Issue 17345 - العدد Monday - 2026/5/25 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصا على التعدّدية الإعلامية في البلاد ترند للصحافة ألوان كثيرة... غير لون الدم فــي اجــتــمــاع الـتـحـريـر الــيــومــي المُــعــتــاد، كـــان رئيس التحرير يُحدق في وجـوه زملائه المُتعبة حـول الطاولة؛ حيث تُناقش الاقـتـراحـات، وتُــطـرح الأفـكـار، لكنه في هذا الــيـوم كــان يـسـأل عــن شـــيء أعـمـق مــن الـسـيـاسـة والـحـرب والأخـبـار العاجلة. لـم يكن سـؤالـه عـن موضوعات المـواد الصحافية، بـل عـن معنى المهنة نفسها. ألـيـس فـي هذا الــعــالــم غــيــر الــــدم والـــحـــرائـــق؟ ألــيــس بـــن هــــذا الـــركـــام ما يستحق أن يُروى بوصفه حياة لا بوصفه مأتما متصلاً؟ وهـل خُلقت الصحافة فقط لكي تُثقل أرواح الناس بهذا الحمل القاسي الذي لا تنتهي عذاباته؟ منذ أن اندلعت حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) ، لم تتوقف آلات الأخبار عن طحن المشاهد المروعة 2023 وبـثـهـا عـبـر عـنـاويـن قـلـقـة وشـــاشـــات لا تــنــام؛ فالجنائز تــتــراكــم، والــفــجــائــع تـتـصـاعـد، والمــشــاهــد المـــؤلمـــة تـتـكـرر، حتى باتت المأساة في نظر بعضهم خلفية عادية للحياة اليومية، كأنها نقوش صلبة على جــدار مطبوع بالدم. ولا يمكن لمُــنـصـف أن يتهم الـصـحـافـيـن الــذيــن يوثقون هذه الجحيم بالتقصير، فالشهادة على الفواجع فريضة أخـاقـيـة قبل أن تـكـون مهنة، غير أن الــســؤال الجوهري يـظـل حــاضــرا بــإلــحــاح: مــا الـثـمـن الـــذي يـدفـعـه الجمهور حــن تـتـحـوّل الـصـحـافـة إلـــى مــوجــات إعــصــار مــن الـهـول المتواصل؟ ففي أدبيات الصحافة الكلاسيكية تتموضع عبارة )، ويبدو If it Bleeds it leads( » «إذا سال الدم، تصدر الخبر أنه حان الوقت لأن نراجع تلك العبارة مرات ومـرات، قبل أن نكرّسها مرجعية وحيدة في غرف الأخبار. تـكـشـف الأبــــحــــاث الـنـفـسـيـة أن الـــتــعـــرض المــتــواصــل للأخبار الصادمة يُحدث ما بات يُعرف بـ«تعب الأخبار»، وهي حالة من الإنهاك العاطفي التي تصيب المُتلقي كما تـصـيـب مــن يـعـمـل مـبـاشــرة فــي مـنـاطـق الـــكـــوارث. وحـن يـتـواصـل هـــذا الـتـعـرض دون انـقـطـاع تـتـآكـل الــقــدرة على التعاطف تدريجياً، فتصبح الأرواح المفقودة مجرد أرقام، وتتحول الكارثة إلى مجرد ضجيج مُعتاد. هذه الظاهرة الــتــي سـمـاهـا الـعـلـمـاء أيــضــا «إرهـــــاق الـتـعــاطــف» ليست ضعفا فــي الإنـــســـان، بــل هــي اسـتـجـابـة دمـاغـيـة طبيعية لحماية الـنـفـس مــن الانــهــيــار. لـكـن عـواقـبـهـا عـلـى المـجـال الــعــام وخـيـمـة؛ إذ تنسحب جـمـوع مــن المـشـاركـة المـدنـيـة، ويفقد الـنـاس الإحــســاس بـالـقـدرة على الـتـأثـيـر، وتسود ثقافة العجز واللامبالاة. وثـــمـــة بُـــعـــد آخــــر لا يــقــل خـــطـــورة، وهــــو مـــا يصنعه هـذا التدفق الـدمـوي المتواصل في تشكيل صــورة الواقع فـــي وعــــي المُــتــلــقــي. حـــن يــــرى الإنــــســــان الــــكــــوارث فـــي كل اتـجـاه، يميل عقله إلـى الاعتقاد بـأن العالم يسير حثيثا نـحـو نـهـايـتـه، وأن الــشــر هـــو الـسـمـة الـغـالـبـة والطبيعة الأصيلة للحياة البشرية. وهـذا الانطباع، رغم أن الواقع يدحضه في كثير من الأحيان، يؤثر في القرارات الفردية والجماعية، ويُــغـذي التطرف والـخـوف، ويجعل الحلول الوسطى تبدو ساذجة في عالم يُقدَّم على أنه لا يعرف إلا الأسود والأبيض. هنا تبرز «الصحافة الإيجابية»، أو ما يسميه بعض الباحثين «صحافة الحلول»، لا بوصفها هروبا من الواقع أو تجميلا للجراح، بل بوصفها التزاما أعمق بالحقيقة في شمولها. فالحقيقة الكاملة لا تقتصر على ما يجري في غرف المشارح والمقابر، بل تشمل أيضا الطبيب الذي أنقذ المريض الأخير، والمدرسة التي أعـادت فتح أبوابها، والأطفال الذين يلعبون وسط ركام القصف، والمجتمعات التي لم تستسلم. هـذه القصص ليست ترفا عاطفياً، بل هي وثائق عن المقاومة الإنسانية وعن الأمل الذي يستحق أن يُروى عنه. فــالــنــاس لا يــحــتــاجــون فــقــط إلــــى مــعــرفــة أيــــن سقط الــصــاروخ، بـل يحتاجون أيضا إلـى معرفة كيف ينهض البشر بعد الـخـراب. الـنـاس لا يحتاجون فقط إلـى صور الموت، بل إلى قصص النجاة والتضامن والإبداع. لا يعني هـذا أن تتحول الصحافة إلـى دعاية ورديـة تعبر فوق الجراح بلا مبالاة، ولا أن تسكت عن الفواجع خشية إزعــــاج الـجـمـهـور؛ فالصحافة الحقيقية حـارسـة للحقيقة في وجوهها كلها، لكنها في الوقت ذاته مسؤولة عن الأثر الذي تتركه في نفوس مَن تخدمهم. وهنا تحديدا يكمن الفارق بين الصحافة كمرآة تعكس الواقع بصدق، والـصـحـافـة كمُضخم يُــعـظّــم الـجـانـب الأكـثـر إيـامـا حتى تذوب الجوانب الأخرى في الظل. أمــا المَــخــرَج مـن هــذه الأزمـــة الصعبة، فيتلخص في كلمة واحدة بسيطة وعميقة في آن: التوازن. ليس التوازن الـفـاتـر الـــذي يـسـاوي بـن الـجـاد والـضـحـيـة، بـل الـتـوازن الــــواعــــي الـــــذي يـعـطـي الـحـقـيـقـة حـجـمـهـا كــــامــــاً، فيضع الكارثة في سياقها دون أن يُلطفها، ويُسلط الضوء على البطولة الصامتة دون أن يُزيف المشهد، ويمنح الجمهور ما يحتاج إليه لفهم العالم، لا لمجرد الانكفاء عنه يأسا ورعبا ً. في خطوة تجسّد طموح المجموعة الألمانية للتوسّع في العالم الناطق بالإنجليزية «أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف» سنة، حاولنا الاستحواذ 20 «قبل أكثر من عـلـى صحيفة (الــتــلــغــراف)، لكننا لــم ننجح. الآن تحقق حـلـمـنـا»... هـكـذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لــدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشــهــر مـــا زالــــت المـجـمـوعـة الألمــانــيــة الـعـمـاقـة لــم تـنـه بـعـد إجـــــراءات شـــراء الــــدار، بــل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتـبـدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي. مــــــن نــــاحــــيــــة أخــــــــــــرى، فــــمــــع أن «أكــــســــل شــبــريــنــغــر» ســعــت لـــســـنـــوات بـــا كــلــل لــشــراء «التلغراف» ودارهـــا، جـاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهــي يمينية أيـضـا - كـانـت تـقـدّمـت بعرض مليون جنيه إسترليني 500 مُــغـر وصــل إلــى لـشـرائـهـا، وكــانــت تنتظر قــــرارا مــن الحكومة البريطانية حـول ما إذا كـان الاستحواذ على «الـــتـــلـــغـــراف» مــــن قــبــل شـــركـــة تـمـتـلـك صـحـفـا بريطانية أخــــرى، قــد يـؤثـر سلبا عـلـى صحة المــنــافــســة فـــي الــــســــوق. ويـــبـــدو أن المـجـمـوعـة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، مليون جنيه 575 لتقدّم عرضا أكبر وصل إلى إسترليني، وتفوز بالصفقة. سنوات مرتبكة 3 اســـتـــحـــواذ «أكــــســــل شــبــريــنــغــر» أنـــهـــى سـنـوات مرتبكة داخـــل «الـتـلـغـراف» بـــدأت عام عـنـدمـا قـــرر بـنـك «لــويــد سـكـوتـانـد» أن 2023 يـضـع يـــده عـلـى الـــــدار بــهــدف اســـتـــرداد أمـــوال اسـتـدانـهـا المــالــكــان، وهـمـا الأخـــــوان الـتـوأمـان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي ). وكـــــان الأخــــــوان قـــد اســـتـــدانـــا من 2021 عــــام المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عـن ســداد ديونهما، مـا دفــع بالمصرف إلـــى الـسـيـطـرة عـلـى أسـهـمـهـمـا، وطـرحـهـا في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود. على الأثـر، وفـور طرح «التلغراف» للبيع فــي المــــزاد الـعـلـنـي، تــقــدّم «تـحـالـف» أمـيـركـي - إمـاراتـي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعـــتـــراض الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة عـلـى بيعها للتحالف لأسـبـاب تتعلق بمخاوف مـن نفوذ دولـة أجنبية (الإمــارات بالذات) على صحيفة بريطانية مـؤثّــرة سياسياً. وكـانـت الحكومة المـحـافـظـة - آنـــــذاك - قـــد ســنّــت تــعــديــات على قوانين الإعــام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية. من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لـــدار «المــيــل» بـعـرض لـشـرائـهـا. ولـكـن الشركة المـــالـــكـــة لـلـصـحـيـفـة الـشـعـبـيـة الـيـمـيـنـيـة - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبـدت قلقا من أن استحواذ الشركة على الـصـحـيـفـة الـــوقـــورة قـــد يــؤثــر عـلـى الـتـعـدّديـة الإعــامــيــة فـــي الـــبـــاد، وأرادت الـنـظـر فـــي أثـر الــصــفــقــة عــلــى المــنــافــســة والمــصــلــحــة الــعــامــة. وهكذا، جـاء عـرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة. مـع هـــذا، فـفـور إعـــان «أكـسـل شبرينغر» عـــن «تـحـقـيـقـهـا حـلـمـهـا» بــالاســتــحــواذ أخـيـرا على الصحيفة البريطانية، بـدأت التساؤلات حـــــول مــــا إذا كـــانـــت المـــجـــمـــوعـــة الألمــــانــــيــــة قـد تسرّعت بـشـراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكـسـل شبرينغر» لـم تُــجـر إجـــراءات التدقيق الـــازمـــة قــبــل الاســـتـــحـــواذ عــلــى «الـــتـــلـــغـــراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية. «الــــــغــــــارديــــــان» نـــقـــلـــت عــــن عــــــدة مـــصـــادر الـقـول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شـبـريـنـغـر»، مــاتــيــاس دوبــفــنــر، قــــرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الـذي كان عرض مـلـيـون جنيه إسـتـرلـيـنـي، وهـو 500 الــشــراء بـــــ المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي ، لكنه أُجبر على 2023 - الإماراتي لشرائها عام بيعها من جديد. شكوك حول جدوى الصفقة وفــــــق «الــــــغــــــارديــــــان»، لا يـــتـــعـــدى تـقـيـيـم 450 » الــخــبــراء فــي الــســوق لقيمة «الــتــلــغــراف مــلــيــون جــنــيــه إســتــرلــيــنــي. وهـــــذا يـــعـــود إلــى اســــتــــمــــرار انــــخــــفــــاض نـــســـبـــة المـــشـــتـــركـــن فـي الصحيفة الــورقــيــة. والـــواقـــع أن الاشــتــراكــات في النسخة الورقية للصحيفة لا تـزال تشكل فـــي المـــائـــة، 61 المـــصـــدر الأول لــلــدخــل بـنـسـبـة مليون يــورو، بحسب 255 وبقيمة تزيد على . غير أن هذه الأرقام تنخفض 2024 أرقام سنة مـنـذ ســـنـــوات، بـحـسـب تحقيق «الـــغـــارديـــان». في 5 ســجّــل ارتــفــاعــا بـنـسـبـة 2024 فـقـط عـــام في المائة منها 78 ، المائة في نسبة الاشتراكات كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءا كبيرا مـن هـذه الاشـتـراكـات كـان عـروضـا مجانية أو بأسعار بخسة. في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فـإن استحواذ المـــجـــمـــوعـــة الألمـــانـــيـــة عـــلـــى الـــــــدار الــصــحــافــيــة الــبــريــطــانــيــة يـتـمـاشـى مـــع تـــوســـع المـجـمـوعـة دوليا خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت ، مــا 2021 عــــلــــى مـــجـــلـــة «بـــولـــيـــتـــيـــكـــو» عـــــــام أعطاها قدما في العالم الناطق بالإنجليزية، بــالإضــافــة إلـــى «بــيــزنــس إنـــســـايـــدر». وراهــنــا تسعى المجموعة الألمـانـيـة إلــى الاعـتـمـاد على التوسّع الرقمي والـذكـاء الاصطناعي عِوضا عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـــ«الــتــلــغــراف» مـــا زالــــت قـلـيـلـة الــــوضــــوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية. وفـــي المـحـصّــلـة، تـــرى «أكــســل شبرينغر» - الــتــي تنتمي عـنـاويـنـهـا إلـــى الـيـمـن ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقـتـصـاديـة البريطانية تــــزيــــدهــــا تـــــأثـــــيـــــراً، ولا تـــخـــتـــلـــف كــــثــــيــــرا عــن توجهاتها السياسية. ماتياس دوبفنر (أكسل شبرينغر) ترويسة «الديلي تلغراف» (رويترز) برلين: راغدة بهنام الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية مـــــــع ازديــــــــــــــــاد الاعــــــتــــــمــــــاد عـــــلـــــى الــــــذكــــــاء الاصطناعي فـي استقاء المعلومات، يتصاعد الــــقــــلــــق داخــــــــــل مــــنــــصــــات إعـــــامـــــيـــــة ومـــــواقـــــع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات. ووفقا لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فـإن «نسبة الذين يستخدمون الـذكـاء الاصطناعي للبحث عـن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى». وأردف الــــتــــقــــريــــر أن «اســـــتـــــخـــــدام الـــــذكـــــاء الاصــطــنــاعــي فـــي اســتــقــاء المــعــلــومــات بـــات بـديـا لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازديــادا في نسبة الـذيـن يكتفون بمطالعة ملخصات الـذكـاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات». تـقـريـر «مـعـهـد رويـــتـــرز» كـشـف أيـضـا عــن أن «ثـلـث المستخدمين فقط يـنـقـرون بـاسـتـمـرار على روابـــط المــصــادر المـرفـقـة بـإجـابـات البحث المُــولَّــدة فـــي المـائـة 28 بــالــذكــاء الاصــطــنــاعــي، فـــي حـــن أن منهم نـــادرا مـا يفعلون ذلـــك، أو لا يفعلونه على الإطلاق». رائــف الــغــوري، المـــدرب والـبـاحـث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول عـلـى المــعــلــومــات، فـهـي تـمـثـل تـحـديـا جـــديـــدا أمـــام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية». ومـــن ثــم أشــــار الـــغـــوري إلـــى مــا فـعـلـه مـحـرِّك الــبــحــث «غـــوغـــل» بــتــطــويــره مــســاعــدا ذكــيــا قــــادرا عــلــى تـنـفـيـذ مـــهـــام مــــحــــددة، وتـــقـــديـــم المــعــلــومــات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الـنـاشـريـن وأصــحــاب المــواقــع الإلـكـتـرونـيـة ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات». وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مـع الـواقـع الجديد، منها: «الارتـقـاء بجودة العمل الصحافي، وتـفـادي الاعتماد على مــخــرجــات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي فـــقـــط، والـــرجـــوع إلـــى المـــصـــادر الأصــلــيــة والـتـحـقـق مـنـهـا، وإنــتــاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحـصـاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هــــذا إلــــى جـــانـــب «تـــطـــويـــر مــــهــــارات الـصـحـافـيـن وزيــــــادة وعــيــهــم بـــطـــرق اســـتـــخـــدام أدوات الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي، وتقليص الاعـتـمـاد عـلـى الــزيــارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيرا تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات». وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة». جـــديـــر بـــالـــذكـــر أن «غــــوغــــل» كـــــان قــــد أطــلــق خـدمـة ملخصات الـذكـاء الاصطناعي، 2024 عــام مـــا تــســبــب فـــي تـــراجـــع حــجــم الـــــزيـــــارات لـلـمـواقـع الإلكترونية، حسب دراسات عدة. وفــــي هــــذا الإطــــــار، تـــطـــرَّق مـحـمـد الـــصـــاوي، المتخصص فـي الـرصـد والتحليل الإعــامــي، إلى «تـحـوُّلات متسارعة في المشهد الإعـامـي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مـــع «الـــشـــرق الأوســـــط» بـــأن اعــتــمــاد المستخدمين يـــــزداد عـلـى أدوات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي كمصدر مــبــاشــر لـــإجـــابـــات، مــقــابــل تـــراجـــع مــلــحــوظ في الاعـــتـــمـــاد عــلــى المــــواقــــع الإلــكــتــرونــيــة ومــحــركــات البحث التقليدية. وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجــابــات مختصرة وفــوريــة تقلل من الحاجة إلـى تصفُّح عـدة مـصـادر، فـي حـن تشير الـــــدراســـــات إلــــى أن ظـــهـــور المــلــخــصــات المــدعــومــة بالذكاء الاصطناعي يـؤدي إلـى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية». وتـــابـــع: «هــــذه المــمــارســة تـعـكـس انــتــقــالا من الـبـحـث الـتـقـلـيـدي إلـــى التقييم المــقــارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مــــؤشــــرات الــســمــعــة الإعـــامـــيـــة، مـــع إدراك مـتـنـام لـــضـــرورة الـتـحـقـق بـسـبـب احــتــمــالات الأخـــطـــاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة». واسـتـطـرد لـيـوضـح أن هـــذا التغير «يـفـرض تـــحـــديـــات جـــوهـــريـــة عـــلـــى الـــنـــاشـــريـــن وصـــنـــاعـــة الأخــــبــــار، أبــــرزهــــا تـــراجـــع الـــــزيـــــارات الـــقـــادمـــة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الـــنـــاشـــريـــن، دون ضـــمـــان واضـــــح لإعــــــادة تـوجـيـه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ». هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الــحــالات قـد يـــؤدي إلــى تشويه المعلومات أو الإضــرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، فــي مـواجـهـة هـــذه المـتـغـيـرات، يـبـرز اتــجــاه متنام نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعــامــي، مـن خــال التركيز على إنـتـاج محتوى أصــلــي عــالــي الــــجــــودة، وتــعــزيــز الــحــضــور داخـــل إجـــــابـــــات الـــــذكـــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، عـــبـــر مــــا يُـــعـــرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة». فــي ســيــاق مـتـصـل، رأى الـــصـــاوي «ضــــرورة أن يــعــيــد الــــنــــاشــــرون صـــيـــاغـــة اســتــراتــيــجــيــاتــهــم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يــتــضــمــن حـــقـــائـــق واضــــحــــة، وســـيـــاقـــات مـكـتـمـلـة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بـشـكـل صــحــيــح». ثـــم شـــــدَّد عــلــى أن «الاســتــثــمــار فـي المـحـتـوى الـحـصـري والتحليلي العميق يُعد عـامـا حـاسـمـا، نـظـرا لأن الـنـمـاذج الـذكـيـة تعتمد فـــي الأســــــاس عــلــى هــــذا الـــنـــوع مـــن المــــــواد لإنــتــاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ عـــلـــى حـــضـــورهـــم كـــمـــصـــادر مـــوثـــوقـــة داخــــــل هـــذه الأنظمة، بدلا من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة». القاهرة: فتحية الدخاخني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky