عقود ونصف العقد تقريبا صدر الكتاب 4 قبل «الـــعـــمـــدة» «الــنــظــام الإقـلـيـمـي الــعــربــي - دراســـــة في الـعـاقـات السياسية الـعـربـيـة» الـــذي لـم يكن معنيا فـقـط بـــدراســـة الــعــاقــات بــن الــــدول الـعـربـيـة؛ وإنـمـا أيضا وضعها فـي سياق «الفكر الإقليمي» العالمي المعني بالإقليمية كمسار لدراسة وفهم العالم وما فيه مـن تفاعلات. الكتاب صـدر عـن «مـركـز دراســات الوحدة العربية»، وألفه كل من الأستاذين علي الدين هــال وجميل مـطـر؛ وكلاهما مـع المـركـز كـانـوا ممن يـنـظـرون إلـــى الـــروابـــط الــتــي تــربــط الــعــرب بعضهم بـبـعـض؛ وتـمـيـز ذلـــك عـمـا كـــان مــهــددا لـهـا فــي إطــار «النظام الإقليمي الشرق الأوسـطـي»، حيث الجوار مـع دول ذات بـأس تاريخي. فـي جوهر الأمـــور، فإن الـعـاقـات داخــل الإقليم العربي وبــن دولــه والإطــار الـذي يحيط به لم تتغير كثيرا في درجــات وفترات حـسـن الـعـاقـات أو دخـولـهـا فــي مــراحــل مــن التوتر والــنــزاع والـــصـــراع. كـانـت هـنـاك فـتـرات فاصلة لعل أكـثـرهـا أهـمـيـة هــي الـتـي نُــعـتـت بــ«الـربـيـع الـعـربـي» الـذي خلق حالة من الارتجاج والارتـبـاك في الإقليم الــعــربــي فـــي داخـــلـــه وعـــاقـــات جــــــواره. هــــذه الـحـالـة خلقت مشاريع إقليمية اعتمدت من جانب إيران على «الدفاع المتقدم» والميليشيات التابعة؛ والاستيطان والـتـوسـع المـنـظـم، كـمـا تفعل إسـرائـيـل فــي «الضفة الــغــربــيــة» الـفـلـسـطـيـنـيـة، وعــلــى الـــحـــدود اللبنانية والسورية. تركيا جعلت من القضية «الكردية» منفذا إلى كل من العراق وسوريا يتطلب التدخل المسلح. الــــــحــــــرب الــــــراهــــــنــــــة بــــــن الــــــــولايــــــــات المــــتــــحــــدة وإسرائيل من جانب وإيـــران من جانب آخـر تعكس بــأشــكــال مـخـتـلـفـة مــشــاريــع سـيـاسـيـة واقــتــصــاديــة واستراتيجية بدول مختلفة لم تتوان عن استخدام الـــســـاح والــــقــــوة بــأشــكــالــهــا، لـتـحـقـيـق مــشــروعــهــا. الــخــطــورة فـــي الأمــــر أن الأمــــن الإقـلـيـمـي فـــي منطقة هـشـة أمـنـيـا هـــو عـمـلـيـة مـسـتـمـرة زادهـــــا تـعـقـيـدا أن الركن الأساسي لمثل هذا الأمـن، وهو وجود الدولة، قـــد بــــات إمــــا زائـــــــاً، وإمـــــا مـــعـــرَّضـــا لأخـــطـــار بـالـغـة حتى في دول راسخة. والحقيقة أنه في التحالفات والائتلافات الدولية والإقليمية لا يعني ذلك نهاية الخلافات أو التناقضات بين الدول، ولكنه يعني أن هناك ما يكفي من التحديات المشتركة التي تدفعهم إلى التعاون السياسي، واستخدام القوة العسكرية عندما يـكـون ذلــك ضــروريــا للجميع. ولـأسـف فإن قليلا للغاية من الجهد قد بُذل لوضع هذه المنظومة في إطـار استراتيجي، وللأسف فإنه لا يـزال ناقصا من الناحية المؤسسية التي تضع الأهــداف، وتحدد الأولــويــات، وتـرسـم السياسات. ومـا هـو أكثر أسفا أن هـــنـــاك قـــصـــورا فـــي عـمـلـيـة المــتــابــعــة لـلـتـحـديـات والمشاريع التي لم يكف أنصارها عن الإعلان المباشر عــن مـشـاريـعـهـم مــن إعــــادة تشكيل المنطقة (الـشـرق الأوســـــــط) كــمــا تـــقـــول إســـرائـــيـــل، أو تـغـيـيـر طبيعة الدولة العربية، كما ركزت إيران بحيث يكون عليها الاختيار المُر ما بين اتباع أولويات طهران أو الحرب الأهلية. لم يكن هناك ما يبعث على المفاجأة في نشوب الحرب الحالية، ولا كان هناك ما يدعو إلى الدهشة بمجرد الانتقال بالحرب من حالة إلى أخرى. لم يكن هناك أبــدا مـا ينفي أهمية أن تكون هناك منظومة عربية بين القادرين من الدول العربية التي لا تعرف الميليشيات ولا الحرب الأهلية ولديها مشروع وطني للتنمية والرقي، وتقع عليها مواجهة التحديات. ما حدث كان الشعور بالمفاجأة والدهشة معا والولوج مـبـاشـرة إلــى إدانـــة الـقـانـون الــدولــي والإنـسـانـي في حالة غـزة؛ ولـوم الـدول العربية والإسلامية الأخرى على تقاعسها فـي تقديم الـعـون فـي بقية الـحـالات. النظر في وجـود «مشروع عربي» للمنطقة العربية يبني الأمــن الإقليمي مـع الأطـــراف غير العربية في الإقــلــيــم فـــي مــنــاخ يـحـقـق تـــــوازن الـــقـــوى الـــضـــروري لمفاوضات فعالة في حالات السلم والحرب معاً. أرى أنه أولاً: على دول الخليج مع كل من مصر والأردن والمـغـرب والجزائر وتونس تعميق المعرفة بالتحديات الملحة سواء كانت قادمة من إيران أو من إسرائيل؛ وثانياً: وضـع الاستراتيجية بعناصرها الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية الـــتـــي تـــوضـــع فــــي نــســيــج واحــــــد تـــفـــرضـــه المــصــالــح الوطنية لكل دولة. إن خلاصة التجربة القومية منذ نــشــوب الــحــرب الإيــرانــيــة هــي تــجــاوز كــل مــن إيـــران وإســرائــيــل لـلـحـدود الــواجــبــة فــي الـعـنـف والـتـدمـيـر بالصورة التي شاهدناها في مناطق عربية بعضها لــم يـشـهـد هـــذا الــنــوع مــن قــبــل، وبـعـضـهـا الآخــــر في فلسطين يواجهها على مدى العقود. حــــرب بـــــاردة ثــالــثــة يـعـيـشـهـا الـــعـــالـــم؛ إذ يمكن تصنيف الفترة الماضية منذ الحرب العالمية الثانية 1989 حـتـى 1947 بـفـتـرة الــحــرب الـــبـــاردة الأولــــى مــن حتى 1990 بسقوط حائط برلين، ثم سـام بـارد من بضم روسيا للقرم، لتبدأ الحرب الباردة الثانية 2014 . وشهدت هذه الفترة تقاربا روسيا - 2024 حتى عام صينيا في مواجهة التصعيد الأميركي وتنوعا في أطـر المواجهة والتنافس المحموم بما يتعدى نطاق القوة العسكرية إلـى البنية الرقمية والتكنولوجية والـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي، والأمــــن الـسـيـبـرانـي وتسليح شبكات التمويل والتحويلات النقدية، مثلما حدث بمنع استخدام روسيا آلية «سويفت». وقد احتفظت الـحـرب الــبــاردة الثانية بسمات مـن الـحـرب الـبـاردة الأولــــى مـثـل الــــردع الـــنـــووي والـــحـــروب بـالـوكـالـة في بعض الأقاليم كما حـدث فـي أوكـرانـيـا، وكـذلـك على الأراضي السورية قبل سقوط نظامها السابق. وكــــان مـــن الــــــوارد وصــــف الــفــتــرة الـــراهـــنـــة الـتـي بدأت بولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية بأنها امتداد للحرب الباردة الثانية، إلا أنه وفقا لرأي باري بـوزان، أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة لندن للاقتصاد والـعـلـوم السياسية، لا يمكن تجاهل ما حدث من تصدع في الجبهة الغربية وتوتر العلاقات الاقـــتـــصـــاديـــة والـــســـيـــاســـيـــة بــــن أطــــرافــــهــــا، واتـــســـاع النزاعات الجيواقتصادية بامتداد الحرب التجارية بين أضلاع ما كان يعرف بالمعسكر الغربي، وتفاقم الأوضاع الجيوسياسية بالتهديد بغزو أراض تابعة لـحـلـفـاء الأمـــــس. ويـلـخـص الــكــاتــب جـــيـــدون راكــمــان هـذه التطورات السلبية في مقال أخير له بصحيفة «الـفـايـنـانـشـال تـايـمـز» عــن طـــاق أمـيـركـي - أوروبـــي يـمـنـعـه أن الــجــانــبــن مـــحـــصـــوران فـــي زواج لـــم يعد سعيداً، ولكن تحكمه ما جعل من الـولايـات المتحدة إمـبـراطـوريـة بتلبيتها دعـــوة أوروبــيــة بالبقاء على أرضها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، جندي 85000 قاعدة عسكرية تضم نحو 40 بأكثر من تستند إلـيـهـا منظومة الــدفــاع الأوروبـــيـــة بــا بديل قائم. ولمـا كـان من الثوابت أن البقاء للأبد ليس من سمات التحالفات بأنواعها، فمن المتصور أن يشهد العالم نهاية، وإن كانت غير قريبة، لهذا الوضع. وفـي هـذه الأثـنـاء، يستمر تحرك مركز جاذبية الاقتصاد العالمي نحو الشرق ليعكس تصاعد الوزن النسبي للصين والهند وباقي نصف العالم الآسيوي بما في ذلك مجموعة «آسيان». ورغم أن هذه البلدان لا تبادر باختلاق دوافع لحرب عالمية باردة أو ساخنة، فالسلم والاستقرار مُعينان لها على استمرار نموها والتقدم في إحراز أهداف التنمية، فإن عليها التحوط المستمر كحال بلداننا من عالم الجنوب ضد مكامن الخطر الـظـاهـر، بخاصة فـي مـجـالات التكنولوجيا والتمويل والنقد والاختلالات الديموغرافية. كــــمــــا لا يـــغـــيـــب عـــــن المــــتــــابــــعــــن لـــلـــمـــؤتـــمـــرات والفعاليات الـدولـيـة الأخــيــرة مـا يظهر بـتـكـرار مُلح لأوجـــــه مـشـتـركـة بـيـنـهـا رغــــم تــبــايــن مـوضـوعـاتـهـا. فـعـلـى مــــدار شـهـر أبـــريـــل (نــيــســان) المـــاضـــي شــاركــت في اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الـــدولـــي ومــنــتــدى الأمــــم المــتــحــدة لـتـمـويـل الـتـنـمـيـة، وتابعت مؤتمر «سانتا مارتا»، فضلا عن المشاركة فــي جـلـسـات تحضيرية لمـؤتـمـرات دولــيــة وإقليمية سـتـعـقـد فـــي الــشــهــور المـقـبـلـة عـــن الـتـنـمـيـة، والمـــيـــاه، والــــــغــــــذاء، والــــــديــــــون، والاســــتــــثــــمــــار، والابــــتــــكــــارات والتكنولوجيا. وتلاحظ هيمنة مصطلح «اللايقين» في وصف ما هو قائم ومحاولة استشراف المستقبل. وهــــو وصــــف لائــــق فـــي ظـــل الـــظـــرف الـــعـــالمـــي الـــراهـــن وأبعاده. كما أن هناك ثلاثة معايير تتكرر في تحديد أولـــويـــات الـتـعـامـل مــع أخـطـر الـقـضـايـا الـتـي ترتبط بـهـا حــيــاة الـبـشـر وأســـبـــاب مـعـيـشـتـهـم: وهـــي الأمـــن والسيادة والاسـتـدامـة. ولتتابع أحاديث المسؤولين فـي هـذه القضايا الخمس تحديداً: المـيـاه، والطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والتمويل الذي يشمل أيضا الديون ومستقبل العملات الدولية. ولــنــأخــذ مـــوضـــوع الــطــاقــة مــثــا لمـــا يــجــرى في شـــأنـــه مـــن تـــطـــورات ارتــبــطــت بــالــحــرب الأخـــيـــرة في الـــشـــرق الأوســــــط، وكـــانـــت مــحــا لـنـقـاش المجتمعين دولـة في مؤتمر «سانتا مارتا» للطاقة الذي 57 من عُقد في كولومبيا الأسبوع الماضي. وقد تم التطرق لـتـعـجـيـل الــتــحــول الـــطـــاقـــوى بـتـطـويـر خــطــط طـريـق وطنية وإقليمية تـربـط بـإطـار اتـفـاق الأمـــم المتحدة لتغير المـنـاخ، والتنسيق فـي السياسات التجارية، والتعامل مع أبعاد التمويل بما في ذلك الحيز المالي، والدعم، وفخاخ الديون المعوّقة للتحول. ومـــع تــكــرار لـتـعـهـدات عــن التخلي عــن الـوقـود ، بـرز التأكيد على أن 2050 الأحـفـوري مع حلول عـام الأمر لا يتعلق فقط بالتصدي لتغيرات المناخ فحسب «لـــكـــن أيـــضـــا لـــســـيـــادة الـــطـــاقـــة والأمــــــن الاقـــتـــصـــادي» وفقا للمتحدثة البرازيلية أنا توني. وكذلك أشارت راتشل كايت مبعوثة المناخ البريطانية إلى أن الأزمة الراهنة تثبت أن عدم الاستقرار وانعدام الأمن يجب أن ينتهيا بالتخارج من حالة الاعتماد على الوقود الأحـــفـــوري الــراهــنــة. قــد تـتـداخـل أولـــويـــات الـسـيـادة والأمـــــــن والاســــتــــدامــــة لـــــدى بـــعـــض المـــتـــحـــدثـــن، لـكـن دوافــعــهــا مختلفة وكــذلــك سـبـل تحقيقها. فمفهوم السيادة أشمل ويعني السيطرة على الطاقة بتنوع مــصــادرهــا والاطـمـئـنـان إلـيـهـا عـبـر سـاسـل الإمـــداد مـن المـصـادر حتى نهايات الاسـتـخـدام استهلاكا أو إنتاجاً. وأمن الطاقة يتحقق بتوافر مصادرها كمية وقبولها سـعـرا بـا مـربـكـات مـعـوّقـة. أمــا الاسـتـدامـة فـتـدمـج الاعـــتـــبـــارات المـنـاخـيـة والـبـيـئـيـة مــع الأبــعــاد الاقتصادية وحقوق الأجيال القادمة معاً. ومن البديهي أن لكل واحدة من هذه الأولويات الـثـاث - المتمثلة فـي الـسـيـادة والأمـــن والاسـتـدامـة - سياسات ومؤسسات ينبغي التنسيق بينها حتى لا تـتـعـارض فيما بينها وتـتـبـدد المـــــوارد. ولـكـن في ظل ما بــدأه هـذا المقال من وصـف لـأوضـاع العالمية التي يكتنفها عجز الثقة والـغـمـوض فـي مساراتها السياسية التي تعقدها الحرب الباردة الثالثة، ويضر بــاقــتــصــادهــا حـــالـــة الــايــقــن بــفــائــض مـــن الأزمـــــات، فيصير البون شاسعا بين حديث السيادة وأفعالها، والأمن ومقتضياته، والاستدامة ومتطلباتها؛ سواء كـــان ذلـــك متعلقا بـالـطـاقـة أو بـالمـيـاه أو بالمواضيع الحيوية الأخرى. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17326 - العدد Wednesday - 2026/5/6 الأربعاء محمود محيي الدين عبد المنعم سعيد أمن الطاقة يتحقق بتوافر مصادرها كمية وقبولها سعرا بلا مربكات معوّقة لم يكن هناك ما يبعث على المفاجأة في نشوب الحرب الحالية أحاديث «السيادة» وواقعها النظام الإقليمي العربي الجديد؟!
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky