issue17345

تحل هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجـهـة الـنـقـاش الأدبـــي والـثـقـافـي واحـــدة من أكـثـر الشخصيات الأمـيـركـيـة تعقيدا وإثــــارة لــلــجــدل. وبـــهـــذه المـنـاسـبـة تُـــبـــادر دور النشر الـــفـــرنـــســـيـــة والأمـــيـــركـــيـــة إلـــــى إعـــــــادة إصـــــدار أعـمـالـه، بينما تتسابق الـصـحـف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه. والـــواقـــع أن هـــذه الـــعـــودة لـيـسـت مـجـرد طـــقـــس احـــتـــفـــالـــي أو واجــــــب ذكــــــــرى، بــــل هـي دعــــــوة ضــمــنــيــة لمـــراجـــعـــة الــــصــــورة الـنـمـطـيـة الـتـي رسختها عـقـود مـن الـــقـــراءات المبسِّطة، والـــســـؤال المـــطـــروح الـــذي تـنـاولـتـه الـكـثـيـر من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقا كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟ وقـــبـــل الإجـــــابـــــة، كـــــان الإجــــمــــاع هــــو أن لندن قد منح الـقـراء حـول العالم متعة أدبية خـالـصـة، فــروايــاتــه الـكـبـرى عــن ألاســكــا وعـن ذئـــــاب الـــيـــوكـــون وعــــن قـــســـوة الـطـبـيـعـة الـتـي تبتلع الـضـعـفـاء جـعـلـت مـنـه اســمــا لا يُنسى فـي الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاتــه حجابا سميكا غط جانبا آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخـــر هــو ذاك الـــذي نـشـأ فــي أحــضــان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم ير في ذلك أي تناقض مع أدبه. ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكــرى ميلاده أن «لندن كثيرا ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلا هو حس اجتماعي حاد جعل منه أديبا يـلـتـقـط مـــا تـحـجـبـه الأســـاطـــيـــر مـــن حــقــائــق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو الـــقـــارئ إلـــى إعــــادة الـنـظـر فــي لــنــدن: لا كـاتـب المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر People of the Abyss روايــة «شعب القاع» أو ، تجسيد قوي لهذا التوجه، 1903 الصادرة في ففيها لا يقف لندن خـارج المشهد لينقله، بل يـرتـدي ملابس العاطل ويقتحم أحـيـاء الفقر فـــي حـــي «إيـــســـت إنـــــد» الــلــنــدنــي لـيـعـيـش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع الــيــومــي والــســكــن الـــــرديء والـبـطـالـة المـزمـنـة، وهـــو مــا مـنـحـه طـابـعـا شـبـه وثــائــقــي يجعله أقـــرب إلـــى الـصـحـافـة الاسـتـقـصـائـيـة مـنـه إلـى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هــذا التماس المباشر مـع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الـواقـع، بـل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى. على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فـرصـة أخـــرى لا تـقـل أهـمـيـة، وهـي الإمـــســـاك بـالـتـنـاقـض الــجــوهــري الـــذي يجعل لــــنــــدن أغــــنــــى مـــــن أي تـــعـــريـــف أحــــــــــادي. فـقـد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عـبـارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فــهــي تُـــضـــيء الــبــعــد الأســــطــــوري فـــي سـيـرتـه وتُــجــلّــيــه، لـكـنـهـا فـــي الـــوقـــت ذاتــــه تُــلــمّــح إلـى رجـــل لا يـمـكـن حـبـسـه فـــي هــويــة واحــــــدة، ولا اخــتــزالــه فــي قـنـاع بـعـيـنـه، حـيـث كـــان العامل والـــيـــتـــيـــم والمـــتـــســـكـــع والـــبـــحـــار والمـسـتـكـشـف والاشـتـراكـي والمـــزارع والكاتب الأكـثـر مبيعاً. أمـا مجلة «مـاريـان»، فقد ذهبت أبعد وأجـرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلـى الـحـزب الاشـتـراكـي وخطب فــي الـتـجـمـعـات الـعـمـالـيـة وكــــان أكــثــر الـكـتـاب الأمــيــركــيــن قـــــراءة فـــي الاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي، ومن جهة أخرى كان معجبا بالقوة الغريزية وفــكــرة الــصــراع وبــأســطــورة الإرادة الـفـرديـة، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خـاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات. لا تـــخـــتـــلـــف الـــصـــحـــافـــة الأمــــيــــركــــيــــة فـي مجملها عـــن نـظـيـرتـهـا الـفـرنـسـيـة فـــي إعـــادة تــقــديــم لـــنـــدن بــوصــفــه أعـــمـــق مــمــا تــســمــح به الــصــورة الشائعة. ففي الـيـوم الـــذي يُــصـادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهـي المجلة الأميركية العريقة التي مقالةً 1903 نشرت «نداء البرية» أول مرة عام بــعــنــوان «جــــاك لــنــدن فـــي المـــائـــة والـخـمـسـن» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتابا تتضمن الروايات ومــجــمــوعــات الـقـصـص والمـــقـــالات والـــرحـــات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج. وفـــــي الــــوقــــت ذاتــــــه نـــشـــر مـــوقـــع «بـيـبـلـز وورلــــد» أبـــرز المـنـابـر الـيـسـاريـة فـي الصحافة الأميركية مقالا تحليليا للناقدة جيني فارِل بــعــنــوان «جـــــاك لـــنـــدن فـــي المـــائـــة والـخـمـسـن: الكعب الـحـديـدي بوصفه أولـــى ديستوبيات عصر الإمـبـريـالـيـة». وفــي هــذا الـنـص المـطـوّل الــــذي اسـتـقـطـب اهـتـمـامـا واســـعـــا تُـــقـــدّم فـــارِل ) بوصفها: 1908( » روايـــة «االعقب الحديدية «أكـــثـــر مـــن مـــجـــرد روايــــــة ســيــاســيــة، بـــل نصا تأسيسيا في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبــيــة بعقدين كـامـلـن، وتُـــاحـــظ الـكـاتـبـة أن لــنــدن رســـم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق الــعــمــال بـعـنـف مــنــظّــم، مـسـتـنـدا إلـــى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده. وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر »، حسب 1984« إلهام لجورج أوروِل حين كتب اعترافه، وهـو ما يمنحها موقعا مركزيا في تاريخ الأدب السياسي الغربي. أمـــــا مــجــلــة «كـــاونـــتـــربـــنـــش» الأمــيــركــيــة فقد اخــتــارت، قُبيل الـذكـرى، Counter punch نـــبـــرة أكـــثـــر تــعــقــيــدا وأشـــــد جــــــرأة، إذ نـشـرت مــــوضــــوع لـــلـــنـــاقـــد والمــــــــــؤرخ الأدبــــــــي جـــونـــاه راسـكـن تحت عـنـوان «جــاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين» وفـــــي هـــــذه المـــقـــالـــة الـــتـــي أشـــعـــلـــت جــــدلا واسعا في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوان راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخا في المناهج الدراسية حـــن تـتـجـاهـل قــــــراءات تـلـك المــنــاهــج جـوانـب مقلقة في إرثــه، من العنصرية إلـى التناقض بـن خطابه الطبقي وحياته المـرفّــهـة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأمــيــركــيــة الــروســيــة الـشـهـيـرة وصـفـتـه بـأنـه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا». عـلـى صعيد مـخـتـلـف، أصــــدرت «مكتبة أمـيـركـا» المـرجـعـيـة الأكـاديـمـيـة الـتـي تُــعــد من أرفـع مؤسسات التوثيق الأدبــي في الولايات المـتـحـدة، فــي الـثـالـث عـشـر مــن يـنـايـر (كـانـون مقالة بعنوان «رمـــادا لا غباراً: 2026 ) الثاني جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تـركـز فيها عـلـى زوايــــا مــن شخصية لـنـدن لا طــالمــا أربــكــت قــــــرّاءه: كـيـف يــكــون المــــرء ثـوريـا بالقلم ومترفا بالسلوك في آن واحد؟ وهــــــو فـي 1916 مــــــات جــــــاك لــــنــــدن عــــــام الأربـــعـــن مــن عــمــره، تــاركــا أكــثــر مــن خمسين كتابا وأسـطـورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئا من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية. أجمع النقاد على أن جاك لندن منح القراء حول العالم متعة أدبية خالصة الثقافة CULTURE 18 Issue 17345 - العدد Monday - 2026/5/25 الاثنين ًمجدي القشاوي يستلهمه في «كل الألوان أزرق» الفن التشكيلي مرجعا قصصيّا فـــــي مـــجـــمـــوعـــتـــه الـــقـــصـــصـــيـــة «كـــل الألـــــوان أزرق» الـــصـــادرة أخــيــرا عــن دار الــــعــــن بــــالــــقــــاهــــرة، لا يـــكـــتـــفـــي الـــكـــاتـــب والـــــقـــــاص المـــــصـــــري مــــجــــدي الـــقـــشـــاوي بـاسـتـلـهـام الـــفـــن الـتـشـكـيـلـي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك الــســرد وفـقـا لمنطق الـحـكـايـة التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، والـــلـــون، والـكـتـلـة، والـــفـــراغ، والـعـاقـات الـدقـيـقـة بـــن الــعــنــاصــر، لـتـبـدو قصص المـجـمـوعـة أقـــرب إلـــى تـكـويـنـات بصرية أو حـالات انطباعية منها إلـى نصوص تنهض على الحدث. مـنـذ عتبة الـقـصـة الأولــــى «طبيعة صــــــامــــــتــــــة» يــــتــــشــــكــــل عــــــالــــــم الـــبـــطـــلـــن كـسـطـح فـنـي يُــبـنـى تــدريــجــيــا، لتصبح استجاباتهما الـشـعـوريـة نفسها أقـرب إلــــى فــعــل تـشـكـيـلـي، يـــقـــول الــــســــارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحــــدة مــن فـرشـاتـهـا، أن تفتح الــدوائــر المــعــتــمــة مــــن حــــولــــي، فــيــنــســاب الـــضـــوء كــريــمــا وشــــوافــــا»، لــتــســري الــعــاقــة بين الـــبـــطـــلـــن عـــبـــر تـــــحـــــوّلات رقـــيـــقـــة تـشـبـه انعكاسات الضوء. ولا تــــبــــدو «الــــــفُــــــرشــــــاة» فـــــي عـــالـــم الـــقـــشـــاوي مـــجـــرد أداة لــلــرســم، بـــل أداة لـــلـــكـــشـــف وإعــــــــــــادة الـــــــرؤيـــــــة، بـــقـــدرتـــهـــا عــلــى إعـــــادة تـشـكـيـل المــجــالــن الـبـصـري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض الـــعـــريـــض» يـــبـــدو الـــعـــالـــم وكـــأنـــه لـوحـة بـــــصـــــريـــــة مــــــــراوغــــــــة إذ يـقـول الـبـطـل: «تـحـوّلـت كــــل الــــصــــور إلــــــى حــالــة شبحية، كــأن هـنـاك من أمـــــســـــك بـــــفـــــرشـــــاة ومــــــر عـــــلـــــيـــــهـــــا حــــــتــــــى صـــنـــع فــوقــهــا خــطــا عــريــضــا»، وفـي الوقت نفسه تقوم بـوظـيـفـة كــاشــفــة، حيث «الـــفـــرشـــاة كـــانـــت تُــزيــح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تـراكـمـات الـواقـع، لــلــكــشــف عــــن هـشـاشـتـه وتفاصيله الخفية حساسية انطباعية من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي مــــن حــســاســيــة «الانـــطـــبـــاعـــيـــن»، حـيـث الـنـصـوص لا تنشغل بالتقاط الأشـيـاء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بــالــتــقــاط أثـــرهـــا المـــتـــحـــوّل عــلــى الــحــس والـــــــوعـــــــي، وذلــــــــك بــــنــــوع مـــــن «تــحــيــيــد المــــعــــنــــى» لــــصــــالــــح الإحــــــســــــاس الـــعـــابـــر والـــلـــحـــظـــة الــــهــــاربــــة، فــــالــــضــــوء يـتـغـيـر بــاســتــمــرار، والــضــبــاب يُـــذيـــب الـــحـــدود، والألــــوان تتحوّل إلــى خـبـرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بــالمــدرســة الانـطـبـاعـيـة «شـــاهـــدت لوحة لـــخـــمـــس تــــفــــاحــــات خــــضــــراء مـــتـــجـــاورة فـــــوق المـــنـــضـــدة، جـمـيـعـهـا بــــدرجــــة لــون واحــــدة، وحـتـى التركيز على الـظـال لم يكن ظاهرا في اللوحة، والنتيجة كانت أنــنــي أحـسـسـت الأخــضــر كـمـا لــم أحسه فـي المـــزارع الـكـبـرى»، بـل إن الـلـون نفسه لا يــعــود مــجــرد عـنـصـر بـــصـــري، وإنـمـا يـتـحـوّل إلــى حمولة حسية ووجـدانـيـة: «الـلـون وقـد نجح أن يتحوّل إلـى وزن»، وهــــــي تـــمـــثـــيـــات تُــــعــــزز طــــمــــوح الـــســـرد لالــــتــــقــــاط الانــــطــــبــــاعــــات الـــســـريـــعـــة قـبـل الزوال. تبدو الحساسية الفنية هنا جزءا عضويا مـن بناء شخصيات المجموعة وطـــريـــقـــتـــهـــا فــــي فـــهـــم الــــعــــالــــم، فــأبــطــال الــــقــــشــــاوي غـــالـــبـــا مـــــا يـــمـــتـــلـــكـــون وعـــيـــا جماليا فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غيابا على حوائط حجرة واحدة». فــفــي أكـــثـــر مـــن قــصــة يـظـهـر الـبـطـل مــــتــــأمــــا لــــوحــــة صــــامــــتــــة، أو مـــشـــغـــولا بـطـريـقـة تــشــكّــل الـــضـــوء فــــوق الأشـــيـــاء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بــنــبــرة تـسـتـدعـي رســـائـــل «فــــان جــــوخ»، لا سـيـمـا فــي اسـتـنـطـاقـه الألــــــوان: «أيـهـا الأصــــفــــر، أخـــبـــرنـــي تـــاريـــخ صـــحـــراواتـــك وعبْر ما تشعر به». شظايا وكولاج لـكـن حساسية المـجـمـوعـة لا تتوقف عـنـد الانـطـبـاعـيـة وحـــدهـــا، بـــل تـمـتـد إلـى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والــتــرمــيــم، فـفـي قـصـة «طـبـيـعـة صـامـتـة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشـظـايـا زجــــاج سـيـارتـهـا بـعـد تهشمها فـــي حـــــادث قـــديـــم، لـيـصـبـح الــكــســر نفسه جـــزءا مــن الـتـجـربـتـن الإنـسـانـيـة والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لــهــشــيــم الـــعـــالـــم مـــســـاحـــة واضــــحــــة داخــــل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الــجــمــالــيــة لــلــمــجــمــوعــة بــأكــمــلــهــا، حـيـث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعـــادة ترتيبها داخــل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها. ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصا في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فـــوق وجـــه عــازفــة الــفــلــوت»، الـتـي يستعين فيها الـقـشـاوي ببنية الـرسـائـل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى الـبـطـلـة وحـــــدات مـسـتـقـلـة تـــشـــارك مـعـا في تشكيل حــالــة كـلـيـة مــن الـقـلـق والـهـشـاشـة والـــزوال، ولــذا يقول الـسـارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قـــادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة». يـظـهـر الـــفـــن فـــي المــجــمــوعــة بـوصـفـه مـــحـــاولـــة لإبـــطـــاء الـعـالـم وتـــــــــــــدبّـــــــــــــر الــــــلــــــحــــــظــــــات الـــــــهـــــــاربـــــــة، فـــــفـــــي قـــصـــة «الـــــــفـــــــراشـــــــة الــــــــســــــــوداء» يــتــأمــل الــكــاتــب انــدفــاعــة الــــحــــيــــاة الــــبــــلــــهــــاء، ذلــــك الـــتـــيـــار المـــتـــواصـــل الــــذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بـــيـــنـــمـــا تـــــبـــــدو الـــكـــتـــابـــة نـفـسـهـا مــحــاولــة يـائـسـة لــــــلــــــحــــــاق بـــــــــالأثـــــــــر قـــبـــل اخـــتـــفـــائـــه، كـــمـــا فــــي تـلـك المــــفــــارقــــة: «انـــتـــهـــى عـمـر الفراشة وأنا أكتب». خبرة الحواس تــــبــــدو الــــعــــاقــــات الـــعـــاطـــفـــيـــة داخـــــل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا عــلــى الـــحـــب بــوصــفــه حـكـايـة تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطا يُــعـيـد مـــن خــالــه الـــرجـــل اكــتــشــاف الـعـالـم والـــحـــواس والألـــــوان، فـفـي «أربــــع عـامـات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عـن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسـادة طـــبـــيـــة، ســــــؤال عــــن مــــــذاق الـــطـــعـــام، حـتـى المـــشـــاعـــر نـفـسـهـا تـــتـــحـــوّل إلــــى تـكـويـنـات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنــــه «شـــعـــر بــإصــبــع حـــنـــون تـضـغـط على المنطقة التي تقع بين عينيه». تــعــتــمــد قـــصـــص المـــجـــمـــوعـــة بـــدرجـــة كـــبـــيـــرة عـــلـــى الــــحــــواس بــوصــفــهــا أدوات للمعرفة؛ الــرائــحــة، والـــصـــوت، والمـلـمـس، ولا تُــسـتـخـدم بوصفها فــوائــض وصفية بـقـدر مــا تطمح إلـــى فـهـم الـعـالـم والـتـقـاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخـلـي مـسـارا مـنـفـرداً»، وفـي قصة أخــــرى يــقــول بـطـلـهـا: «فـــي جـلـسـتـي الـتـي طــالــت؛ رأيـــت خـيـوطـا مــن الــصــوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الـــوحـــيـــدة»، وكـــــأن الــشــخــصــيــات تتنفس المعنى عبر خبرة الـحـواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها. وهـــــكـــــذا، تــــبــــدو قـــصـــص المـــجـــمـــوعـــة بـــمـــثـــابـــة زوايــــــــا مـــفـــتـــوحـــة عـــلـــى الـــتـــأمـــل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الــصــحــراء، أو الــفــراشــة، أو قطعة زجـــاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس الـنـقـص وتحتفي بـــه، أو عـلـى حــد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا». القاهرة: منى أبو النصر تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الــكــامــلــة لــلــشــاعــر الـــعـــراقـــي حـمـيـد قــاســم، ويعد صـدور هـذه المجموعة محطة بـارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق مـنـذ الـنـصـف الـثـانـي مــن الــقــرن العشرين وحتى الـيـوم. وهــي لا تعني مجرد إعــادة نـــشـــر قـــصـــائـــد مــتــفــرقــة فــــي مــجــلــد واحـــــد، بــل تمثل إعــــادة اكـتـشـاف لمـسـيـرة إبـداعـيـة متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفيا للإنسان والــذاكــرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة. وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية الـتـي سـعـت إلـــى بـنـاء قصيدتها الخاصة بــعــيــدا عـــن الـتـقـلـيـد والـــتـــكـــرار، فــقــد اتـسـم مـــشـــروعـــه الـــشـــعـــري بـــالـــنـــزعـــة الإنــســانــيــة والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلــــى جــانــب حــــس تــأمــلــي عـمـيـق جــعــل من قـصـائـده مــــرآة للقلق الـــوجـــودي والـبـحـث الــدائــم عـن معنى الـحـيـاة. ومــن هنا تأتي أهـمـيـة صــــدور أعــمــالــه الــكــامــلــة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والــــفــــكــــريــــة، والــــــوقــــــوف عـــلـــى الـــتـــحـــولات الأســــلــــوبــــيــــة والــــلــــغــــويــــة الــــتــــي مــــــرت بـهـا قصيدته عبر السنين. لـــقـــد عـــكـــســـت قـــصـــائـــد حـــمـــيـــد قـــاســـم صـورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بـأن الشعر لـيـس تـــرفًـــا لــغــويًــا، بـــل فـعـل مــقــاومــة ضد القبح والنسيان. وفـي نصوصه تتجاور صـــور الـطـفـولـة والمــديــنــة والمــنــفــى والـحـب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم الــتــاريــخــيــة. لــذلــك فــــإن إصـــــدار المـجـمـوعـة الشعرية الكاملة لا يمثل حـدثـا شخصيا يـتـعـلـق بـالـشـاعـر وحـــــده، بـــل يُــعــد إضـافـة نــوعــيــة إلــــى المـكـتـبـة الــعــراقــيــة والــعــربــيــة، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل. وتــكــمــن أهــمــيــة هــــذا الإصـــــــدار أيـضـا في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطـاع عـــلـــى تـــجـــربـــة شـــعـــريـــة ربـــمـــا لــــم تـــتـــح لـهـا فـرصـة الـتـعـرف إلـيـهـا بــصــورة شـامـلـة من قبل. فالكثير من الـدواويـن القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصـحـف ودور نـشـر مـتـبـاعـدة، مـمـا جعل الوصول إليها أمـرا صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الـبـاحـثـن والـــقـــراء فــرصــة ثـمـيـنـة لــدراســة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فـضـا عـن متابعة تـطـور رؤيـتـه الشعرية والإنسانية. ومـــــن المـــــعـــــروف أن الـــشـــعـــر الـــعـــراقـــي الحديث يمتلك إرثــا غنيا صنعته أسماء كـــبـــيـــرة تـــركـــت أثــــــرا واضــــحــــا فــــي الــثــقــافــة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبــداعــي الــذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احـتـفـظ بـصـوتـه الـــخـــاص، فـلـم يكن تابعا لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازنا بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والــبــســاطــة، وهـــو مــا مـنـح قـصـيـدتـه قــدرة عـلـى الـــوصـــول إلــــى الـــقـــارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي. إن صـــدور الأعــمــال الـشـعـريـة الكاملة لأي شـــاعـــر يُـــعـــد اعـــتـــرافـــا بـقـيـمـة تـجـربـتـه ومـــكـــانـــتـــه فــــي المـــشـــهـــد الأدبـــــــــي، وهــــــذا مـا ينطبق عـلـى حـمـيـد قــاســم الــــذي اسـتـطـاع عــبــر ســـنـــوات طــويــلــة أن يـــرســـخ حــضــوره بـوصـفـه شــاعــرا يمتلك حـسـاسـيـة خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الـــصـــدق الــشــعــوري والـــقـــدرة عـلـى الـتـقـاط الـلـحـظـة الإنــســانــيــة بــأبــعــادهــا المـخـتـلـفـة. ولهذا بقي شعره قريبا من الـقـارئ، قـادرا عـلـى إثــــارة الــتــأمــل وإعـــــادة طـــرح الأسـئـلـة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان. كــمــا أن هــــذا الإصـــــــدار يــشــكــل خـطـوة مـهـمـة فـــي حــفــظ الإرث الــثــقــافــي الــعــراقــي، خـصـوصـا فــي ظــل مــا تـعـرضـت لــه الثقافة العراقية مـن تشتت وضـيـاع خـال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف الـــســـيـــاســـيـــة الــــصــــعــــبــــة. فـــتـــوثـــيـــق أعــــمــــال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان فـي حماية الــذاكــرة الثقافية مـن النسيان، ويـعـيـدان الاعـتـبـار للكلمة بوصفها جـزءا من هوية المجتمع وتاريخه. بغداد: علاء المفرجي عاما على ميلاده 150 قراءات فرنسية وأميركية جديدة بمناسبة جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها باريس: أنيسة مخالدي جاك لندن

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky