بــــن فـــخـــي «ثـــوســـيـــديـــديـــس» و«كـــيـــنـــدلـــبـــرجـــر»، ومـــحـــاولات تـــفـــادي الــســقــوط فـيـهـمـا، تـتـطـور الـعـاقـة الـــحـــرجـــة بــــن الـــصـــن كـــقـــوة عــظــمــى صــــاعــــدة بـــقـــوة، والولايات المتحدة كقوة عظمى متشبثة بمركزها الذي اكتسبته بعد عهود من النمو المطرد، حتى استتب لها الأمر بعد قيادتها للدول المنتصرة في الحرب العالمية الـثـانـيـة، ثــم انــفــرادهــا بالهيمنة بـعـد انـهـيـار الاتـحـاد السوفياتي. ويـــســـتـــنـــد فــــخ ثـــوســـيـــديـــديـــس إلــــــى رأي المــــــؤرخ الإغـريـقـي، الــذي يحمل الفخ اسـمـه، بــأن صعود أثينا المطرد كقوة صاعدة والخوف الذي أثـاره في إسبرطة كقوة قائمة مستقرة جعلا الحرب حتمية. أمــــا فـــخ كـيـنـدلـبـرجـر فـــيـــدور حــــول غــيــاب الـقـائـد الــدولــي عند الـحـاجـة لضبط الأمـــن وحـفـظ الاسـتـقـرار الـعـالمـي. فوفقا لـاقـتـصـادي تـشـارلـز كيندلبرجر فقد حــــدث الــكــســاد الـكـبـيـر فـــي الــثــاثــيــنــات بــعــد الانــهــيــار المالي العالمي، لأن بريطانيا لم تعد قادرة على القيادة، والــــولايــــات المــتــحــدة لـــم تــكــن راغـــبـــة فــيــهــا. وقــــد تـرتـب على ذلك تعرض المنافع العامة العالمية لاضطراب مع غياب مقرض المــاذ الأخـيـر وعــدم تنسيق السياسات الاقـتـصـاديـة الكلية، فـحـدث الـكـسـاد بتبعات جسيمة انتهت بنشوب الحرب العالمية الثانية. واســتــدعــى غـــراهـــام ألــيــســون، الأســـتـــاذ بجامعة هــــــارفــــــارد، مــصــطــلــح فــــخ ثـــوســـيـــديـــديـــس فــــي كــتــابــه ، لشرح تصاعد 2017 «مصيرهم الحرب» الصادر عام الـــتـــوتـــر بــــن الــــــولايــــــات المـــتـــحـــدة المـــهـــيـــمـــنـــة والـــصـــن حـالـة 16 الـــصـــاعـــدة. ووفـــقـــا لـــدراســـة ألــيــســون فــهــنــاك يــرصــدهــا الــتــاريــخ مـنـذ صــــراع أثـيـنـا وإســبــرطــة، بين منها بالحرب. 12 قوى صاعدة وأخـرى قائمة انتهت وفي تقديري أن ما يمنع الوقوع في مستنقع «الحرب التقليدية» بينهما أمران: الأول قوة الردع المتبادلة بين دولـتـن نـوويـتـن، والـثـانـي هـي حكمة الـصـن بضبط النفس وعدم التصعيد. وفـــي أثــنــاء الـــزيـــارة الأخـــيـــرة لـلـرئـيـس الأمـيـركـي دونـــــــالـــــــد تـــــرمـــــب إلــــــــى الــــــصــــــن، ورد مـــصـــطـــلـــح فــخ ثوسيديديس في كلمة الرئيس الصيني شي جينبينغ، بتأكيده على أن «التحول العالمي الذي امتد على مدار قرن يتسارع». وطرح تساؤلاً: «هل ستستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يسمى فخ ثوسيديديس، وإيجاد نموذج جديد لعلاقات الدول الكبرى لمواجهة الـتـحـديـات الـعـالمـيـة مـعـا وتـوفـيـر مـزيـد مــن الاسـتـقـرار لـلـعـالـم؟»، فالرئيس الصيني يـكـرر مـا ذكـــره مـن قبل، ، في مناسبات دولية عديدة، خاصة عند 2013 منذ عام لقائه مع القادة الأميركيين، من أنه لا حتمية للسقوط فـي فـخ ثوسيديديس، وأن المشكلة ليست فـي صعود الصين إنما الخوف من صعودها. وإذا أمـــكـــن، حـتـى الآن، تـــفـــادي الــســقــوط فـــي فخ ثوسيديديس الــذي يــدور حـول صــراع الـقـوى، فـإن فخ كيندلبرجر أقرب خطرا لغياب التنسيق الدولي الفعال فـي قضايا رئيسية. وتتصاعد مخاطر عـدة لا يمكن إدراكها بمعزل عما تعانيه العلاقات الدولية من غياب للثقة فـي قـواعـدهـا ومعاييرها، وحوكمة المؤسسات الدولية وتراجع قدراتها على إنجاز مهامها وتضخم النزاعات الجيوسياسية وآثارها. ونرى اليوم نماذج عـدة لقصور التعاون الـدولـي منها الـديـون السيادية الــتــي تـعـانـي مـنـهـا بـــلـــدان نــامــيــة، ومـــهـــددات الصحة العامة على النحو الذي تجلى في أزمة كورونا، فضلا عن مخاطر تغيرات المناخ. وبــــــن الـــفـــخـــن تـــتـــصـــاعـــد المــــخــــاطــــر بـــتـــداعـــيـــات وتكاليف لا تقع أعباؤها فقط على القوى المتصارعة فحسب، بل على الدول الأفقر التي تعتمد على استقرار الـــنـــظـــام لـتـيـسـيـر الـــتـــجـــارة والـــتـــمـــويـــل والـــتـــوقـــي مـن الصدمات. وليس من عجب، في ظل هذه الأوضاع، أن يتكرر حدوث الأزمات بتداعيات اقتصادية واجتماعية حــــادة. ومـعـهـا تــتــردد مــقــولات أن مــع كــل أزمــــة محنة ومـنـحـة، لـكـن لا يـــرى عــمــوم الــنــاس مـنـهـا إلا المـعـانـاة مـــع المـــحـــن، مـــع كـلـمـات لـلـطـمـأنـة بـــأن مـــا يـعـانـونـه من العوارض المؤقتة لعواقب غير مقصودة. وإذا كانت الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخـــرى، كما قــال المفكر العسكري الـبـروسـي كــارل فون كــاوزفــيــتــس فـــي كـتـابـه عـــن الـــحـــرب المــنــشــور فـــي عـام ، فـلـلـحـرب أيـــضـــا وســـائـــل أخـــــرى غــيــر عـسـكـريـة 1832 ومــــــن أخــــطــــرهــــا الاقــــتــــصــــاد. ومــــــن وســــائــــلــــه وعــــتــــاده حروب التجارة والعملات والعقوبات المالية وتسليح سلاسل الإمـداد، وتقييد تصدير الطاقة والمستلزمات التكنولوجية. وفــــــــي عـــــالـــــم وصــــفــــتــــه فــــــي مـــــقـــــال ســـــابـــــق بـــأنـــه مـــنـــزوع الأوصـــــــال، تـتـصـاعـد حــمــى الــتــوتــر والـــصـــراع الجيوسياسية مع هشاشة الإطــار المؤسسي الدولي، وجموده بما يعجز معه أمر حسم النزاعات والخلافات الــتــي تـنـشـب خــاصــة فـــي مـــجـــالات الــتــجــارة وتـصـاعـد الحمائية فضلا عن قيود الاستثمار والتكنولوجيا. ويـشـرح المـحـلـل الـسـيـاسـي إدوارد فيشمان فـي مجلة «فورين أفيرز» كيفية القيام بحرب اقتصادية، فالعالم لم يعد قائما على التعاون بل الاستقطاب والتفتيت. وضرب أمثلة بالتوتر والصراع في «نقاط الاختناق»، التي تعرف بإحكام سيطرة دولة واحدة عليها، وعدم وجـــــود بـــدائـــل مــيــســرة لـــهـــا، ويــمــكــن اســتــخــدامــهــا في الضغط على الـخـصـوم والــغــرمــاء. وقــد تختلق نقطة اختناق من خلال استخدام أدوات ومنتجات اقتصادية مثل الــــدولار الأمـيـركـي، وأشــبــاه المــوصــات، والمـعـادن الحرجة النادرة. ومـــــن المــــاحــــظ أنـــــه كــلــمــا اســـتـــخـــدمـــت الــــولايــــات المـتـحـدة قوتها الاقـتـصـاديـة سـاحـا، سـارعـت البلدان الأخـــرى فـي البحث عـن بـديـل سـريـع لتقليل الاعتماد عـلـيـهـا. فـمـع تسليح الـــــدولار ونـظـمـه، لــجــأت الـبـلـدان للذهب وأصـــول مالية أخـــرى، وتبنت نظم دفـع بديلة عوضا عن تقييد استخدام السويفت كما فعلت الصين وروسيا. كما ظهر جليا ما اتخذته الصين من إجراءات لتحقيق سـيـادتـهـا التكنولوجية فــي زيــــارة الرئيس ترمب الأخيرة لها. وليس السبيل للاستقرار الدولي بـمـنـع المــنــافــســة واســـتـــنـــزاف الـــطـــاقـــات بـعـرقـلـة الــــدول الصاعدة في سباق الأمم. ولا يكمن الحل في استبدال قـوة مهيمنة بأخرى حتى لا يحدث فــراغ وتجنب فخ كيندلبرجر، فالعلاج يكمن بنظام كفء وعادل متعدد الأطراف، يتمتع بالشرعية والثقة في قواعده. والبداية الأوفق تأتي بتوطين التنمية ودفع التعاون الإقليمي. أكتب هذا المقال بينما كان الرئيس الأميركي دونـالـد ترمب يستعد للسفر إلـى بكين في زيـارة تـاريـخـيـة يـكـون الــطــرف الآخـــر فيها هــو الرئيس شي جينبينغ. وبالتالي، فإن القارئ الكريم سوف يكون عالما بما حصل خـال الـزيـارة وبأجوائها؛ وربما بعضا مما جـرى فيها مما يتفق الطرفان على إشــهــاره. الـلـقـاء ســوف يـجـري بينما استقر الـنـظـام الـعـالمـي عـلـى مثلث لـأقـطـاب تـوجـد على رأسـه الولايات المتحدة، وقد بات ناتجها المحلي تـريـلـيـون دولار، وبينما 32 الإجــمــالــي أكــثــر مــن تـنـسـحـب مـــن أوروبـــــــا فــإنــهــا تـنـتـشـر فـــي الــشــرق الأوســـــــط بـــأكـــبـــر قـــــوة عــســكــريــة عـــرفـــهـــا الـــتـــاريـــخ المـعـاصـر. الـصـن فـي الضلع الثاني للمثلث تقع في موقع المنافس الذي يجري وراء الأول محاولا إغلاق المسافة بينهما مستفيدا من ثورة اقتصادية تاريخية وتكنولوجية؛ وفيما عدا معضلة تايوان فـــإن بـكـن فــي قـوتـهـا «الـعـظـمـى» لا يـوجـد لديها مـا تـحـارب مـن أجـلـه. ويكفي بكين كثيرا فـي هذه المــرحــلــة مـــن مـــراحـــل الـعـظـمـة أن تـتـبـنـى الـقـانـون الــــدولــــي حـــتـــى فــيــمــا يــتــعــلــق بـــالـــحـــرب الـــروســـيـــة الأوكرانية التي رغم وقوع بكين إلى جانب روسيا فــإنــهــا لا تـقـبـل بــضــم الأراضــــــي الأوكــــرانــــيــــة، بما فيها القرم، إلـى روسيا. هـذه الأخيرة في الضلع الــثــالــث تـقـف عـلـى مـسـافـة واســـعـــة مـــن كلتيهما، ولكن قدراتها النووية والفضائية تعطيها فرصة البقاء في مجمع العظمة، وموسكو على قرب من بكين، وهي كذلك في رابطة غامضة بين الرئيسين الأميركي والروسي. الـــلـــقـــاء الـــثـــنـــائـــي يـــقـــع بـــالـــتـــأكـــيـــد فــــي أجـــــواء تـشـكـيـل الــنــظــام الــعــالمــي الــجــديــد الـــــذي أتــــى بعد انتهاء «العولمة» على الطريقة الأميركية، وباتت الصين واقعة في قلبها من خلال السلع والبضائع وسـاسـل الـتـوريـد ومــشــروع «الــحــزام والـطـريـق». مــثــل ذلــــك كــــان مــوحــيــا لأن يـــكـــون الـــلـــقـــاء لصيقا بـالـقـضـايـا الـتـجـاريـة الــتــي جـــرى فـيـهـا الاشـتـبـاك الأول بين البلدين، ولا بأس من التعرض لموضوع بات أثيرا لدى واشنطن، وهو أنه عندما يكون لدى الدولة ذلك الحجم من الناتج المحلي الإجمالي فإنه لا بد لك أن تحصل على الكثير حجما وثمنا من «المـعـادن الـنـادرة» التي يكثر وجـودهـا في الصين وغرينلاند ومناطق أخرى تحوز اهتمام واشنطن. والحقيقة هي أن الاقتصاد، وربما البيئة أيضاً، من النقاط التي توجد فيها أرضية مشتركة بين واشنطن وبكين. لكن ما ليس فيه اتفاق هو كيف تدير ذلك العالم الذي تسوده المحركات الكهربائية فـي الـبـر والـبـحـر والـجـو والـفـضـاء خـــارج الكوكب أيضاً. الصين التي كانت ثائرة على النظام العالمي حتى مـا بعد عصر الـزعـيـم مـاوتـسـي تـونـغ باتت مـــن أكــثــر المـشـجـعـن عـلـى إدارة مـنـظـمـة الـتـجـارة الـعـالمـيـة ومـــا يـشـابـهـهـا فــي المـنـظـمـات «الـعـالمـيـة» متعددة الأطـــراف في كل شـيء في الـغـذاء والبيئة والاتــــصــــالات. فــي المــقــابــل فـــإن واشــنــطــن تــرمــب لا تـسـتـسـيـغ أيــــا مـــن ذلـــــك، وتــفــضــل تــقــاســم مـنـاطـق النفوذ فـي العالم: مبدأ مـونـرو يتيح الأميركتين لــلــولايــات المــتــحــدة، وجــنــوب شـــرق آسـيـا بثرائها تحت الظلال الصينية، ولا بأس أن تحصل روسيا على بعض ممن كـانـوا مندمجين معها فـي شرق أوروبا فترة وجود الاتحاد السوفياتي. رغم كل الغنى فيما سبق على مائدة الزعيمين فـإن النظام كله معرض للاختبار الـذي جـرى لكل الأنـظـمـة الــدولــيــة الـسـابـقـة: نـظـام مــا بـعـد الـحـرب العالمية الأولى اختبر في الثانية، والثانية اختبرت فــي الــحــرب الـــبـــاردة مــع الــخــاص مــن الاسـتـعـمـار بعد حرب السويس، وهـذه وتلك اختبرت العولمة عــنــدمــا خـــاضـــت وخـــرجـــت الــــولايــــات المــتــحــدة من فيتنام والـعـراق وأفغانستان. الاختبار تاريخيا كان يستهدف «الـوفـاق» الـذي يجعل التنافس في إطــار من السلام والاقـتـسـام؛ أو تصفية التناقض مـــن خـــال اســتــخــدام الـــقـــوة مــبــاشــرة أو مـــن خـال الــوكــالــة. حــــروب أوكــرانــيــا وغــــزة وإيـــــران وضعت النظام كله موضع أول امتحاناته التاريخية التي فيها الكثير من الحرج، لأن واشنطن دخلت الحرب لصالح إسرائيل في الشرق الأوسط، وبكين لها من عـاقـات الطاقة والاقـتـصـاد جـانـب آخــر للمنطقة. طـــهـــران دولـــــة مــحــوريــة عــلــى عـــاقـــات اقـتـصـاديـة كثيفة مـع بكين، لكنها ليست أكثر مما هـو واقـع بين واشنطن وبكين، وفي نظامها السياسي ما لا تفهمه القيادة الصينية التي باتت متخصصة في إدارة النظم الرأسمالية. الــــحــــرج الأكــــبــــر فــــي المـــــوضـــــوع أن الـــرئـــيـــس ترمب أتى إلى بكين وهو لا يعلم ما إذا كان عليه اسـتـئـنـاف الــقــتــال وانـــهـــاء وقـــف إطــــاق الـــنـــار في إيران، أم أنه يمكن أن يحصل، من خلال الوساطة الصينية، على فك الحصار الإيراني على مضيق هـرمـز، الأمــر الــذي يمكن معه إطــاق ســراح حرية التجارة بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي. ترمب لا بد أنه فكر كثيرا في أنه لا توجد مصلحة صينية في وجود إيران النووية تحت إدارة نظام للأصولية الدينية التي يمكنها أن تـشـعـل الإقـلـيـم كـلـه بــالــصــواريــخ. في الأمر مصالح مشتركة كثيرة! الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17340 - العدد Wednesday - 2026/5/20 الأربعاء عبد المنعم سعيد ًمحمود محيي الدين واشنطن وبكين وطهران أيضا أميركا والصين وتحدي الفخين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky