issue17320

OPINION الرأي 12 Issue 17320 - العدد Thursday - 2026/4/30 اخلميس وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مجتمعات راسخة في محيط متالطم الصّين تختبر العالم أين ترى نفسك؟ لــم يـكـن الـفـهـم الـتـقـنـي األداتـــــي لـلـديـمـقـراطـيـة إال ضمن الـحـيـل الــثــوريــة، ذلـــك أن رســـم خـطـط الــخــاص ألي مجتمع يحتاج إلى شعارات برّاقة وجماهيرية وساحرة، وكان ملفهوم الديمقراطية دوره في إشعال جذوات الحماس لدى الحركات الراديكالية، والتحركات الجماهيرية الثورية. يؤرخ جورج طرابيشي لذلك في كتابه: «في ثقافة الديمقراطية»؛ وتحديدًا للحظة نـشـوء الـتـصـوّر املـتـواضـع للديمقراطية، إذ يــرى أن «الــقــرن الـعـشـريـن بـقـدر مــا كـــان فــي نصفه األول قـــرن اآلمـــال الــثــوريــة الـعـريـضـة، كـــان فــي نـصـفـه الـثـانـي قـــرن الـكـوابـيـس الـتـوتـالـيـتـاريـة والـبـيـروقـراطـيـات الـسـلـطـويـة. وخـيـبـة األمــل بـالـثـورة، هــذه هـي الـتـي فـرضـت طـــوال حقبة مـديـدة تصورًا متواضعًا وإجرائيًا للديمقراطية بوصفها محض آلية للحد من سلطة الدولة وهيمنتها». بمعنى آخر، فإن الجلبة الثورية أضعفت املفهوم وتنوع مـــجـــاالت اشــتــغــالــه، وتـــعـــدد وظــائــفــه وتــداخــلــه مـــع مــجــاالت ومفاهيم أخرى تعمل بنتائجها على أرض الواقع. مــن ذلـــك جـــاءت املـحـاجـجـة الــثــوريــة حـــول دول الخليج واملعنى الديمقراطي، وذلـك بغية إفـراغ املؤسسة السياسية الـخـلـيـجـيـة مـــن أي بــعــد ديـــمـــقـــراطـــي، كــــأن الــغــايــة الــوحــيــدة للمفهوم تتلخَّص في االنتخاب البرملاني أو الرئاسي، بينما الغاية من تلك اآللية وصول الحاكم ضمن تجاوب بني الحاكم واملــحــكــوم، وهـــذا آلـيـاتـه مــوجــودة فــي صـيـغ البيعة وأســس الشورى املعمول بها في دول الخليج. إننا لو عدنا إلى فلسفة العقد االجتماعي األساسيني الـــســـتـــة: تــــومــــاس هــــوبــــز، وجــــــون لــــــوك، وروســـــــــو، وكـــانـــط، وهابرماس، وراولـز، لعثرنا على تعريفات متواطئة ملعاني القبول بالتفويض السياسي، هذا مع االختلف في توصيف شكل القبول، ومعايير الـعـدل، وشــروط انـدمـاج املـواطـن في شروط الحكومة. لدى هوبز مثل فإن علمات التعاقد تكون صـريـحـة أو عــن طـريـق االســـتـــدالل، بينما يــعــرّف جـــون لـوك القبول الضمني كما يلي: «إن كل إنسان يملك أو يتمتع بجزء مـن املناطق الـتـي لحكومة مـا سـيـادة عليها يـكـون بـذلـك قد أعطى قبوله الضمني ويكون بذلك قد رتب على نفسه واجب إطاعة قوانني تلك الحكومة». ثـمـة شـــروح أخـــرى وافـيــة قـدمـهـا حـيـدر حـاج إسماعيل في دراسته التقديمية لكتاب راولز «العدالة كإنصاف» فيها يتعرض ملعنى القبول الضمني أو «األوتوماتيكي»» ويقرأ كيف وسع فلسفة العقد االجتماعي معاني القبول والرضا والتفويض، حتى من خلل «اإلقامة الدائمة» التي تعني، وإن عبر «الصمت»، االنصياع للقوانني. ثـم إن الـغـايـة مـن الديمقراطية تحقيق الـعـدالـة بكل ما تحمله من معنى، وهـذه الغاية قد تتحقق من دون الدخول بالوسائل الديمقراطية اإلجرائية السطحية التي بُنيت على ما سميناه التعريف املتواضع للمفهوم، إذ تسعى املَلَكيّات فــي دول الـخـلـيـج إلـــى ثـمـرة الــعــدالــة، وهـــذا مـنـصـوص عليه بـالـنـظـام األســاســي للحكم، والـغـايـة مـحـل سـعـي حثيث من خلل مؤسسات ترسيخ العدالة والتحاكم العادل ضد املظالم حتى من ظلم مؤسسات الحكومة أو أشخاصها االعتباريني، وهناك توجيهات أميرية وملكية تنص على سيادة القانون على الجميع بل استثناء، وهناك نماذج ملحاكمات ربح فيها املواطنون كما في قصّة امللك عبد العزيز، إذ يـروي الباحث إبـراهـيـم العتيبي فـي شــواهــده حــول الـقـضـاء فـي عهد امللك 1927 املؤسس أنـه: «وبعد وفـاة اإلمــام عبد الرحمن في عـام ادعى شخص أنه له في ذمة اإلمام مبلغ من املال، وطالب امللك عبد العزيز بالوفاء عن والـــده، وملـا طالبه امللك عبد العزيز بالبينة قال املدعي: اذهب معي إلى الشيخ، وذهب امللك معه بعد صلة الفجر إلى منزل القاضي سعد بن عتيق، وملا عرف القاضي أن بينهما دعوى لم يُدخلهما منزله، بل أجلسهما على األرض أمام املنزل. وبعد أن انتهى الحكم لصالح املدعي، انـصـرف راضـيـ، وهنا أدخــل القاضي امللك عبد العزيز إلى منزله وقال: أنت اآلن ضيفي». لقد دمّـــرت النظرة الثورية مـجـاالت علوم كثيرة، وكـان اشتغالها عـلـى املـفـاهـيـم السياسية والفلسفية كـارثـيـ؛ إذ فرّغتها من اشتعالها وحيويتها. وأبرز تلك املفاهيم املعنى األشمل للديمقراطية، وقد رأينا نماذج كثيرة في العالم لنظم ديمقراطية أسهمت في إشعال نيران الحروب، ومسخت القيم اإلنسانية، وأسَّست ألبشع صور الحكم في التاريخ. قـــبـــل أيـــــــام قـــــــرأت مــــقــــالــــة مـــشـــتـــركـــة بـــــ كـــــل مـــــن «تـــــوم كـريـسـتـيـانـو، وسـمـيـر بـــاجـــاج» ونُـــشـــرت فــي مجلة «حكمة» الفلسفية، وترجمتْها فاطمة الـشـمـان، ومــن ضمن مـا ورد فـي املـقـالـة أن كثيرين «مــــرَّروا الديمقراطية على أســـاس أن لها تـأثـيـرات مفيدة على شخصية الـرعـايـا. يتفق كثيرون مع ميل وروســو على أن الديمقراطية تميل إلـى دفـع الناس للدفاع عن أنفسهم أكثر من أشكال الحكم األخرى ألنها تجعل القرارات الجمعية تعتمد على مساهماتهم أكثر من امللكية أو األرستقراطية». الــخــاصــة؛ أن الــنــظُــم املـلـكـيّــة أثـبـتـت عـدالـتـهـا الــقــويّــة، وتماسك مجتمعاتها، ومهما مرّت به املجتمعات من أزمات فإنها تلقائيًا تلوذ بقادتها وتثق بكل إجــراءات وسياسات تحددها الدول واملؤسسات، إن نجاح الدول امللكيّة في إدارة أي واقــعــة لـيـس صــدفــة وإنــمــا هــو ثـمـرة بــــذرة ضــاربــة بهذه األرَضني. منتجات عالية الجودة، بأسعار رخيصة وخيالية، هو مَا تهدف إلى تصديره الصّني، بكميات تثير الرُّعب في القلوب. وداعــــ للبضائع سـيـئـة الـسُّــمـعـة، فـاالسـتـراتـيـجـيـة الـجـديـدة للرَّئيس الصّيني شـي جينبينغ، ال تـركـز على املـنـسـوجَــات واأللـــــعـــــاب والـــزّجـــاجـــيـــات، كـــمَـــا فـــي الـــسَّـــابـــق، بـــل الـــسَّـــيـــارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم واأللواح الشمسية. وبدال من تحفيز املستهلك الصيني على الـصَّــرف والــشــراء، كما تفعل الحكومات عادةً، قامت الصّني بتوجيه القروض واالعتمادات املالية نحو زيــادة الـقـدرة اإلنتاجية للمصانع، التي يمكنُها الـتَّــسـويـق فـي الــخــارج. وبـهـذا تبتكر الـصّــ مفهومًا جديدًا قوامُه أن النجاح االقتصادي ال يتحقّق بزيادة سرعة النمو، وإنَّما باالنتشار والتَّمدد التجاري. لهذا تذهب مليارات الدولة بشكل خاص لدعم السيارات الكهربائية، والبطاريات والطاقة املــتــجــددة، بـحـيـث يــتــم تـهـدئـة الــحــركــة فــي الـــداخـــل، وإحــــداث صدمة في العالم. وقـبـل أن ننسَى خـبـر الـفَــائـض الـتّــجـاري الصّيني الـذي تـــجـــاوز تـــريـــلـــيـــون دوالر الـــعـــام املــــاضــــي، أظــــهــــرت الــبــيــانــات الرسمية، رغـم الحرب حامية الوطيس، زيــادة في الصادرات في املائة في األشهر الثلثة األولـى 15 الصينية بلغت نحو من السَّنة الحالية، مقارنة بالفترة نفسها من العام املنصرم. الـــفـــضـــل يـــعـــود لـــلـــقـــفـــزات الـــكـــبـــيـــرة فــــي مــــجــــاالت الــــذكــــاء االصطناعي وأشـبـاه املـوصـات، واأللــيــاف الضوئية، بحيث في املائة، وقس 336 إن هذه األخيرة وحدَها ارتفعت أرباحُها على ذلك. هكذا انتقلنا من مقولة «الصني مصنع العالم» إلى «الصني مختبر الـعـالـم»، إذ تتحوَّل الربحية الكبرى، مـن الصناعات التقليدية إلـــى املـنـتـجـات التكنولوجية املـبـتـكـرة، وحـتـى في قطعها الصغيرة الضرورية، ملصنِّعي الطائرات والسيارات. ولـو قُــدّر للحرب أن تؤثر في نتائج النصف الثاني، كما هو متوقعٌ، فالصينيون يعوّلون بعد ارتفاع أسعار البترول على تعويض خسائرهم من معدّات الطاقة النظيفة التي يحتكرون في املائة من صناعتها الكلية. 80 أكثر من وجـــاء ملف «الفاينانشال تايمز» عـن الـصّــ الــذي نُشر مؤخرًا، حـول صدمة الصني الصّناعية الثانية التي ستُغرق الــعــالــم بـالـبـضـائـع، ليجعل الـخـائـفـ أصــــاً، يــرتــعــدون مما يــنــتــظــرهــم. صـحـيـح أن الـــصـــ تـعـيـش تـــبـــاطـــؤًا، ويـسـتـهـلـك سكانُها اقـــل مـن ذي قـبـل، ولـهـا مشكلتُها البنيوية الـتـي ال يستهان بها، لكن املصانع عـددُهـا ينمو، ووصلت إلـى ستة ِمليني، منها ما يعمل على مدار الساعة، بهدف الدَّفع بأكبر قـــدر مــن الـبـضـائـع إلـــى خـــارج الـــبـــاد، فيما يشبه تسونامي غير مسبوق. وهو ما ينظر إليه أغلب الغرب على أنه تهديد فائق، ال بد من محاربته. ولكن كيف؟ هل رفع الضرائب كما فعلت أميركا يكفي لحماية الصناعات املحلية؟ وماذا إن كانت املنتجات الصينية ال بديل عنها؟ أو أن أسعارها انخفضت إلى حد ال يقاوَم؟ 17 سيارة «بي واي دي» الشهيرة نزل سعرها إلى نحو ألـف دوالر، بعد أن كانت بعشرين، كذلك نقص سعر سيارة شــركــة «نـــيـــو» الــريــاضــيــة، مـــا يـــقـــارب الـــربـــع. وبـحـكـم اإلغــــراء » الصينية، 7 التصميمي واملـــالـــي، صــــارت ســيــارة «جــايــكــو ألــــف جـنـيـه إســتــرلــيــنــي، األكـــثـــر مبيعًا 29 الــتــي تــكــلِّــف نــحــو فــي بـريـطـانـيـا. كـيـف ال تـخـتـرق الـصـ وبـمـقـدورهـا أن تبيع سيارتها أو أيًّا من منتجاتها بنصف السعر األوروبي أحيانًا، وترضى بهامش ربح بسيط! وهو ما يمكن أن يتسبَّب بإفلس أو إحباط للمصنِّعني في أي دولة اخرى، إال الصني. أنت أمام دولة ال يزال التمويل فيها رخيصًا، والحكومة داعمة، وموجِّهة ومشرفة، كاألم الحنون. ويعرف الصينيون أن الربح السريع ليس الهدف، بل السعي النهائي هو للسيطرة على السوق وامتلكها لسنوات مقبلة، عندها يمكن استدراك ما فات. أمَّا اليوم، فهي مرحلة التأسيس والتمدد وإثبات الذات، ومحاولة تعويض الربح القليل بالبيع الوفير. وإن كان الغرب يغلق أبوابه أو يواربها في وجـه هجوم البضائع الصينية، فأفريقيا كلها مشرعة، وأميركا اللتينية متاحة، وآسيا سوق كبيرة، والعالم العربي متعطش، وإن بدت املخاوف جمّة على الصناعات املحلية الصغيرة التي ال تزال تقاوم، في بلدان مثل مصر واملغرب ولبنان وحتى سوريا. كــانــت الــصــ فـــي الــعــقــود الـقـلـيـلـة املــاضــيــة مستعجلة، تسير بسرعة البرق، وتُنتج أي شيء يباع... النتيجة فقاعات عــقــاريــة، وديــــون كـبـيـرة، وأزمـــــات اجـتـمـاعـيـة. أمـــا وقـــد أمَّــنـت لنفسها مــكــانــة فـــي الــصــفــوف األولـــــى، فـقـد جـــاء وقـــت ضبط عقارب الساعة، وإعادة التوازن إلى االقتصاد. وكي تتصدر الصني الجميع بحق، وهو ما تسعى إليه، فـإنـهـا تـعـمـل بـــتـــؤدة، وبـكـثـيـر مــن الـتـأنـي والـتـخـطـيـط طويل الـنـفـس. والتحضير هـو لـعـامـات تـجـاريـة بــرّاقــة، وأســعــار ال تنافَس، وقدرة على اختراق األسواق والسيطرة عليها برضا املتسوقني ومحبتهم. األفكار التي أعرضُها اليوم مستقاة من كتاب «طبيعة الـتـحـيـز» لـعـالـم الـنـفـس األمــيــركــي غـــــوردون ألـــبـــورت، وهـو مرجع كلسيكي في هذا الحقل. اطلعت على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكَّرني به ما أرى مـن ملسنات على مـواقـع الـتـواصـل االجتماعي حول مسائل معقولة وغير معقولة، يشارك فيها شبان صغار، ورجال أو نساء يفترض أنَّهم ناضجون، من الدول العربية كافة من دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعات كالحرب الــدائــرة بـ إيـــران والــواليــات املـتـحـدة، والـحـرب على غـزة، ومشكلت الـسـودان وسـوريـا والـخـافـات الـدائـرة بـ هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة أو متخيلة عن نزاعات شخصية، فتعمم على أهل البلد كله. ال أستطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكنّي واثق أن الذين يتابعون وسائل التواصل االجتماعي يعرفونها. وغـرضـي هـو التنديد بـهـذه الـظـاهـرة، ولـيـس الـتـوسـع في شرحها. إن اتساع تلك امللسنات وتنوعها دليل على أنَّها ليست عابرة، وليست أخطاء فردية أو محدودة. ال أريـــد أيـضـ تهويل املــوضــوع، وال تصوير املجتمع العربي كما لـو أنَّــه يعيش «حــرب الجميع على الجميع»، حـسـب وصـــف تـــومـــاس هـــوبـــز. أتـفـهـم حـقـيـقـة أن أصـحـاب األصوات العالية قلة، لكن تأثيرهم واسع النطاق. بالعودة للبروفسور ألبورت، فهو يبدأ كتابه بشهادة لألديب اإلنجليزي شارلز المب: «أقر بأني أالحظ الفوارق بني الناس، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة، أنـا كتلة مـن التحيزات، مـن الحب والكراهية والتعاطف واللمباالة». أورد الكاتب هــذا الشاهد كـي يقول إن التحيز ليس ظاهرة غريبة، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هــو تحولها إلـــى مـوقـف عـــام ومــبــرر لـلـعـدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن أن كثيرًا منا قد الحظ شبيهًا لها): فــي روديــســيــا، مـــر ســائــق شـاحـنـة أبــيــض بـجـمـع من األفارقة العاطلني عن العمل. فهمس قائلً: «إنهم كسالى مـــتـــوحـــشـــون». بــعــد ســـاعـــات قــلــيــلــة، رأى جـمـعـ مـمـاثـا كغم على شاحنة، 90 يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها وهـــم يـغـنـون بـحـمـاس. فتمتم قـائـاً: «مـتـوحـشـون! مــاذا تتوقع منهم؟». هـذا السائق كـان يحتقر األفــارقــة، فحكم عليهم أوال بـالـكـسـل والــوحــشــيــة ألنــهــم ال يـعـمـلـون، ثـــم حـكـم عليهم بالوحشية ألنهم يعملون بحماس. نعلم طبعًا أن حكمه مــدفــوع بالتحيز، ولـيـس وصـفـ مـحـايـدًا أو موضوعيًا. ولــو كــان األشـخـاص الـذيـن رآهـــم مـن نفس عـرقـه، فلربما تعاطف معهم. ولـو فكر فـي عملهم بـذاتـه، دون ملحظة لون بشرتهم، فلربما أصدر أحكامًا متفاوتة في الحالتني. مـــن هـنـا يـــرى ألـــبـــورت أن أبــســط تـعـريـف للتحيز هو أنه «سـوء الظن باآلخرين دون مبرر كـافٍ». هذا يركز على الـتـحـيـز الـسـلـبـي. كـمـا يستشهد بـتـعـريـف قـامـوسـي يذكر الجانبني السلبي واإليـجـابـي: «التحيز شعور إيجابي أو سلبي، تجاه شخص أو شيء، ال يستند إلى تجربة فعلية». الــجــانــب األكـــثـــر ســــوءًا فـــي الـتـعـصـب أو الـتـحـيـز هو تحويل انطباع عن عدد قليل من األشخاص، إلى موقف عام ضد شعب بأكمله. نعلم أن مثل هذا املوقف مرجعه ميل اإلنسان لألحكام املـبـسـطـة، طـاملـا كـانـت مقبولة فــي املـحـيـط االجـتـمـاعـي. املشكل أن التعبير السلبي عن التحيز أو التعصب يضعه فـــي خــانــة الــكــراهــيــة. وهــــذا يـسـتـدعـي أن نــســأل أنفسنا دائمًا: أين نود االصطفاف... بني أهل املحبة أم بني أهل الكراهية؟ توفيق السيف فهد سليمان الشقيران سوسن األبطح

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==