بينما كان دواركش باتيل يدخل مطعما صغيرا في حي سوما بمدينة سان فرانسيسكو، سرت موجة مـن الحماسة بـن أربـعـة شـبّــان كـانـوا يجلسون قرب الباب. وقبل أن يتمكّن باتيل، وهـو مقدّم بودكاست عــامــا، مــن الـتـوجّــه إلـــى المضيفة، 25 يبلغ مــن الـعـمـر طلب منه اثنان من الشبان التقاط صور سيلفي. لبّى الطلب، ثم خرج لينتظر دوره للجلوس على طاولة. وعندما سُئل إن كان هذا يحدث كثيراً، فأجاب: «أشعر أن الأمر ازداد حدّة بشكل خاص خلال الأشهر القليلة الماضية». ورغم أن باتيل غير معروف إلى حد كبير خارج أوســـــاط الـتـكـنـولـوجـيـا، فـــإن «بـــودكـــاســـت دواركـــــش» يحقق في المتوسط مليوني مشاهدة للحلقة الواحدة، ويُعد مادة لا غنى عنها داخل مجتمع مطوّري الذكاء الاصطناعي ومموّليه والمهتمين بالتقنية. فـقـد جـلـس مـعـه لإجـــــراء مــقــابــات، تـمـتـد غالبا لأكـثـر مــن سـاعـتـن، أبـــرز الـــرؤســـاء التنفيذيين، مثل ساتيا ناديلا ومـارك زوكربيرغ، وكذلك أبـرز باحثي الـذكـاء الاصطناعي مثل إيليا سوتسكيفر وأنـدريـه كـاربـاتـي. ويـصـف الاقـتـصـادي والمـفـكّــر تايلر كاوين باتيل بأنه «المـؤرّخ الأول لعصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا أحد يضاهيه في ذلك». وقد بلغ باتيل هذه المكانة عبر انغماسه العميق فــــي مــجــتــمــع الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي وتـــحـــدّثـــه بـلـغـتـه الخاصة، ويقول إن هدفه هو التعمّق في النقاشات الدائرة على حدود تطوير الذكاء الاصطناعي. تسهم مقابلات باتيل في تشكيل آراء نخبة هذا المجال. فعلى مدى العام الماضي، ازداد تشكّك باتيل فـــي قــــدرة نـــمـــاذج الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي الـحـالـيـة على تحقيق «التعلّم المستمر»، أي قدرة الآلة على مواصلة التعلّم ذاتيا كما يفعل البشر. ومع ذلك، يظل مقتنعا بأن الذكاء الاصطناعي سيبلغ هذه النقطة المفصلية، وأن تأثيره سيكون هائلا حتى قبل ذلك؛ لكنه يعتقد أن الوصول إلى ذكاء اصطناعي تحويلي قد يستغرق ما يصل إلى عقد من الزمن، وليس عاما أو عامين. ويـعـكـس اخـتـيـار بـاتـيـل لضيوفه وأسـلـوبـه في محاورتهم رؤية للعالم تمزج بين الوضوح العقلاني والـتـفـاؤل بمستقبل التكنولوجيا، وهــي رؤيـــة تجد صـــدى واســـعـــا فـــي بـعـض أجـــــزاء وادي الـسـيـلـيـكـون. فإذا كنت تبحث عن تحفّظات حذرة بشأن الإمكانات الكابوسية للذكاء الاصطناعي، أو حتى عـن موقف مـــتـــردد تــجــاه أهـمـيـتـه، فـلـن يــكــون هـــذا الـبـودكـاسـت مناسبا لك. أما إذا أردت أن تعرف كيف يفكّر ويتحدّث أولئك الذين يبنون العالم الذي سنعيش فيه جميعا قريباً، فلا يوجد مكان أفضل للاستماع إليه. ويُـــعـــد أحــــد أســـبـــاب إقـــبـــال الأذكــــيــــاء والأثــــريــــاء ورجــال صناعة الذكاء الاصطناعي على الظهور في بودكاست باتيل هو أنه يتعمّق في التفاصيل إلى حد يتيح له طرح أسئلة لا يطرحها غيره. فقد يقضي ما يصل إلى أسبوعين في التحضير لمقابلة واحدة. وكـــان بـاتـيـل قــد سـجّــل أولـــى حـلـقـات «ذا ليونر سـوسـايـتـي»، وهـــو الاســـم الأصــلــي لـلـبـودكـاسـت، من غـرفـتـه فـــي الـسـكـن الـجـامـعـي بـجـامـعـة تـكـسـاس عـام ،»19 - ، خلال الأشهر الأولى من جائحة «كوفيد 2020 وكــــان آنـــــذاك فـــي الــتــاســعــة عــشــرة مـــن عـــمـــره. إذ كــان يتابع دروســـه عبر الإنـتـرنـت، ويشعر بالملل ويتوق إلــــى تــفــاعــل فـــكـــري، وحــيــنــهــا فــعــل مـــا قـــد يـفـعـلـه أي طالب جامعي عــادي فـي سنته الثانية: أرســل بريدا إلكترونيا غير متوقّع إلى برايان كابلان، أحد أعضاء قـسـم الاقـتـصـاد فــي جـامـعـة جـــورج مــاســون المـعـروف بتوجهاته الليبرتارية. وفـــي رســالــة الـبـريـد الإلـكـتـرونـي، أوضـــح باتيل أنـه قـرأ ثلاثة كتب لكابلان غيّرت نظرته عن الهجرة والتعليم وعـــدد الأطــفــال الـــذي ينبغي إنـجـابـه. ورد الأخــيــر بتشجيعه، وبــعــد عـــدد مــن الــرســائــل الــوديــة اللاحقة، سأله باتيل إن كان يوافق على إجراء مقابلة معه للبودكاست. وقـد أُعـجـب كـابـان بالمقابلة التي أُجـريـت لاحـقـا، وقـــال: «لـم يكن يـكـرّر الأسئلة العشرة نـفـسـهـا الــتــي يـطـرحـهـا الـجـمـيـع. كــانــت لــديــه أسئلة نابعة من قراءة دقيقة خاصة به». وكان والدا باتيل، اللذان هاجرا من الهند عندما كــان فـي الثامنة مـن عـمـره، يـأمـان أن يصبح طبيب أشـعـة، أو على الأقـــل أن يستخدم شـهـادتـه فـي علوم الــحــاســوب اسـتـخـدامـا مـهـنـيـا، وقـــد انـتـابـهـمـا القلق مـــن مـسـاعـيـه الإعــامــيــة الــنــاشــئــة. لـكـن نــبــوغ باتيل المبكر جذب إليه مرشدين وداعمين. فقد عُرض عليه الاستثمار في البودكاست مقابل حصة ملكية. ويقول عنه الملياردير ستيف كون: «حتى في ذلك العمر، كان يفرض حضوره بطريقة لا يجيدها كثيرون». انـتـقـل بـاتـيـل إلـــى ســـان فـرانـسـيـسـكـو بـعـد وقـت قـصـيـر مـــن إطــــاق تـطـبـيـق «تـــشـــات جـــي بـــي تـــي» في . وفجأة أصبح الذكاء 2022 ) نوفمبر (تشرين الثاني الاصــطــنــاعــي مـــوضـــوع الــعــصــر، فــكــل مَــــن كـــانـــوا في شـبـكـتـه المـتـنـامـيـة بـسـرعـة كـــانـــوا إمـــا يـعـمـلـون عليه وإما يتحدثون عنه، وكانت سان فرانسيسكو مركزا لهذا النشاط. وفي مطلع العام التالي، حصل باتيل عـلـى مقابلة مــع إيـلـيـا سوتسكيفر، الـــذي كـــان آنـــذاك كبير العلماء في «أوبـن إيه آي»، وقد حظيت المقابلة بنصف مليون مشاهدة على منصة «يوتيوب». وكان قد أرسل مسبقا قائمة مفصّلة للغاية من الأسئلة. يـنـتـمـي بــاتــيــل إلــــى مــوجـــة مـــن الإعـــــام المـرتـبـط بالتكنولوجيا التي احتضنتها الصناعة أو انجذبت إليها، في ظل تدهور علاقة وادي السيليكون بوسائل الإعلام التقليدية في السنوات الأخيرة. وقــــد أثــــــارت مــقــابــاتــه الأخــــيــــرة مـــع زوكـــربـــيـــرغ والملياردير إيلون ماسك بعض الانتقادات حتى من معجبيه، الذين رأوا أن المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا قدّموا أحيانا ادعـاءات غير مدعومة أو كرّروا نقاطا جاهزة. * خدمة «نيويورك تايمز» Issue 17337 - العدد Sunday - 2026/5/17 الأحد قــــبْــــل أســــابــــيــــع ودَّع مـــجـــتـــمـــع الـــســـيـــاســـة والثقافة العربي الروائية الرومنسوية كوليت خوري التي، كانت كما اللبنانية ليلى بعلبكي، لــهــا حـــضـــور لافــــت فـــي المــشــهــد الــثــقــافــي خــال حـقـبـة أمـضـتـهـا فــي لـبـنـان قــبْــل أن يستقر بها المقام في رحـاب البيت السوري العريق متمثلا بجدها الرئيس فارس الخوري وبوالدها سهيل الخوري الذي سار بكثير من التألق على خطى والده. ولم يفارق حضور أصلهم اللبناني في ما أنجزوه سياسيا وثقافياً، مع ملاحظة أن لبنان وعاصمته بالذات جوهرة كتابات كوليت، وهي في ذلك بمثل المكانة التي حظيت بها فيروز التي صدحت في الرحاب الدمشقية، فبات السوريون يـنـظـرون إلـيـهـا كـأيـقـونـة، وهــــذا فــي زمـــن سبق الــحــرب اللبنانية منتصف الـسـبـعـيـنـات، وهـو زمــــن كــــان الــشــاعــر سـعـيـد عــقــل كـثـيـر الانــبــهــار بدمشق التراث والتاريخ، وأوجـز ذلك بقصيدة مــطــلــعُــهــا «ســائــلــيــنــي يـــا شــــآم ســائــلــيــنــي حين عطَّرت السلام... وأنا لو رحْــت أسترضي الشذا لانثنى لبنان عِطرا يا شآم». أخـــــذت الــحــفــيــدة كــولــيــت فـــي الاعـــتـــبـــار أن الـعـمـر يمضي سـريـعـا، والـــذاكـــرة لا تبقى على نضارتها، فـأرَّخـت وفــي سـيـاق كتابة المـذكـرات الدور الوطني بامتياز الذي ارتسمت به سنوات ترؤس جدها فارس الحكومة خطوات سياسية حققها قبْل الترؤس وبعده. وهـــــذا الإنــــجــــاز الـــــذي تـسـجـلـه لــهــا أجــيــال مـا بعد الخمسينات وكـذلـك الباحثون وطـاب العلوم السياسية أصدرتْه في جزأين والذاكرة فـي كامل حيويتها، لـم تأخذ بـضـرورة إنجازه كــريــمــات الــرئــيــس ريــــاض الـصـلـح صـنـو فــارس الــخــوري وكثيرين مـن رمـــوز العمل السياسي. ولذا نجد رياض الصلح يرحل ولا مذكرات عن سنواته المبهرة والعاصفة... إلا إذا ارتأت الابنة ليلى استدراك الأمر مِن خلال نخبة مِن الموثقين الـــعـــمـــل عـــلـــى إنــــجــــاز مــــذكــــرات والـــــدهـــــا، وعــلــى نحو ما فعله تمام سـام بعدما لم يعد رئيسا لـلـحـكـومـة، إنــجــاز مــا يتعلق بـمـواقـف اتخذها والـده، الذي إما حذا حذو كوليت خـوري، أو إن الـوالـد الرئيس الـراحـل تــرك فـي عهدته عشرات الإضبارات التي تحوي من الأوراق والمراسلات والمحاضر، انتهت منشورا ما هو مناسب. وحــــــــدْه الـــرئـــيـــس الأول لـــلـــبـــنـــان المــســتــقــل الشيخ بشارة الخوري دوّن بنفسه، وبمساعدة المـــــؤرخ يــوســف إبـــراهـــيـــم يـــزبـــك، كــونــه الـشـاهـد على المسيرة السياسية للبنان قبْل الاستقلال وبــــعــــده، مـــذكـــراتـــه الـــتـــي هـــي مـــرجـــع لـلـبـاحـثـن وللأجيال السياسية جيلا بعد جيل. مناسبة هــذا الاسـتـهـال أن قـــادة ورؤســـاء كـــانـــت لـــهـــم بــصــمــاتــهــم فــــي تــــاريــــخ المــنــطــقــة لـم يعيروا اهتماما أمـر كتابة مذكراتهم. بعضهم لأنـــه رحـــل وهـــو فــي ســـدة الـحُــكـم ولـــم يـتـسـن له إنجاز ذلك وبعض آخر بات غير راغب في ذلك. وهكذا باتت الأجيال العربية لا تقف على تــاريــخ مــراحــل مــن خـــال مـــذكـــرات قــــادة شغلوا المــنــصــب، الــــذي يــتــقــدم فــيــه اتـــخـــاذ الـــقـــرار على التفكير بما بعد تسليم المقاليد إلى غيره. انطلاقا من شغفي بالوقوف على مذكرات أهـــل الـسـيـاسـة غـيـر المـــتـــوافـــرة عــمــومــا، جــهــدْت فــي الـسـعـي لـلـوقـوف عـلـى المتيسر مــن مـخـزون ذكــريــات ومــواقــف وأســلــوب تـعـامُــل قـــادة عــرب، وذلـــك مــن خـــال كـتـابـة الـسـيـرة الـذاتـيـة لـهـؤلاء، وبـحـيـث أن إتــاحــة المــجــال أمــامــي لــطــرح المـزيـد مـــن الأســئــلــة والاســـتـــفـــســـارات تـجـعـلـنـي أحـيـط بالمتيسر مما يمكن إحاطته عن أحداث ومواقف هــذا الـقـائـد أو ذاك، وبـذلـك يمكن الــوقــوف على مـامـح مــذكــرات لـو أراد أن يتضمنها كـتـاب أو أكثر يحقق النفع المعرْفي لمـن عايشوا سنوات قيادته وللذين مِن بعدهم من أجيال. وللتوضيح فإن السيرة الذاتية بالصيغة التي أوضحتُها شملت الرؤساء معمَّر القذّافي وصـدَّام حسين وجعفر نميري، كما أن الدكتور جـــورج حبش الـظـاهـرة الاستثنائية فـي العمل الــفــلــســطــيــنــي كـــــان مِـــــن الــــذيــــن أفـــــــادت كـتـابـتـي سيرته الـذاتـيـة، فـي تفسير كنه العمل الـثـوري الفلسطيني بـقـيـادة مسيحي خـريـج الجامعة الأميركية في بيروت. أما بعض الآخرين، فإنني سعيت لكن لـم يـجْــد السعي وأخــص مِــن هـؤلاء أحـمـد بـن بيلا فـي لـقـاءيْــن معه فـي الـقـاهـرة ثم بــغــداد، وبـعـدمـا بـــات خـــارج الأســـر البومديني لـه ثـم ناشطا بامتياز فـي إبـــداء الـــرأي بصيغة الـنـصـح أمـــام قـــادة عـــرب كــانــوا يـعـيـشـون مــآزق سياسية. خــــال الــــزيــــارات إلــــى الـــجـــزائـــر كــــان المـفـكـر السياسي الدكتور محيي الدين عميمور، كثيرا مــا يحيطني بـوقـائـع عــن الـحُــقـب الـتـي سبقت حقبة الـرئـيـس بــن جـديـد الـــذي كـــان مستشارا لـه، وهــذا يسر لـي أن يتضمن اللقاء بالرئيس إجــــابــــات عــــن أســـئـــلـــة لـــكـــم يــتــمــنــى المــــــرء لــــو أن الــرئــيــس جــعــل مـــن الإجـــابـــة عـنـهـا مـــدخـــا إلــى كـتـابـة مــذكــراتــه، وعـلـى نـحـو مــا فعله الرئيس الـــخـــامـــس لـــلـــدولـــة عـــلـــي كــــافــــي الـــــــذي قـــــــدَّم لـي ، لـــدى لـقـائـي بــه فــي الـسـفـارة 1999 صـيـف عـــام فــــي بــــيــــروت، حـــيـــث كـــــان ســفــيــر الـــجـــزائـــر لـــدى لبنان. ومع أن كتابه المعنون «مذكرات الرئيس علي كـافـي. مـن المناضل السياسي إلــى القائد الــعــســكــري» يُــعـتـبـر وثــيــقــة تــحــوي الـصـفـحـات بالجداول وبالوثائق والمراسلات التي معظمها بخط اليد، فضلا عن وثائق مطبوعة على الآلة الكاتبة التي لم تكن تطورت إلى ما هي عليه في الزمن الحالي. وكان أمرا لافتا أن هذه المذكرات ما لبثت أن ارتأى صاحبها لتحفظات من رفاق الــثــورة الـجـزائـريـة الاكـتـفـاء بكتابتها وصــدور طبعة واحدة لها. خلاصة القول إن كتابة المذكرات من جانب قـــادة حكموا وتــرأســوا، وكـانـت لهم مـواقـف في مـسـيـرة الـعـمـل الـسـيـاسـي الـعـربـي، هــي بمثابة تنوير خصوصا أن أحكاما ظالمة في حق بعض هؤلاء تحدُث في غياب كتابة المذكرات... وعلى نحو ما يفعله رؤساء غربيون حيث ظاهرة هذه المذكرات مزدهرة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بشكل خاص. مر بنا استنكار محمد وهبي استعمال أنيس فريحة لـفـظـة «حـــضـــارة» فـــي عـــنـــوان كـتـابـه «حـــضـــارة فـــي طـريـق الـــزوال: القرية اللبنانية». ومـر بنا تسويغ أنيس فريحة استعمال هذه اللفظة بأنه يوثر إطلاق لفظة «الحضارة» على الناحية الروحية من المدنية لسبب أبــداه. وكنت في مناقشتي لهذا السبب قد أظهرت زيفه. سأستكمل في هذا المقال النقاش أو المناقشة. نعم في القرية اللبنانية تتوفر الناحية الروحية، لكن ليس في تاريخها أي «مدنية» أو «حضارة» تذكر. والمدينة في لبنان -وعلى رأسها بيروت- لا تفتقر إلى هذه الناحية. فالناحية الروحية تتوفر فيها، وتشمل كل لبنان. إنه مثل الإسلاميين الذين يجرّدون الحضارة الغربية من القيم الروحية، ويختزلون صورتها في العلم والتقنية. فهو يُجرّد المدينة في لبنان من القيم الروحية، ويحرمها مــمــا يـسـمـيـه فـــي الــفــصــل الــثــانــي مـــن كــتــابــه بــ«الـفـضـائـل اللبنانية» التي يتصف بها -كما قـال- أكثر سكان القرى اللبنانية! العلمانية في لبنان ليست لها السيادة، بحيث يجوز الـحـديـث عــن تــآكــل الـقـيـم الــروحــيــة فــي مـــدن لـبـنـان، وهـو الحديث الذي كان يجري عن المدينة الأوروبية الصناعية. «الـعـائـلـة الـروحـيـة» مصطلح خــاص بالمسيحية إلا أنه في لبنان حدث تعميمه. فيقال «العائلات الروحية»، والمقصود بهذا التعبير هو الطوائف الدينية. فــــي الأحـــــــــوال الــشــخــصــيــة لـلـمـسـيـحـيـن فــــي لــبــنــان محاكم تسمى «المحاكم الروحية». المارونية لها محاكمها الروحية. والأرثــوذكــس والبروتستانت لهما محاكمهما الروحية. إن مــوضــوع كـتـابـه هــو الـــعـــادات والـتـقـالـيـد المتعلق منها بناحية دينية وناحية اجتماعية وناحية معاشية، والمــعــتــقــدات الـشـعـبـيـة والــخــرافــيــة والمـــأثـــور الـشـعـبـي في الـقـريـة اللبنانية. وهـــذه المـوضـوعـات هـي مـن «الـثـقـافـة»، وليست من «الحضارة» بالمعنى العلمي الحديث. فـي «الـحـضـارة» هـنـاك تـاريـخ نـشـأة، وهـنـاك مراحل تـــطـــور أو صــــعــــود، وهــــنــــاك مــــراحــــل هــــبــــوط، وتــعــتــورهــا أزمـات ومــآزق. ومن مظاهرها حكومة إداريــة ذات قوانين تـنـظـيـمـيـة، وتــركــيــبــة اجـتـمـاعـيـة طـبـقـيـة، ولـــغـــة مـكـتـوبـة وعمران ببنيان باذخ. لا يــوجــد شـــيء مــن هـــذا فــي «حـــضـــارة» قــريــة أنيس فــريــحــة الــتــي يــقــول عــنــهــا: إنــهــا آخــــذة فـــي الـــــــزوال. فـهـذه المسائل لا تكون إلا في المدنيات أو الحضارات. يـــقـــول أنـــيـــس فـــريـــحـــة فــــي مــســتــهــل الـــفـــصـــل الــثــالــث مـن كـتـابـه: «لا نعلم علم اليقين كيف كـانـت نـشـأة القرية الــلــبــنــانــيــة الأولـــــــى. صــمــت تـــاريـــخـــي عــمــيــق يُــخــيــم فــوق ربــوعــهــا. فـــإن الآثـــــار الـتـاريـخـيـة -مــقــابــر، أنــصــبــة، بقايا هياكل، نقوش كتابية- تكاد تكون معدومة في أكثر القرى اللبنانية. أمــا الـسـجـات والـوثـائـق والـعـامـة -إن وجــدت- فحديثة العهد... وقل أن نجد في القرى اللبنانية الجبلية من يذكر اسـم أبـي الجد، ومنهم لا يذكر اسـم الجد. فكأن القروي لا يحفل بالماضي، ولا يهتم بالتاريخ، فإن من كان همّه تفتيت الصخر ليستخرج من الصخر طعاما لا يحفل بالماضي». جملته «الآثار التاريخية تكاد تكون معدومة في أكثر القرى اللبنانية» وضـع لها هامشاً، قـال فيه: «فـي لبنان آثار قديمة مصرية وفينيقية وبابلية - آشورية ورومانية إغـريـقـيـة، ولـكـن أكـثـر هـــذه الآثــــار فــي المنطقة الساحلية، وعـــلـــى وجــــه الــتــدقــيــق فـــي المـــــدن الــقــديــمــة وفــــي جـــوارهـــا. تجد وصفا لهذا في كتاب أرنست رينان المشهور (بعثة فينيقيا) وكذلك في كتاب الأب لامنس (تشريح الأبصار)». وهذا إقرار ضمني منه بأن التاريخ الحضاري الموغل في الزمن يعثر عليه في ساحل لبنان، وليس في قرى جبل لـبـنـان. أوضــح أنيس فريحة فـي مقدمة كتابه أن تاريخ الـقـريـة اللبنانية قـائـم على تقليد شفهي يتناقله أهلها جيلا عن جيل، وأن مصدره فيه معرفته الشخصية للقرية اللبنانية، وشيوخ القرية وعجائزها. وهذا المصدر مصدر يعتد به في تدوين حياة القرية فـي مـنـاح شـتـى، ولا ضير أن يـكـون هـو المـصـدر الوحيد. ذلك لأن تاريخها تاريخ أمي يفتقر إلى السجلات والوثائق المكتوبة، ومجتمعاتها مجتمعات أمية. وبما أن تاريخها تـاريـخ أمــي، ومجتمعاتها ورثـت الأمية من هذا التاريخ، فإن من المكابرة والمغالطة استعمال لفظة «حـضـارة» في الحديث عن ثقافة أو فلكلور القرية اللبنانية. فــــي اســـتـــعـــراضـــه الـــتـــاريـــخـــي لــلــفــظــتــي «حــــضــــارة» و«ثـقـافـة» فـي اللغات الأوروبــيــة وفــي الاصـطـاح العلمي الــــحــــديــــث، يـــقـــول قــســطــنــطــن زريــــــق عــــن الـــلـــفـــظـــة الأولـــــى فــي كـتـابـه «فـــي مـعـركـة الـــحـــضـــارة»: «ولــئــن حــــاول بعض إلى معنى Culture الكتاب تحويلها، كما فعلوا بقرينتها أنــثــروبــولــوجــي صِـــــرف، أي لــلــدلالــة عـلـى حــيــاة المجتمع بــكــامــلــهــا، ســـــواء أكـــــان هــــذا المــجــتــمــع راقـــيـــا أم غــيــر راقٍ، (حضارة بدائية)، فإن Primitive Civilization ً فقالوا مثلا المعنى الأول، أي المجتمعات المتصفة بالتقدم والرقي (أو التحضر) يظل هو الشائع». وأرجــــو ألا يفهم الـــقـــارئ مــن خـــال هـــذا الاسـتـشـهـاد أنني أصنّف مجتمع القرية في لبنان بأنه مجتمع بدائي. فــهــذا المـجـتـمـع -عــلــى أمــيــتــه فـــي مــاضــيــه- هـــو مــثــل غـيـره مـــن مـجـتـمـعـات الـــشـــرق الأدنـــــى المـتـخـلـفـة يـصـنـف -حـسـب عـلـم الاجـتـمـاع الـتـاريـخـي وعـلـم الأنـثـروبـولـوجـيـا- ضمن المجتمعات التاريخية وليس ضمن المجتمعات البدائية. للتفرقة بين «ثقافة» و«حضارة» يمكن القول بأن «الثقافة» تشمل الـجـانـب المـعـنـوي الـــروحـــي، وبـأنـهـا تنمو بتراكم بطيء تتكون به ومن خلاله شخصية مجتمع معين. أما «الحضارة» فهي تشمل الجانب المادي العملي المَعيش في المجتمعات. وهــذا الجانب يسهل انتقاله إلـى مجتمعات أخرى وتفاعلها معها. في الشعر، فصيحه وعاميه، وفـي الغناء في لبنان ثــمــة ظـــاهـــرة بـــــــارزة، وهــــي تـمـجـيـد «الـــضـــيـــعـــة». وكــانــت المسرحيات الغنائية الرحبانية (فيروز وعاصي ومنصور الرحباني) ذروة هذه الظاهرة. في كتابها «يوتوبيا المدينة المثقفة»، تناولت خالدة سـعـيـد فـــي الــفــصــل الـــثـــانـــي مــنــه هــــذه الـــظـــاهـــرة بـالـتـأمـل والـــدراســـة. وقـــد أوقــفــت الــقــارئ عـلـى جــذورهــا وأسبابها وروافدها. وقـد اخـتـارت لهذا الفصل عنوانا معبرا ودقيقا هو «القرية الفاضلة: المشروع الرحباني الفيروزي». موضحة أنها سكّت هذه التسمية على غرار «المدينة الفاضلة». «تمجيد الضيعة» الرومانتيكي في الأغاني اللبنانية تتخلله أحيانا مجافاة المدينة وظلمها. بعض أبناء المـدن في بلدان الشام من ذوي الأصـول المدنية يتبرمون من تمجيد «الضيعة» على حساب المدينة وأسطرة الحياة «الضيعوية». وفي حدود متابعتي قرأت من عقد مقالا للحكواتية، بـنـت مـديـنـة حـيـفـا، ديـنـيـس أسـعـد عـنـوانـه «بـنـت المدينة والفلاحون»، روت فيه حكاية انزعاجها من أغنية قديمة لـــوديـــع الــصــافــي مـــن صــغــرهــا، هـــذه الأغــنــيــة هـــي أغنيته القديمة «الله يرضى عليك يا ابني». وكانت كلمات الأغنية: «ليلى يا ابني إن جارت الأيام بتعييش ع الزيتون والجبنة... وبنت المدينة بدّها خدّام وغـيـر عـلـى ريـــش نـعـام مــا بــتــنــام»، يـشـعـرهـا -كـمـا قـالـت- بـبـعـض الــغــيــرة وبــعــض الإهــــانــــة. فــتــصــدت لـتـفـنـيـد هــذه المـفـاضـلـة فــي هـــذا الـبـيـت فــي أكـثـر مــن وجـــه اسـتـنـادا إلـى تجربتها الشخصية. مع أن كتاب أنيس فريحة «حضارة في طريق الزوال: الـقـريـة الـلـبـنـانـيـة» صـــدر فــي الــعــام الـــذي بـــدأ فـيـه المـسـرح ، فإن هذا الأمر لا يعدو 1957 الغنائي الرحباني، وهو عام عن كونه مصادفة. أميل إلى أن أنيس فريحة لم يشرع في الإعـداد لمادة الــكــتــاب قـبـل ســـنـــوات قـلـيـلـة مـــن عـــام صـــــدوره. فـفـي ظني أنـــه بـــدأ يجمع بـعـض مــادتــه مــذ كـــان طـالـبـا فــي الجامعة الأميركية في عقد العشرينات الميلادية من القرن الماضي. ولا أعـلـم مـا مــدى استفادته فـي الكتاب مـن رسالته للدكتوراه (أفعال رباعية من لهجة رأس المـن في لبنان) .1935 التي أنجزها في جامعة شيكاغو عام في مقدمة كتابه، وفي الفصل الثاني منه (الفضائل اللبنانية)، يظهر بوضوح اتجاهه الآيديولوجي. اتجاهه الآيديولوجي قائم على آيديولوجية كيانية لبنانية. وهذه الآيــديــولــوجــيــة تقسيمية وانـقـسـامـيـة. فـلـبـنـان سكانياً، ينقسم إلى أصليين ووافدين، قدماء ومحدثين. الأصليون والــقــدمــاء هــم ســكــان الــجــبــل، والــــوافــــدون والمــحــدثــون هم سكان الساحل. وهذه هي أقواله: «إننا حرصنا على أن نُــدوّن ما نظنه مشتركا عاما أو ما يكاد يكون مشتركا عاما بين سكان لبنان: النصارى والدروز». «لـــم نــأخــذ المـسـلـمـن فـــي هـــذه الــــدراســــات فـلـكـلـوريـا، لأنهم في نظرنا يختلفون فلكلوريا عن سكان لبنان القديم -الــنــصــارى والـــــدروز- اخـتـافـا بـيّــنـا. لــم يسكن المسلمون القرى، وليس في حياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية ما يُشبه الحياة القروية. احتفظ المسلمون بالساحل والمدن. وإن في بعض القرى اللبنانية أفــراد مسلمون مبعثرون هــنــا وهــــنــــاك، فــــإن عــــــادات هـــــؤلاء لا تـخـتـلـف عـــن عــــادات جيرانهم من النصارى والدروز». «إن ما يصدق في قرية نائية في جـرود صفين، وما يقال عن الدروز في بعض الأمور لا ينطبق على النصارى، وما يقال عن الموارنة لا يصدق في الشيعة الذين يقطنون لـبـنـان الـقـديـم (قـبـل أن تُــضــاف إلـيـه مـنـاطـق لــم تـكـن زمـن الأتراك من لبنان)». «يحسن بجامع الفلكلور اللبناني أن يأخذ السكان فــي أربـــع فــئــات: المـــوارنـــة، والـــــروم الأرثـــوذكـــس، والـــــدروز، والمتاولة (الشيعة)، فيدرس المشترك بينهم». ويــفــهــم مـــن الـــقـــول مـــا قــبــل الأخـــيـــر أنــــه يــــدرج بعض الشيعة ضمن سكان لبنان القدماء. في قوله: «لم يسكن المسلمون القرى»، وضع هامشاً، قـــال فـيــه: «نـبـهـنـي الأســـتـــاذ يـوسـف يــزبـك إلـــى أن بـيـروت الـقـديـمـة كــانــت داخــــل الـــســـور. أمـــا ضـــواحـــي بـــيـــروت مثل الأشـــرفـــيـــة والمـصـيـطـبـة ورأس بـــيـــروت فــقــد كــانــت مــــزارع تعيش على (شَيل القز) والزراعة كسائر القرى اللبنانية. وكان أبناء الضواحي كاللبنانيين القرويين في معايشهم وعـاداتـهـم». وأضيف أن مدينة بيروت إلـى الخمسينات وأول الـسـتـيـنـات المــيــاديــة احـتـفـظـت فــي بـعـض أحيائها بـالـطـابـع الـريـفـي أو الـــقـــروي. وهــــذا مــا يـتـضـح مــن صـور فوتوغرافية أرشيفية. وللحديث بقية. فؤاد مطر علي العميم *بنجامين والاس OPINION الرأي 14 تمجيد «الضيعة» ومجافاة المدينة في لبنان أهمية تدوين المذكرات السياسية «البودكاست» الذي جذب صناع الذكاء الاصطناعي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky