issue17340

فـــي جــامــعــة ســتــانــفــورد، حــيــث أدرس فـــي سنتي الأخـــــيـــــرة، يـــجـــري الـــتـــعـــامـــل مــــع الـــــرؤســـــاء الـتـنـفـيـذيـن للشركات التكنولوجية كما لو كانوا نجوما من عالم موسيقى «الــروك». فمثلاً، عندما حضر مؤسس شركة «إنفيديا»، جينسن هـوانـغ، لإلقاء محاضرة باعتباره ضـيـفـا، أواخــــر الـشـهـر المــاضــي، احـتـشـد حـولـه الـطـاب، وعرضوا عليه حواسيبهم المحمولة، ومحطات العمل الـشـخـصـيـة الــخــاصــة بــهــم، وبـــــدوا متلهفين للحصول عــلــى تــوقــيــعــه، بـــاعـــتـــبـــاره أحــــد عــمــالــقــة عــصــر الـــذكـــاء الاصطناعي. الـعـام المــاضــي، وخـــال حديثه إلــى الـصـف نفسه، آلاف دولار، تحمل 4 وزّع هوانغ بطاقات لامعة بقيمة توقيعه بالحبر الذهبي ـ رمز المكانة الاجتماعية الأقصى داخـل غـرف السكن الجامعي. الحقيقة أنـه لطالما كانت سـتـانـفـورد مـــاذا للطامحين فــي مـجـال التكنولوجيا، لـكـن الأحــــداث الأخــيــرة دفـعـت الـجـامـعـة نـحـو آفـــاق غير مسبوقة؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي كل شيء. اليوم، نتحدث عنه داخل قاعات الطعام وفي دروس الـتـاريـخ، وفــي أثـنـاء المـواعـيـد العاطفية، والـتـدخـن مع الأصدقاء، وداخـل صالة الرياضة، وحتى في حمّامات السكن المشتركة. لقد اجتاحت هذه التكنولوجيا تقريبا كـل جنبات التعليم العالي. وتُــعـد ستانفورد نموذجا حـيّــا يـوضـح إلــى أي مــدى يمكن أن يصل تأثير الـذكـاء الاصطناعي. وعــلــى مــــدار الـــســـنـــوات الأربـــــع المـــاضـــيـــة، كــنــت أنــا وزملائي موضوع تجربة عالية المخاطر. نــــحــــن أول دفـــــعـــــة جــــامــــعــــيــــة فــــــي عــــصــــر الـــــذكـــــاء الاصـطـنـاعـي ـ وصـــل تطبيق «تــشــات جــي بــي تـــي» إلـى الـحـرم الجامعي بعد نحو شهرين فقط مـن التحاقنا بالجامعة. وعندما نتخرج الشهر المقبل، ستكون هذه التكنولوجيا قد قلبت حياتنا رأسا على عقب. للبعض، فتح الذكاء الاصطناعي الباب أمـام ثــروات هائلة، لكن لكثيرين ممن جاءوا إلى ستانفورد - قبل أربع سنوات فقط - حـن كـانـت الـشـهـادة تـبـدو تـذكـرة مضمونة إلى وظيفة ذات راتــب مرتفع، فوجئوا بـأن الـبـاب أُغـلـق في وجوههم. أمَّا لنا جميعاً، فقد غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا وتصرفاتنا، على نحو جذري. كـــــانـــــت الــــشــــكــــوك تـــــحـــــوم بـــالـــفـــعـــل حـــــــول ســمــعــة ستانفورد فيما يتعلق بالنزاهة، عندما التحقت بها ، خاصة وأنـهـا الجامعة التي تخرجت فيها 2022 عـام إليزابيث هـولمـز، التي تقضي الآن حكما بالسجن لمدة سنوات، وصاحب العملات المشفرة دو كـوون، الذي 10 سنةً، وكل هذا نتيجة 15 يقضي الآن حكما بالسجن لمدة الاحتيال، وكذلك مؤسسو «غيول»، الشركة التي أُجبرت على دفع مليارات الـدولارات بسبب إدمان الأطفال على السجائر الإلكترونية. وتـــصـــدرت كـــل هــــذه الــفــضــائــح عــنــاويــن الأخـــبـــار، عندما بدأ عامنا الدراسي الأول. جاء كثير من زملائي إلـى عالم الجامعة، حاملين المثالية والأمــل. إلا أنـه بين الطامحين الباحثين عن طريق نحو الثراء، سادت ثقافة الاحتيال. والآن، جعل الذكاء الاصطناعي الخداع أسهل وأكثر ربحا من أي وقت مضى. الــيــوم، تفشى الـغـش فــي كــل مــكــان. مــن جـهـتـي، لا أعــرف شخصا واحـــدا لـم يستخدم الـذكـاء الاصطناعي لـتـجـاوز بعض الـواجـبـات الجامعية. ومــع ذلـــك، كانت الـجـامـعـة بـطـيـئـة، فـــي الـــبـــدايـــة، فـــي إدراك مـــدى تفشي هــذه الـظـاهـرة. ومــع اسـتـمـرار السنة الـدراسـيـة الأولـــى، اقـــتـــرح بـعـض الأســـاتـــذة الــلــجــوء إلـــى مـــا يـمـكـن وصـفـه بــ«الـخـيـار الـــنـــووي»: الـسـمـاح لأعـضـاء هيئة التدريس بمراقبة الامتحانات حضوريا ـ ممارسة كانت الجامعة قـد حظرتها لأكـثـر مـن قـــرن، لإظـهـار «الـثـقـة فـي نـزاهـة» الطلاب. اليوم، في عالمنا المدعوم بالتكنولوجيا، والمشحون حديثا بالذكاء الاصطناعي، شرع الطلاب في تزوير كل شـيء تقريباً. كانوا يختلسون أمــوال السكن الجامعي لينفقوها على أصدقائهم، ويكذبون بشأن إصابتهم بـ«كوفيد» للحصول على أموال كانت الجامعة تقدمها لـــلـــمـــوجـــوديـــن داخــــــل الـــحـــجـــر الـــصـــحـــي. ونـــشـــر بـعـض الـطـاب ممن أعرفهم ورقـــة بحثية ادعـــت تحقيق تقدم ثــوري جديد بمجال الـذكـاء الاصطناعي. إلا أن بعض من تقصوا الأمـر عبر الإنترنت، سرعان ما أشــاروا إلى أنها تبدو مجرد نموذج صيني مسروق، ليرد المؤلفان المشاركان من ستانفورد بإلقاء اللوم في الانتحال على المؤلف الثالث. في منتصف السنة الدراسية الأولى تقريباً، بدأت بعض فصول البرمجة تُلزم الطلاب بتوقيع إقرار ينص على: «لم أستخدم تشات جي بي تـي»، عند تسليم كل واجـــب. وخــال الفصل الــدراســي الأول، الــذي بــدأت فيه هذه الإقـرارات بالظهور، شاهدت طالبا مستجدا أعرفه يوقّع الإقرار، بأنه أنجز واجبه من دون استخدام الذكاء الاصـطـنـاعـي، بينما كـــان «تــشــات جــي بــي تـــي» لا يــزال مفتوحا في النافذة المجاورة في المجمل، لم تكن الحوافز تدفع نحو الصدق؛ فقد كان بإمكان أي شخص أن يتقدم بسرعة عبر اختصار الـطـريـق، والتركيز على تسويق صورته الشخصية. ولــعــب المــــال دورا كـبـيـرا فــي الأمــــر، بينما اقتصر دور الـذكـاء الاصطناعي على تسريع اتجاه كـان قائما بـالـفـعـل فـــي ســتــانــفــورد، وانــعــكــس كــذلــك فـــي كـثـيـر من الجامعات الأميركية، التي أصبحت شـديـدة الارتـبـاط بعالم الشركات: إذ بات يجري النظر إلى التعليم نفسه باعتباره هـدفـا ثانويا مقارنة بجهود تمكين النجاح المستقبلي، الذي غالبا ما يجري تعريفه باعتباره بناء ثروة مفاجئة في المستقبل. وجـــاءت المــرة الأولـــى لاجتماع دفعتنا الجامعية، .2022 ) خلال حفل استقبال في أواخـر سبتمبر (أيلول وفـــي الـــوقـــت الــــذي انـــخـــرط أحـــد المـتـحـدثـن فـــي حديثه الـــرتـــيـــب، أتـــذكـــر أنـــنـــي نـــظـــرت حـــولـــي ورأيــــــت عـــــددا من زملائي منزوين في الظل وقد غلبهم النعاس. وخطرت بـبـالـي حـيـنـهـا فــكــرة أن أحـــد هــــؤلاء الأطـــفـــال سيصبح مــلــيــارديــرا قــريــبــا. وتــســاءلــت فـــي نـفـسـي مـــن سـيـكـون، وكيف سيحدث ذلك. في البداية بـدا أن الطريق نحو النجاح يكمن في العملات المشفرة، ثم أصبح الذكاء الاصطناعي. اليوم، لا يزال معظم أصدقائي يتذكرون أين كانوا، وماذا كانوا يفعلون، عندما صدر «تشات جي بي تي» . كنت حينها أقترب 2022 ) نوفمبر (تشرين الثاني 30 في من نهاية دراسـتـي في ستانفورد في علوم الحاسوب » ـ المساق الـذي كان يُعرف بأنه CS107« المعروف باسم يـفـرز الــطــاب الحقيقيين الــقــادريــن عـلـى الـبـرمـجـة، من أولئك الذين يفتقرون إلى روح الكفاح المطلوبة ـ تماما كما تفعل الكيمياء العضوية مع طلاب الطب. الحقيقة أن سرعة التغيير الذي انطلق يوم دخول «تشات جي بي تي» حياتنا، كانت مذهلة. وقد أرسل لي أحد الأصدقاء رابــطــا للنسخة التجريبية البحثية مــن أحـــدث عـرض توضيحي لشركة «أوبن إيه آي»، وكتب: «هل رأيت هذا؟ إنه جنوني!». وبدأنا نجرّب أوامـر طريفة، مستمتعين بينما كان «تشات جي بي تي» يشرح خوارزمية ترتيب الــفــقــاعــات «بـــأســـلـــوب رجــــل عــصــابــات ثـــرثـــار مـــن أفـــام الأربــعــيــنــات». وكـتـبـت لـصـديـقـي: «إنـــه جـيـد جـــداً. جيد جــدا جـــداً». ومــع ذلـــك، لـم يفهم أي منا أن هــذه اللحظة تمثل تحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرد تكنولوجيا إلى منتج فعلي. كــــان الــــطــــاب، عــلــى الأرجـــــــح، أول مـــن تــبــنّــى هــذه الـتـكـنـولـوجـيـا عــلــى نــطــاق واســـــع. فـــي الــنــهــايــة، كـانـت الـطـريـق الممكن الأســـرع للحصول على درجـــة ممتازة. وعندما درســـت فـي الجامعة، كـانـت الطريقة الوحيدة تقريبا للغش البحث عن طالب سبق له اجتياز المساق، والتوسل إليه للحصول على حلول مجموعات المسائل المعروفة بصعوبتها الشديدة. لم يكن هناك بديل عن بذل قدر كبير من الجهد. وحتى لو حصل أحدهم على الإجـــابـــات مــن طــالــب آخــــر، فـــإن الــطــاب الــذيــن عرفتهم وفعلوا ذلك، كانوا لا يزالون يقضون ساعات في تعديل الشيفرة المسروقة حتى لا يُكشف أمرهم. فـــي ذلــــك الـــوقـــت، لـــم يــكــن كــثــيــرون يــغــشــون بـهـذه الطريقة الفاضحة. إلا أنه في غضون شهر واحد فقط، أصــبــح بــإمــكــان أي طـــالـــب، بــــدلا مـــن ذلــــك، الــلــجــوء إلـى روبوت محادثة، فيكتب أمرا بسيطا وهو جالس وحده في غرفته بالسكن الجامعي، ثم يعيد ترديد النتيجة بلا تفكير. وقـال لي أحد أصدقائي حديثاً: «أتذكر أول مــــرة اسـتـخـدمـتـه فــيــهــا، وانــتــابــنــي عــلــى الـــفـــور شــعــور بالذنب. أما الآن، فقد أصبح الأمر طبيعياً». فـــي الــــواقــــع، كـــانـــت تــجــربــة الــعــيــش داخـــــل الــحــرم الجامعي خـال السنوات الأربـــع الماضية رحـلـة كاشفة للحقيقة. لــم يـكـن التعليم الـعـالـي مُــهـيـأ لــثــورة الـذكـاء الاصـــطـــنـــاعـــي. فــــي يــــــوم مــــا فــــي المــســتــقــبــل، سـتـضـحـك الروبوتات المُستقلة بشدة (أو أيا كان اسمها) على هذه الفترة الانتقالية السخيفة، التي بدت فيها الجامعات وكأن الشلل قد أصابها، بينما تُحاول سد الفجوة بين التعليم الليبرالي القديم، والمستقبل الذي لن يكون فيه الذكاء حكرا على البشر. * خدمة «نيويورك تايمز» لمــاذا تأتي زيـــارة الرئيس الـروسـي فلاديمير بوتين إلـى الصين بعد أيام قلائل من مغادرة سيد البيت الأبيض، دونالد ترمب؟ مـن الصعب تقديم الــجــواب الـشـافـي الــوافــي، غير أنـــه، وبعيدا عـن دائـــرة المــؤامــرة التاريخية، يبقى مـن المعقول الـقـول بــأن صاحب الكرملين، ربما تقلقه فكرة العصا التي يمكن أن يغرزها العم سام، في دواليب العلاقات الصينية - الروسية، وهو أمر شديد الخطورة على موسكو في الوقت الراهن. يشير البيان المنشور على موقع وزارة الخارجية الروسية، إلى أن الزيارة تأتي بناء على دعوة من الرئيس الصيني شي جينبينغ، لـاحـتـفـال بــالــذكــرى الـسـنـويـة الـخـامـسـة والــعــشــريــن لـلـتـوقـيـع على معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين. والـكـرمـلـن يـؤكـد على أنـهـا فـرصـة للرئيسين لتعميق الشراكة والتعاون الاستراتيجي. حسناً، هذا ممكن ووارد، غير أن السؤال الذي تلهج به الألسنة، وبعيدا عن أدبيات البروتوكولات: هل يقوم شي في ساعات الزيارة الثماني والأربــعــن، بـــدور الـوسـاطـة الحاسم والــحــازم، بـن موسكو وكييف، لإنهاء الحرب التي تقترب من الأعوام الخمسة؟ المـــؤكـــد أنـــه لا يـمـكـن بـــلـــورة جــــواب مـــن غـيـر إدراك واقـــعـــي لمـدى العلاقات وقوتها بـن بكين وموسكو، والقطع بما إذا كانا حليفين استراتيجيين من منطلق آيديولوجي، أم شريكين مدفوعين بنوع من المصلحة المتبادلة لكبح القوة الأميركية خصوصاً، وتحدي الهيمنة الغربية عموماً؟ بادئ ذي بدء، لا تربط الصين وروسيا تحالفات رسمية بموجب معاهدات، وليستا ملتزمتين بالدفاع عن بعضهما بعضاً، ومع ذلك أثـــارت شراكتهما قلقا فـي واشـنـطـن، لا سيما بعد تصريح شـي في بأن شراكته مع بوتين «بلا حدود»، وقد وصف شي بوتين بأنه 2022 «أفضل صديق وزميل»، بينما بوتين خاطب شي بـ«الصديق العزيز»، مشيدا بــ«مـبـادرة الـحـزام والـطـريـق»، وعـــادَّا إيـاهـا محاولة لتحقيق «نظام عالمي أكثر عدلا وتعددا للأقطاب». وعــلــى رغـــم أن روســيــا والــصــن تـمـيـان إلـــى دعـــم بعضهما أو على الأقـــل عــدم معارضة إحـداهـمـا الأخـــرى، فـي مجلس الأمـــن حيال الــقــرارات المهمة، فإنه وكما أشـرنـا مـــراراً، تبدو الطبقات الحضارية بــن الـصـيـنـيـن والـــــروس غـيـر مـرتـاحـة إلـــى بعضها بـعـضـا فلسفيا ومـجـتـمـعـيـا؛ ولـــهـــذا تـــســـود حـــالـــة مـــن انـــعـــدام الــثــقــة بـــن الـكـثـيـر من المسؤولين وقادة الأعمال والمواطنين على الجانبين، وهو وضع غالبا ما تحركه ضغائن الماضي، وهواجس عنصرية مستقبلية. والمثير، أنه بينما شي وبوتين تربطهما علاقات ودية، فإن وضع الزعماء السابقين كان مغايراً؛ إذ فاق الافتراق حدود الوفاق. جــاءت الحرب الروسية - الأوكـرانـيـة بـدورهـا لتضع الصين في موقف حــرج، فمع أن بكين لـم تقدم علنا أي مساعدة عسكرية لدعم حرب موسكو، إلا أن حلف الأطلسي لم ينفك يتهم بكين بالتواطؤ مع المجهود الحربي الروسي؛ الأمر الذي لم تبدده تصريحات شي خلال ، حين حذر وبقوة من احتمالات 2023 ) زيارته موسكو في مارس (آذار لجوء الروس إلى السلاح النووي. مـــن جـــانـــب آخـــــر، تـــبـــدو قـضـيـة الـــتـــعـــاون الــعــســكــري الـصـيـنـي - الروسي، ذات قيود، بل وتناقضات هيكلية مستمرة. أحد تلك القيود، يتمثل في القلق الروسي المحتمل بشأن سرقة الصين للملكية الفكرية مـن الشركات الـروسـيـة، وهـو قلق متجذر فـي حــالات سابقة متكررة قامت فيها الصين بهندسة عكسية للتكنولوجيا الروسية. وبالنظر إلـى المنافسة الجيوسياسية بين الجارين الآسيويين الكبيرين، نجد أن روسيا تخصص موارد عسكرية أقل لحدودها في الشرق الأقصى؛ ما يحقق لها مكاسب أمنية قصيرة الأجل. لكن وعلى المدى البعيد، قد يقابل هذا التخفيض بتوسيع النفوذ الاقـتـصـادي والسياسي الصيني فـي مناطق لطالما عدَّتها موسكو حـــدود نـفـوذ لـهـا، لا سيما فـي آسـيـا الـوسـطـى والــقــوقــاز. عطفا على ذلك، فإن الصين غير راضية عن منسوب العلاقات الروسية - الهندية، وعمليات نقل الأسلحة من موسكو إلى نيودلهي. وبالعودة إلى الهدف الرئيس للزيارة، وما إذا كان بوتين يحاول تــدارك أي تقارب صيني - أميركي، يمكن القول إن كل مربع ثقة بين بكين وواشـنـطـن، وكــل خـطـوة فـي طـريـق تهدئة الــتــوتــرات، يمكن أن تراها روسيا خصما من العلاقات مع الصين. وهنا، لا بد من القول إن طموحات بوتين تعتمد على ترسيخ مـــكـــانـــة روســــيــــا قــــــوة عـــظـــمـــى، عـــلـــى أن تـــكـــون مـــوســـكـــو ذات فـــائـــدة استراتيجية لبكين وربما لواشنطن. وفـــي كــل الأحــــــوال، فـــإن لـــدى بــوتــن أوراقـــــا رابــحــة فــي القضايا العالمية الكبرى، بما فيها الـحـرب فـي أوكـرانـيـا وإيـــران وأمــن الطاقة ومستقبل النظام الدولي، ومع ذلك، فمن غير المستبعد شعوره بالقلق مــن أن يصحو ذات نـهـار عـلـى تفضيلات بـراغـمـاتـيـة صينية تجاه واشنطن، وبخاصة في ظل غياب أي رابط آيديولوجي مع موسكو. لذا؛ دعونا نتابع الزيارة ومآلاتها. هل نحن أمام طوفان نوح جديد يسمى الذكاء الاصطناعي؟ وهل سنغرق في التزييف، إذا تبنى الذكاء الاصطناعي ما يكتب في ويكيبديا مثلاً؟ وماذا ستفعل الأجيال الحالية والمقبلة إزاء مـا بـن أيـديـهـا، وقــد لا تستطيع التفريق بـن مـا هـو واقـعـي أو خـيـالـي، ومـــا هــو حقيقي أو مــزيــف؟ ومَـــن الـــذي يمكن أن يبني سفينة عاصمة من هذا الطوفان الخطير؟ من أين جاء هذا الطوفان الخيالي، وإلى أين سيذهب بنا، وهل نحن قـادرون على استيعاب أمواجه من دون أن نسقط في قاعه العميق؟ في البدء كان الخيال يرفرف فوق العقول، وكانت الخطوط طـاسـم، والـحـروف مجرد رســوم هلامية على جـــدران الكهوف. شاء حظ العقل البشري أن يعبِّر عن نفسه بهذه الطلاسم وتلك الـــحـــروف، فـعـدّهـا رمــــوزه الــخــالــدة، ونـقـوشـه الأبـــديـــة، ومـيـراثـه المـــتـــروك لأحـــفـــاده المـقـبـلـن. الـــجـــدران والأحـــجـــار كــانــت صفحته الـــبـــيـــضـــاء، وأوراقــــــــه الـــصـــلـــدة، ثـــم اكــتــشــف شــيــئــا آخـــــر: جـــذوع الأشجار، وأخيرا الورق. قد تكون الصين القديمة صاحبة السبق، وقد تكون مصر القديمة وأوراق الـبـردي نشيد الكتابة الأول، ثم جـاءت الجلود الـــتـــي حــــوت لــنــا كـــنـــوزا عــظــمــى، وصــــــولا إلــــى الأوراق والأقـــــام والرصاص والحبر، ثم السيد الألماني يوهان غوتنبرغ ومطبعته التي شكَّلت الذكاء الاصطناعي الأول. صحيح أن مـحـاولـة اسـتـنـطـاق الآلـــة قـديـمـة قِــــدَم الفلاسفة والــحــكــمــاء الأوائــــــل، وقـــد نـجـحـت فـــي أن تـصـبـح مـنـتـجـة لسلع متعددة بـدلا من اليد الحرفية التي كانت تصنع سلعة واحـدة. تدفق العالم نحو بحر الآلات الصناعية، وثمة فلاسفة وكتاب تـنـبـأوا بإمكانية أن تصبح الآلـــة مـفـكـرة، وقــــادرة عـلـى الإنـتـاج الغزير بدلا من الإنسان ذي القدرة المحدودة، وقد حدث هذا في الواقع. فـــــي مـــنـــتـــصـــف الـــخـــمـــســـيـــنـــات مـــــن الـــــقـــــرن المــــــاضــــــي، كــــان جـــون مــكــارثــي، عــالــم الـكـمـبـيـوتـر الأمـــيـــركـــي، هـــو الأب الــروحــي لمصطلح الذكاء الاصطناعي، لكن المشروع تعثر في الستينات والـسـبـعـيـنـات، ثــم عـــاد بـقـوة مــع اكـتـشـاف الإنـتـرنـت والشبكات والحواسيب العملاقة، وثورة الاتصالات الرهيبة. وأخـيـراً، في بداية العقد الثاني من القرن الـجـاري، انفجر الخيال مـرة واحــدة، وصــارت لدينا إمكانية أن نتلمس الطريق إلـــى الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، ليصبح عـلـمـيـا، وطـبـيـا، وصـنـاعـيـا، وإعلامياً، لكنه في الوقت نفسه سيصبح الطوفان الذي قد يغرق الجميع في أعماقه البعيدة إذا لم يضبط. رأيــنــاه رســامــا، وموسيقياً، وأديــبــا، وشــاعــراً، وصحافياً، ورأيـنـاه قـــادرا على التزييف، حتى إن المــرء لـم يعد يتعرف إلى الـوثـيـقـة الحقيقية مــن المـزيـفـة. فثمة خـيـط رفـيـع بــن التزييف والحقائق، والأخـطـر أنـه اكتشاف يقطع روح التعليم والإدراك والفهم والاستيعاب، حتى إن كثيرا مما يُكتب حول العالم لم يعد معروفاً: أهو من صنع الذكاء الاصطناعي أم بقلم كاتب حقيقي؟ الظاهرة خطيرة في الجانب الحرفي الإنساني: الصحافة، والشعر، والموسيقى، والرسم، والسينما، والرواية، إلا إذا عددناه مجرد أداة بحث وترجمة علمية في عصر السرعة الراهن. في الجانب العلمي والتقني والطبي قد يكون خطوة إلى الـتـطـور العظيم فـكـريـا، غير أن دوره الأخـطـر يكمن فـي تطوير الـحـروب، وقـد شاهدنا استعماله الكبير في الـحـروب الهجينة الحالية، وهذا خطر آخر يتجلى أمامنا، إذا ما تم استخدامه في الصراعات والحروب. السينما العالمية منذ سنوات عالجت هذا الخطر في فيلم «أنــا... روبــوت»، وكيف يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي أن يغدر بـصـانـعـيـه مــن الـبـشـر، وهــنــاك أيــضــا قـصـص الأطـــبـــاق الـطـائـرة وكائنات الفضاء، فثمة من يقول إنها مجرد ذكــاء اصطناعي، السرية في الولايات 51 رغم وجود الوثائق الأميركية، والمنطقة المتحدة، وقد تحدَّث عنها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في حـوار تلفزيوني، ثم جـاء الرئيس ترمب وأفــرج عن الوثائق السرية عن الكائنات الفضائية المجهولة. فــي أي ثـــورة صناعية تنتصر الآلـــة مـؤقـتـا، حـتـى يخترع الإنــــســــان آلـــــة أخــــــرى طـــاغـــيـــة، مـــثـــل الأدويـــــــــة؛ فـــالـــكـــامـــيـــرا كــانــت مدهشة فـي الـبـدايـة، لكنها لـم تمنع الرسامين مـن الإبـــداع، ولم تقتل السينما -أو «الـخـيـالـة» بـالاسـم الـقـديـم- الـواقـع بالخيال، لكنها عبرت عنه وانغرست فيه، وكـذلـك الــراديــو، والتلفزيون، والصحافة المكتوبة والإلكترونية، فثمة خيال يدحض خيالاً، وإلـــى هــذه اللحظة لا بـد أن يبقى هـنـاك خيط رفـيـع بـن الـذكـاء الاصطناعي الآلي والإبداع الإنساني الحر. فستظل الآلــة عمياء صماء، فالعقل البشري أعقد من هذا بكثير، لكن هل يمكن مسح العقل البشري بشيفرة الكترونية؟ Issue 17340 - العدد Wednesday - 2026/5/20 الأربعاء OPINION الرأي 14 إميل أمين جمال الكشكي *ثيو بيكر بوتين في الصين... براغماتية لا آيديولوجيا في أي ثورة صناعية تنتصر الآلة مؤقتا حتى يخترع الإنسان آلة أخرى طاغية طموحات بوتين تعتمد على ترسيخ مكانة روسيا قوة عظمى الذكاء الاصطناعي يزاحم صانعه الذكاء الاصطناعي... صراع مع الأكاديميا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky