issue17326

OPINION الرأي 12 Issue 17326 - العدد Wednesday - 2026/5/6 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com القرار السياسي في إيران... كيف يُصنع؟ هل بدأت واشنطن فك ارتباطها بأوروبا؟ أي مستقبل مع إسرائيل؟ ، جــــاءت 1979 عـــنـــدمـــا انـــتـــصـــرت الــــثــــورة فــــي إيـــــــران عـــــام بنظام مـركَّــب يـمـزج بـن «الـجـمـهـوريـة» و«الإســامــيــة» والـقـرار السيادي فيه يُتخَذ بعد مباركة «القائد»، حسب نظرية «ولاية الفقيه العامة»، التي هي في نظر الخميني، تعد امتدادا لمعظم صلاحيات «الإمام الغائب»، وهو بالتالي يمتلك شرعية فقهية وأيضا قانونية حسب الدستور الإيراني الجديد. من هنا، عمل المشرعون على صياغة أنظمة وآليات تضمن تـحـقـيـق رؤيــــة الـخـمـيـنـي، دســـتـــوريـــا، بـحـيـث تــكــون مـؤسـسـات دولة منتخبة شعبيا وفي الوقت ذاته خاضعة لإشراف «الولي الفقيه» كونه من يمتلك الشرعية الدينية. هـــذه المـؤسـسـات كـــان عـــدد منها معنيّا بـاتـخـاذ الــقــرارات الأكثر مصيرية، خصوصا المتعلقة بالحرب والسلم والعلاقات الخارجية. وعليه، لا يمكن فهم السياسات الإيرانية تجاه دول الخليج العربي والــولايــات المتحدة مـن خـال وزارة الخارجية وحـدهـا، لأنها جـزء مـن شبكة متداخلة مـن المؤسسات المعنية بصناعة وتنفيذ القرار. الدستور الإيـرانـي لا يضع الـقـرار الخارجي فـي يـد جهاز دبلوماسي منفرد، ولا يمنح رئيس الجمهورية سلطة مطلقة فـي الـشـؤون الـسـيـاديـة، إنَّــمـا يـــوزع الاخـتـصـاصـات ضمن بنية هرمية تنتهي عند «المرشد الأعلى» وتعمل عبر مجلس الأمن القومي ومؤسسات عسكرية ومجالس مصلحية وتشريعية، ثم تظهر إلى الخارج بلغة وزارة الخارجية. من الدستور 110 النقطة الحاكمة في هذا البناء هي المادة الإيـــرانـــي، فـهـو يمنح «الــقــائــد» صـاحـيـة «تـحـديـد الـسـيـاسـات العامة للنظام» بعد التشاور مـع «مجلس تشخيص مصلحة الـنـظـام» وأيـضـا «الإشــــراف على حسن تنفيذها»، إضــافــة إلى «الـــقـــيـــادة الــعــامــة لــلــقــوات المـسـلـحـة» و«إعــــــان الـــحـــرب والـسـلـم والــتــعــبــئــة» وتــعــيــن قـــائـــد «الــــحــــرس الــــثــــوري» وكـــبـــار الـــقـــادة الـعـسـكـريـن، مـمـا يـجـعـل «المـــرشـــد الأعـــلـــى» لـــه مــركــز الـثـقـل في الدولة، حسب «الدستور». ، هـــو أعــلــى مـسـؤول 113 رئــيــس الـجـمـهـوريـة وفـــق المـــــادة رسمي بعد «الـقـائـد» ورئـيـس السلطة التنفيذية، مـع استثناء واضح يتعلق بـ«الأمور المرتبطة مباشرة بالقيادة». فالرئيس يـديـر الـحـكـومـة ويـمـثـل الـــدولـــة تـنـفـيـذيـا، حـيـث يـنـسِّــق الــــوزراء ويرأس «المجلس الأعلى للأمن القومي» مانحا السياسة وجها مدنياً. غير أن الملفات الكبرى من الحرب والسلم، إلى العلاقة مع واشنطن، والبرنامج النووي، والــردع الإقليمي، تدخل سريعا في نطاق صلاحيات «القائد» بالتشاور مع المؤسسات المعنية. المؤسسة الأكثر أهمية في تحويل التوجيه العام لـ«مرشد الثورة» إلى قرار عملي، هي «المجلس الأعلى للأمن القومي». تـــنـــص عـــلـــى أن غـــايـــة «المـــجـــلـــس» 176 دســــتــــوريــــا، المـــــــادة تتمثل في «تأمين المصالح الوطنية وحراسة الثورة الإسلامية ووحـــدة الأراضـــي والـسـيـادة الوطنية». فيما وظائفه تتمحور حـول تحديد السياسات الدفاعية - الأمنية، ضمن السياسات الـعـامـة الـتـي يـحـددهـا «الــقــائــد» وتنسيق الأنـشـطـة السياسية والاستخبارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتصلة بالتدابير الـدفـاعـيـة - الأمـنـيـة، وأيـضـا تعبئة إمـكـانـات الـدولـة لمواجهة التهديدات. تركيبة «المجلس الأعلى للأمن القومي» غاية في التشابك، فـهـي تـتـألـف مــن جـهـات عـــدة أهـمـهـا: رؤســــاء الـسـلـطـات الـثـاث (رئيس هيئة الأركـــان العامة للقوات المسلحة، وقائد «الحرس الثوري»، وقائد الجيش)، وممثلان يختارهما «القائد»، ووزراء الـخـارجـيـة والـداخـلـيـة والاسـتـخـبـارات والـــدفـــاع، وأيـضـا الأمـن العام لـ«المجلس». «المجلس» الذي يتولى أمانته حاليا محمد باقر ذو القدر، دوره محوري في «تحديد سياسات الأمــن القومي والسياسة الدفاعية»، إلا أن قراراته لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد «تأييد مقام القيادة» وفق الدستور. أما وزارة الخارجية فتأتي في مستوى آخر، فهي «تتولى تنفيذ السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيـرانـيـة». مما يعني أن الـــوزارة لا تصنع السقف السياسي الأعـلـى، إنما تنفذ وتنسِّق وتدير العلاقات السياسية. لذلك قد يظهر وزير الخارجية وهو يطرح مبادرة أو يشرح موقفاً، لكن قوة موقفه تتكشف بمدى توافقه مع قرار «المجلس الأعلى للأمن القومي» وموافقة «المرشد الأعلى». ماذا عن «الحرس الثوري» الذي برز بوضوح كجهة فاعلة في الحرب الأخـيـرة، بوصفه المؤسسة التي تمنح النظام قوته الصلبة؟! ، مهمة «الحرس» هي «حراسة 150 دستورياً، ووفق المادة الـــثـــورة ومــنــجــزاتــهــا». إلا أن «الـــحـــرس الـــثـــوري» فــي السياسة الخارجية لا يتصرف بوصفه جهة دبلوماسية رسمية، لكنه يصبح حاضرا عندما يكون الموضوع مرتبطا بالردع والوكلاء والصواريخ بعيدة المدى والممرات البحرية، وهذا ما برز بشكل جلي في الحرب الأخيرة بين إيـران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هـــذا الـتـداخـل الـشـائـك، خـصـوصـا بـعـد «الـضـبـابـيـة» التي نشأت إثــر اغتيال المـرشـد السابق علي خامنئي، وعــدم ظهور خليفته مجتبى خامنئي علانية حتى الساعة، جعلت آلية صنع الـقـرار الحالي في إيــران أكثر تعقيداً، مع تركيز أكبر على دور «الـحـرس الــثــوري»، إلا أن المكانة التي يتبوأها «الـحـرس» رغم تقدمها، لم تصيِّره الجهة الحصرية لصناعة القرار، بل هنالك «مكتب المرشد» الـذي يترأسه «القائد»، وبالتالي فـإن التعاون والتشاور بين «المكتب» و«الـحـرس الـثـوري» و«المجلس الأعلى لـأمـن الـقـومـي» وشخصية مـحـوريـة تـم تقديمها خـارجـيـا في الآونة الأخيرة وهي رئيس «مجلس الشورى الإسلامي» محمد باقر قاليباف، هـذا المزيج هو من يصنع «الـقـرار» الـذي يباركه ويوجهه مجتبى خامنئي، وتنفذه وزارة الخارجية. مستقبل إيــــران بـعـد الــحــرب سـيـتـوقـف عـلـى الـــتـــوازن بين هذه الجهات. فإن بقي القرار مركَّزا في الدائرة الأمنية الضيقة، ســـيـــزداد تــشــدد الــتــفــاوض وتـضـعـف المـــرونـــة الـسـيـاسـيـة. وإن اســـتـــعـــاد المـــســـار الــدبــلــومــاســي مــســاحــة أكـــبـــر داخـــــل «المـجـلـس الأعـلـى لـأمـن الـقـومـي» فقد تظهر تـسـويـات مرحلية، لا تغيِّر طـبـيـعـة «الـــنـــظـــام»، لـكـنـهـا تُــخــفِّــف تـكـلـفـة الـــحـــرب وتــفــتــح أمـــام حلول تدريجية ممكنة للملفات الأكثر إلحاحاً: مضيق هرمز، والــبــرنــامــج الـــنـــووي، والـــصـــواريـــخ الـبـالـيـسـتـيـة، والميليشيات المسلحة، والسلوك الإيراني العدائي تجاه دول الجوار العربي. لعل واحـدة من أكثر النتائج وضوحا للحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، أنَّها وسَّعت من حجم الصَّدع في جدار العلاقات الأميركية - الأوروبية. آخر التطورات يؤكد ذلك حسبما تابعنا فــي وســائــل الإعــــام؛ مــن خـــال قـــرار الـرئـيـس الأمـيـركـي دونـالـد عسكري أميركي مـن ألمـانـيـا. يــوم الجمعة 5000 تـرمـب، سحب الماضي، أصدرت وزارة الحرب الأميركية بيانا تؤكد فيه نيتَها ســحــب الــجــنــود. الـرئـيـس الأمــيــركــي فــي تـصـريـحـات أدلــــى بها مؤخرا لوسائل الإعلام، أكَّد أن العدد سيكون أكبر. كما أشار إلى أن عملية سحب الجنود الأميركيين قد تطول إسبانيا وإيطاليا. الخلفية وراء الـقـرار الرئاسي الأميركي جــاءت بعد كلمة ألقاها الممستشار الألماني فريدريش ميرتس في مدرسة ثانوية بغرب ألمانيا، انتقد فيها الاستراتيجية الأميركية في الحرب ضد إيران. الرّد الأميركي جاء سريعا على لسان الرئيس ترمب، وكالعادة من خارج المعجم الدبلوماسي، ومرفوقا بقرار سحب العساكر الأميركيين مـن ألمـانـيـا. رد الفعل الألمـانـي كــان هادئاً، وجـاء على لسان وزيـر الدفاع بتأكيده ضــرورة اهتمام أوروبـا مـنـذ الآن وصـــاعـــداً، بــالــدفــاع عــن نـفـسـهـا؛ فـهـل بـــدأت واشنطن تفكيك ارتباطها التاريخي بالحليف الأوروبي؟ بيان وزارة الحرب الأميركية قال إن عدد العسكريين الذين في المائة من عدد إجمالي 15 سيتم سحبهم، لا يتجاوز نسبة ألف عسكري. وفي محاولة ترضية لم تجد قبولاً، زار 38 يبلغ المستشار الألماني أحد معسكرات الجيش الألماني، وألقى كلمة عبّر فيها عن امتنانه وحبّه لوجود القوات الأميركية في ألمانيا. إلا أن كلماته لم تجد آذانا مصغية في واشنطن. الـخـطـوة الأمـيـركـيـة الــهــادفــة إلـــى سـحـب جـــزء مــن الــقــوات فــي ألمـانـيـا كـمـا هــو مـتـوقـع، لــم تـجـد ترحيبا مــن دول أوروبــــا، وهـــو مـتـوقـع؛ بــل قـوبـلـت بـانـتـقـاد حـتـى مــن بـعـض شخصيات الحزب الجمهوري الأميركي، كونها تفضي، حسب قولهم، إلى تقليص قوة حلف «الناتو». وسائل الإعلام البريطانية ذكرت أن المسؤولين الأوروبيين في انتظار إصدار وزارة الحرب الأميركية ما يسمى «مراجعة التموضع العالمي»، التي ستقرر مستقبل القوات الأميركية في أوروبا. الـتـوجـه «الـتـرمـبـي» لخفض أعــــداد الــقــوات الأمـيـركـيـة في أوروبــــا لـيـس ولــيــد الــيــوم، أو نتيجة الـتـصـريـحـات الانـتـقـاديـة للمستشار الألمــانــي، كما قـد يـظـن البعض؛ بـل يـعـود إلــى فترة ، حين أعلن عزمَه سحب 2017 ولاية الرئيس ترمب الأولى في عام ألف عسكري أميركي من ألمانيا. إلا أن قرار الكونغرس 12 نحو آنــذاك برفض السحب حـال دون التنفيذ، وحـن وصـل الرئيس جو بايدن إلى الحكم ألغاه. وزاد من عدد القوات الأميركية في بولندا ودول البلطيق. الـتـقـاريـر الإعــامــيــة ذكــــرت أن عـــدد الـــقـــوات الأمـيـركـيـة ألـف عسكري، وأن العدد الأكبر منهم 80 في أوروبـــا يقارب مــوجــود فــي قــاعــدة رامـشـتـايـن جـنـوب ألمــانــيــا، وهـــي قـاعـدة عسكرية مهمة للعمليات العسكرية الأمـيـركـيـة فـي الشرق الأوســـــط، مـنـذ نـهـايـة الـــحـــرب الـعـالمـيـة الــثــانــيــة. كـمـا يـوجـد فـي ألمانيا أكـبـر مستشفى أميركي بــأوروبــا لـعـاج الجنود الأميركيين، علما بأن الإدارة الأميركية لا تدفع إيجارات عن القواعد العسكرية، وتتكفَّل الحكومة الألمانية بدفع رواتـب الموظفين المدنيين العاملين بها. الأمـر الـذي يؤكد أن وجود القواعد العسكرية الأميركية لا يشكل عبئا ماليا على أميركا كـمـا يُــزعــم، بـقـدر مــا يـعـد شــراكــة تسهم فيها ألمـانـيـا بشكل مباشر. الـــجـــديـــر بـــــالإشـــــارة أن ألمـــانـــيـــا، عـــلـــى عـــكـــس إســبــانــيــا وبريطانيا وإيـطـالـيـا، وقـفـت إلــى جـانـب أمـيـركـا فـي الحرب الأخـــيـــرة. واســتــنــادا إلـــى تـقـاريـر إعـامـيـة، قـدمـت مـسـاعـدات لوجستية، ولـم تمنع القوات الأميركية المشاركة في الحرب مـن اسـتـخـدام قـواعـدهـا العسكرية. وقـــام المستشار الألمـانـي مـيـرتـس بـزيـارتـن إلـــى واشـنـطـن. أضـــف إلـــى ذلـــك أن ألمانيا حظيت برضا واشنطن من خلال سعيها إلى زيادة ميزانيتها الدفاعية بشكل كبير في اتساق مع مطالب الرئيس الأميركي من الدول الأعضاء في حلف «الناتو». إلا أن كل تلك المساعي لم تحل بين واشنطن وتنفيذ الـقـرار؛ فهل ستنقل واشنطن تلك القوات إلى مكان آخر في أوروبا؟ أم تعيدها إلى أميركا؟ العودة إلى أميركا تتطلَّب موافقة من الكونغرس، كما تتطلب إيجاد قاعدة لاستيعاب الجنود وإقامة عائلاتهم. يبدو أن العلاقات الأميركية - الأوروبية تقف اليوم عند مفترق طــرق تـاريـخـي؛ فبينما تـحـاول حكومات العواصم الأوروبـــيـــة الـحـفـاظ عـلـى شـعـرة مـعـاويـة مــع واشـنـطـن عبر تقديم الـتـنـازلات وزيـــادة الإنـفـاق الـدفـاعـي، تـواصـل الإدارة الأميركية المضي قدما في إعادة صياغة أولوياتها العالمية. وعـــلـــى هــــذا الأســــــاس، فـــــإن قـــــرار ســحــب الـــقـــوات الأمـيـركـيـة ليس مـجـرد إجـــراء عسكري، كما يـبـدو فـي ظـاهـره؛ بـل هو رسالة سياسية تعكس تحولا في مفهوم «المظلة الأمنية» الأطلسية، مما يضع الـقـارة الأوروبــيــة أمـــام تـحـد وجــودي لتعزيز استقلاليتها الدفاعية في ظل مشهد دولي تزداد فيه الفجوة اتّساعا بين الحلفاء القدامى. ، بُعيد غزو الكويت، فرض 1990 في حظرا دولـيّــا شاملا 661 ّ الـقـرار الأمـمـي عــلــى عـــــراق صــــــدّام حـــســـن. هـــكـــذا مُــنـع على بلاد الرافدين الاستيراد، وتصدير النفط، وهو مصدر دخلها الرئيس، كما فُرضت عليها قيود ماليّة وتجاريّة. وكــــــان لـــلـــقـــرار هـــــذا أن أضــــــاف إلـــى استبداد صـــدّام بشعبه، وهـو مـن طـراز فـــــريـــــد، إفـــــقـــــار هــــــذا الــــشــــعــــب، وتـــدمـــيـــر قـــرّرت 2003 طبقته الـوسـطـى. لـكـن فــي واشنطن غزو العراق، وقالت إن غزوها مــقــدّمــة لـبـنـاء نــمــوذج ديــمــقــراطــي فيه. بـــيـــد أن الـــديـــمـــقـــراطـــيّـــة، الـــتـــي تـبـنـيـهـا طبقة وسطى، لم تجد في العراق طبقة وسطى تبنيها. بطبيعة الـحـال لا تُلخَّص نواقص الــــشــــروط الــديــمــقــراطــيّــة فـــي ذاك الـبـلـد بـالـعـقـوبـات الــجــائــرة. غـيـر أن الأخــيــرة نموذج عن سياسة تساهم في تقويض شــروط المستقبل الــذي تعِد بـه، أو على الأقل تزعم ذلك. وهــــــذه الـــســـيـــاســـة، إذا صـــــح فـيـهـا وصف «سياسة»، مفادها أقصى العنف والـــقـــســـوة الـــلـــذيـــن يــعــاقــبــان الـضـحـايـا جـــمـــاعـــيّـــا، وهــــــو مــــا تُـــمـــلـــيـــه ردّة فـعـل عصبيّة وبدائيّة لا مكان معها لحساب الغد، أو لحياة مشتركة مع عدو اليوم. وهـــذا بالضبط مــا تفعله إسـرائـيـل في حربها على النفوذ الإيراني في المنطقة. والـــــحـــــال أن مُـــــوقّـــــع هـــــذه الأســـطـــر ليس بحاجة إلى البرهنة على تسليمه بــضــرورة التخلّص مـن الـنـفـوذ المـذكـور فـــي ســائــر امـــتـــداداتـــه، لا ســيّــمــا «حـــزب الـــلـــه» الــلــبــنــانــيّ. لــكــن الـــعـــداوة المطلقة الـــتـــي تــــــودي بـــكـــل شـــــيء فــــي طــريــقــهــا، وتترك وراءهـا كل شيء قاعا صفصفاً، إنّما تدمّر المساحة التي ينهض عليها المـــســـتـــقـــبـــل وتـــنـــهـــض الــــســــيــــاســــة. فـهـل يـــتـــخـــيّـــل الإســــرائــــيــــلــــيّــــون أنّــــهــــم ســـوف «يـــكـــســـبـــون قــــلــــوب وعـــــقـــــول» أصـــحـــاب الــبــيــوت الــتــي هُـــدّمـــت وجُــــرّفــــت، والمـــدن والبلدات التي سُوّيت بالأرض؟ أو أنّهم ســوف يقيمون بالفعل سـامـا مـع دول نُــزعـت عنها، بـقـوّة العنف المـحـض، كل قوّة وكل شرعيّة أو صدقيّة؟ صحيح أن الاضطرار يدفع الكثيرين اليوم إلى تأييد التفاوض المباشر، وإلى إجـراءات ومواقف مشابهة لم يعد منها بــــدّ. إلا أن الـعـنـف قـــد يـنـجـح فـــي فـرض الاضـــطـــرار، وفــي جعله خـيـار الـضـرورة الأوحــــد، لـكـنّــه لا ينجح فــي الارتـــقـــاء به بما يجعله خيارا حرّا تُبنى عليه منطقة مسالمة تطرد الكراهية. وفـي معرض التفسير، لا التبرير، يـــمـــكـــن الــــتــــوقّــــف عـــنـــد أســـــبـــــاب دفـــعـــت الإســـرائـــيـــلـــيّـــن إلـــــى هـــــذه الــــســــويّــــة مـن التوحّش الإباديّ: فهناك أوّلاً، وهــو السبب المباشر، ،2023 ) أكتوبر (تشرين الأول 7 عمليّة لا سيّما وقـد رافقها قـدر غير قليل من التهليل والتمجيد. فالعمليّة، وهـي لم تحصل في الأراضي التي شملها القرار ، أقـنـعـت أكــثــريّــة إسـرائـيـلـيّــة كبرى 242 بـــأن بـلـدان الـجـوار لا تملك تجاهها إلا نيّة إباديّة يمنعها ضعف القدرة وحده من أن تغدو إبادة. فمتى أضفنا «وحدة الساحات» وحربي الإسناد (وبعدهما تــحــدّثــنــا عـــن «عــــــدوان إســـرائـــيـــلـــي على لبنان»!)، تأكّدت الافتراضات الأسوأ. هـــكـــذا، وبـحـسـب الإســرائــيــلــيّــن، لا يتبقّى في مواجهة النيّة الإباديّة سوى تدمير شـروط الحياة في بلدان الجوار ضمانا للحماية الذاتيّة، فيما تتقلّص كل رغبة في السلام والتفكير بمستقبل جامع مع ذاك الجوار. أمّا ثانيا ً، وهو ما يعزّز المشاعر التي أكتوبر، فيتعلّق بمبدأ 7 أطلقتها عملية الاعـتـراف، أي الإقـــرار بالوجود أو نفيه كـإعـدام معنويّ. فحتّى اتّفاقيّة أوسلو كان الإسرائيليّون لا يعترفون 1993 في بشعب فلسطينيّ، والـعـرب، باستثناء الدولة المصريّة، لا يعترفون بإسرائيل. ومع أوسلو، اعترفت إسرائيل بمنظّمة الـــتـــحـــريـــر بــصــفــتــهــا «مـــمـــثّـــلـــة الــشــعــب الفلسطينيّ»، وفـق «رسـائـل الاعـتـراف» المـــتـــبـــادلـــة بـــن يـــاســـر عـــرفـــات واســحــق رابـــــن. بـعـد ذاك، كــانــت مــعــاهــدة وادي عـربـة الإسـرائـيـلـيّــة - الأردنـــيّـــة، ولاحـقـا الاتّفاقيّات الابراهيميّة. لكن الاعتراف بمعناه الأعـمـق، الشعبي والثقافيّ، لم يـحـصـل، وهـــو مـــا سـاهـمـت فـيـه جـهـود إيران وسوريّا الأسد والفصائل التابعة لـــهـــمـــا، والأدبــــــيّــــــات الـــتـــي ســاهــمــتــا فـي نشرها وترويجها. وإذ بـــقـــي الــــســــام «بـــــــــــارداً» حـيـث هــنــاك ســــام، ظـــل الـتـجـريـم والـتـخـويـن يـــحـــاصـــران الــتــطــبــيــع، وظـــلّـــت تـعـابـيـر «الكيان المزعوم» وما شابهها، تعيد إلى الأذهــان الشعار التاريخي عن «تحرير فــلــســطــن» والــــــــذي، إذا تـــرجـــمـــنـــاه إلـــى دم، عـــادل مئات آلاف القتلى. أمّــا صفة «الكيان الكولونيالي الاستيطانيّ» فلم تفعل سـوى تحكيم الماضي بالمستقبل واســـتـــبـــعـــاد الــســيــاســة لــصــالــح جـوهـر ماهوي عاطل لا يغيّره مُغيِّر. ومــــــن الأســــــبــــــاب أيــــضــــا أن الــــــدول الــعــربــيّــة المــعــنــيّــة، وخـــصـــوصـــا لـبـنـان، أبـــــدت مـــا يــكــفــي مـــن الــعــجــز عـــن ضبط أعــمــال عـنـفـيّــة تـتـعـدّى الـــحـــدود وتــهــدّد أمن الجوار، ما يشهد عليه تاريخ يبدأ في الستينات و«اتّفاق القاهرة»، ليبلغ أوجـــه مــع «حـــزب الــلــه» وتــحــوّلــه دويـلـة أقوى من الدولة. هكذا اندفعت إسـرائـيـل مـن الدفاع أكـتـوبـر، إلى 7 عـن الـنـفـس، بعد عملية سياسات التوحّش، مطمئنّة إلى انزياح يـمـيـنـي مـتـعـاظـم عـــرفـــه مـجـتـمـعـهـا في الــعــقــود الأخــــيــــرة، ولــــم نــكــن أبـــريـــاء في التسبّب به. وقــد تـخـرج إسـرائـيـل منتصرة من هذه الدهاليز الدمويّة. لكن في التاريخ يُـــضـــرب المــثــل بـجـنـكـيـز خــــان فـــي الــقــرن الــثــالــث عــشــر، والـــــذي دمّــــر مــدنــا مهمّة فــي آسـيـا الـوسـطـى، كنيسابور ومـــرو، وخـــرّب فيها الــزراعــة وأنظمة الـــريّ، ثم جلس منتصرا على لا شيء ولا أحد. هــــذا الـــبـــؤس قـــد يـــكـــون مستقبلنا جميعا في هذه المنطقة التعيسة. حازم صاغيّة حسن المصطفى جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky