مــســيــرة طــويــلــة ومــــشــــوار فــنــي لافــت خـاضـتـه المـطـربـة الـجـزائـريـة وردة الملقبة بـ«أميرة الطرب العربي»، يتتبعها الناقد والمـــــؤرخ الـفـنـي أيــمــن الـحـكـيـم، فـــي كتابه الأحــــــدث: «حــكــايــة وردة... ســـيـــرة صــوت وقلب». يـــــرصـــــد الــــكــــتــــاب رحـــــلـــــة وردة مــنــذ مــيــادهــا فـــي بـــاريـــس، وســـنـــوات نشأتها وتكوينها الإنساني والفني والسياسي، وحتى مجيئها إلى القاهرة، لتبدأ رحلتها مـــع الــشــهــرة والـــحـــب والمـــعـــارك والسينما والــــنــــجــــاحــــات والــــشــــائــــعــــات والأشــــــــــواك، لتصبح واحدة من أهم الأصوات في تاريخ الغناء العربي. وقــــال الــنــاقــد الــفــنــي، أيــمــن الـحـكـيـم، إنــــه ســعــى خــــال كــتــابــه لإنـــصـــاف وردة، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «دائما ما يتم تقديمها بوصفها صنيعة الموسيقار بليغ 100 حمدي؛ فرغم أنها قدمت له أكثر من أغنية، وهو رقم كبير ومهم في مسيرتها الغنائية، لكنني في الكتاب أنظر لتجربة وردة مـنـفـصـلـة عـــنـــه، ومــــوازيــــة لــــه، وقــد ظلمها النقاد في علاقتها ببليغ». وتـــابـــع الــحــكــيــم: «طــبــعــا هـــي كسبت كثيرا من زواجها به؛ مزايا وشهرة ضخمة وألــحــانــا، لكنها فــي الــوقــت نفسه ظُلمت بسبب الـنـظـر لـهـا كـتـابـع لبليغ، فــي حين أن وردة لها تجربة قبل بليغ وبعده، قبل مجيئها إلى مصر كانت تغني في باريس، وحــن غـادرتـهـا تـصـادف أن سمعها عبد الـــوهـــاب فـــي كــازيــنــو بــبــيــروت، ورشـحـهـا لـبـطـولـة فـيـلـم (ألمــــظ وعـــبـــده الــحــامــولــي)، وحــــــن انـــفـــصـــلـــت عــــن بـــلـــيـــغ غــــنَّــــت لـسـيـد مكاوي، وعبد الوهاب، وعمار الشريعي، وصـــاح الـشـرنـوبـي، ولـهـا أغـنـيـات مهمة قـــبـــل زواجـــــهـــــا مــــن بـــلـــيـــغ لـــحَّـــنـــهـــا ريــــاض السنباطي، كما أن مشاركتها في أوبريت (الوطن الأكبر) كرست وجودها بوصفها صوتا مهما في ساحة الغناء العربي». 14 «حكاية وردة» يصادف الذكرى الـ -1939( لـرحـيـل الـفـنـانـة وردة الــجــزائــريــة )، ويخصص كامل فصوله لتوثيق 2012 ســـيـــرتـــهـــا وتـــجـــربـــتـــهـــا الـــغـــنـــائـــيـــة، حـسـب الــحــكــيــم الــــــذي يــضــيــف أنـــــه «عـــكـــف عـلـى كتابته لأكـثـر مــن سـنـة، دقَّـــق كــل معلومة وكل تاريخ وكل حكاية تخصها»، وأشار فـــصـــا المـــراحـــل 22 إلـــــى أنـــــه غـــطـــى خـــــال المــخــتــلــفــة مـــن حــيــاتــهــا، فـــارتـــبـــاط وردة، حسب قول الحكيم، ببليغ «منحها كثيرا مـــن الـــشـــهـــرة والألــــحــــان الـــرائـــعـــة، وشــكّــا معا واحدا من أشهر الثنائيات في تاريخ الغناء والغرام، إلا أن علاقتها به ظلمتها حـــــن حــــصــــرت اســـمـــهـــا وتــــاريــــخــــهــــا فـيـه وربطت مكانتها بألحانه». ويـــتـــتـــبـــع الــــكــــتــــاب حــــيــــاة وردة فــي بـــاريـــس قــبــل وصــولــهــا إلــــى مـــصـــر، وهــي فترة، يراها الحكيم، «مهمة في تكوينها»، ويذكر أنها «كانت ترى أن صاحب الفضل الكبير عليها هــو المـوسـيـقـار محمد عبد الوهاب وليس بليغ حمدي؛ فعبد الوهاب هو السبب في مجيئها إلى القاهرة. حدث ذلـــك بـالـصـدفـة الـبـحـتـة، بـعـد طـــردهـــا من بـاريـس هـي وأسـرتـهـا، فحين كانت تغني في كازينو ببيروت، تصادف وجـود عبد الوهاب الذي كان يحتفل بزواجه من نهلة الــقــدســي هـــنـــاك، سـمـعـهـا تـغـنـي أغـنـيـة أم كـلـثـوم (يـــا ظــالمــنــي)، وتــعــرف بــهــا. وحـن عــاد لمـصـر، وأخـبـر حلمي رفـلـة الـــذي كان يــبــحــث عــــن مـــطـــربـــة جــــديــــدة يــقــدمــهــا فـي فيلمه الـجـديـد، رشحها لـه عبد الـوهـاب، وكان السبب في بداية شهرتها، عبر فيلم (ألمظ وعبده الحامولي)، وفيه قدمت وردة ألحانا لعبد الـوهـاب وبليغ والسنباطي وفريد الأطرش». ويـــــــرســـــــم الــــــكــــــتــــــاب صـــــــــــورة لـــــــــوردة وعــاقــاتــهـــا الاجــتــمــاعــيــة، ومــــا جــــرى من تــغــيــرات فـــي شـخـصـيـتـهـا، مـسـتـفـيـدة من عــاقــتــهــا بــعــبــد الـــــوهـــــاب، الــــــذي طـالـبـهـا بالتحلي بالدبلوماسية، وعلمها كيفية مخاطبة الصحافة والتعامل معها، بعد أن لاحـظ أن عصبيتها وتلقائيتها تجرانها إلـــى مـشـكـات مــع الـصـحـافـيـن، والــوســط الــفــنــي، فـلـم تـكـن عـاقـتـهـا بـعـبـد الــوهــاب مقتصرة فقط على الجانب الفني والغناء مـــن ألـــحـــانـــه، لـكـنـهـا تــــجــــاوزت ذلـــــك، وقــد وصلت لمرحلة أنه كان يأكل أطعمة معينة مــن إعــــداد وردة، خـصـوصـا «الكسكسي» المغربية، كانت طبَّاخة عظيمة أيضاً، وفق ما يذكره الكتاب. أما عن علاقتها ببليغ، فقد كانت تراه «ملحنا عظيما وزوجا فاشلاً». قالت ذلك في لـقـاءات تلفزيونية، كانت تزعجها نـزواتـه، وسعيه الدائم لأن يعيش في حالة حب، من أجل أن يقدم ألحانا طازجة وجديدة. ويشير الحكيم إلى أن «الكتاب تحدث عـــن المـــشـــكـــات الـــتـــي تـسـبـبـت فـيـهـا وردة لبليغ، منها ما كان مع المطربة نجاة التي أقامت قضية ضده، وصدر حكم بحبسه، بسبب أغنية (العيون السود) التي كانت تــســتــعــد لــتــســجــيــلــهــا، وفـــوجـــئـــت بـبـلـيـغ يقدمها لـــوردة، ولــولا تدخل عبد الوهاب لـدى نجاة لقادته إلـى السجن، كما كانت وردة وراء كثير من التوتر في علاقة بليغ بـأصـدقـائـه مــن المــطــربــن، خـصـوصـا عبد الحليم حافظ. وقد كانت تسمع كل ألحانه وتختار ما يحلو لها، وتترك بعد ذلك ما تــريــده لـبـاقـي المــطــربــن، وهــــذا مــا جعلها سنوات من زواجها ببليغ تغني له 7 خلال لحن». 100 أكثر من كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المــــديــــنــــة الــــخــــالــــدة، تــــمــــازج تـــحـــت قــمــرهــا شــجــن الـــربـــابـــة مـــع نـــقـــاء الــبــيــانــو، وذابــــت فـي نسائمها حشرجة الـنـاي العميقة بين جــــــداول الـــكـــمـــان المـــاســـيـــة، فــانــتــشــت رومـــا بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركــســتــرا والـــكـــورال الـوطـنـي الـسـعـودي مــــع أوركــــســــتــــرا «فـــونـــتـــانـــي دي رومـــــــا» أو نوافير رومـــا، بقيادة المايسترو الإيطالي الــعــالمــي مـارتـشـيـلـو روتـــــا. وتـــوّجـــه النجم الإيطالي الـذائـع الصيت آنـدريـا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها. اســتــضــافــت رومـــــا، فـــي قــلــب وسـطـهـا الــــتــــاريــــخــــي، حـــفـــل «روائــــــــــع الأوركــــســــتــــرا الــــســــعــــوديــــة» الــــــــذي أقــــيــــم داخــــــــل حــديــقــة الـــكـــولـــوســـيـــوم، أشـــهـــر المـــعـــالـــم الأثــــريــــة في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى. مــــوســــيــــقــــيــــا مـــن 32 جـــــمـــــع الـــــحـــــفـــــل الأوركـسـتـرا والــكــورال الوطني السعودي، مـوسـيـقـيـا مـــن الأوركــســتــرا 30 إلـــى جــانــب الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعــمــال الـسـعـوديـة والإيـطـالـيـة والعالمية. كـــمـــا اســـتـــعـــرض أشــــهــــر الـــفـــنـــون الادائــــيــــة الـــســـعـــوديـــة مــثــل عـــرضـــة وادي الــــدواســــر، وفــــن الـــخـــطـــوة، والـــفـــن الــيــنــبــعــاوي، تحت عــــبــــاءة هــيــئــة المــــســــرح والـــفـــنـــون الادائــــيــــة ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية. وتـخـلـلـت الـحـفـل مـقـطـوعـة موسيقية بــــعــــنــــوان «الــــحــــجــــر ورومـــــــــــا» مـــــع كـــلـــمـــات المـــؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهـــي تـعـكـس عـمـق الـــروابـــط الـثـقـافـيـة بين الــــســــعــــوديــــة وإيــــطــــالــــيــــا، وتـــســـتـــلـــهـــم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الـــحـــوار الـثـقـافـي عـبـر الـــزمـــن، وتـــؤكـــد دور الموسيقى لمد جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقا من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل ويــــــــنــــــــدرج هـــــــــذا الـــــحـــــفـــــل فـــــــي ســــيــــاق جـــهـــود «روائـــــــع الأوركــــســــتــــرا الــســعــوديــة» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين مـن التفاعل مـــع جــمــهــور عـــالمـــي، والاحـــتـــفـــاء بـالـهـويـة الموسيقية السعودية وإبرازها. وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوســــط» حـــوارا مشتركا مـع المايسترو مــارتــشــيــلّــو روتـــــا والـــرئـــيـــس الـتـنـفـيـذي لهيئة الموسيقى بـاولـو باسيفيكو، أكّــد فيه الأول أن «هــذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافيا لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية». وأضــــــــــــــاف روتــــــــــــــا: «نــــــحــــــن لا نــــقــــدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون مـــــن بـــــلـــــدان مـــخـــتـــلـــفـــة، بـــــل نـــبـــنـــي رحـــلـــة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من الـتـنـوع الـــذي هــو جـوهــر الإبـــــداع ومحفز أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الـــشـــرقـــيـــة إلــــــى جــــانــــب الــعــنــاصــر الــتــراثــيــة الــســعــوديــة مـــع الآلات الـغـربـيـة وعـــنـــاصـــر الــــتــــراث المــوســيــقــي الإيـــطـــالـــي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة». هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فــردي وبوتشيني وروسّــيـنـي، يولّد «منتوجا موسيقيا فريدا من نوعه»، بحسب وصف روتا. وعـــن مــشــاركــة آنـــدريـــا بـوتـشـيـلّــي في الــحــفــل، قـــال روتــــا إن عـاقـتـه بــهــذا النجم الإيـطـالـي العالمي تـعـود إلــى نـيّــف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلا غنائيا في العلا. وأشـــــــاد روتــــــا بــــاحــــتــــراف المــوســيــقــيــن السعوديين ومستوى انضباطهم، وقــال إن المـوسـيـقـيـن الإيــطــالــيــن يــشــعــرون بفضول كـــبـــيـــر لاكــــتــــشــــاف المــــوســــيــــقــــى الـــســـعـــوديـــة والتمازج معها. الـرئـيـس الـتـنـفـيـذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة مـاضـيـة فــي مـسـاعـيـهـا لـحـمـل الأوركــســتــرا إلـــى عــواصــم ثـقـافـيـة مـخـتـلـفـة، والـتـواصـل مـــع مـوسـيـقـيـي الــبــلــدان الأخـــــرى وتــراثــهــا، وايـــصـــال المــوســيــقــى والــثــقــافــة الـسـعـوديـة للمرة الأولى إلى تلك البلدان». وأضــــــــاف: «تــــهــــدف هـــــذه المـــســـاعـــي إلـــى أن يـتـمـتـع جــمــهــورنــا الـــســـعـــودي بـالـثـقـافـة المـوسـيـقـيـة الـسـعـوديـة وتـمـازجـهـا مــع أرفــع الـــثـــقـــافـــات المـــوســـيـــقـــيـــة فــــي الــــعــــالــــم. ونــحــن نفتخر بـــأن المـوسـيـقـى والـثـقـافـة الـسـعـوديـة تجلس حـول نفس المـائـدة مع أبـرز الثقافات الموسيقية». وقــــال باسيفيكو لـــ«الــشــرق الأوســــط»: «المــوســيــقــى تــزخــر بــقــوة هـائـلـة لـلـجـمـع بين الــلــغــات والــثــقــافــات والـــحـــضـــارات، وفــــي كل حفل نجد شيئا فريدا وجميلا ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الــربــابــة إلـــى جــانــب آلات الــشــعــوب الأصـلـيـة الـــقـــديـــمـــة، وفــــــي نــــيــــويــــورك الــــنــــاي بــجــانــب الـــســـاكـــســـفـــون. فــــي كــــل مــحــطــة نــلــمــس كـيـف أن المـوسـيـقـى تجمع وتــوحّــد بــن الـشـعـوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها». وأضـــــــــــاف أن «المــــجــــتــــمــــع الــــســــعــــودي، بـعـائـاتـه وشـبـابـه وطـــابـــه، يـتـجـاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتز بتراثه ويهتم بالتعرّف عليه». من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المـــســـرح والـــفـــنـــون الأدائــــيــــة الـــدكـــتـــور محمد حـسـن عــلــوان، أن المـشـاركـة جـسـدت امـتـزاجـا بـــن عـــراقـــة المـــســـرح الـــرومـــانـــي بـوصـفـه رمـــزا حضاريا عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءا من الهوية الوطنية، مشيرا إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يـبـرز حـضـورهـا الــدولــي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب. يوميات الشرق أمسية مزجت الموسيقى والفنون السعودية والإيطالية قرب الكولوسيوم ASHARQ DAILY 22 Issue 17331 - العدد Monday - 2026/5/11 الاثنين جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى) ًغلاف كتاب «حكاية وردة» (الشرق الأوسط) : حدث غير مسبوق ولّد منتجا فريدا المايسترو روتا لـ «روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما موسيقيا من أوركسترا «فونتان دي روما» (هيئة الموسيقى) 30 موسيقيا من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب 32 شارك في الحفل روما: شوقي الريّس لرحيل «أميرة الطرب العربي» 14 كتاب جديد بالتزامن مع الذكرى الـ «حكاية وردة» يكشف تعرض الفنانة الجزائرية للظلم بسبب بليغ حمدي وردة وبليغ حمدي شكلا ثنائيا ناجحا لسبع سنوات (كتاب «حكاية وردة») القاهرة: حمدي عابدين أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky