issue17337

الثقافة CULTURE 17 Issue 17337 - العدد Sunday - 2026/5/17 الأحد أحمد عبد المعطى حجازي شمس لا تغيب! أواصـــل حديثي عـن الثقافة العربية، وعـن مشرقيها ومغربيها. والتثنية هنا مقصودة، وهي تفرض نفسها في هذا الحديث. فالثقافة العربية لا تشرق من المشرق وحده، وإنما تشرق من المغرب كما تشرق من المشرق. وهذه هي القضية التي سيدور حولها حديثي هذا. وكنت قـد وعــدت فـي مقالتي بـأن أتـحـدث الـيـوم عـن رفـاعـة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ما هو مشترك بين هذين العَلمين الرائدين في الحياة وفــي الإنــتــاج الـفـكـري الـــذي يجسد وحـــدة الثقافة العربية فـي المشرق والمـــغـــرب، وهـــي الـقـضـيـة الــتــي رأيــــت أن أكــمــل حـديـثـي حـولـهـا قـبـل أن أتحدث عمن يمثلونها. ونحن نعرف طبعا أن الثقافة العربية ظهرت أول مـا ظهرت في المشرق، وفيه شبت وبلغت رشدها وعرفت رسالتها، ثم بدأت مسيرتها التي لا تزال تواصلها إلى اليوم في المشرق الذي بدأت منه، وفي المغرب الذي لا تغرب فيه ولا تحتجب، بل تأخذ منه بقدر ما تعطيه لترده من بعد إليه أضعافا مضاعفة، فالثقافة لا تستنفد بما تحمله للناس من استنارة وحكمة وفرح، بل تزداد إشراقا وثراء وتوهجاً؛ لأنها تخاطب عـقـل المـتـلـقـي، وتــوقــظ وجـــدانـــه، وتـثـيـر انـفـعـالـه، وتـكـشـف عــن طاقاته ومواهبه؛ فيرى ما لم يكن يرى، ويعرف ما لم يكن يعرف فينفتح على العالم المحيط بـه، ويشعر بالحاجة إلـى أن يعبّر عما أحــس، وينقله لغيره الــذي يتلقاه ويمر بالتجربة التي مـر بها مـن أعـطـاه ويضيف لما تلقاه، وهكذا تسطع شمس الثقافة وتعبر الحدود وتبدد الظلمات، وتملأ بنورها الطرقات ذهابا وإياباً. فالثقافة كما قلت شمس لا تغيب، والعالم الـذي تشرق فيه الثقافة نهار دائـم في مشرقه ومغربه. يصح هذا على الثقافات الإنسانية عامة، ويصح على الثقافة العربية بوجه خاص. والتاريخ شاهد على هذا. *** انتصارات مذهلة تتوالى انتصارا بعد انتصار؛ إذ لم يمض أكثر م حتى فتح المسلمون مكة 610 من عشرين عاما على نزول الوحي عام م، ولم يمض بعدها أكثر من عشرة أعوام حتى فتحوا مصر. 630 عام م هو 670 وبعدها تواصلت الفتوح حتى استطاع عقبة بن نافع عام ومن معه أن يثّبتوا أقدامهم في المغرب الأوسط ويبنوا مدينة القيروان، ثـم يتابعوا تقدمهم حتى يصلوا فـي نـهـايـات الــقــرن، أي بعد ثلاثين سنة إلى المحيط. وفي الذكرى المئوية الأولى لنزول الوحي كان العرب المسلمون قد وضعوا أيديهم على العالم الممتد من الصين إلى إسبانيا. كيف تحققت هـذه المعجزة التي لم تتحقق من قبل ولا من بعد؟ الــجــواب الـحـاضـر هـــو: بـالـسـيـف! لأن الــذيــن دخــلــوا هـــذا الـعـالـم كـانـوا يشهرون سيوفهم! لكن القليلين هم الذين سألوا أنفسهم: كيف استطاع ثلاثمائة من المسلمين في غزوة بدر أن يغلبوا ألفا من أهل مكة؟ وكيف اســتــطــاع عــمــرو بــن الــعــاص مــع أربــعــة آلاف فــــارس أن يــدخــلــوا مصر ويوقعوا الهزيمة بالجيش البيزنطي المؤلف من خمسة وعشرين ألفا من المقاتلين المحترفين المسلحين بكل ما كانت تملكه إمبراطوريتهم المستعدة دائما لخوض المعارك بجيوشها المدربة، وقلاعها الحصينة، وتاريخها الحافل بالانتصارات. كيف استطاع هؤلاء الفرسان العرب بـعـددهـم الـقـلـيـل أن يـهـزمـوا جـيـوش الإمــبــراطــوريــة، لـيـس فــي موقعة واحـــدة، بل في موقعة بعد أخــرى؟ إنهم يعتلون الأســـوار، ويضيّقون الحصار ويفتحون الحصون، ويكبّرون ويهللون حتى اضطروا الروم إلـــى الـرحـيـل لـيـواصـلـوا هــم زحـفـهـم وانـتـصـاراتـهـم حـتـى وصــلــوا إلـى المحيط. كيف؟ بالسيف؟ لا، فسيوف الـروم أكثر، وعدتهم أتـم، فبماذا إذن؟ بالثقافة التي حملوا بها المشرق إلى المغرب فصار المغرب مشرقاً، كما صار المشرق مغرباً، أو أنهما صارا مشرقين ومغربين. والشمس، شمس الثقافة العربية واحدة. وهذه معجزة أخرى. لغة واحدة، وثقافة واحدة تشرق وتغرب حاملة جديدها في الذهاب والإيـاب، كيف حدث هذا؟ كيف تم تعريب المغرب؟ وإذا كان التعريب قد بدأ بالدواوين التي حـلّــت الـعـربـيـة فيها مـحـل الـيـونـانـيـة، فـقـد ســـار الـتـعـريـب فــي أوســـاط المـغـاربـة بسرعة عجيبة؛ إذ لـم يمض إلا قــرن ونـصـف قــرن حتى أخذ المغاربة يحتلون يوما بعد يوم مكانهم في الثقافة العربية. والفضل يرجع للفاتحين العرب الذين لم يقتصر نشاطهم على خوض المعارك وكسبها، بل كانت الثقافة العربية الإسلامية نصب أعينهم، وخاصة عـنـد بـعـض الـــقـــادة أمــثــال عقبة بــن نـافــع الـــذي وضـــع الأســــاس لمدينة القيروان وبنى فيها الجامع الكبير الذي أصبح جامعة مختصة بعلوم اللغة والدين مثله مثل الأزهـر في القاهرة، والقرويين في فاس. وبعد عقبة بن نافع حسان بن النعمان، ثم من بعده موسى بن نصير. هؤلاء حرصوا على أن يشركوا المغاربة معهم في إدارة شؤون البلاد، وكانوا يطلبون مـن المقاتلين الـعـرب أن يجتهدوا فـي الاتـصـال بأبناء البلاد ويعلموهم العربية، ويفقهوهم في الإسلام. ونـحـن نـعـرف أن الــرومــان والبيزنطيين احـتـلـوا المـغـرب أكـثـر من سبعة قــــرون، لكنهم لــم يستطيعوا أن يحققوا فــي الـثـقـافـة مــا حققه الـعـرب فـي أقـل مـن قـرنـن؛ لأنهم كـانـوا فـي المـغـرب محتلين موجودين بـالـقـوة وحـدهـا يطلبون الـسـيـادة والــثــروة ولا يـعـبـأون بمطالب أهل البلاد، بل ينظرون لهم نظرة الأعلى للأدنى؛ ولهذا سموهم «بربر»، وهي كلمة يونانية تطلق على من لا يعرف هذه اللغة، فهو بالنسبة للبيزنطيين غير متحضر، من هنا قاومهم المغاربة، وظلوا متمسكين بلغتهم وثقافتهم، تماما كما فعل الجزائريون في هذا العصر الحديث مع المستعمرين الفرنسيين. والحقيقة، أن العرب كانوا هم أيضا ينظرون هـذه النظرة لمن لا يتكلم العربية، فهو بالنسبة لهم «أعجمي». لكن الإســام سـاوى بين كل الداخلين فيه، ونحن نعرف أن أصحاب الرسول كان فيهم الفارسي، والرومي، والحبشي، وبهذه العقيدة فتح العرب البلاد التي فتحوها واعـتـبـروا أنفسهم أصـحـاب رسـالـة يؤدونها وليسوا طـاب سلطة أو ثروة، فلم يمض وقت طويل حتى تعرَّب المغاربة أو معظمهم، وأصبحوا يشاركون العرب في إدارة شؤون البلاد، وفي التفكير والإبـداع باللغة الفصحى، ويـقـدمـون للثقافة العربية أمـثـال الـحـصـري، وابـــن رشيق، وابن حمديس الصقلي، وابن خلدون، وسواهم كثيرون. رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال صـدر حديثاً، بالتعاون بـن «دار نوفل» (هــاشــيــت أنــــطــــون)، ودار «الــفــاضــل لـلـنـشـر»، روايــة «الـــاّروب» للكاتب والسياسي المغربي حــــســــن أوريـــــــــــد. و«الــــــــــــــــــاّروب» هـــــي تـــحـــريـــف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربــع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيء غير مكتمل، شيء مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب. على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في صفحة، وتعبر عـن قلب الثقافة المغربية 320 محتوًى ولـغـةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والـــواقـــع بـالـخـيـال فــي ســـرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعا محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلـى استخدام السورياليّة برهافة شـديـدة، لينفذ من خلالها إلـى قضايا معقّدة ومسكوت عنها أو مطمورة، مازجا بين التفكير والــهــزل، فـي سـيـاق حديثه عـن مـكـانٍ، حـيـث يكتشف مـــرتـــادوه جــوانــب مـجـهـولـة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء. تـــــدور أحــــــداث الــــروايــــة فـــي المـــغـــرب قبل اســتــقــالــه؛ إذ يـحـكـي الـــســـارد قــصــة بـنـيـس، الـــذي يعمل واشـيـا لــدى سلطات الاستعمار الـفـرنـسـي. ويُــكـلـف مـراقـبـة «كـبـاريـه سنترا»، وهــــو أحــــد المـــاهـــي الـتـرفـيـهـيـة الـــتـــي تتمتع بحضور خـاص، حيث يجتمع على طاولاته مــثــقــفــون وفـــنـــانـــون يــمــثــلــون تــــيــــارات فـكـريـة ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بـــالـــشـــعـــر والأحــــــاديــــــث الـــســـيـــاســـيـــة والـــغـــنـــاء والـــطـــرب وبــنــقــاشــات الـفـلـسـفـة وبـالـسـخـريـة والـتـنـدّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بــن المــاضــي والمـسـتـقـبـل، والـــواقـــع والـخـيـال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الــدار البيضاء في زمـن لاحـق، وفـي جغرافيا جـــديـــدة، يــبــدأ فـــي اسـتـكـشـافـهـا، واسـتـيـعـاب تضاريسها. وهـكـذا أيـضـا، يـصـادف زوجته وقــد أصبحت عــجــوزاً، بعد أن قـالـوا لـه إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلا وطفلة. يـــذكـــر أن المــــؤلــــف حـــســـن أوريــــــــد، كــاتــب على 2015 وروائــــــي مـغـربــي حـصــل فـــي عــــام جائزة «بوشكين» لـآداب عن مجمل رصيده الأدبـــــــي، ومــــن ضــمــنــه: «رَواء مــــكّــــة»، «ربــــاط المـــتـــنـــبـــي»، «ربـــيـــع قـــرطـــبـــة»، «المـــوريـــســـكـــي»، «ســـيـــرة حــــمــــار». كــمــا حــقّــقــت كـتـبـه الـفـكـريـة انـــتـــشـــارا واســــعــــا، ومـــــن ضــمــنــهــا «عــــالــــم بـا معالم» و«أفـــول الـغـرب»، و«إغـــراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل». مــــن أجـــــــواء الـــــروايـــــة نــــقــــرأ: «رفــــــع بـنـيـس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير . الــــــاّروب. إلا رُبــعــا. لم 9 مـتـوقّــفـا عـلـى الــرقــم تعد تقويما زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يــومــيّــات بـــوعـــيّـــاد. حـكـمـة الـــيـــوم: فـــي الـتـأنّــي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمن متوقّف، ولا التأنّي فــي وضـــع بــا عــامــات ولا مـعـايـيـر. المفاهيم زئبقيّة في زمن متوقّف، أو في وضع تتداخل فيه الأزمنة». القاهرة: «الشرق الأوسط» ًعدنية شبلي ترسم صورة شجية لعائلة تحت الاحتلال «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينيا كي تعيش مختلفا تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صـورة إنسانية شفيفة لـعـائـلـة صــغــيــرة، تـعـيـش فـــي ظـــل الاحــتــال الإسـرائـيـلـي فـي فلسطين. هـي أســـرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامــيــة، ولا مـفـاجـآت روائــيــة مـبـهـرة. وهـذا تماما مـا أرادت أن ترسمه الـــروايـــة. فليس ضروريا أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كــــي تــســتــحــق قــصــتــك أن تـــــــروى، يــكــفــي أن تــــكــــون فــلــســطــيــنــيــا وتــــحــــت الاحـــــتـــــال، كـي تصبح حكايتك مختلفة، مـركّــبـة، حزينة، ومـلـيـئـة بـالـتـحـديـات. ذلـــك مــا راهــنــت عليه صــاحــبــة «تــفــصــيــل ثــــانــــوي» الــــروايــــة الـتـي ولاقــــت تـرحـيـبـا واســعــا، 2017 صــــدرت عـــام كــمــا أثـــــارت ضـجـيـجـا بــعــد أن ألــغــي تـكـريـم كاتبتها بجائزة «لابـيـراتـور» الألمـانـيـة، في أعـــقـــاب انــــــدلاع أحــــــداث «طــــوفــــان الأقـــصـــى» وســـط اتــهــامــات للعمل بــمــعــاداة الـسـامـيـة، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية . الرواية فيها عودة إلى 2021 في لندن عام جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتـــكـــبـــهـــا جـــنـــود إســـرائـــيـــلـــيـــون، ثــــم جــــاءت بـــاحـــثـــة بـــعـــد عـــقـــود لــتــنــبــش فــــي الأرشـــيـــف وتكشف فداحة ما حدث. صاحبة «تفصيل ثانوي» وكـــمـــا فـــي روايـــتـــهـــا «تـفـصـيـل ثـــانـــوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عــدنــيــة شــبــلــي هــــذه المـــــرة إلــــى حـــيـــاة طـالـبـة فلسطينية وشقيقها وأمـهـمـا. تـبـدأ الـروايـة والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وســـــؤال وإبـــــراز أوراق واســـتـــجـــواب، وخــوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك. 168 مــــن بــــدايــــة الـــــروايـــــة الـــتـــي تـــقـــع فــــي صـــفـــحـــة، تــحــضــر الــطــبــيــعــة، الأرض، المــطــر المـــتـــســـاقـــط، الـــــــذي يـــجـــعـــل جـــنـــبـــات الـــطـــريـــق مــوحــلــة، بـيـنـمـا تـظـهـر الـــحـــقـــول، والــســهــول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الـشـتـاء، بــرد خـــارج الـسـيـارة، وأنـفـاس الـشـقـيـقـن تــتــحــول رذاذا عــلــى الــــزجــــاج، في حـــن الــشــقــيــق يـــحـــاول إخـــفـــاء الـــحـــطّـــة الـتـي وضعها على الرف الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هــكــذا تـحـضـر المــكــونــات الأســاســيــة لـلـروايـة، الـــبـــيـــئـــة الــفــلــســطــيــنــيــة الـــطـــبـــيـــعـــيـــة، حــضــور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقا أمــــام شـقـيـقـتـه الــطــالــبــة الــتــي تـــحـــاول إخــفــاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزا للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الـذيـن يعترضون سبيله ظنا منهم أنه إسرائيلي، فـإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة. اللجوء للحقول والطيور هــكــذا تــنــســاب الــحــكــايــة، بـحـيـث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيـتـونـهـا المـعـمـر الـــذي يُــقـتـلَــع ويــعــاد زرعــه فـــي أحـــيـــاء إسـرائـيـلـيـة أو فـــي حــدائـــق عـامـة، ومــن الثمر الـــذي يـمـوت ويفنى على الشجر ولا يــتــرك لـلـمـزارعـن حــق بـلـوغـه أو قـطـافـه. كــــذلــــك مــــن الـــعـــشـــب الـــــــذي يـــنـــمـــو عـــالـــيـــا بـن جــــذوع الأشـــجـــار، بـسـبـب الإهـــمـــال الـقـسـري، ولا يــتــرك متسعا لـــــأوراق كــي تـتـنـفـس. إنـه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بـالآفـات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت. تحتفي شـبـلـي فــي روايــتــهــا بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءا من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مـقـطـع مـخـصـص لــشــجــرة الـــلـــوز، بـراعـمـهـا، تـبـدل أحـوالـهـا مـع تتابع الـفـصـول، اخـضـرار ثـــمـــرهـــا. هـــنـــاك عــــــودة مـــتـــكـــررة إلـــــى أشـــجـــار الـــزيـــتـــون لــلــدلالــة عــلــى ثـــبـــات الفلسطينيين وصـــــمـــــودهـــــم. فـــــي الــــــروايــــــة نـــعـــيـــش تـــوالـــي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشــــكــــل الــــتــــربــــة، بـــتـــشـــقـــقـــاتـــهـــا، ووحــــولــــهــــا، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل عـلـى دمـــج الطبيعة الفلسطينية فــي النص بــهــذه الــكــثــافــة، كـأنـمـا الـقـصـد مـنـه إشــعــارك بـانـدغـام حـيـاة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وســيــقــان عــبــاد الــشــمــس الـــواهـــنـــة، وشــتــات الــفــول الـفـوضـويـة. تـكـاد المـسـافـة بــن الـنـاس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان. وجوه بلا أسماء هــــذه الـطـبـيـعـة المـغـتـصـبـة هـــي الـحـضـن الـذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عــانــى مــــرارة الأســــر، حـتـى انـكـسـر وشــاخ وجـــهـــه وأســـــــدل لــحــيــتــه كــــي يــخــفــي عــامــات الـقـهـر. نتابع الأم الـصـامـدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بـابـنـهـا وابـنـتـهـا، وكــأنــهــا هــي الــركــن الأكـثـر صــابــة والـــوتـــد الــــذي بـفـضـلـه يــرتــفــع سقف الخيمة. وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسما لأي منهم، إغـــراقـــا فـــي تـمـويـه المــشــهــد، كـــي يـبـقـى ملتفا بما يشبه غـالـة، أو كـأنـك تــرى الأحــــداث من خــلــف غــشــاء شـــفـــاف. فــحــضــور الـــحـــربـــاء في الــــروايــــة، وكـــذلـــك لــجــوء الـطـالـبـة إلـــى تمويه لكنتها الـعـبـريـة الـتـي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء المــلــتــبــس لـلـفـلـسـطـيـنـي المـــقـــيـــم عـــلـــى أرضـــــه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب. سجن اللغة والثأر اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات الـــتـــي يـــتـــعـــرض لـــهـــا الـــعـــربـــي وهـــــو يـتـحـدث العبرية. فهو حـن يشدد الـــراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صـــــــوت، بــــل فــــــخ يـــجـــلـــب المــــتــــاعــــب، ويــكــشــف الـــهـــويـــة، ويـــحـــيـــل إلـــــى الأصـــــــل. لــــذلــــك؛ تـجـد الـطـالـبـة مخرجها فــي الـجـامـعـة بـــأن تـحـاول تـبـنـي الـلـكـنـة الأمـــيـــركـــيـــة، لـتـخـتـفـي خـلـفـهـا، وتواري حقيقة انتمائها. لـــيـــســـت مــــصــــادفــــة أن تـــخـــتـــار الـــطــالـــبـــة عـلـم الاجـتـمـاع مــجــالا لـدراسـتـهـا الجامعية، فــبــالــروايــة رصـــد دقــيــق لأصــغــر الـتـفـاصـيـل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والــتــفــاتــة الــشــقــيــق، ومــتــابــعــة زخّـــــات المــطــر، ومطاردة حركة العصافير. كأنما مـسـار الـقـص يحيل إلــى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفـــــراده ومـحـو لـغـتـه، بـاضـطـهـاد متكلميها، مـــن خــــال اســتــنــفــار الــــرمــــوز وإعـــــــادة إحــيــاء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطـيـورهـا كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة. هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نص متأن يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حــيــث لا عــجــلــة، ولا لـــهـــاث خــلــف الأحــــــداث. نـتـابـع حـــيـــاة، تـسـيـر الــهــويــنــا، وشـخـصـيـات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفز لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القص أو تمنحه حرارته. الأســـلـــوب الـــبـــارد نـفـسـه الـــــذي اعــتــدنــاه مـــع عــدنــيــة شــبــلــي، ويــــــروق لــلــبــعــض، لكنه قـــد يـصـيــب بــالمــلــل أو الـــرغـــبـــة فـــي الــقــفــز عن الصفحات، للوصول إلـى صــدام مـا أو حدث يـكـسـر الــرتــابــة، لـكـن حـتـى أســـر الـشـقـيـق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب. وفــــي الـــجـــزء الأخــــيــــر، حـــن يـــدخـــل على خـــط الأحـــــــداث الــصــحــافــي الأمـــيـــركـــي الـــقـــادم إلـى البلاد لإجــراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفـقـا شـعـوريـا لــم يـقـع عليه بـعـد، أو حيوية تدخل إلـى حياة الطالبة، بسبب وجــود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات. إنــهــا إذن، روايـــــة الــخــط المـسـتـقـيـم، رغـم وجـــــود فــــرص لـــرفـــع حــــــرارة الـــلـــغـــة، أو إزالــــة الـبـرود عـن التعابير، قـد تـكـون خـيـارا واعيا عـنـد عـدنـيـة شـبـلـي، كـأنـهـا تـلـتـزم بمواجهة نـــــار الاحـــــتـــــال بـــــالمـــــاء، أو صـــعـــقـــات الــعــنــف المـــمـــارس عـلـى أفــــراد مجتمعها/شخصيات روايـتـهـا، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع تــوالــي الأيــــام والـفـصـول بـتـأمـل خــارجــي، مع اســـتـــخـــدام لازمــــــة «تـــتـــوالـــى الأيــــــــام، وتــــــزداد الأوضـــاع ســـوءاً». كأنما الـــراوي في «تمويه» هو مجرد قصاص محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يـدور في ذهـنـهـا، وكـيـف تــرى إلــى مـا حـولـهـا، كـل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح. بيروت: سوسن الأبطح ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky