لــم يـعـد الــســؤال الــنــووي فــي الـشـرق الأوســـــــــط ســـــــــؤالا تـــقـــنـــيـــا عـــــن تـخـصـيـب الـــيـــورانـــيـــوم أو امــــتــــاك المــــفــــاعــــات، بـل صـــــار ســــــــؤالا ســـيـــاســـيـــا واســـتــراتـــيـــجـــيـــا أكـثـر عـمـقـا: هــل تبحث الــــدول عــن الـــردع لحماية كـيـانـهـا، أم تبحث الأنـظـمـة عن مظلة أخيرة لحماية بقائها؟ بين هذين المــعــنــيــن تــشــكــلــت خـــــال عـــقـــود طــويـلــة مــــــــآلات مـــخـــتـــلـــفـــة؛ دول عــــبــــرت الــعــتــبــة الـــنـــوويـــة وفـــرضـــت أمـــــرا واقـــعـــا، وأخــــرى دُمـــرت أو حـوصـرت أو استُنزفت قبل أن تبلغ تلك العتبة. يـقـوم الـنـظـام الــنــووي الـعـالمـي على قـــوى شــرعــت لنفسها 5 : مــفــارقــة كـــبـــرى امـــتـــاك الـــســـاح الـــنـــووي، ثـــم بـنـت حـول الـــــعـــــالـــــم مــــنــــظــــومــــة لمــــنــــع الآخـــــــريـــــــن مــن الــــوصــــول إلــــيــــه، هـــــذه المـــنـــظـــومـــة لـيـسـت عادلة تماماً، لكنها مؤثرة، فمنذ معاهدة عــــدم الانـــتـــشـــار، أصـــبـــح امـــتـــاك الـقـنـبـلـة مـــشـــروطـــا بـــمـــا هــــو أبــــعــــد مــــن الــتــقــنــيــة: الموقع الجغرافي، شبكة التحالفات، قدرة الدولة على احتمال العقوبات، حسابات الــقــوى الــكــبــرى، لــذلــك اسـتـطـاعـت الهند وباكستان، ثم كوريا الشمالية، أن تعبر الـــطـــريـــق الـــصـــعـــب، فــيــمــا تـــحـــول المـــســـار الـــنـــووي فــي الـــعـــراق ولـيـبـيـا وإيـــــران إلـى مصدر صدام مع العالم. الـــــعـــــراق فــــي عـــهـــد الـــرئـــيـــس صــــدام حسين لـم يـطـارد التكنولوجيا النووية بعقل الدولة، بل بذهنية السلطة المطلقة، حيث كـان البرنامج جـزءا من وهـم القوة الــــذي دفـــع الـنـظـام إلـــى عـسـكـرة المجتمع وخـــــوض حـــــروب مــتــتــالــيــة، انــتــهــى بها المــــســــار بــــضــــرب المــــفــــاعــــل الــــعــــراقــــي عـــام ، ثـــم بـــحـــرب الـــكـــويـــت والــعــقــوبــات 1981 ، لم 2003 الطويلة، وصـــولا إلـى اجتياح يـحـم المــشــروع الــنــووي الــدولــة العراقية؛ بــــل أســــهــــم، مــــع ســـيـــاســـات الــــنــــظــــام، فـي عزلها وإضعافها وتحويلها إلى ساحة مفتوحة للتدخلات والانهيارات. ليبيا قدّمت نموذجا آخر، فقد تخلّى 2003 القذافي عن برنامجه النووي عـام ظنا أن الصفقة مع الغرب قد تمنح نظامه شــرعــيــة وحـــمـــايـــة، لــكــن مـــا حــــدث لاحـقـا أظــهــر أن المـشـكـلـة لـــم تـكـن فـــي الـبـرنـامـج وحده، بل في هشاشة الدولة واختزالها في شخص الحاكم. التخلي عن النووي لـم ينقذ الـنـظـام، كما أن امتلاكه لـم يكن سـيـنـقـذ الــــدولــــة، هــنــا تــتــضــح الـــقـــاعـــدة: السلاح لا يعوض غياب المؤسسات، ولا يمنح الشرعية لمن لم يبن عقدا سياسيا سليما مع شعبه. وأخــيــراً، إيـــران الـيـوم هـي النموذج الأكثر تعقيداً، فهي ليست عـراق صـدام، ولا ليبيا الـقـذافـي، ولا كـوريـا الشمالية المــغــلــقــة تـــمـــامـــا، إنـــهـــا دولـــــة ذات تــاريــخ عــمــيــق ومــجــتــمــع حــــي ومــــــــوارد واســـعـــة وشـــبـــكـــة نـــفـــوذ إقــلــيــمــيــة، لــكــنــهــا أدارت ملفها الـنـووي وسـط ازدواجـيـة خطيرة: خطاب يؤكد سلمية البرنامج، وسلوك إقــلــيــمــي يــثــيــر الـــريـــبـــة عـــبـــر الـــصـــواريـــخ والأذرع المسلحة والتدخلات الممتدة من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن. لذلك لــم يـعـد الــغــرب وإســرائــيــل يـتـعـامـان مع التخصيب باعتباره ملفا فنيا منفصلاً، بــل جـــزءا مــن مـنـظـومـة قـــوة تـريـد تغيير مــيــزان الإقــلــيــم. ومـــع تـصـاعـد الــتــوتــرات وقــــيــــود الــتــفــتــيــش وارتـــــفـــــاع مــســتــويــات التخصيب، بات البرنامج الإيراني أقرب إلـى أزمـة استراتيجية مفتوحة منه إلى ملف تفاوضي تقليدي. في المقابل، تقف إسرائيل بوصفها الــنــمــوذج الأكــثــر حـسـاسـيـة فــي المنطقة، فـــهـــي لا تــعــلــن رســـمـــيـــا امــــتــــاك الـــســـاح الـنـووي ولا تنفيه، لكنها تُعامل عمليا كـــقـــوة نـــوويـــة بـحـكـم الأمـــــر الــــواقــــع، هــذا الغموض منحها تفوقا ردعياً، لكنه خلق في المقابل شعورا عميقا بالاختلال لدى خصومها، غير أن الرد على اختلال كهذا بمشاريع نـوويـة آيديولوجية لا يصنع تـوازنـا آمـنـا، بـل يفتح الـبـاب أمــام سباق أكثر خطورة في منطقة قابلة للاشتعال. الـهـنـد وبــاكــســتــان تــقــدمــان مـقـارنـة مـخـتـلـفـة، فــقــد امـتـلـكـتـا الـــســـاح فـــي ظل صـــراع مباشر بـن دولـتـن متجاورتين، لا فـــي إطــــار مـــشـــروع آيــديــولــوجــي عـابـر لــلــحــدود، صـحـيـح أن الـــــردع الـــنـــووي لم يـــنـــه الـــتـــوتـــرات ولا الـــحـــروب المـــحـــدودة، لــكــنــه فـــــرض ســقــفــا لـــانـــفـــجـــار الـــشـــامـــل. أمــا كـوريـا الشمالية فقد جعلت القنبلة بوليصة تأمين للنظام، لا مـشـروع رفـاه لـــلـــدولـــة. نـــجـــت الـــســـلـــطـــة، لـــكـــن المـجـتـمـع دفـع ثمن العزلة والفقر والـخـوف، وهذه ليست وصفة نـجـاح، بقدر مـا هـي درس في التكلفة الباهظة حين تصبح القنبلة بديلا عن التنمية. من هنا تبرز عقلانية دول الخليج الــعــربــي وعــــدد مـــن الـــــدول الأخـــــرى الـتـي امـــتـــلـــكـــت الـــــثـــــروة والـــــعـــــاقـــــات الـــدولـــيـــة والقدرة على شـراء التكنولوجيا، لكنها لـــــم تـــجـــعـــل مـــــن «الــــــــنــــــــووي» الـــعـــســـكـــري مشروعها المـركـزي، اختارت هـذه الـدول، بـدرجـات متفاوتة، أن تبني قوتها عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، وأن تـشـتـري أمـنـهـا عـبـر الـتـحـالـفـات، لا عبر مـــغـــامـــرات ســـريـــة تـــقـــود إلـــــى الــعــقــوبــات والـضـربـات، فالدولة التي تبني جامعة ومــــيــــنــــاء وصــــنــــدوقــــا ســــيــــاديــــا ومــــركــــزا للتكنولوجيا تـمـلـك مستقبلا أمـــن من نـظـام يحفر منشأة تحت جبل وينتظر الضربة التالية. أمـــا الـــغـــرب وروســـيـــا، الـسـوفـيـاتـيـة ثــم الـحـالـيـة، فـقـد تـصـرفـا غـالـبـا بمنطق مـزدوج، كلاهما استخدم ملفات السلاح والـطـاقـة والـتـحـالـفـات لتوسيع الـنـفـوذ، وكلاهما يخشى في الوقت نفسه انتشارا نوويا خارج السيطرة، لذلك قد تتصارع القوى الكبرى على المنطقة، لكنها تلتقي عند منع الفوضى النووية، ومن لا يقرأ هـــذه الحقيقة يــدفــع ثـمـن الــوهــم مـرتـن: مـرة حـن يظن أن الحليف سيحميه بلا حـدود، ومـرة حين يكتشف أن «النووي» لــيــس مــجــرد تـقـنـيـة، بـــل امــتــحــان لــقــدرة الدولة على إدارة التكلفة. الخلاصة أن الـردع لا يكون خطيئة حين تديره دولة رشيدة، لكنه يصبح فخّا حين تستخدمه سلطة خائفة من شعبها ومن محيطها، السلاح النووي لا يعوض غياب الشرعية، ولا يبني اقـتـصـاداً، ولا يصلح عقدا اجتماعيا مكسوراً، قد يمنح النظام وقتا إضافياً، لكنه لا يمنح الدولة مستقبلاً، ولذلك ليس الـسـؤال الأهـم في الشرق الأوسط: من يملك القنبلة؟ بل: من يملك عقل الدولة قبل أن يملك أدوات القوة؟ بأسرع مما كان متوقعاً، تحولت مسألة حصر السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة إلــى القضيّة المـركـزيّــة والسياسيّة الأولـــــى فـــي عـهـد الــرئــيــس الـلـبـنـانـي الــعــمــاد جـــوزيـــف عـون ، فـي أعـقـاب الحرب 2025 الـــذي انـتُــخـب لمنصبه مطلع عــام الإسرائيليّة على لبنان التي أضعفت «حزب الله» باستهداف قياداته؛ بدءا بأمينه العام حسن نصر الله، وصولا إلى قسم كبير من القيادات العسكريّة والأمنيّة الوسطى، بالإضافة إلى الكوادر التي أُصيب معظمها في عمليّة تفجير الأجهزة اللاسلكيّة و«البيجر». فـــي خــطــاب الـقـسـم الــــذي ألـــقـــاه أمــــام المـجـلـس الـنـيـابـي اللبناني عقب انـتـخـابـه، أكــد الـرئـيـس عــون الـتـزامـه حصر قــــرار الـــحـــرب والــســلــم فـــي يـــد الـــدولـــة، وأن تُـــجـــرى مناقشة استراتيجية أمــن قـومـي تتم مـن خلالها حماية الـبـاد من الاعتداءات الخارجيّة، وذلك من خلال الاستثمار في القوى الأمنيّة اللبنانيّة والجيش اللبناني لمجابهة هذه التحديات والصعاب. ويـتـقـاطـع هـــذا المــوقــف مــع المــوقــف الـــذي يــكــرره رئيس الحكومة نواف سلام، الذي راكم خبرة سياسية وأكاديمية ودبـلـومـاسـيـة وقضائية فـي أرفـــع المـنـاصـب الــدولــيّــة، وهو الذي يؤكد أن قرار حصر السلاح بيد الدولة بمنزلة تطبيق لاتفاق الطائف الذي أقرَّه البرلمانيون اللبنانيّون في المملكة وأصـبـح جـــزءا مـن الدستور 1989 العربية الـسـعـوديّــة عــام ، وهـــو لـيـس تـلـبـيـة للمطالب 1990 الـلـبـنـانـي بــــدءا مــن عـــام الإسرائيليّة بنزع هذا السلاح. المشكلة القائمة الآن هي مثلثة الأضلاع: من يفاوض لا يقاتل، ومـن يقاتل لا يفاوض، وأمــام هـذا وذاك عـدو شرس لا يتوانى عن خرق جميع الاتفاقات التي يوقِّعها ويواصل انــتــهــاك الــســيــادة الـلـبـنـانـيّــة واســتــهــداف المــدنــيــن الأبــريــاء بـالإضـافـة إلــى الصحافيين والـطـواقـم الطبية والإسعافية والتمريضيّة من دون هـوادة ومن دون أي اعتبار للقوانين والأعراف الدوليّة. إلا أنه على الرغم من الضراوة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في اعتداءاته المستمرة على لبنان، ثمة قناعة آخذة في التشكل والاتساع لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بــأن مـا قــام بـه «حــزب الـلـه» فـي حــرب الإسـنـاد الثانية التي أطلقها منذ أسابيع قليلة، جــاءت ردّا على اغتيال المرشد علي خامنئي، ويتساءل كثيرون منهم عن معنى ربط لبنان بمصير إيـران التي لم ترد أساسا على اغتيال حسن نصر الـلـه نفسه، ولــم تـدخـل فـي الـحـرب إلا عندما تـعـرّضـت هي نفسها للقصف الأميركي - الإسرائيلي. وإذا كان هذا التساؤل مشروع بالشكل والمضمون، فإن التساؤل الـذي يليه مباشرة يتصل بمحاولة فهم الأسباب الحقيقيّة الـتـي تقف خلف الحملة السياسيّة والإعـامـيّــة الشعواء التي تتناول رئيس الجمهورية؛ لقراره سلوك درب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بهدف وضـع حد للحرب والانـــطـــاق نـحـو مـرحـلـة جــديــدة يـكـون عـنـوانـهـا الأسـاسـي طي المرحلة التي يدفع فيها لبنان أثمان صراعات الآخرين، ويذهب نحو حقبة جديدة من الاستقرار. ويـــبـــالـــغ الـــبـــعـــض مـــمـــن يـــعـــارضـــون فــــي الـــعـــمـــق خــيــار التفاوض في إطلاق نعوت وتُهَم ضد الرئيس اللبناني على الرغم من أن إيران نفسها تسلك طريق التفاوض مع الولايات المتحدة التي دكَّتها -بالتعاون والتحالف مع إسرائيل- في قصف غير مسبوق واغتالت قياداتها الأساسيّة، ولم يَحُل كــل ذلـــك دون الـجـلـوس عـلـى طــاولــة الـتـفـاوض فــي محاولة الوصول إلى حل مستدام. ليس ثمة مصلحة لبنانيّة بـربـط مــســارات التفاوض بين لبنان وإيــران، حتى ولو سجَّلت طهران بعض المواقف الإعلاميّة التي قد تفيد جمهور «حـزب الله» وبيئته بأنها تسعى لـوقـف إطـــاق الـنـار فـي لبنان. لقد خبر لبنان على مدى عقود فكرة ربط المسارات عندما كان خاضعا للوصاية الـــســـوريّـــة الــتــي لـــم تـــتـــوان عـــن اســتــخــدام الـــورقـــة الـلـبـنـانـيّــة لمصلحة مفاوضاتها ولم تكترث حقا للملف اللبناني عندما تقدمت مفاوضاتها مع إسرائيل فيما يخص الجولان. لبنان لا يستطيع أن يحتمل مزيدا من الأثقال، أو مزيدا من الحروب المفتعَلة التي تقدِّم في كل مرة الذرائع لإسرائيل للانقضاض عليه وتدميره والانتقام من تجربته الغنيّة في التعدديّة والديمقراطيّة (مهما كانت هشّة) والتنوع. لبنان هو نقيض إسرائيل التي تقدّم نفسها على أنها الديمقراطيّة الـوحـيـدة فــي الــشــرق الأوســــط، وأنــهــا تـحـتـرم الأديــــان كافة وتتيح لأبنائها ممارستها بحرية تـامـة، وهــو الأمــر الـذي تناقضه تماما الأحداث الحاصلة في كنائس القدس وبيت لحم وفي المسجد الأقصى والضفة الغربية، وفي استهداف المساجد والكنائس والمزارات في جنوب لبنان. أخيراً، إذا كان التفاوض هو الخيار الأفضل للبنان، فلعلّه أيضا من المفيد لبعض الأصوات التي تهرول نحو التطبيع والـتـرويـج لاتـفـاق سـام مـع إسرائيل أن تتريث بعض الـشـيء وتـهـدئ مـن روعــهــا، وألا تشيح النظر عن الاعــتــداءات التي يتعرّض لها لبنان يومياً، وأن تسعى لاستيلاد المبررات تلو المبررات لإسرائيل وصولا إلى حد تبرئتها! هـــل بـــاتـــت مـنـطـقـة الـــســـاحـــل الأفـــريـــقـــي «كــعــب أخــيــل» لـروسـيـا الاتــحــاديــة، لجعل الــقــارة الـسـمـراء ملعبا جديدا للأمم وللصراعات الجيوسياسية؟ فـي أوائـــل أبـريـل (نـيـسـان) المــاضــي، عقد وزيـر الخارجية الـروسـي، سيرغي لافـــروف، فـي موسكو لقاءات جماعية مع وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وهي الدول الثلاث التي تنتمي إلى «تحالف دول الساحل الجديد» الــذي بـدأ عمله في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي. لــم يـوفـر جــنــرال الـخـارجـيـة الـروسـيـة الأشـهـر، بعد العتيد آنـدريـه غروميكو، التصريح عـن نيات روســــيــــا الــحــقــيــقــيــة: «الاســــتــــعــــداد الـــكـــامـــل لـتـقـديـم المـسـاعـدة الفعالة فـي بناء قـــدرات الـقـوات المشتركة لـدول الساحل وتعزيز جاهزيتها القتالية، وكذلك جاهزية القوات المسلحة الوطنية لكل دولة من الدول الـــثـــاث، وفـــي تــدريــب الأفـــــراد الـعـسـكـريـن وضـبـاط إنفاذ القانون». تــــاريــــخــــيــــا؛ كــــانــــت هــــــذه الـــــــــدول تـــمـــثـــل فـــضـــاء اسـتـراتـيـجـيـا وسـيـاسـيـا لــقــوى أوروبــــيــــة، لا سيما فرنسا، بينما اليوم باتت ترتبط مع روسيا بعلاقات دبلوماسية راســخــة، حيث بـاتـت لموسكو مصالح تــجــاريــة واســتــثــمــاريــة فـــي تـطـويـر هـــذه الــعــاقــات، لا سيما أن التحول على هـذا النحو يتيح للروس الوصول إلى موارد معدنية مهمة في أفريقيا؛ ولهذا السبب يُعد الإبقاء على المجالس العسكرية الحالية في الساحل لمصلحة موسكو أمرا ضرورياً. زودت روسيا الدول الثلاث بأقمار اصطناعية للاتصالات للمساعدة في معالجة القضايا الأمنية، إضــافــة إلـــى ذلـــك، الـتـزمـت مـوسـكـو تـقـديـم الـتـدريـب العسكري والإمدادات لهذه الدول، وتعمل معها على إيجاد سبل أفضل لدمج مواردها في قوة عسكرية مشتركة لمنطقة الساحل. هـــل تــخــســر أوروبـــــــا ســاحــتــهــا الــجــنــوبــيــة في أفريقيا لمصلحة روسيا؟ المؤكد أن نظرة متأنية تكشف لنا عن كيف أن الأوروبيين، بصورة أو بأخرى، لم يعودوا يملكون شريكا حقيقيا وحـازمـا فـي عموم الـقـارة السمراء، فمعظم الحكومات والنخب باتت تنتقل، بمهارة، من مربع نفوذ أممي إلى آخر، فوق خريطة شطرنج جــيــوســيــاســيــة، تــتــحــرك بــســرعــة كـــبـــرى فـــي أزمــنــة الهشاشة الدولية، وحالة انعدام اليقين تجاه نظام دولي جديد. التدقيق والتحقيق فـي أوضـــاع كثير مـن دول أفـريـقـيـا، يكشف لـنـا عــن كـيـف أن مـوسـكـو نجحت بـــالـــفـــعـــل فــــي الــــغــــزل عـــلـــى مـــتـــنـــاقـــضـــات الــســيــاســة الدولية، وأجادت، ولا تزال، استغلال ثغرات الأزمات الأفريقية مع الغرب الأوروبي وربما الأميركي. من هنا؛ لم يعد من الغريب أو العجيب ظهور صــور جـديـدة لقيصر الـكـرمـلـن، فـاديـمـيـر بـوتـن، جنبا إلى جنب، مع قادة أفارقة، في استعادة لنهج البروباغندا السوفياتي السابق، عطفا على شيوع وذيــــوع مـشـاهـد لـجـنـود روس يـقـاتـلـون إلـــى جانب القوات الأفريقية المختلفة، ضد المتمردين المدعومين من الغرب، وفق الروايات الروسية. هل كان للتحركات الروسية العسكرية في دول الساحل الأفريقي بدايةً؛ وفي عموم القارة الأفريقية من شرقها إلى غربها تالياً، أن تقلق الغرب بدوائر نفوذه التقليدية؟ (الحارس)» Sentry« قبل أيام قليلة كانت منظمة الأميركية غير الربحية، وهي منظمة استقصائية وسياسية تعمل على تعطيل «الشبكات المفترسة مـتـعـددة الـجـنـسـيـة» الــتــي تستفيد مــن الـصـراعـات الـعـنـيـفـة والـقـمـع والــفــســاد، تــحــذر مــن اســتــعــدادات مكثفة تجريها روسيا لتوسيع عملياتها في منطقة الـسـاحـل الأفــريــقــي، عـبـر اسـتـخـدام مخلبها الـقـوي «الفيلق الأفريقي». والـواقـع أن هـذا «الفيلق» يعد الـيـوم التشكيل الاستكشافي الجديد للكرملين في أفريقيا، ويقوم على البنية الهيكلية التي أرســت ركائزَها وحــدات «فاغنر»، لمؤسسها يفغيني بريغوجين قبل أن يلقى مصيره. ويــضــم «الـفـيـلـق» الـــروســـي فــي أفـريـقـيـا الـيـوم آلاف جـنـدي، مـع طموحات معلنة لـزيـادة 10 نحو ألــــف جـــنـــدي. ويـلـعـب 40 و 20 قـــوامـــه إلــــى مـــا بـــن «الفيلق» دورا مباشرا على الأرض في عبور المعدات العسكرية، مثل تلك التي وصلت مؤخرا إلى ميناء كـونـاكـري فـي غينيا بـغـرب أفريقيا، والمتجهة إلى دولة مالي المجاورة. هــل أفـريـقـيـا فـقـط هــي المــقــصــودة مــن الــوجــود العسكري الروسي الآني؟ تـــرى وكــــالات الاســتــخــبــارات الـغـربـيـة أن هـدف روســـيـــا الــبــعــيــد يـتـمـثـل فـــي تـــأمـــن «مــــوطــــئ قـــدم» عسكري شبه دائــم على الجناح الجنوبي لـ«حلف شــمــال الأطــلــســي (نـــاتـــو)»، والـسـيـطـرة مــن ثــم على طـرق الهجرة والتهريب إلـى أوروبـــا؛ مما يمنحها ورقة استراتيجية رابحة ضد «الحلف». عـطـفـا عـلـى ذلــــك، يــهــدف الـكـرمـلـن إلـــى تعزيز تــــأمــــن ســـيـــطـــرتـــه عـــلـــى طــــــرق الـــشـــحـــن الأفـــريـــقـــيـــة الـحـيـويـة، لا سيما الـتـي تنقل الـطـاقـة والـسـلـع إلى أوروبا والولايات المتحدة. على جانب آخر، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الدول الأفريقية باتت بدورها تغزل على متناقضات السياسة الدولية، بعدما أظهرت براعة ملحوظة في استمالة موسكو للحصول على مزيد من التنازلات أو الدعم من الغرب. هل من خلاصة؟ أفريقيا لا تـزال قـارة مملوءة بـالـوعـود التنموية والمــــواد الأولـــيـــة، ولــهــذا يعيش أصـــحـــابـــهـــا فــــي ظــــل حــقــيــقــة الــــخــــيــــارات الــكــونــيــة الانـتـقـائـيـة والـبـراغـمـاتـيـة؛ إذ لا صــداقــة دائــمــة ولا عداوة متصلة، بل مصالح قائمة وقادمة. Issue 17326 - العدد Wednesday - 2026/5/6 الأربعاء لبنان لا يستطيع أن يحتمل مزيدا من الأثقال أو مزيدا من الحروب المفتعَلة رامي الريّس إميل أمين OPINION الرأي 14 يضم «الفيلق» الروسي في آلاف جندي 10 أفريقيا نحو مع طموحات معلنة لزيادته ألف جندي 40 إلى روسيا ــ أفريقيا... زمن الخيارات الانتقائية الهوس النووي... من الردع إلى العبء الاستراتيجي لا مصلحة لبنانية في ربط مسارات التفاوض ليس السؤال الأهم في الشرق الأوسط: من يملك القنبلة؟ بل: من يملك عقل الدولة كفاح محمود
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky