مع انتهاج «حزب الله» سياسة رفع السقوف، لا بد من الإضــــاءة على مـوجـة التخوين والتصعيد الخطابي التي يشنّها ضد رئاسة الجمهورية اللبنانية ورئاسة الحكومة والمرجعية المارونية، في توقيت يبدو للوهلة الأولى داخلياً، لـكـنَّــه فــي الحقيقة مــشــدود إلـــى تــحــولات إقليمية ضاغطة. فـلـبـنـان الـــيـــوم يـقـف عـلـى خـــط تــمــاس بـــن مــســاريــن: مـسـار السلام المستدام ومسار المقاومة والحروب المتوالدة. لماذا هذا التصعيد الذي لا يمكن فهمه من دون التوقف عند عدد من الدوافع الداخلية؟ الأول يتصل بطبيعة المشروع السياسي نفسه: ففكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو حتى طـرح سـام دائــم، لا تمثل مجرد خيار سياسي بديل؛ بـــل تــضــرب فـــي الــعــمــق الـــســـرديـــة الــتــي بُــنــي عـلـيـهـا خـطـاب المقاومة لعقود. فالانتقال من منطق «الصراع المفتوح» إلى منطق «التسوية المستقرة» ينهي مشروعية الخطاب المقاوم وأصحابه برمته، ليصبح التصعيد وسيلة دفـاع وجودية عن نموذج كامل، لا مجرد رد فعل ظرفي. الـثـانـي يرتبط بتحول فـي مـوقـع الــقــرار داخـــل الـدولـة. منذ مرحلة الهيمنة الـسـوريـة ومــا تـاهـا، اعـتـاد الـحـزب أن يكون صاحب الكلمة الفصل في الملفات السيادية، مستندا إلى تحالفات داخلية وفـرت له غطاء سياسياً، لا سيما في المرحلة التي شكل فيها ميشال عون مظلة مسيحية وازنة. اليوم، مع محاولة السلطة اللبنانية إعــادة الاعتبار لمنطق المؤسسات، لم يعد احتكار القرار مسلما به، ويأتي التصعيد رفــضــا لــهــذه المـــعـــادلـــة الـــجـــديـــدة، ومـــحـــاولـــة لإعـــــادة تثبيت خطوط النفوذ القديمة. وينبغي ألا نغيّب ظــروف وصـول جوزيف عون إلى الرئاسة بعد الزلزال الإقليمي الذي حركه الــرد على عملية «طـوفـان الأقـصـى»، ومـا تـاه من متغيرات إقليمية طالت ميزان القوة وقلبت المعادلة، ومنها السعي لإنهاء أدوار المنظمات خارج الدولة. الدافع الثالث يكمن في طبيعة الصراع على حق التمثيل. حين تقترب الدولة من اتخاذ قرار سيادي كالتفاوض، يُعاد طرح السؤال: من يملك تعريف المصلحة الوطنية؟ استهداف الـرئـاسـتـن يـهـدف إلـــى تحجيم هـــذا الادعـــــاء، وإعـــــادة رسـم حـــدود الـشـرعـيـة والمــؤســســات؛ إذ لا يـبـدو الــحــزب مستعدا للتسليم بمرجعية المؤسسات الدستورية من دون مكاسب تعيد توزيع موازين السلطة داخل النظام اللبناني. أما المس بالمرجعية المسيحية الدينية، فينقل الـخـاف مـن مستوى سياسي تقني إلــى مستوى هـويـاتـي، يصبح معه النقاش حول خيارات لبنان نقاشا حول تعريفه نفسه. هــــذا الــتــحــول لــيــس تـفـصـيـا لأنــــه يـفـتـح بــابــا خـطـيـراً: تـــحـــويـــل الــــخــــاف الـــســـيـــاســـي إلــــــى تــــوتــــر مــجــتــمــعــي قــابــل للاشتعال. فهل الهدف هو دفع الشارع إلى الانفجار؟ القراءة الأدق تـشـيـر إلـــى الــعــكــس. مـــا يــجــري هـــو اقـــتـــراب محسوب من حافة الانفجار؛ لا رغبة في السقوط فيها، والهدف هو ردع السلطة عن الذهاب بعيدا في التفاوض واختبار قدرة الــشــارع المـقـابـل على التعبئة. فــإن حصل احـتـكـاك مـحـدود، يوظف سياسياً، وإن لم يحصل، تكون الرسالة قد وصلت بتكلفة منخفضة. إنها سياسة إدارة الحافة، حيث يُستخدم التوتر أداة لا غاية، وإذا تعذرت الغلبة يبقى التعطيل خيارا متوفرا ً. فــي هـــذا الــســيــاق، المـطـلـوب لـيـس كـسـر المــؤســســات؛ بل تطويعها، بحيث لا تتحول المـفـاوضـات إلـى مسار مستقل قادر على فرض وقائع لا يمكن التحكم فيها لاحقاً. يبقى البعد الإقليمي العامل الأكثر تأثيرا في تحديد سقوف هذا المشهد. فالتصعيد الداخلي لا يُفهم فقط بوصفه صــراعــا لبنانياً؛ بــل تـرجـمـة لـحـالـة ضبابية تحكم العلاقة الأميركية - الإيـرانـيـة. فمنذ إعــان ترمب انتهاء العمليات العسكرية ضد إيــران من دون اتفاق، دخلت المنطقة مرحلة رمـــاديـــة: لا حـــرب مـحـسـومـة ولا تـسـويـة مـكـتـمـلـة، مـــا يـتـرك الـسـاحـات الـهـشـة كـلـبـنـان، عـرضـة لـتـجـاذب مـفـتـوح؛ بحيث اغتالت إسرائيل القيادي علي بلوط في الضاحية الجنوبية رغم الهدنة. موقف واشنطن هذا يخلق فراغا في المرجعية، ويـدفـع الـقـوى المحلية خصوصا إلـى إعـــادة رسـم خطوطها الحمراء بنفسها، ليتحول التصعيد رسالة إلى الداخل بأن أي مسار لا يراعي توازنات القوة سيبقى غير قابل للتنفيذ، وإلى الخارج بأن أي ترتيب لا يمر عبر هذه المعادلة سيبقى هشا ً. فـي المـقـابـل، تـتـرافـق الضبابية الأمـيـركـيـة مـع اندفاعة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة في الجنوب، ما يضع لبنان أمام واقع صعب: ضغط عسكري متصاعد ومسار تفاوضي غير مضمون، وبـن الاثنين، تصبح الساحة الداخلية أكثر هـــشـــاشـــة وقـــابـــلـــيـــة لـــاســـتـــخـــدام بــوصــفــهــا مـــســـاحـــة ضـغـط متبادل. الـخـطـر فــي هـــذا المــســار لا يكمن فــي احـتـمـال الانـفـجـار الـكـبـيـر؛ بــل فــي الاعـتـيـاد عـلـى الـتـوتـر المـضـبـوط. حــن تُـــدار الـبـاد على حافة الاشـتـبـاك، يتحول الاستثناء إلـى قاعدة، وتـــــذوب الـــحـــدود بـــن الـسـيـاسـة والأمــــــن، وبـــن الـــدولـــة ومـا يوازيها. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في جولات التصعيد؛ بل في بنية كاملة تعيش على حافة الفتنة، وتتآكل تدريجيا من دون لحظة حاسمة تعيد تأسيسها. 1947 في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام وقف الزعيم البريطاني ونستون تشرشل في البرلمان وقال: الديمقراطية أسوأ أنظمة الحكم مقارنة بغيرها. هذه العبارة تـــشـــرح مـــــرارة الــزعــيــم تـشـرشـل بـعـد خــســارتــه الانـتـخـابـات ، وهـــو المـــحـــرّر بــــاده مــن الــنــازيــة والـفـاشـيـة. 1945 فــي عـــام مـايـو (أيــــار) صـــوَّت الـنـاخـبـون البريطانيون 7 والـخـمـيـس فـي انـتـخـابـات محلية ضـد زعـيـم «حـــزب الـعـمـال» ستارمر، رغـم جـهـوده المضنية لإخـــراج الـبـاد مـن أزمـــات اقتصادية، وهجرة، وفي ظل أزمـات كبرى مثل حرب أوكرانيا وإيـران. المــشــتــرك فـــي الـحـالـتـن أن الـجـمـاهـيـر تـــصـــوّت بعاطفتها، وتنصت بسرعة لمن يَعِدها بالسمن والعسل، وإلا لما خسر تشرشل أمام كليمنت أتلي، ولا انسحق ستارمر أمام زعيم «حــــزب الإصـــــاح» نـايـجـل فـــــراج. وقـــد يــتــســاءل المـــــرء: كيف يمكن لمجتمع عالي الثقافة كبريطانيا أن يقفز فوق حقائق، ويصوّت لوعود شعبوية لا تقوى على الصمود البتة أمام التدقيق؟ الإجابة شرحها أفلاطون الناقم على الديمقراطية بـعـد إعــــدام أســتــاذه ســقــراط بحجة إفــســاده لـلـشـبـاب، وهـو المصلح الأكــبــر، وشرحتها أكـثـر الفيلسوفة حنا آرنـــت في كــتــابــهــا «جــــــذور الاســــتــــبــــداد»، وكـــذلـــك كـــتّـــاب آخـــــــرون، بــأن الانتخابات تتحول في لحظة ما إلى أداة لقتل الديمقراطية حــــال فـــقـــدان الـــنـــاس الإيــــمــــان بــالــســيــاســيــن، والمـــؤســـســـات، والقانون، وغياب التوافق على قضايا مشتركة. في انتخابات بريطانيا كانت كل الدلائل تشير إلى فوز «حزب الإصلاح» اليميني المتشدد؛ لأن ساسة «حزب العمال» فشلوا في إصلاح الاقتصاد، ومنع التضخم، والحفاظ على ثقافة الــبــاد، ورص وحـــدة المجتمع، وضـمـان فــرص عمل، وردم الهوة بين الفقراء والأغنياء... غير أن هذه المشاكل لم تبدأ مع ستارمر، بل ورثها من «حزب المحافظين». ولما كان الناخب يصوّت بعاطفته ورغبته في الانتقام ممن جلبوا المآسي، وبالتحديد من حزبَي «العمال» و«المحافظين»؛ كان طبيعيا أن تستهويه وعـود زعيم «حـزب الإصـــاح» نايجل فراج الشعبوية، ويصوّت له، ليس كاحتجاج، بل كبديل لم يُجرب بعد. النتيجة هزيمة ساحقة لـ«حزب العمال»، وكذلك «المـــحـــافـــظـــن»، وفـــــوز كـــاســـح لــــ«حـــزب الإصـــــــاح»، و«حــــزب الخضر» الذي تمكن من كسب أصوات محتجين من الطبقة الوسطى العليا كانوا يصوّتون سابقا لـ«حزب المحافظين»، وبعضهم صـــوّت فـي الانـتـخـابـات الـعـامـة السابقة لــ«حـزب الــعــمــال». بـهـذا الـتـصـويـت المـتـوقـع تغير الــواقــع السياسي الـبـريـطـانـي، وانـتـقـل مــن نـظـام الـحـزبـن إلـــى نـظـام تعددية الأحـــزاب في برلمان ليس معدا أصـا لهذا التحول النوعي، وبهذه السرعة. وإذا ما تكرر هذا السيناريو في الانتخابات ، فإن بريطانيا 2029 البرلمانية القادمة في يوليو (تموز) عام ستشهد وصــول «حــزب الإصـــاح» للسلطة بزعامة نايجل فراج الذي لعب دورا كبيرا في إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبــــي بحجة اسـتـرجـاع الـسـيـادة، والآن يَــعِــد الناخبين بــطــرد الــاجــئــن، والــحــفــاظ عـلـى ثـقـافـة الـــبـــاد المـسـيـحـيـة، والابتعاد عن أوروبا. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يثمر كما روّج نايجل فـــراج، بـل أدى لـتـراجـع نموها الاقـتـصـادي، وتدني فرص العمل، وارتفاع الأسعار، وانكشاف الأمن البريطاني، بــعــدمــا خــســرت مـوقـعـهـا فـــي الاتـــحـــاد الأوروبـــــــي وقيمتها لـــلـــولايـــات المـــتـــحـــدة الأمـــيـــركـــيـــة. ورغـــــم فــشــل وعـــــود نـايـجـل بنهضة بريطانيا بعد خروجها مـن الاتـحـاد الأوروبــــي، لا يـزال الناخبون يرونه بديلا أفضل، ويتعامون عن سلوكه التحريضي، وعن نيله مبالغ ضخمة من متبرعين، أبرزهم كريستوفر هـاربـون صاحب شركة «تيثر» المتخصصة في العملات الرقمية. كريستوفر أهــدى نايجل خمسة ملايين جـنـيـه مـــؤخـــراً، ثــم مــــوّل «حــــزب الإصـــــاح» بنسبة الثلثين. بــرّر فــراج الهدية بأنها لتغطية حمايته الأمنية، رغـم أنها تـكـلـف سـنـويـا ثـاثـمـائـة ألـــف جـنـيـه إسـتـرلـيـنـي فــقــط. وفـي تـقـريـر لصحيفة «الـتـايـمـز» تـبـن أن نـايـجـل فـــراج يـريـد أن يشرعن قانونيا تـــداول العملات الرقمية الخاصة بإجبار البنك المركزي على تخزينها كاحتياط نقدي، والتخلي عن إصدار عملته الرقمية الرسمية. بالطبع، إذا ما وصل «حزب الإصــاح» للسلطة، فـإن المستفيد الأكبر شركة كريستوفر. نايجل تباهى من سنتين أنه «بلا مال» ليميز نفسه عن غيره من السياسيين، وفي السنة المالية الماضية كسب خارج عمله البرلماني مليونَي جنيه إسترليني. لــــم يـــعـــد الـــعـــمـــل الـــبـــرلمـــانـــي تــضــحــيــة شــخــصــيــة لأجـــل الخير الـعـام، بـل تحول لمهنة مالية مجزية بسبب العلاقة التبادلية مـع رجــال المـــال، ولـهـذا تنخلع قلوب الـنـواب عند أول هـــزة انـتـخـابـيـة، ويــطــالــبــون بتغيير قــائــدهــم لضمان نجاحهم فـي الانتخابات القادمة دونـمـا تقييم موضوعي لأدائـهـم، وسياسات حزبهم، ومفاصل الضعف في النظام الـديـمـقـراطـي. ومــا دامـــت عقلية المهنة البرلمانية متجذرة، فـــإن الـديـمـقـراطـيـة ستبقى مـريـضـة، ولا يمكن إنــقــاذهــا إلا بـإصـاحـات جـوهـريـة، أهمها فصل العلاقة مـع رجـــال المـال والأعــمــال بـوقـف الـتـبـرعـات المـالـيـة لــأحــزاب والسياسيين، ثـــم ضـبـط الإعـــــام، وبـالـتـحـديـد «الـــبـــودكـــاســـت» المـــمـــوّل من أصحاب المال، والمؤثر انتخابياً، وحظر الكراهية، ومعاقبة الكذب الانتخابي، والحد من الفردية الموغلة، والموازنة بين الفرد والمجتمع... هذه الإصلاحات ضرورية، وتجاهلها مع وصــول «حــزب الإصـــاح» الشعبوي للسلطة سيعمق أزمـة الديمقراطية أكثر فأكثر، ومن رَحِمها سيولد الاستبداد. في تصريحين أميركيين مهمين، قال مـــاركـــو روبـــيـــو، وزيــــر خــارجــيــة الـــولايـــات المـــتـــحـــدة ومـــســـتـــشـــار الأمــــــن الـــقـــومـــي، إن معركة «الملحمة الكبرى قد انتهت وحققت أهــدافــهــا»، أمــا مـا حــدث بعد وقــف إطـاق الــــنــــار فـــأطـــلـــق عــلــيــه الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونالد ترمب أن الإيرانيين «قاموا ببعض العبث وسحقناهم». سمّى ما جـرى بأنه «تـرايـفـيــل» أو أمـــر تــافـه لا يـسـتـحـق. فهل معنى ذلـك أن أميركا أنهت مهمتها الآن، وأننا قد دخلنا فيما يعرف باليوم التالي للحرب الملحمية؟ أم هـو مـجـرد انسحاب نفسي من المشهد مع بقاء العدة والعتاد في أماكنها، وأن الأمـر قابل للانفجار في أي لحظة؟ ولمـــاذا هــذا المــوقــف، على الأقـل على مستوى التصريحات السياسية؟ هل من أجل خلق بيئة سلام لكأس العالم الذي تستضيفه أمـيـركـا أسـاسـا ومعها بعض دول أميركا الشمالية؟ أم هـو تخوف من انقلاب الرأي العام الأميركي، بما قد يؤدي بـالـجـمـهـوريـن إلـــى خـــســـارة الانـتـخـابـات النصفية للكونغرس، شيوخا ونواباً؟ الــــــحــــــروب بـــشـــكـــل عـــــــام تـــنـــتـــهـــي إمــــا بتسوية سياسية أو إخفاق عسكري لأحد الأطــــراف، فما الـــذي نحن بــصــدده؟ ومــاذا لــو تـركـت أمـيـركـا المـشـهـد الــشــرق أوسـطـي فـــي حـــرب لا نـهـايـة واضـــحـــة لــهــا؟ فـلـمـاذا هــــذا الــتــصــرف الأمـــيـــركـــي؟ هـــل مـــا ذكــرتــه في المقدمة من مباريات كـأس العالم بعد شهر من الآن، أم الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)؟ أم الاثنان معاً؟ أم هـو منطق الـرئـيـس تـرمـب فيما يعرف بـ«الترانزاكشنال بوليتكس»، أو سياسة الصفقات؟ ربـــمـــا تــكــمــن الإجــــابــــة فــــي مـــزيـــج مـن كـل مـا سبق. فـــإدارة تـرمـب، كما عرفناها فـــــي فــــتــــرتــــن مـــــن حــــكــــمــــه، لا تـــنـــظـــر إلــــى السياسة الخارجية باعتبارها مشروعا استراتيجيا طويل المـــدى، بقدر مـا تراها سلسلة مـن الصفقات المـؤقـتـة، وأن المـدى البعيد لـيـس إلا مـجـمـوع مــديــات قصيرة يـجـب أن تحقق عــائــدا مـبـاشـرا وسـريـعـا. في هذا المنطق تصبح الحرب أداة ضغط، لا مشروعا لإعـــادة تشكيل المنطقة. وهنا تـــفـــتـــرق رؤيــــــة تـــرمـــب عــــن رؤيــــــة بـنـيـامـن نتنياهو، الـــذي يـريـد إعــــادة رســـم ملامح الـــشـــرق الأوســــــط. ومـــن هـنـا يـصـبـح وقـف الحرب أهم من حسمها، لأن الحسم الكامل يحتاج إلى وقت وتكلفة ووقت طويل الأمد لا تــريــده واشــنــطــن فــي هـــذه المــرحــلــة، ولا يحتمله منطق الرئيس ترمب، الذي يمثل الفاعل الحقيقي في هذه الحرب، أو لنكن منصفين: ترمب والسوق معاً. هـــــــذا الــــتــــحــــول فـــــي الـــــخـــــطـــــاب، عــلــى مــــســــتــــوى الـــــرئـــــيـــــس ووزيـــــــــــر خـــارجـــيـــتـــه ومـــســـتـــشـــاره لـــأمـــن الـــقـــومـــي، يــكــشــف أن واشنطن ربما لم تعد معنية بإنتاج نصر تاريخي بقدر اهتمامها بمنع الانزلاق إلى مستنقع جـديـد فــي الــشــرق الأوســــط على غـــرار الـعـراق أو أفغانستان. ولـذلـك يبدو أن أميركا تريد أن تقول: لقد أدينا المهمة الـعـقـابـيـة وانـتـهـى الأمــــر، أمـــا إدارة الـيـوم التالي فهي مسؤولية أهل الإقليم. تـــــبـــــقـــــى مــــشــــكــــلــــة مـــــضـــــيـــــق هــــــرمــــــز، وهــــي مـكـسـب بـالـنـسـبـة لــلــبــتــرول والــغـــاز الأميركيين، وليس كما يتصور البعض. نـــعـــم، إغــــــاق المـــضـــيـــق يـــؤثـــر فــــي الـــســـوق الــــعــــالمــــيــــة، مـــــن حــــيــــث الــــــصــــــورة الـــكـــبـــرى لــاقــتــصــاد الـــعـــالمـــي، أمــــا تــأثــيــره المـبـاشـر على الخزانة الأميركية فهو أمـر إيجابي وإيحائي جداً. ومـــع ذلـــك تبقى هيبة الــــدول الكبرى الــــتــــي تـــمـــثـــل مـــــيـــــزان الـــــقـــــوة فـــــي الإقـــلـــيـــم والــعــالــم. فالمشكلة أن الــشــرق الأوســــط لا يعرف الـفـراغ. إذا انسحبت القوة الكبرى قبل إنتاج تسوية سياسية حقيقية، فإن القوى الإقليمية تتحول سريعا إلى أطراف تدير حربا مفتوحة بأدوات محلية. وهنا تحديدا يظهر خطر «الحرب المحلية»، أي الحرب التي تستمر لأن أطرافها الإقليمية تملك أسـبـاب اسـتـمـرارهـا، بينما لا تملك القوى الكبرى الرغبة في إنهائها بالكامل. المــــــؤشــــــرات الـــحـــالـــيـــة تــــقــــول إن هـــذا الاحـتـمـال وارد بــقــوة. فـإسـرائـيـل لا تبدو مــســتــعــدة لـــلـــعـــودة إلـــــى مــــا قـــبـــل الـــحـــرب، وإيران لا تستطيع سياسيا التصرف كأن شيئا لم يكن، ودول الخليج تجد نفسها مرة أخرى رهينة الجغرافيا العسكرية. هنا يكمن القلق الحقيقي: أن تكون أمـــيـــركـــا قـــد أنـــهـــت «مـلـحـمـتـهـا الـــكـــبـــرى»، لكنها ربـمـا تـركـت الـشـرق الأوســـط يدخل مرحلة الحروب الصغيرة التي لا تنتهي. OPINION الرأي 12 Issue 17331 - العدد Monday - 2026/5/11 الاثنين انتخابات بريطانيا... الديمقراطية وإنتاج الاستبداد موجة التخوين ورفع السقوف وارتداداتهما اللبنانية هل انتقلنا من حرب ملحمية إلى حرب محلية؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي أنهت أميركا «ملحمتها الكبرى» لكنها ربما تركت المنطقة تدخل مرحلة الحروب الصغيرة أحمد محمود عجاج سام منسى
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky