الـخـمـيـس المـقـبـل، أي فــي الـسـابـع مــن شـهـر مــايــو (أيــــار) الحالي، تفتح مراكز الاقتراع أبوابَها في أنحاء بريطانيا كافة، استحقاقات انتخابية (بلدية 3 ليدلي الناخبون بأصواتهم في وبرلمانية محلية)، حيث يجد العماليون أنفسَهم يقاتلون، جبهات انتخابية في كل من: إنجلترا، 3 في وقت واحـد، على وويلز، وأسكوتلندا. ويراهن المعلّقون على أن مصير الزعيم العمالي السير كير ستارمر معلق بخيط واهن، ويتوقف على حجم الخسارة المحتملة. على الجبهة الأولــى، تشهد إنجلترا انتخابات المجالس الــبــلــديــة، حــيــث تـشـيـر نــتــائــج اســتــطــاعــات الـــــرأي الـــعـــام إلــى احتمال أن يُنزل «الشعبويون» - ممثّلين في حزبي «الإصلاح البريطاني» اليميني، و«الخضر» اليساري - هزيمة بالحزبين الــتــقــلــيــديــن؛ الـــعـــمـــال والمـــحـــافـــظـــن. وتـــشـــيـــر الاســـتـــطـــاعـــات إلــى احـتـمـال أن تـكـون الهزيمة الـكـبـرى لــ«الـعـمـال» فـي لندن، مــجــلــســا بـــلـــديـــا، أي نـــحـــو نـــصـــف مـا 12 بــخــســارتــهــم لــنــحــو يسيطرون عليه من مجالس. كما أن المحافظين ليسوا في مأمن من الهزائم كذلك، خاصة في دوائرهم الانتخابية التاريخية، إذ يتوقع خسارة أغلبها. استطلاعات الـرأي العام تشير إلى احــتــمــال خـــســـارة الـعـمـالـيـن أكــثــر مـــن ألــفــي مـقـعـد، وخــســارة المحافظين نصف ذلك العدد. حزب «الإصلاح البريطاني» بقيادة نايجل فاراج، يشهد قفزة تاريخية في شعبيته؛ إذ تتوقع بعض القراءات احتمالية تــصــدره فــي مـنـاطـق عـــدة، مـسـتـغـا مـلـفـات الـهـجـرة والـوضـع الاقــتــصــادي المـــتـــأزم، خـصـوصـا بـعـد الـتـداعـيـات الـنـاجـمـة عن إغـــــاق مـضـيـق هـــرمـــز. وفــــي المـــقـــابـــل، يـــبـــرز حــــزب «الــخــضــر» الــيــســاري بــقــيــادة زاك بــولانــســكــي، كـوجـهـة مـفـضـلـة للجناح الـــيـــســـاري المــنــشــق عـــن حــــزب الـــعـــمـــال، وذلـــــك احــتــجــاجــا على سياسات الحكومة تجاه القضايا الدولية، خاصة الموقف من الحرب في غزة، وقضايا البيئة. ويرى مراقبون سياسيون أن الهزيمة المتوقعة لـ«العمال» ستكون كبيرة وليست عادية، إذ قد تحرق الأرض تحت قدمي رئيس الحكومة كير ستارمر، عبر منح منافسيه داخل الحزب فرصة لإزاحـتـه مـن كرسي الـقـيـادة. ومـع ذلــك، يـرى آخـــرون أن ساحة الحزب تفتقر حاليا إلى شخصيات قيادية قوية قادرة على خــوض غـمـار منافسة مـبـاشـرة ضـد سـتـارمـر فـي الوقت الراهن. التقارير الإعلامية تشير إلى أن معركة الزعامة قادمة لا ريب بعد الانتخابات. أما في ويلز وأسكوتلندا، فستكون الساحتان مهيأتين لانـــتـــخـــابـــات بــرلمــانــيــة مــحــلــيــة، حــيــث تــتــوقــع الاســتــطــاعــات خسائر مماثلة للعمال والمحافظين لصالح الأحــزاب القومية (حزب ويلز القومي وحزب أسكوتلندا القومي)، إذ من المتوقع أن يـخـسـر الــعــمــالــيــون، لأول مــــرة، سـيـطـرتـهـم عــلــى مقاطعة ويـلـز لـصـالـح حـــزب ويـلـز الـقـومـي. وفـــي أسـكـوتـلـنـدا، أظـهـرت الاستطلاعات تقاربا شديدا في النسب بين «العمال» و«الحزب القومي الأسكوتلندي»، ما يجعل من السابع من مايو حكما حقيقيا عـلـى مــدى قــوة المـطـالـب الـقـومـيـة بعقد اسـتـفـتـاء ثـان للاستقلال عن الاتحاد البريطاني. انشغال وسائل الإعــام البريطانية بالحرب الـدائـرة في الــشــرق الأوســــط وتبعاتها الاقـتـصـاديـة لــم يـحـل بينها وبـن تخصيص مساحات لمتابعة الحملات الانتخابية في مختلف أنــحــاء الـــبـــاد، وتـحـلـيـل مــا تـنـشـره اسـتـطـاعـات الــــرأي الـعـام وانعكاساته على الحزبين التقليديين. وكـــان الـزعـيـم العمالي كير سـتـارمـر قـد حـظـي، بعد بدء الحرب ضد إيــران، بهبّة من ريـاح «حسن الحظ» رفعت فجأة من شعبيته المتدنية، نتيجة رفضه دعــوة الرئيس الأميركي ترمب الانضمام، مبررا رفضه بعدم قانونية الحرب. إلا أن تلك الهبة المفاجئة من حسن الحظ لم تستمر طويلاً؛ إذ سرعان ما خيَّمت على الأجـواء قضية بيتر ماندلسون، سفير بريطانيا السابق فـي واشـنـطـن، ليجد السير ستارمر نفسه مقيَّدا في أوحال هذه القضية. ويرى معلقون بريطانيون أن المشهد الانتخابي، كما يُرى داوننغ ستريت»، وإن كان يبدو غير مطمئن، إلا أنَّه في 10« من الوقت ذاتـه لم يصل بعد إلـى درجـة من السوء تهدّد بتمزيق وحـــدة الــحــزب أو فـتـح بـــاب الـــصّـــراع عـلـى الــقــيــادة. ومـــع ذلــك، فإنَّهم يتفقون على أن حجم الخسارة المتوقعة للحزب الحاكم قـد تفضي إلــى تقويض مـا تبقَّى مـن ثقة فـي السير ستارمر داخل أروقة الحزب. وفــي حـن يسعى اليمينيون بقيادة فـــاراج للاستحواذ على إرث المحافظين والـحـلـول محلهم، مستفيدين مـن تدفّق تبرعات كبار رجال الأعمال وتواصل ارتفاع شعبيتهم، يواصل حزب «الخضر» هو الآخر صعوده بعد فوزه التاريخي بمقعد بـرلمـانـي آخــر فـي انـتـخـابـات ثـانـويـة، كــان يشغله العماليون، وزيــــادة مـطـردة فـي عــدد أعـضـائـه. وأمـــام هــذا الــواقــع، لـم يعد أمـــام حــزب الـعـمـال ســوى الــدخــول إلــى المـعـركـة والـقـتـال يمينا ويسارا على جبهتين «شعبويتين»، ليس بهدف تحقيق فوز يبدو واقعيا بعيد المنال، بل بهدف الحد ما أمكن من الخسائر، وضمان عدم تعرض مركبهم للغرق. نظمت منذ أيام «لقاءات الجامعة الأورومتوسطية حول تحالف الــحــضــارات»، بمدينة فــاس فـي مــوضــوع: «مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي». وقد عرفت هذه التظاهرة الدولية التي كان لنا شـرف تنظيمها بشراكة مع رابطة العالم الإسلامي، وتحالف الحضارات التَّابع للأمم شخص من بينها شخصيات سياسية 2100 المتحدة، مشاركة دولــــة، إلـى 75 ودبـلـومـاسـيـة وأكـاديـمـيـة رفـيـعـة المـسـتـوى مــن جانب خبراء وباحثين وممثلين عن المجتمع المدني، فضلا عن شاب وشابة. 1400 حضور أكثر من وقـــد شــكَّــل هـــذا الــلــقــاء الـــدولـــي الــــذي نُــقــل مــبــاشــرة على منصة الأمم المتحدة، مناسبة للحوار والتفكير الاستراتيجي حــــول الـــتـــحـــولات الـعـمـيـقـة الـــتـــي تــفــرضــهــا الــــثــــورة الــرقــمــيــة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، على مختلف أبعاد الحياة الإنسانية، بما في ذلك أنماط الحكامة، والنماذج الاقتصادية، والتوازنات الجيوسياسية، والأنساق الثقافية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح عاملا بنيويا يعيد تشكيل أسس الحضارة الإنسانية، بــمــا يــفــرض ضـــــرورة اعــتــمــاد مـــقـــاربـــات شـمـولـيـة تــدمــج بين الأبــعــاد العلمية والتقنية مـن جـهـة، والاعــتــبــارات الأخلاقية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. وتـــحـــاول دول كــثــيــرة الـــيـــوم وضــــع تـنـظـيـمـات لـتـطـويـر الذكاء الاصطناعي واستخدامه في مجالات عدة، محذرة من «عواقب غير مرغوب فيها»، كتلك المخاوف المتعلقة بـ«مسألة الانخراط البشري»، إضافة إلى «انعدام الوضوح على صعيد المسؤولية»، لأنه قادر على أن يزيد بشكل هائل المخاطر حيال الأمــــن والـــســـامـــة، ويـنـتـهـك الــحــقــوق المــدنــيــة والـخـصـوصـيـة، ويـزرع الريبة ويفقد الثقة عند جمهور الناس، ناهيك بنشر الأخبار المضللة. ونتذكر كلمات «عـــرّاب الـذكـاء الاصطناعي» البريطاني - الـكـنـدي جيفري هينتون، عندما اسـتـقـال مـن «غــوغــل» في : «لقد وصلت إلى استنتاج بأن نوع الذكاء 2023 ) مايو (أيـار الذي نطوره يختلف كثيرا عن الذكاء الذي لدينا. نحن أنظمة بيولوجية وهذه أنظمة رقمية، والفرق الكبير أنَّه مع الأنظمة الرقمية لديك العديد من النسخ من مجموعة الأوزان ذاتها، ومن نموذج العالم ذاته». قبل أن يضيف: «جميع هذه النسخ تستطيع التعلم بشكل منفصل، لكنَّها تشارك معرفتَها فوراً. آلاف شخص، عندما يتعلم شخص واحـد 10 فـإن كـان لديك شيئا مــا، سيعرفه الجميع تلقائياً. وهـكـذا يمكن أن تعرف روبوتات الدردشة أكثر من شخص واحد بكثير». وقــد تـركـزت أشـغـال المؤتمر حــول مجموعة مـن المـحـاور الـرئـيـسـيـة، فــي مقدمتها حـكـامـة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، إذ تم الـتـأكـيـد عـلـى أهـمـيـة تـرسـيـخ مــبــادئ الـشـفـافـيـة، والمــســاءلــة، وقابلية التفسير، بما يعزّز الثقة في الأنظمة الذكية ويضمن استخدامها بشكل مــســؤول؛ كما تــم الـتَّــطـرق إلــى التحديات المرتبطة بجودة البيانات والتحيزات الخوارزمية، وضـرورة تطوير أطر تنظيمية دولية قادرة على مواكبة التطور السريع لهذه التكنولوجيا. وفـــي مـجـال الـصـحـة، تــم إبــــراز الإمــكــانــات الـكـبـيـرة التي يتيحُها الــذكــاء الاصطناعي فـي تحسين التشخيص الطبي وتطوير الطب الشخصي، مع التأكيد في المقابل على أهمية حماية المعطيات الصحية وضمان سلامة وموثوقية النماذج المعتمدة. أمَّـــا مـسـألـة الـثـقـة فــي الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، فـتـعـد عـامـا حاسما في اعتماد هذه التكنولوجيا، حيث تم التأكيد على ضــرورة تطوير مـؤشـرات لقياس موثوقية الأنظمة، وتعزيز آليات التحقق والمراقبة، إلى جانب إدماج البعد الإنساني في تصميم الحلول التكنولوجية. وعلى المستوى الجيوسياسي، فـإن الذكاء الاصطناعي أصـــبـــح رافــــعــــة اســتــراتــيــجــيــة لإعــــــادة تـشـكـيـل مــــوازيــــن الــقــوة الـــدولـــيـــة، مــمــا يـسـتـدعـي تــعــزيــز الـــتـــعـــاون المــتــعــدد الأطـــــراف، وتفادي مخاطر التنافس غير المنظم أو الانقسام التكنولوجي بين الدول. وهـنـاك جـانـب آخــر جــد مهم فـي هــذا المــوضــوع، ألا وهو مــســألــة الــتــحــديــات المــرتــبــطــة بـــالأمـــن الــســيــبــرانــي، وانــتــشــار المــعــلــومــات المـضـلـلـة، وخــطــابــات الــكــراهــيــة، ومـــا تـطـرحـه من تهديدات على استقرار المجتمعات والمؤسسات، مما يستدعي تـطـويـر آلــيــات فـعـالـة لـلـرصـد والاسـتـجـابـة، وتـعـزيـز الــقــدرات الوطنية والإقليمية في هذا المجال. وفي هذا الإطار، تم التأكيد على ضـــرورة دعــم بـــروز نــمــاذج مبتكرة لـلـذكـاء الاصطناعي تراعي الخصوصيات الثقافية واللغوية، بما يعزز السيادة الرقمية ويضمن ولوجا عادلا ومنصفا لهذه التكنولوجيا. ولا يخفى على كــل متتبّع لبيب أن أهـــم جـانـب فـي هذا المـوضـوع هـو الاستثمار فـي رأس المـــال الـبـشـري، خـاصـة فئة الشباب، باعتبارهم الفاعل الرئيسي في بناء مستقبل رقمي مسؤول، قادر على التوفيق بين الابتكار التكنولوجي والقيم الإنسانية. ونفهم مـن كـل هـذا الـكـام أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في القدرة على توجيهه ليكون في خدمة الإنسان، داعما للتنمية المستدامة، ومحصنا للسلم والأمـــن، ومـعـززا للتقارب بـن الثقافات والـحـضـارات، وهذا يتطلَّب لا محالة مقاربات استباقية ترتكز على اليقظة الاستراتيجية، وبناء القدرات، وتطوير آليات التعاون الدولي، بـمـا يتيح مـواجـهـة المـخـاطـر المـرتـبـطـة بـسـوء اســتــخــدام هـذه التكنولوجيا، خـاصـة فـي مـجـالات التأثير على الـــرأي العام، وتغذية النزاعات، وتهديد السلم والسلام في العالم. طـــــــــوّر عــــــالِــــــم الــــســــيــــاســــة الــــهــــولــــنــــدي - الأمـــــيـــــركـــــي أرِنــــــــــد لــــيــــبــــهــــارت مـــــا ســــمَّــــاه «الديمقراطيّة التوافقيّة» والتي بموجبها يتقاسم السلطة في البلدان المنقسمة قادة جماعاتها الاجتماعيّة الكبرى، فلا تتحكّم أي مـن تلك الجماعات بـسـواهـا. هـكـذا قـدّم البعض «الديمقراطيّة التوافقيّة» بوصفها نظريّة للمجتمعات التي ينجم استقرارها عن التعاون بين نُخب جماعاتها، ولا يتأتّى عن حكم الأكثريّة. أمّا العناصر التي يُعرّف بها المفهوم فهي إنـشـاء ائـتـافـات عريضة بين قيادات الجماعات، واحتفاظ كل واحدة منها بحق الفيتو على قرارات تراها مُهدّدة لمصالحها، وتوزيع المواقع والمــوارد بينها بشكل متناسب، وأخـيـرا تمتّع كــل جماعة بـــلـــون مـــن الاســـتـــقـــال الــقــطــاعــي أو الـحـكـم الذاتيّ. وكـــــانـــــت هــــولــــنــــدا مـــــوديـــــل لـــيـــبـــهـــارت الأصليّ. فهي مجتمع ينقسم إلى «أعمدة»: كـــاثـــولـــيـــكـــي وبـــروتـــســـتـــانـــتـــي واشــــتــــراكــــي وليبراليّ، ولكل «عمود» مدارسه وإعلامه ومــــنــــظّــــمــــاتــــه المـــنـــفـــصـــلـــة، غــــيــــر أن نُـــخـــب الجماعات تتفرّد، في أعلى القمّة، بالتعاون في ما بينها. وكان لبنان من حالات التوافق الـــرئـــيـــســـة فــــي نـــظـــر لـــيـــبـــهـــارت إلـــــى جــانــب بلجيكا وسـويـسـرا، وطبعا هـولـنـدا، وهـذا فــضــا عـــن حــــالات غــيــر مـكـتـمـلـة كـمـالـيـزيـا وقــبــرص وكــنــدا. أمّـــا لاحـقـا فـضـم باحثون آخـــرون إلــى هــذه القائمة كـــا مـن البوسنة وجـــنـــوب أفــريــقــيــا في 2003 والــــعــــراق بــعــد طورها الانتقاليّ. هـــذه الـنـظـريّــة لقيت وتـلـقـى انـتـقـادات عدّة، لكن أكثر ما يُستبقى منها هو المبدأ، أي التمييز بين نماذج ذات إجماعات قليلة وثــقــافــات فــرعــيّــة كـثـيـرة بـمـا يُــمـلـي عليها صــيــغــة «تــــوافــــقــــيّــــة» مـــــا، ونــــمــــاذج تـحـظـى بـإجـمـاعـات أكــثــر وثــقــافــات فـرعـيّــة أقــــلّ، ما يــســهّــل تـسـيـيـرهـا الــديــمــقــراطــي عــبــر حكم الأكــــثــــريّــــة. والــــحــــال أن لــبــنــان لــيــس الـبـلـد الوحيد في منطقتنا الذي يندرج في الخانة الأولى، وإن كان أشدّها نتوءاً. في المقابل، ما لا شك فيه أن أحد أكثر مـا يعطّل الـتـوافـق انــدفــاع إحـــدى جماعات الـبـلـد المـنـقـسـم إلـــى خـــوض حـــرب خـارجـيّــة لا تـقـرّهـا، لـهـذا السبب أو ذاك، الجماعات الأخـــــرى. وقـــد كـــان مــن الأســـبـــاب الضمنيّة لإعــــان حــيــاد ســويــســرا، فــي مـؤتـمـر فيينا ، والذي صاغ أوروبا بعد الحروب 1815 عام النابوليونيّة، أن البلد المذكور ينطوي على قوميّات عــدّة هي امـتـداد لقوميّات البلدان الــتــي تـــجـــاوره، فـرنـسـا وألمــانــيــا وإيـطـالـيـا. وهكذا تغدو المسافة بين الـتـورّط في حرب خـــارجـــيّـــة ونـــشـــوب حــــرب داخـــلـــيّـــة مـسـافـة قـصـيـرة جــــدّاً، مــا يـرفـع الـحـيـاد إلـــى سـويّــة الـــــضـــــرورة الـــقـــصـــوى والـــعـــقـــيـــدة الــوطــنــيّــة لشعب قرّر ألا يكون امتدادا لجيرانه. وعلى رغــم انـتـقـادات، بعضُها وجيه، لاشتغال مبدأ «التوافقيّة» في لبنان، يبقى أن هـــذا الــهــم لــم يــفــارق مـهـنـدسـي الصيغة اللبنانيّة، ما دل إليه رمزيّا اقتران استقلال بـــاســـمـــي بــــشــــارة الــــخــــوري وريـــــاض 1943 الــصــلــح. وأغـــلـــب الـــظـــن أن تـغـلـيـب الـعـاقـة بـــالـــخـــارج، مـــع الـــنـــاصـــريّـــة ثــــم مـــع الـــثـــورة الــفــلــســطــيــنــيّــة، كــــان أكـــثـــر مـــا أعـــــاق تـذلـيـل الغبن النازل بالطوائف الإسلاميّة حتّى إذا انفجرت، أواسـط السبعينات، حرب مريرة ومديدة لم تتوقّف حتّى أواخر الثمانينات، ذُلّـــل قسط كبير مـن هــذا الغبن عبر «اتّــفـاق الطائف» الذي حسّن شروط التوافقيّة. ولا يـبـالـغ مـن يـقـول الـيـوم إن الـسـاح العائق الأكبر دون تطوير أي توافُق. فهو ما يؤجّج المخاوف، ويُحل الريبة حيث ينبغي أن تسود الثقة بين أبناء وطن يُفترض أنّه واحـــــد، دافـــعـــا إلـــى حــــروب خــارجــيّــة تجعل الـتـوافـق ضـربـا مــن الاسـتـحـالـة. وهـــذا قبل أن نضيف مأساة النزوح، كامتداد للحرب، بوصفها وقودا لنزاع أهلي ضامر. ولمّا كان التوافق، في الحالة اللبنانيّة، الشرط الـشـارط لأيّــة وطنيّة قابلة للحياة، انتفت عن حزب الله وحربه صفة الوطنيّة الـــتـــي يــنــســبــهــا الـــبـــعـــض إلـــيـــهـــمـــا، وصـــــارا بالتعريف حالة مضادّة للوطنيّة. فلا يُعقل مـثـا أن يـكـون ثلثا الـلـبـنـانـيّــن عـلـى الأقـــل غــيــر مـقـتـنـعـن بــهــذه الـــحـــرب الــتــي سـيـقـوا إليها وأن تـكـون تلك الـحـرب «وطـنـيّــة»، أو أن يكون وطنيّا عــدم الاكــتــراث بمؤسّسات دولــــة منتخبة نَـــزعـــتْ، بـــدورهـــا، الـشـرعـيّــة عــن ســـاح الــحــزب إيّـــــاه، وهـــذا نـاهـيـك عمّا لا يـنـكـره الأخــيــر لـجـهـة الـعـاقـة الـعـضـويّــة بإيران وحرسها الثوريّ. أمّــــــا مــــا يــســتــنــد إلـــيـــه المــــدافــــعــــون عـن «وطــــنــــيّــــة» الــــحــــزب وحــــربــــه فـــــأمـــــور ثــاثــة مـــتـــازمـــة: الأوّل، تــعــريــف ضــمــنــي لـلـوطـن نفسه على نحو لا يعبأ بتركيب مجتمعه وثـقـافـات جـمـاعـاتـه الـفـرعـيّــة، بحيث يُــقـدّم الانــــقــــســــام الأهـــــلـــــي بـــوصـــفـــه بـــــن «يـــمـــن» و«يـــــــســـــــار»، أو بـــــن «كـــــــرامـــــــة» و«ذلّ»... والــثــانــي، تـخـويـن أكــثــريّــة كــبــرى مــن أبـنـاء الـوطـن والتشهير بها لأنّــهـا ترفض خيارا مصيريّا اخـتـارتـه أقـلّــيّــة صـغـرى وفرضته بقوّة السلاح. أمّــا الثالث، فاعتماد تعريف لـلـوطـنـيّــة لا يــقــوم عـلـى افــتــراضــهــا تـوافـقـا بـــل يــفــتــرضــهــا غــلــبــة وإخـــضـــاعـــا لـــــ«أعــــداء الشعب»، وتاليا إحــال معنى ضِـــدّي لهذه الوطنيّة المزعومة يجعلها تُقاس بالعداوة لـطـرف خـــارجـــي مــا («الــوطــنــيّــة هــي الـعـداء للإمبرياليّة والصهيونيّة»)، ولا يقيسها على مدى الانــدراج في التوافق وتطويرها إيّـــــــاه. وهـــــو، بــالــطــبــع، تــعــريــف لا يخضع لاســتــفــتــاء آراء الــجــمــاعــات بـــل يـــخـــوّن مَــن يطالبون باستفتاء كهذا. وتــــــلــــــك المـــــــواصـــــــفـــــــات لـــــئـــــن أضـــــافـــــت الاسـتـبـداد وتـزويـر المعاني إلـى اللاوطنيّة فــــإنّــــهــــا، بــــالــــحــــروب المـــتـــواصـــلـــة والأكــــــاف الإنــســانــيّــة والاقــتــصــاديّــة الـبـاهـظـة، تـهـدّد بدفع أكثريّة السكّان إلـى الاحـتـراب الأهلي الــذي يـبـدّد كـل وطـن أو وطنيّة. مـا يحصل اليوم في لبنان هو هذا بالضبط. OPINION الرأي 12 Issue 17323 - العدد Sunday - 2026/5/3 الأحد مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي «العمال» البريطاني... قتال مفروض دون انتصار وطنيَّة «حزب الله» بوصفها بالضبط عكس الوطنيَّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيَّة عبد الحق عزوزي جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky