــادلا التحية والـتـهـانـي ببلوغ هذه الأيام الفضيلة، وتشاركا حديثا عفويا يفيض بالأخوّة. وقف الحاجان، صالح بــأشــجــانــه وتــطــلــعــاتــه الــيــمــنــيــة، وأبـــو سـامـح بـطـمـوحـاتـه وآمـــالـــه الـجـزائـريـة، عـــلـــى صــعــيــد واحـــــــد، يـــرفـــعـــان أكـفـهـمـا بـــالـــدعـــاء فــــي مــشــعــر مـــنـــى الــــــذي يـضـم ملايين الحكايا والقلوب. بــــهــــذا المــــشــــهــــد، تــــحــــوّلــــت المـــســـافـــة الجغرافية الهائلة بين صنعاء والجزائر إلــــــى خــــطــــوة واحـــــــــدة تـــخـــتـــصـــر وحـــــدة بشرية في أقدس البقاع. ومع استعداد الــحــجــيــج لــصــعــود عـــرفـــات (الـــثـــاثـــاء) واستكمال مناسكهم، يبقى لقاء صالح وأبــو سامح شاهدا على أن الحج يظل دائما الجسر الأكبر الـذي يربط وجدان المسلمين من مشرق الأرض إلى مغربها، حيث تتلاشى الـهـمـوم الـفـرديـة لتذوب في دعاء جماعي واحد. منى: عمر البدوي تتحول المشاعر المقدسة في مكة المكرمة لأكبر مدينة موسمية ذكية في العالم (تصوير: بشير صالح) تُعرف منى بـ«مدينة الخيام الكبرى» «النحل البلدي يعد الأكثر انتشارا لقدرته على التكيف مع المناخ المحلي» على جنبات وادي منى تذوب الفوارق وتتوحد القلوب (تصوير: بشير صالح) من ارتداء بدلات النحَّالين إلى مشاهدة الخلايا الحية العسل يحلِّي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف عن أسرار الشهد الأصفر نـظـمـت «واحـــــة الــــريــــاض» فـــي شـــارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف عـلـى أهـمـيـة الــنــحــل، ودوره الــحــيــوي في الأمـــن الــغــذائــي، واســتــدامــة الـطـبـيـعـة، من خلال أنشطة تعليمية وترفيهية تستهدف مختلف الفئات العمرية. وضـــــمـــــت الــــتــــجــــربــــة مــــجــــمــــوعــــة مــن المـــســـارات داخــــل واحــــة الـــغـــذاء الــتــي تتيح لـــــلـــــزوار الـــتـــعـــرف عـــلـــى عــــالــــم الـــنـــحـــل عـن قـــرب مــن خـــال مــشــاهــدة الــخــايــا الـحـيـة، والمـسـتـعـمـرات، وارتـــــداء بـــدلات النحالين، إلـــى جــانــب زيــــارة المـنـحـل، والمــشــاركــة في أنشطة تعليمية وإبداعية تكشف تفاصيل حياته، وآلية إنتاج العسل. وتـضـمـنـت بــرامــج الـفـعـالـيـة جلسات أحاديث النحل التي أقيمت بالتعاون مع منظمة الأغـــذيـــة والـــزراعـــة لـأمــم المـتـحـدة (فاو)، إلى جانب ورش عمل فنية للأطفال تحت عـنـوان خلية الإبــــداع، وتـجـارب بين الطنين والزهور الخاصة بزراعة النباتات الــصــديــقــة لـلـنـحـل، بـــالإضـــافـــة إلــــى عــرض مسرحي تفاعلي عن يوم في حياة نحلة، لـيـدخـل الأطـــفـــال بـعـالـم الـتـلـقـيـح، والـعـمـل الـــجـــمـــاعـــي عـــبـــر الـــحـــكـــايـــة، والمـــوســـيـــقـــى، والحركة. وقـــــال فــهــد ســـعـــد، مـــربـــي الــنــحــل في واحــة الــريــاض، لــ«الـشـرق الأوســـط» هدف الفعالية يكمن في تعريف الزوار -وخاصة الأطـفـال- بعالم النحل، وأهميته البيئية، والــغــذائــيــة، مـوضـحـا أن «الــنــحــل الـبـلـدي يعد الأكثر انتشارا في السعودية، لقدرته على التكيف مـع المـنـاخ المحلي، ودرجــات الــــحــــرارة المــرتــفــعــة، بــخــاف بــعــض أنــــواع الـنـحـل المـسـتـورد الـتـي تـتـركـز فــي مناطق السراة ذات الأجـواء المعتدلة»، وأشـار إلى 10 أن الفعالية تستهدف الأطفال من عمر عاماً، حيث يتعرفون داخـل المركز 15 إلى على حياة النحل، وطريقة إنتاج العسل، بالإضافة إلى مشاهدة الإطارات والخلايا عن قرب. ولــــفــــت إلـــــــى أن مـــــن أبــــــــرز المـــفـــاهـــيـــم المــــــغــــــلــــــوطــــــة الـــــــتـــــــي تـــــســـــعـــــى الــــفــــعــــالــــيــــة لتصحيحها «الاعتقاد الخاطئ بإمكانية تـربـيـة الـنـحـل فــي أي بـيـئـة، بينما جــودة العسل ترتبط بالبيئة النباتية المحيطة، ويــــــأتــــــي إنــــــتــــــاج أفـــــضـــــل أنــــــــــــواع الـــعـــســـل الــســعــودي -مــثــل الـــســـدر، والــطــلــح- غالبا فـي الأوديـــة، والمناطق الغنية بالأشجار، والــنــبــاتــات الــبــريــة، ولــيــس داخــــل المــــدن»، لافتا إلى أن تنظيم الفعالية يأتي بالتزامن مـع الـيـوم الـعـالمـي للنحل، وبـالـشـراكـة مع واحــــــــات الـــــريـــــاض، وذلــــــك بـــهـــدف تــعــزيــز الـوعـي المجتمعي بأهمية النحل، ودوره في إنتاج الغذاء، والتلقيح. وكـــشـــف الـــدكـــتـــور رمـــــزي الـــســـرحـــان، خـبـيـر تـربـيـة الـنـحـل فـــي مـنـظـمـة الأغــذيــة والــــــزراعــــــة لـــأمـــم المـــتـــحـــدة بــالـــســعــوديــة، لــــ«الـــشـــرق الأوســــــط» أن الـــفـــائـــدة المــرجــوة مــن تربية النحل «تـتـجـاوز عملية إنتاج العسل، إذ يعد النحل عنصرا رئيسا في تـلـقـيـح المــحـاصــيــل الـــزراعـــيـــة الــتــي تشكل جــزءا أساسيا مـن غــذاء الإنــســان»، مشيرا فــــي الــــوقــــت نــفــســه إلـــــى أن الــــتــــعــــاون بـن منظمة الأغــذيــة والـــزراعـــة ووزارة البيئة والمـيـاه والــزراعــة خــال الـسـنـوات الماضية أســـهـــم فــــي تـــطـــويـــر قـــطـــاع تـــربـــيـــة الــنــحــل بالسعودية، وزيادة إنتاج العسل. وأضـاف: «كـان النحالون في السابق يعتمدون على الخلايا التقليدية منخفضة الإنتاجية، والتي لم يكن يتجاوز إنتاجها فـي بعض المـواسـم نصف كيلو إلــى كيلو واحـــد مـن العسل للخلية الــواحــدة، إلا أن نشر الوعي، وتأسيس المناحل التجريبية، والـتـوسـع فـي اسـتـخـدام الخلايا الحديثة كل ذلك رفع الإنتاج بشكل ملحوظ، حيث طن 2000 ارتـــفـــع إنـــتـــاج المـمـلـكـة مـــن نـحـو طن من العسل». 7800 سنويا إلى قرابة وأشــــــــار الــــســــرحــــان إلـــــى أن «الـــطــلـــب المحلي على العسل في السعودية لا يزال ألف 18 مرتفعاً، إذ تستورد المملكة نحو طــن سـنـويـا إلـــى جـانـب الإنـــتــاج المـحـلـي»، مـــؤكـــدا أن أحــــد أهــــــداف المـــرحـــلـــة المـقـبـلـة، ، يتمثل في 2030 والذي يتماشى مع رؤية رفع الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وصولا إلى مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي. كــــمــــا تـــــحـــــدث عـــــن أبـــــــــرز الـــتـــحـــديـــات التي تـواجـه القطاع، وعلى رأسـهـا الغش التجاري، إذ يعد العسل من أكثر المنتجات الــغــذائــيــة تــعــرضــا لـلـغـش عــالمــيــا، خـاصـة مـع ارتـفـاع أسـعـار العسل السعودي التي ريال للكيلو، 500 و 300 تتراوح غالبا بين فيما تصل بعض الأنواع النادرة إلى أكثر ريال. 1200 من «تــتــضــمــن بــعــض المـــمـــارســـات إعــــادة تـعــبـئــة عــســـل مـــســـتـــورد وبــيــعـــه عــلــى أنـــه منتج محلي، ما يؤثر على ثقة المستهلك، ويضر بالنحالين المحليين، ولكن وجـود مـــخـــتـــبـــرات مــتــخــصــصــة لـــفـــحـــص جـــــودة الــــعــــســــل، والــــكــــشــــف عـــــن حــــــــالات الــــغــــش، بالإضافة إلى جهود وزارة البيئة والمياه والــــــــزراعــــــــة لإطــــــــاق مـــــواصـــــفـــــات خـــاصـــة بـالـعـسـل الــســعــودي كــل ذلـــك يـدعـم المنتج المحلي، ويرفع مستوى الثقة في السوق». وتستمر فعاليات واحـة الرياض في تقديم برامج تعليمية، وثقافية، وتجارب تفاعلية متنوعة تستهدف مختلف أفراد المـجـتـمـع، إلـــى جــانــب مـتـجـر هـــدايـــا الـــذي يضم منتجات متعددة مستوحاة من عالم الــنــحــل، تـشـمـل الـشـمـع والــعــســل بـأنـواعـه المختلفة، مثل الـسـدر، والطلح، والـزهـور، والمـــوريـــنـــجـــا، وعــســل الـــقـــتـــادة، وبــأســعــار مــــتــــفــــاوتــــة تــــنــــاســــب الـــــــــــــزوار، والمـــهـــتـــمـــن بالمنتجات المحلية. الرياض: فاطمة القحطاني د. رمزي السرحان خبير تربية النحل (تصوير: تركي العقيلي) التعرف على النحل ودورة حياته داخل منحل واحة الرياض (تصوير: تركي العقيلي) مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky