issue17345

علوم SCIENCES 16 Issue 17345 - العدد Monday - 2026/5/25 الاثنين تسرّع أبحاث الدماغ المتقدمة حول العالم أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقا جديدة لفهم الأمراض الوراثية فـــي خـــطـــوة عـلـمـيـة قـــد تُــــحــــدِث تــحــولا جـــــذريـــــا فـــــي أبـــــحـــــاث الــــــدمــــــاغ طــــــــوّر فـــريـــق مــــن الـــبـــاحـــثـــن أجــــهــــزة اســـتـــشـــعـــار بـسـيـطـة ومــنــخــفــضــة الــتــكــلــفــة قــــــــادرة عـــلـــى مـــراقـــبـــة النشاط الكهربائي داخـل النماذج الدماغية المـــصـــغـــرة الـــتـــي يــتــم زراعـــتـــهـــا فـــي المـخـتـبـر. ولا يَـــعِـــد هــــذا الابـــتـــكـــار فــقــط بــتــســريــع فهم الاضطرابات الجينية المعقدة، بل قد يجعل أبحاث الدماغ المتقدمة في متناول عدد أكبر من المختبرات حول العالم. ويـــــظـــــل الــــــدمــــــاغ الــــبــــشــــري أحـــــــد أكـــثـــر الأعضاء غموضا وتعقيداً. وعلى الرغم من الاعتماد الطويل على النماذج الحيوانية، فإنها لم تتمكن من محاكاة التعقيد الحقيقي لـــلـــدمـــاغ الـــبـــشـــري. وقـــــد دفـــــع هـــــذا الــتــحــدي العلماء إلــى تطوير مـا يُــعـرف بـ«العضيات الـدمـاغـيـة» وهـــي أنـسـجـة صـغـيـرة تُــــزرع من الخلايا الجذعية وتحاكي بعض خصائص الدماغ. وقد فتحت هذه العضيات بابا واسعا لــدراســة الأمــــراض العصبية الــوراثــيــة، مثل Angelman syndrome مـــتـــازمـــة أنــجــلــمــان وهــي حـالـة تتميز بتأخر النمو والإعــاقــات الــذهــنــيــة واضـــطـــرابـــات الــنــطــق وصــعــوبــات الـــحـــركـــة والـــــقـــــدرات الـــتـــواصـــلـــيـــة. ومــــع ذلــك واجهت هذه الأبحاث عقبة كبرى هي ارتفاع تكلفة الأجــهــزة المستخدمة لمـراقـبـة النشاط الكهربائي داخل هذه العضيات. جهاز استشعار ذكي لــــطــــالمــــا شــــكّــــلــــت الــــتــــكــــلــــفــــة الـــبـــاهـــظـــة للأجهزة التقليدية عائقا أمام تقدم الأبحاث العصبية، حيث تعتمد الأدوات الحالية على مواد نـادرة وطرق تصنيع معقدة ما يجعل الـتـجـارب مـحـدودة بـعـدد قليل مـن العينات فـقـط. ويــحــرم هـــذا الـقـيـد المــالــي الـعـلـمـاء من الــحــصــول عـلـى بــيــانــات شــامــلــة، ويــحــد من قـدرتـهـم عـلـى فـهـم الـتـبـايـن الـبـيـولـوجـي بين العينات. لـــكـــن فــريــقــا بـحـثـيـا مـــن جــامــعــة ولايـــة كــارولايــنــا الـشـمـالـيـة فــي الـــولايـــات المـتـحـدة نجح في كسر هذا الحاجز من خلال تطوير جهاز مبتكر يحمل اسم «مصفوفة مطابقة لرصد الفيزيولوجيا الكهربائية للعضيات» Conformal Array for Monitoring )Electrophysiology of Organoids (CAMEO »npj Biosensing« في دراسة نُشرت في مجلة .2026 ) في أبريل (نيسان وقــــد أوضـــحـــت الــبــاحــثــة نــافــيــا مـيـشـرا المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم الهندسة الــــكــــهــــربــــائــــيــــة وهـــــنـــــدســـــة الــــــحــــــاســــــوب فــي كـــارولايـــنـــا الـشـمـالـيـة أن هـــذا الــجــهــاز يـقـدم حلا عمليا يجمع بين الدقة العالية والتكلفة المنخفضة ما يمهّد لمرحلة جديدة في أبحاث الدماغ تتسم بقدرة أكبر على التوسع، ودقة أعلى في النتائج. على CAMEO وتـعـتـمـد المـصـفـوفـه أو تـقـنـيـة مـبـتـكـرة تـسـتـخـدم أنــابــيــب الــكــربــون الـنـانـويـة المـرنـة الـتـي تُــرتـب على شكل سلة دقـيـقـة. إذ تُــوضــع العضية الـدمـاغـيـة داخــل هــــذه «الـــســـلـــة»، وتــعــمــل الـــخـــيـــوط الــنــانــويــة كــأنــهــا أقـــطـــاب كـهـربـائـيـة تـلـتـقـط الإشـــــارات العصبية. ثــــم تُـــنـــقـــل هـــــذه الإشــــــــــارات إلـــــى جــهــاز تـــســـجـــيـــل مـــمـــا يـــســـمـــح لـــلـــعـــلـــمـــاء بـــمـــراقـــبـــة النشاط الكهربائي بدقة عالية وفـي الوقت الفعلي تماما كما تفعل الأجـهـزة التقليدية ولـكـن بتكلفة أقـــل بكثير. وفـــي الاخـتـبـارات الأولية أظهر الجهاز قدرة فائقة على التقاط الإشــــارات الضعيفة والاستجابة للتغيرات الكيميائية، مما يؤكد كفاءته في التطبيقات البحثية. أهمية التطوير • لمـــاذا يُــعـد هـــذا الـتـطـور مـهـمـا؟ أولا لأنــــه يـــوسّـــع نـــطـــاق الأبــــحــــاث بــشــكــل غير مسبوق. كما أن انخفاض التكلفة يعني أن الــبــاحــثــن يـمـكـنـهـم دراســــــة عــــدد أكـبـر بكثير من العضيات في تجربة واحدة ما يعزز دقة النتائج، ويقربهم من فهم أعمق للأمراض. ثانيا لأنه يمهّد لتوحيد طرق البحث، حيث إن وجود نظام بسيط وموحّد يسهل على المختبرات في مختلف أنحاء العالم مقارنة نتائجها وتـبـادل البيانات، وهو أمر أساسي لتسريع الاكتشافات العلمية. وثــــــالــــــثــــــا إتـــــــاحـــــــة أبـــــــحـــــــاث الــــــدمــــــاغ لـــلـــمـــخـــتـــبـــرات الــــصــــغــــيــــرة. فـــالمـــخـــتـــبـــرات الصغيرة أو الموجودة في دول ذات موارد محدودة لم تعد مستبعدة من هذا المجال المـــتـــقـــدم، بـــل يـمـكـنـهـا الآن المــســاهــمــة فيه بفاعلية. • آفــــــاق أوســــــع مــــن مـــجـــرد اضـــطـــراب واحد. ولا يقتصر تأثير هذا الابتكار على دراسة متلازمة أنجلمان فقط، بل يمتد إلى طـيـف واســـع مــن الاضــطــرابــات العصبية، مثل التوحد والصرع والأمراض التنكسية مثل ألزهايمر. كما يمكن استخدامه في اختبار الأدوية الجديدة عبر مراقبة كيفية اســتــجــابــة الــخــايــا الـعـصـبـيـة لـلـعـاجـات المختلفة، مما قـد يـسـرّع تطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية. ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز ليس ســوى الـبـدايـة. فمع تـطـور تقنيات زراعــة CAMEO العضيات ستصبح الأدوات مثل جزءا أساسيا من المختبرات، وتساعد في فك أسرار الدماغ بطرق لم تكن ممكنة من قبل. فـــي الــنــهــايــة، لا يـمـثـل هــــذا الابــتــكــار مــجــرد تـحـسـن تـقـنـي بــل سـيـكـون تـحـولا جـــذريـــا فـــي طـريـقـة إجـــــراء أبـــحـــاث الــدمــاغ مـا يجعلها أســرع وأوســـع وأكـثـر شمولاً. وبالنسبة للمرضى وعائلاتهم يحمل هذا الــتــقــدم رســالــة أمـــل أن الــطــريــق نـحـو فهم أفضل للأمراض العصبية وربما علاجها قد أصبح أقصر مما كان عليه بالأمس. لندن: د. وفا جاسم الرجب نظام متكامل يجمع بين إعادة المياه الرمادية وتوليد الطاقة الشمسية طريقة علمية توفر المياه والطاقة بالمجمعات السكنية الكبرى في مصر مـع تصاعد التحديات المرتبطة بــــــنــــــدرة المــــــيــــــاه وارتــــــــفــــــــاع تـــكـــالـــيـــف الـطـاقـة، تتجه الأنــظــار نـحـو الحلول التكنولوجية المستدامة التي يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل المدن. وفي ظل ازديـــاد الضغط على البنية التحتية فــي المجتمعات الـعـمـرانـيـة الـجـديـدة، تـــبـــرز الـــحـــاجـــة إلـــــى نــــمــــاذج مـبـتـكـرة تـــجـــمـــع بـــــن الـــــكـــــفـــــاءة الاقــــتــــصــــاديــــة والحفاظ على المــوارد الطبيعية، بما يضمن استدامة الخدمات الأساسية للأجيال المقبلة. وفـــي هـــذا الــســيــاق، قــدمــت دراســـة مـــصـــريـــة نـــمـــوذجـــا نـــظـــريـــا يـــقـــوم عـلـى تصميم ومحاكاة نظام متكامل يجمع بين إعادة تدوير المياه الرمادية وتوليد الـــطـــاقـــة الـــشـــمـــســـيـــة داخـــــــل المــجــمــعــات السكنية الـكـبـرى، بـهـدف تقليل الهدر المـائـي وخـفـض اسـتـهـاك الكهرباء في آن واحد. وكـــشـــفـــت الـــنـــتـــائـــج عــــن إمـــكـــانـــات كـبـيـرة لـتـحـويـل المــبــانــي الـسـكـنـيـة إلـى وحــــــدات أكـــثـــر كـــفـــاءة واســــتــــدامــــة، بما يعزز جـدوى تطبيق هذه الحلول على نطاق أوسـع داخـل المـدن المصرية، وفق مايو (أيار) 6 الدراسة المنشورة في عدد .)Scientific Reports( من دورية 2026 حل مستدام يتمثل الحل المستدام الذي تقترحه الدراسة في دمج منظومتين متكاملتين داخـــل المجمع السكني؛ الأولـــى تعتمد على إعادة تدوير المياه الرمادية وإعادة استخدامها في شطف المراحيض وري المساحات الخضراء بـدلا من إهدارها، فيما تـقـوم الثانية على تركيب ألــواح الـطـاقـة الشمسية فـــوق أسـطـح المباني لـتـولـيـد جـــزء مــن الـكـهـربـاء المستهلكة محليا ً. والمياه الرمادية هي المياه الناتجة عن الاستخدامات المنزلية مثل المغاسل والاســتــحــمــام، الــتــي يـمـكـن معالجتها وإعـــــادة اسـتـخـدامـهـا فـــي أغـــــراض غير الشرب، مثل الري وشطف المراحيض. ووفـــــــق الــــــدراســــــة، يـــمـــكـــن لـلـجـمـع بـن الحلين تحقيق وفــرة مـزدوجـة في أكثر المـــوارد استنزافا داخــل المجمعات الـسـكـنـيـة الــكــبــرى، مــع تقليل ملموس في البصمة الكربونية والاعتماد على الشبكات المركزية. أما على صعيد التطبيق، فتُجمع المـيـاه الـرمـاديـة مـن المـبـانـي عبر شبكة أنابيب منفصلة، ثم تُضخ إلـى محطة مــعــالــجــة مـــركـــزيـــة تــمــر بـــثـــاث مــراحــل متتالية تشمل التخثير، ثـم الترشيح مـــتـــعـــدد الـــطـــبـــقـــات، وأخـــــيـــــرا الـتـعـقـيـم بالكلور، قبل إعادة ضخها إلى خزانات التخزين وتوزيعها على دورات المياه ومناطق الري. وبـــــالـــــتـــــوازي، تُـــثـــبـــت الألـــــــواح الـــشـــمـــســـيـــة عـــلـــى أســــطــــح المـــبـــانـــي وتُــوصــل بـمـحـوّلات تـيـار وعـــدادات ذكــيــة ضـمـن نــظــام شـبـكـة مـصـغّــرة متصلة بالشبكة الوطنية، بحيث 29 يغطي الإنتاج الشمسي ما بين في المائة من الحمل الكهربائي، 30 و بينما يُستكمل باقي الاستهلاك من الشبكة العامة. وركـــــزت الـــدراســـة عـلـى جـــدوى تــطــبــيــق هـــــذا الـــحـــل ومـــــا يــمــكــن أن يــحــقــقــه مــــن نـــتـــائـــج داخـــــــل مـجـمـع سكني فـي الـقـاهـرة الـجـديـدة يضم وحــــدة سكنية، 7512 مـبـنـى و 365 بـــــهـــــدف تـــقـــلـــيـــل اســـــتـــــهـــــاك المــــيــــاه الصالحة للشرب وخفض تكاليف الطاقة على نطاق واسع. واعتمدت الدراسة على تقديرات اســتــهــاك يـومـيـة لــلــفــرد، أظـــهـــرت أن حجم المـيـاه الـرمـاديـة الناتجة داخـل متر مكعب 6300 المجمع يبلغ نحو مــلــيــون 2.3 يـــومـــيـــا، أي مــــا يــــعــــادل مــتــر مـكـعـب ســنــويــا، فـــي حـــن تصل احـــتـــيـــاجـــات مـــيـــاه صـــنـــاديـــق الـــطـــرد متر 2700 في دورات المياه إلـى نحو ألف 985.5 مكعب يومياً، بما يعادل متر مكعب سنوياً. ووفـــــق تـــقـــديـــرات الــــدراســــة، فــإن المـــيـــاه الـــرمـــاديـــة، الــتــي تـمـثـل مـــا بين فــي المــائــة مــن مـيـاه الـصـرف 80 و 50 المـــــنـــــزلـــــي، يـــمـــكـــن أن تـــشـــكـــل مـــــــوردا اســـتـــراتـــيـــجـــيـــا مـــهـــمـــا إذا مـــــا أُعـــيـــد تـــوظـــيـــفـــهـــا فـــــي اســــتــــخــــدامــــات غــيــر الشرب، مثل ري المساحات الخضراء أو شطف المراحيض. القاهرة: محمد السيد علي منظومة ذكية هجينة يعمل فيها الإنسان والآلة ضمن شراكة معرفية معقدة حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟ فـــي المــــاضــــي، كــــان الــــجــــراح يـــدخـــل غـرفـة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه الـقـرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مــجــرد أدوات صـامـتـة تـنـفّــذ مــا تمليه خبرته البشرية. لــــكــــن هـــــــذا المــــشــــهــــد بـــــــدأ يـــتـــغـــيـــر بــــهــــدوء داخـــل أكـثـر غــرف العمليات تـطـورا فـي العالم. فالأنظمة الذكية لم تعد تكتفي بعرض الصور الــطــبــيــة أو تــشــغــيــل الــــروبــــوتــــات الـــجـــراحـــيـــة، بــل بــــدأت تـتـحـول تـدريـجـيـا إلـــى أنـظـمـة قـــادرة على التحليل الـفـوري، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح الخطوة التالية أثناء العملية نفسها. هنا يظهر ســـؤال كــان يـبـدو قبل سنوات أقـرب إلـى الخيال العلمي: هل سيبقى الجراح قـائـد العملية فــعــاً، أم يـتـحـول تـدريـجـيـا إلـى شريك لنظام يتعلّم أسرع منه؟ من الأداة إلى «الزميل السريري» فـــــي دراســـــــــة حـــديـــثـــة نُـــــشـــــرت فـــــي مـجـلـة )Frontiers in Science( » «فرونتيرز إن ساينس ، قاد الباحث الدكتور 2026 ) مايو (أيار 7 بتاريخ ) من Guy-Hervé Azoulay( غاي-هيرفي أزولاي معهد الـبـحـوث فـي سـرطـان الـجـهـاز الهضمي Institute for( بمدينة ستراسبورغ الفرنسية Research into Cancer of the Digestive System –) فريقا بحثيا IRCAD, Strasbourg, France نـاقـش الـتـحـول المــتــســارع فــي مـفـهـوم «الـفـريـق الــــجــــراحــــي» مــــع دخــــــول الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي والروبوتات الطبية إلى قلب العمل السريري. وأشــار الباحثون إلـى أن غرفة العمليات قــد تـتـحـول قـريـبـا إلـــى مـنـظـومـة ذكـيـة هجينة يـــعـــمـــل فـــيـــهـــا الإنـــــســـــان والآلــــــــة ضـــمـــن شـــراكـــة معرفية معقدة، حيث لا تعتمد الجراحة فقط على مهارة اليد البشرية، بل على تدفق هائل من البيانات الحية التي تُحلل لحظة بلحظة أثـــنـــاء الــعــمــلــيــة، بــمــا يـشـمـل الـــصـــور الـطـبـيـة، والمـؤشـرات الحيوية، واحتمالات المضاعفات، والسيناريوهات الجراحية البديلة. والروبوت الجراحي التقليدي كان يعمل بوصفه امتدادا ليد الجراح، ينفّذ الحركة بدقة أعــلــى ويـقـلـل الاهـــتـــزاز الــبــشــري. أمـــا الأنـظـمـة الــــجــــديــــدة، فــتــتــجــه نـــحـــو مــــا يـــشـــبـــه «الــــذكــــاء ،)Collaborative Intelligence( » الـــتـــعـــاونـــي حـيـث تستطيع الــخــوارزمــيــات تحليل المشهد الـــجـــراحـــي، والــتــنــبــؤ بــالمــضــاعــفــات المـحـتـمـلـة، وتـنـبـيـه الــفــريــق قــبــل حــــدوث الــخــطــأ. بمعنى آخر، لم تعد الآلة مجرد أداة... بل بدأت تتحول تدريجيا إلـى «زميل سـريـري» يشارك في فهم العملية نفسها. هل تصبح الخبرة البشرية أقل مركزية؟ تاريخياً، كـان الـجـراح يتعلم من سنوات التدريب الطويلة، ومن العمليات التي أجراها بنفسه، ومــن أخطائه ونجاحاته الشخصية. لكن الذكاء الاصطناعي يعمل بطريقة مختلفة تـــمـــامـــا. فـــالـــخـــوارزمـــيـــة لا تـتـعـلـم مـــن عــشــرات الـعـمـلـيـات، بــل مــن مــايــن الـــحـــالات المـتـراكـمـة عـــالمـــيـــا، ولا تــعــتــمــد عـــلـــى الــــــذاكــــــرة الــبــشــريــة المــحــدودة، بـل على تحليل أنـمـاط دقيقة قـد لا تراها العين البشرية أصلاً. وهـــــذا قـــد يـــقـــود مـسـتـقـبـا إلــــى مـــا يمكن وصـــفـــه بــــ«الـــخـــبـــرة الـــرقـــمـــيـــة الـــجـــمـــاعـــيـــة»، إذ تتحول كل عملية جراحية تُجرى في أي مكان بالعالم إلى جزء من ذاكـرة عالمية تتعلم منها الأنـظـمـة الـذكـيـة بـصـورة لحظية. وهـنـا يظهر السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الخوارزمية تــــرى احـــتـــمـــالات أكـــثـــر، وتـــقـــرأ بــيــانــات أوســــع، وتـــتـــعـــلّـــم بـــســـرعـــة هـــائـــلـــة، فـــهـــل يــبــقــى الـــقـــرار النهائي إنسانيا فعلاً؟ السلطة الطبية الموزعة الــــطــــب الــــحــــديــــث يــــدخــــل الـــــيـــــوم مــرحــلــة يـمـكـن وصـفـهـا بــ«الـسـلـطـة الـطـبـيـة المـــوزعـــة». فـالـقـرار لـم يعد يـصـدر مـن الطبيب وحـــده، بل أصبح نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والآلة والبيانات والأنظمة الرقمية. في غرفة العمليات المستقبلية، قد يقترح النظام الذكي تعديلا في المسار الجراحي قبل أن ينتبه إليه الفريق البشري، وقـد يحذر من احتمال نـزف أو مضاعفة اعتمادا على أنماط رقـــمـــيـــة غـــيـــر مـــرئـــيـــة لــلــطــبــيــب.لــكــن المــعــضــلــة الأخـــاقـــيـــة تـــبـــدأ عــنــدمــا يـخـتـلـف الإنـــســـان مع الــخــوارزمــيــة. فـــإذا اقــتــرح الــذكــاء الاصطناعي خـطـوة جـراحـيـة ورفـضـهـا الـــجـــراح، ثــم حدثت مضاعفات، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا اتبع الـطـبـيـب تــوصــيــة الــنــظــام ووقــــع الــخــطــأ، فهل تصبح الخوارزمية شريكا فـي الـقـرار الطبي؟ هذه الأسئلة لم تعد خيالا فلسفياً، بل أصبحت جــــــزءا مــــن الـــنـــقـــاش الــعــلــمــي الــحــقــيــقــي داخــــل المؤسسات الطبية العالمية. الخطر ليس في الذكاء... بل في الطاعة العمياء المــفــارقــة أن الـتـهـديـد الـحـقـيـقـي قــد لا يـــكـــون فـــي «ذكــــــاء» الأنـــظـــمـــة، بـــل فـــي ميل الــبــشــر إلــــى الــــوثــــوق المـــفـــرط بـــهـــا. فكلما أصـــبـــحـــت الــــخــــوارزمــــيــــات أكـــثـــر دقــــــة، زاد احتمال أن يتحول الطبيب تدريجيا من صـــانـــع قــــــرار إلـــــى مــــراقــــب يــعــتــمــد نـفـسـيـا عــــلــــى اقـــــتـــــراحـــــات الـــــنـــــظـــــام. وهـــــنـــــا تــظــهــر أهمية مـا يمكن تسميته «الـوعـي الـخـوارزمـي الـسـريـري»، أي قـــدرة الطبيب على فهم حـدود الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، لا الانـــبـــهـــار بـنـتـائـجـه فقط. فالخوارزمية قد تحلل البيانات بسرعة خارقة، لكنها لا تفهم دائما السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا تشعر بالخوف أو الألـم أو التعقيد النفسي والاجتماعي الــذي يحيط بـــالـــقـــرار الـــطـــبـــي. ولـــهـــذا شــــدد الـــبـــاحـــثـــون في الدراسة على أن الحكم البشري يجب أن يبقى في مركز العملية الجراحية، حتى مع التطور المتسارع للأنظمة الذكية. غرفة العمليات القادمة مــــا يـــحـــدث الــــيــــوم لـــيـــس مـــجـــرد تـحـديـث تـقـنـي فــي الــجــراحــة، بــل إعــــادة تـعـريـف كاملة لمعنى الـعـمـل الـطـبـي نـفـسـه. فـغـرفـة العمليات الـــقـــادمـــة قـــد تــضــم جـــراحـــا بـــشـــريـــا، وروبـــوتـــا جراحياً، ونظام ذكاء اصطناعي يتعلم لحظياً، وتـحـلـيـا مـبـاشـرا لـلـصـور والــبــيــانــات، وربـمـا ) يـحـاكـي حالة Digital Twin( » «تــوأمــا رقـمـيـا المريض قبل اتخاذ القرار. وفي دول مثل المملكة الـعـربـيـة الــســعــوديــة، الــتــي تستثمر بــقــوة في الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية ، قد تصبح هذه النماذج جزءا 2030 السعودية من الواقع الطبي خلال سنوات قليلة. لــكــن الــــســــؤال الأهـــــم سـيـبـقـى إنــســانــيــا لا تقنياً: عندما تصبح الآلـة قــادرة على التفكير داخل غرفة العمليات، هل نحافظ على الطبيب قائدا للقرار؟ أم نجد أنفسنا يوما داخـل غرفة عـمـلـيـات تـتـخـذ فـيـهـا الــخــوارزمــيــات الـــقـــرار... بينما يكتفي الإنسان بالمراقبة؟ من أداة صامتة إلى زميل ذكي لندن: د. عميد خالد عبد الحميد لدراسة الأنسجة الصغيرة التي تحاكي بعض خصائص الدماغ النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky