كـــوبـــا، أكــبــر دول الـبـحــر الــكــاريــبــي مـــن حيث المساحة، هي عبارة عن أرخبيل من الجزر الواقعة شـــمـــال الــبــحــر الــكــاريــبــي الــفــاصــل مـــا بـــن أمـيـركـا الشمالية وأميركا الجنوبية، عند التقاء المكسيك مع المحيط الأطلسي. إلــى أن 2026 تشير الــتــطــوّرات فـي أوائـــل عــام العين الأميركية معلقة على هافانا كملف رئيسي، حيث اتّهمت إدارة ترمب كوبا بمساعدة روسيا في أوكرانيا عبر إرسال مقاتلين إليها، ما يبرّر تكثيف الضغوط. ومطلع هـذا الـعـام أخـذ يشهد تصعيدا كبيرا من قِبل الإدارة الأميركية بضغط شديد على الاقـتـصــاد الـكـوبــي، وذلـــك بـفـرض رســـوم جمركية عـلـى الــــدول الـتـي تــــزوّد كـوبـا بالنفط بـهـدف وقـف الإمــــــدادات الـحـيـويـة، مــا يـفـاقـم الــوضــع الإنـسـانـي والاقتصادي مسبّبا في الجزيرة الكوبية أزمة طاقة حـــادّة ونقصا فـي السّلع الأسـاسـيـة، وســط مساع أميركية لإحداث تغيير سياسي. لذلك تتّسم الـعـاقـات الدبلوماسية الحديثة بــــن الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة وكــــوبــــا بـــالـــبـــرود نـتـيـجـة الــــصــــراع الـــتـــاريـــخـــي واخــــتــــاف الآيـــديـــولـــوجـــيـــات السياسية. وقـد استأنفت الدولتان أميركا وكوبا ،2015 ) يوليو (تموز 20 العلاقات الدبلوماسية في . حيث بـدأت فترة التوتر 1961 بعد انقطاعها عام والــعــداء الـشـديـد مـع الـحـرب الــبــاردة بـن الـولايـات المـتـحـدة وكـوبـا فـي أوائـــل ستينات الـقـرن الماضي ، وشـــهـــدت 1959 بـــعـــد ثــــــورة فـــيـــدل كـــاســـتـــرو عـــــام ذروتها خلال أزمة الصواريخ النووية السوفياتية فـــي عهد 1962 فـــي أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن الأول) عــــام الرئيس جون إف كينيدي. استمرت التوترات لأكثر مــن نـصـف قــــرن، بــــدءا بــغــزو خـلـيـج الـخـنـازيـر عـام خـال عهد 2015 حتى تطبيع العلاقات فـي 1961 الرئيس باراك أوباما. اتّـــهـــم الـــرئـــيـــس الـــكـــوبـــي مــيــغــال ديـــــاز كـانـيـل الرئيس ترمب بالسعي إلى خنق اقتصاد الجزيرة بفرض رسوم جديدة على الدول التي تزوّد هافانا بالنفط بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث كانت كــوبــا تــســتــورد مـعـظـم نـفـطـهـا مـــن فــنــزويــا خــال عهد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مـــادورو، الـذي كـان أقــوى حليف لكوبا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي. بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، أعلن الرئيس ترمب السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي، وقرّر وقـف شحنات النفط إلـى كوبا، محدثا أسـوأ أزمة اقــتــصــاديــة وحـــصـــارا اقــتــصــاديــا شـــامـــا (تـجـاريـا 6 ومــالــيــا) مـــر بـهـا الـشـعـب الــكــوبــي مـنـذ أكــثــر مــن 20 عقود، نتج عنها انقطاع للتيّار الكهربائي إلى ساعة أو أكثر في اليوم، ونقص في الغذاء والدواء، في وقت ما زالـت فيه المكسيك تـزوّد كوبا بالنفط، وقد حذّرت رئيستها كلوديا شينباوم من أن فرض واشنطن رسوما تجارية على الدول المصدّرة للنفط يُنذر بأزمة واسعة النّطاق تؤثّر بشكل مباشر على الإمــــدادات الغذائية والـخـدمـات الأساسية الأخـرى والمـسـتـشـفـيـات والـعـمـلـيـات الـــجـــراحـــيـــة... للشعب الكوبي الذي هو بأمس الحاجة إليها. اتّــهـم الرئيس تـرمـب الحكومة الكوبية بدعم قـــوى أجـنـبـيـة مــعــاديــة وجــمــاعــات مـسـلّــحـة عـابـرة للحدود، من بينها روسيا والصين وإيران وحركة المــقــاومــة الإســامــيــة (حـــمـــاس) وغــيــرهــا. كـمـا زعـم الأمــــر الـتـنـفـيـذي لـحـالـة الـــطـــوارئ وفــــرض الــرسـوم أن كوبا تستضيف قـدرات أجنبية متقدمة، وأكبر مـــنـــشـــأة روســــيــــة لاســـتـــخـــبـــارات الإشـــــــــارات خــــارج الأراضــــــي الـــروســـيـــة، وتـــوسّـــع تــعــاونــهــا الــدفــاعــي والاستخباري مع الصين. وفــــي هــــذا الـــســـيـــاق، لـــم تــكــن رغـــبـــة الـــولايـــات المتحدة في غزو كوبا أو السيطرة عليها وضمّها فكرة جديدة. فالتاريخ الطويل بينهما يلقي الضوء على المــحــاولات الـعـديـدة التي قامت بها الـولايـات المتحدة لإنجاز ذلـك، حيث تمحورت العلاقات في أوائــل القرن التاسع عشر حـول التجارة الواسعة، قــبــل أن تــتّــضــح الـــصـــورة بـشـكـل واضـــــح وصــريــح بـضـم كـوبـا إليها. إمــا بشرائها أو بشكل ودّي أو الاستيلاء عليها بقوة عسكرية. اتّـــســـمـــت الـــعـــاقـــات الأمـــيـــركـــيـــة الـــكـــوبـــيـــة فـي ) بالعداء الشديد 2005-1959( عهد فيدل كاسترو والـقـطـيـعـة الــدبــلــومــاســيــة. أضـــف إلـــى ذلـــك تأميم كـوبـا لـأصـول الأمـيـركـيـة، وتحالفها مـع الاتـحـاد السوفياتي، وفـــرض واشـنـطـن حـصـارا اقتصاديا . حـقـبـة مــــرّت خـالـهـا مــحــاولات 1962 شــامــا عـــام أميركية لإطاحة كاسترو مثل غزو خليج الخنازير وأزمـــــة الـــصـــواريـــخ الــنــوويــة الــروســيــة الــتــي كـــادت تــــؤدي إلــــى حــــرب بـــن دولـــتـــن نــوويــتــن عظميين (أميركا وروسيا). )2016-2014( فـي عهد الرئيس بـــاراك أوبـامـا انتعش الاقـتـصـاد الـكـوبـي بعد حـــدوث انـفـراجـات واسعة تميّزت بتخفيف قيود السفر والتحويلات المـالـيـة، وتنشيط قطاع السياحة، وزيـــادة رحـات الــطــيــران والــســيّــاح الأمـيـركـيـن، وبــالــرغــم مــن رفـع كــوبــا عــن قـائـمـة الــــدول الــراعــيــة لـــإرهـــاب، استمر الحظر على الجزيرة. وتميّز عهده بزيارة أوباما .2016 مارس (آذار) عام 21 و 20 إلى كوبا في -2017( أمــــا فـــي عــهــد الـــرئـــيـــس تـــرمـــب الأول ) فــــقــــد شــــهــــد الاقـــــتـــــصـــــاد الــــكــــوبــــي حـــظـــرا 2021 اقتصاديا وعقوبات مشدّدة، وخنق قطاع الطاقة والــخــدمــات، وتقييد السفر والـتـحـويـات المالية، والأهم إدراج كوبا في قائمة الإرهـاب مجدّداً. أما الآن فالأمر في تفاقم. Issue 17332 - العدد Tuesday - 2026/5/12 الثلاثاء أغلب الظن أن «حـزب الله» لم ولـن يندم على ما فعله بلبنان من آثام، توَّجها بنكبة أنزلها ببيئته، يلمس المواطن اليوم بداياتها التي تفوق القدرة على الاستيعاب. ما هو ملموس من ارتكاباته لا يعدو خروجا على المشروع الذي ارتــبــط بــه تـأسـيـسـه ووجـــــوده والاســتــثــمــار الإيـــرانـــي فيه. فعندما وصفه آية الله محتشمي، الذي كانت الـولادة على يديه، بأنه «جزء من مؤسسات إيـران الأمنية والعسكرية» فإنه خلال العقدين الأخيرين لبَّى متطلبات هذا «التكليف» خدمة لأطماع نظام الملالي، وفي الوقت عينه بهدف إنضاج ظروف قيام لبنان مغاير لكل ما عاشه ويعرفه أهله، وهو أمـــر تـطـلَّــب عـــزل الـبـلـد الـصـغـيـر، وفـــك كــل أواصــــر عـاقـاتـه بأشقائه وأصدقائه. الكارثية، أعلن حسن 2006 ) فغداة حرب يوليو (تموز : «إن رغبة 2006 ) ديسمبر (كانون الأول 18 نصر الله يـوم (حزب الله) هي إقامة جمهورية إسلامية يوماً» كجزء من دولــة ولايــة الفقيه، فـ«إقامة حكومة إسلامية هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار»، حتى «في مجتمع متكون من أقليات متعددة»! مــــــارس (آذار) المـــــاضـــــي، إثـــــر إطــــــاق الـــحـــزب 2 يـــــوم صواريخ، توقف مجلس الوزراء أمام السؤال المفتاح: كيف يمكن أن تـقـوم الــدولــة المكتملة السلطة والـسـيـادة فـي ظل تنظيم مسلح يقوده أناس، هو جزء من منظومة عسكرية إقــلــيــمــيــة، ارتـــبـــط وجــــــوده بــخــدمــة أهـــدافـــهـــا ومــشــروعــهــا التوسعي؟ ووصــف رئيس الجمهورية إطــاق الصواريخ بــأنــه لـــم يـكـن «دفـــاعـــا عـــن لــبــنــان، ولا حـمـايـة لـلِّــبـنـانـيـن»، محذرا من أن هذا الحدث «منح الذريعة لإسرائيل لتدمير ما تبقَّى قائماً». وأعلن رئيس الحكومة قرار مجلس الوزراء بـ«الحظر الفوري لنشاطات (حزب الله) الأمنية والعسكرية بوصفها خارجة عن القانون». استُتبع هـذا الـقـرار بـآخـر، أسقط الشرعية عـن أعــداد من «الحرس الـثـوري»، وُجــدوا في لبنان بـجـوازات مـزورة، استهدفوا قـبـرص، ويتولون العمليات العسكرية، وطلب الــقــرار توقيفهم لترحيلهم. وأُعــيــد التمسك بالمفاوضات المــبــاشــرة مـــع إســـرائـــيـــل، عـلـى قـــاعـــدة رفـــض زج لـبـنـان في الـحـرب الإسرائيلية- الإيـرانـيـة؛ حيث يقضم الأول الأرض لفرض إمـاءاتـه، ويحاول الثاني توظيف البلد في خدمة مـصـالـحـه. أكـــدت هـــذه الـــقـــرارات رفـــض جـعـل لـبـنـان ساحة لحرب الآخرين: العدو الإسرائيلي يحتل ويحوِّل القرى إلى ركام وغبار، في مخطط آثم يعيد رسم العلاقة بين الأرض وأهلها، والإيــرانــي «يشاغل» عبر فيلقه اللبناني المسمَّن بأعداد من مرتزقة «الحرس الثوري»، ومع تأكيد أن للدولة اللبنانية حقا حصريا في أن تفاوض لمنع تفاقم الهزيمة، ووقــــف هــــدر دمــــاء المـــواطـــنـــن، فـأسـقـطـت الادعــــــاء بـــ«حــق» مزعوم للدويلة في التفاوض، استند إلى تواطؤ مع السلاح اللاشرعي! حــســاب الـنـتـائـج مــــروع، فـقـد كــانــت هــنــاك بـعـد كـارثـة نقاط محتلَّة، ومع انتصاف الشهر الثالث 5 «إسناد» غزة على الحرب على لبنان يحتل العدو الإسرائيلي مباشرة بلدة وقرية 70 في المائة من مساحة لبنان، ضمنها 10 نحو في الجنوب، ويسيطر بالنار على مثلها في عمق يصل إلى 20 كيلومتراً. واللافت أن العدو الإسرائيلي قاتل 40 نحو كيلومترا 365 شهرا للاستيلاء على قطاع غزة، ومساحته كيلومتر مربع من جنوب 900 مربعاً، بينما احتل أكثر من يـومـا، مـا أدى إلــى الاقــتــاع القسري 40 لبنان فـي أقــل مـن لنحو مليون ومائتي ألف إنسان. ألـفـا منذ 25 مخيف هــو عـــداد الـضـحـايـا الـــذي لامـــس ألـــف جــريــح. بينهم ضحايا 30 «إســـنـــاد» غـــزة، وأكــثــر مــن آلاف فـي حرب 5 » «الفيلق اللبناني» وهــم وفــق «الأخـــبـــار خلال وقف النار 500 آلاف جريح، و 10 «الإسناد» الأولى، و آلاف جــريــح، وأكــثــر مــن ألــفــن فــي «الإســـنـــاد» الـثـانـيـة، 3 و آلاف جريح، والمفجع أكثر مقتل فتية أعمارهم بين 5 ونحو سنة، ما يؤكد انعدام كل قيمة للأرواح، ويتأكد أن 16 و 14 لا أولوية تفوق خدمة المصالح الإيرانية! وفـــي حـسـاب الـنـتـائـج، هـنـاك إبــــادة عـمـرانـيـة وحــرب هدفها محو الذاكرة. لقد تم تدمير شروط العيش. مُسحت الـــبـــلـــدات وصــــــارت عـــدمـــا. لا شــــيء إلا الــــركــــام، لا مــعــالــم، لا طــرقــات، لا كـهـربـاء، لا مـيـاه، لا حـقـول ولا مـاشـيـة، فقد انتهت الدورة الاقتصادية. وفي مسح عشرات البلدات عن الخريطة يـزيـل الـعـدو الإسـرائـيـلـي مـا يـربـط الانـتـمـاء إلى هذه البلدات. يمسح ذاكـرة تاريخية لعمارة تراثية تعود إلى الحقبة العثمانية، وأسواق حفظت التراث، وساحات ومساجد ومقابر صارت عدماً. كانت الأعمار معلَّقة على جـدران المنازل فباتت رمــاداً. ويسأل الناس: هل سنعود؟ وإن عدنا فماذا سنجد؟ هل سنتعرف إلى المكان؟ الأسئلة كــثــيــرة، مـــع الـــخـــوف مـــن مــعــالــم إعـــــادة هــنــدســة جـغـرافـيـة وسكانية. تـصـف الـكـاتـبـة هـنـاء جـابـر الإبـــــادة الـعـمـرانـيـة بأنها «تقوِّض العلاقة مع الأرض». هناك هدم مبرمج يخلق فراغا يفتح باب سيطرة تعيد تعريف المكان. وكل يوم تستمر فيه الحرب على لبنان، مع إعـان «حـزب السلاح» عـدم تمسكه بـــــالأرض، تـتـفـاقـم الـهـزيـمـة، ويـتـسـع الــعــدم الــــذي يتحضر متطرفو العدو لملئه! الــجــاري، تنعقد جـولـة مـفـاوضـات مهمة 15 و 14 فـي فـي واشـنـطـن. الـطـريـق شـــاق، والــهــدف الأبـــرز للبنان وقف هـدر الدماء وحماية المتبقي من عمران. وقـف الاعـتـداءات، والانسحاب، واستعادة الأسرى، والعودة، وحفظ الحدود. عناوين معطوفة على التمسك بالقرارات الدولية، واتفاق «الـــهـــدنـــة بـــلـــس»، أي الــــخــــروج نــهــائــيــا مـــن حـــالـــة الـــحـــرب، بالذهاب «لاتفاق أمني يُستكمل باتفاق سلام تحت المبادرة العربية لـلـسـام» وفــق مـا أكـــده الـرئـيـس نـــواف ســـام. هنا يرتدي النجاح على الأرض بجعل «بيروت آمنة خالية من السلاح» أولوية مطلقة في تعزيز أوراق المفاوض اللبناني، وإل «لات ساعة مندم»! مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، نشأ جدل واسـع في مراكز الأبحاث وخـزانـات التفكير المتخصصة حـول الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب، وهي استراتيجية تضمنت مفاجأة من العيار الثقيل: خسرت الـتـنـظـيـمـات الــجــهــاديــة المــســلــحــة الـــصـــدارة وصــعــدت عـصـابـات المـــخـــدرات «الــكــارتــات» إلــــى مــقــدمــة قــائــمــة الـــتـــهـــديـــدات، فـأصـبـحـت شـبـكـات تـهـريـب المـــخـــدرات تـهـديـدا إرهـابـيـا يـفـوق خـطـورتـه التنظيمات المـسـلـحـة. غير أن اللافت الحقيقي هو الربط بين الجريمة المـنـظـمـة ومــلــف الــهــجــرة غــيــر الــشــرعــيــة في رؤيـــــة أمــنــيــة مــتــكــامــلــة، فـــضـــا عـــن تـوسـيـع مفهوم الإرهـــاب ليشمل ما وصفته الوثيقة بـ«اليسار العنيف» والجماعات الفوضوية والراديكالية في الداخل الأميركي. عــلــى المـــســـتـــوى الـــنـــظـــري، تـنـتـمـي هــذه الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة إلــــــى مــــا يــســمــيــه الـــبـــاحـــث الأمـــيـــركـــي بـــــاري بــــــوزان «أمـــنـــنـــة الــــداخــــل»؛ أي تــحــويــل قــضــايــا اجــتــمــاعــيــة وسـيـاسـيـة كـالـهـجـرة والــهــويــة الـثـقـافـيـة إلـــى تـهـديـدات أمــــنــــيــــة وجـــــــوديـــــــة تــــســــتــــوجــــب اســـتـــجـــابـــة اســــتــــثــــنــــائــــيــــة. وهــــــــــذا تـــــحـــــول جــــــــــذري عــن الاســــتــــراتــــيــــجــــيــــات الأمــــيــــركــــيــــة المـــتـــعـــاقـــبـــة؛ فــاســتــراتــيــجــيــة بــــوش الابـــــن بــعــد سبتمبر قامت على نظرية «الدومينو الإرهابي» - أي أن هزيمة الإرهـــاب فـي أفغانستان والـعـراق ستمنع وصــولــه إلـــى نـيـويـورك وواشـنـطـن، وهو رهان أثبت التاريخ هشاشته. أوباما جاء بمقاربة مختلفة تجمع بين الضربات الخاطفة التي وصفت بالتدخلات الخارجية والانـخـراط الدبلوماسي وبرامج مــكــافــحــة الـــتـــطـــرف، لـكـنـهـا بـقـيـت مـحـكـومـة بفكرة أن الإرهـــاب ظـاهـرة عالمية تستوجب معالجة عالمية. أما بايدن فقد حاول الموازنة بـــن الانـــســـحـــاب الــعــســكــري والـــحـــفـــاظ على الـفـاعـلـيـة الاســتــخــبــاراتــيــة إلا أن انـحـسـابـه الـــكـــبـــيـــر الــــفــــوضــــوي مــــن أفـــغـــانـــســـتـــان أفــقــد الاستراتيجية مصداقيتها. وثيقة ترمب تقوم على فرضية مغايرة تماماً: الإرهاب الذي لا يهدد الداخل الأميركي مباشرة هو شأن الدول التي ينشط فيها ولا علاقة لواشنطن به، كما تنص الاستراتيجية الـتـي نُــشـرت قبل أيـــام بـوضـوح على تراجع كبير في الاهتمام الأميركي بملف الإرهـاب العالمي لصالح التركيز على الــداخــل، وهو الانتقال من الحرب العالمية على الإرهاب إلى حرب حماية الأراضي الأميركية؛ والغريب أن تسبيب الوثيقة لهذا التحول جاء من زاوية النفط حيث تزعم بأن الاعتماد الأميركي على نفط الخليج والشرق الأوسط لم يعد مركزيا فـــي اســـتـــقـــرار الاقـــتـــصـــاد الأمـــيـــركـــي مـقـارنـة بــالــعــقــود الــســابــقــة. ومــــن هــنــا فــــإن الـتـركـيـز سينصب على الضربات المحدودة والسريعة والعمليات الاستخباراتية والسيبرانية مع التخلي التام عن مشاريع التحول السياسي والــديــمــقــراطــي الــتــي اسـتـنـزفـت تـريـلـيـونـات الدولارات دون عائد استراتيجي واضح. عـــلـــى مـــســـتـــوى الـــتـــنـــظـــيـــمـــات، لا تــــزال «الــقــاعــدة» و«داعــــش» تـتـربـعـان عـلـى عـرش مـؤشـر الخطر فـي الـتـهـديـدات الــقــادرة على تــنــفــيــذ عـــمـــلـــيـــات خـــارجـــيـــة ضــــد المـــصـــالـــح الأميركية؛ لكن الاستراتيجية نصّت أيضا على تـحـول بـالـغ الأهـمـيـة: تنتقل واشنطن فـــيـــه مـــــن مـــــشـــــروع الــــقــــضــــاء الــــشــــامــــل عـلـى الإرهـاب إلى إدارة التهديدات الأكثر تأثيرا على داخلها. ومـع أن الوثيقة تقر بــأن أفريقيا باتت الحديقة الخلفية الأخطر لعودة التنظيمات الـجـهـاديـة بعد انـهـيـار مـشـروع الـخـافـة في العراق وسوريا، حيث يتم استبدال مناطق الـتـوتـر الـقـديـمـة بـغـرب أفـريـقـيـا والـصـومـال وبحيرة تشاد، إلا أن واشنطن وفقا للوثيقة وبعبارة صريحة لا مواربة فيها: لا تفكر أبدا في الدخول فيما وصفته بالحروب الأبدية، وأنــــهــــا يــمــكــن أن تــكــتــفــي بـــشـــراكـــات أمـنـيـة بسيطة في مقابل أن يرمى العبء الأكبر على الدول المحلية والحلفاء. حـــالـــة الــنــضــج الـحـقـيـقـيـة فـــي الـوثـيـقـة تتجلى في التخلي عن القناعات الساذجة تـــجـــاه جـــــذور الإرهـــــــاب، والإشـــــــارة بـأصـبـع الاتــهــام إلـــى الإســـام الـسـيـاسـي، خصوصا «الإخوان المسلمين» التي اعتبرتها الوثيقة الـبـنـيـة الــفــكــريــة المـنـتـجـة لـلـعـنـف المـنـتـسـب إلـــى الإســـــام، وهـــو مــوقــف يـتـقـاطـع مـــع ما طـــالمـــا طـــرحـــتـــه دول الــخــلــيــج ومـــصـــر مـنـذ ســـنـــوات قــبــل أن تــصــل واشــنــطــن إلــــى هــذه الــــقــــنــــاعــــة. ومــــــن هـــنـــا تــــربــــط الـــوثـــيـــقـــة بـن «الإخـــــوان» ومـعـظـم الـتـنـظـيـمـات الـجـهـاديـة الحديثة، ما يعني توسيع الجانب الفكري والآيديولوجي دون الاقتصار على الجانب التنفيذي المسلح. هنا لغة مختلفة ومثيرة للاهتمام في الوثيقة التي تتحدث عـن حماية الحضارة الغربية والقيم الأميركية المــهــددة، وهــو ما سيثير قلقا حقيقيا لدى الحلفاء الأوروبيين؛ إذ يرى كثير من المحللين في برلين وباريس ولــنــدن أن هـــذه الـصـيـاغـة تُــضـعـف منظومة الـتـنـسـيـق الاســتــخــبــاراتــي المــشــتــرك وتــدفــع نحو أمننة ثقافية خطرة تُعمّق الانقسامات المجتمعية بدلا من تجفيف منابع التطرف. الــــتــــحــــدي الأكـــــبـــــر الــــــــذي تــــطــــرحــــه هــــذه الاسـتـراتـيـجـيـة هـــو عـلـى آلـــيـــات التنفيذ في الــــســــنــــوات المــتــبــقــيــة مــــن إدارة تــــرمــــب، لـكـن تأثيرها الهائل سيكون على العالم ذلــك أن تـــراجـــع الانــــخــــراط الأمـــيـــركـــي ســيــتــرك فــراغــا أمنيا كبيرا سيكون بيئة خصبة لاستثماره مــن قـبـل التنظيمات المسلحة بـعـد أن تُعيد قراءة الخريطة الجديدة لأولويات واشنطن. دول المنطقة، وخصوصا في الشرق الأوسط والخليج وشمال أفريقيا، ستجد نفسها أمام معادلة أمنية صعبة تستوجب بناء قـدرات ذاتية واستراتيجيات إقليمية مستقلة. هذه الوثيقة ليست مجرد وثيقة أمنية، إنـــهـــا دعـــــوة صــريــحــة لإعـــــادة تـــوزيـــع أعــبــاء حــــرب طــويــلــة مـفـتـوحـة فـــي تــوقــيــت صـعـب، يـنـتـظـر تــحــالــفــات دولـــيـــة قـــــادرة عــلــى حمل الراية المواجهة. الهدف الأبرز للبنان وقف هدر الدماء وحماية المتبقي من العمران حنا صالح يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 وثيقة ترمب الأمنية... الانكفاء إلى الداخل «لات ساعة مندم»! كوبا في مرمى العين الأميركية اتّهم الرئيس ترمب كوبا بدعم قوى أجنبية معادية وجماعات مسلّحة عابرة للحدود
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky