issue17317

هل كان إصدار مجلة سنوات 8 «البعثة» لمدة مقدمة حبلى 1954 حتى سنة سنوات بولادة 4 آذنت بعد تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها... مجلة «العربي»؟ الثقافة CULTURE 18 Issue 17317 - العدد Monday - 2026/4/27 الاثنين حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان فــي كـتـابـه الـجـديـد «الــوعــد الـــزائـــف: لا تطلب من الـذكـاء الاصطناعي مـا لا تستحق»، الـصـادر عـن دار ، يقدّم الكاتب 2026 خريّف للنشر في تونس مطلع عام والصحافي العراقي كرم نعمة عملا فكريا يندرج في منطقة نــــادرة بــن الفلسفة والأدب والـنـقـد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلـى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فــيــه الــــحــــدود بـــن الـــخـــيـــال والـــبـــرمـــجـــة، وبــــن الـرغـبـة والمعرفة. مـنـذ صـفـحـاتـه الأولـــــى، يـضـع نعمة الـــقـــارئ أمــام مــفــارقــة مـــركـــزيـــة: أن الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، الــــذي بــدأ كــــــأداة مـــســـاعـــدة لـــإنـــســـان، صــــار يـــهـــدد جــــوهــــره، أي قــدرتــه عـلـى التفكير والـتـعـبـيـر. وفـــي مـقـدمـة الـكـتـاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام حـن أوكـلـت إلــى بـرنـامـج آلــي كتابة افتتاحية، 2020 ليعتبرها لحظة ميلاد «الـوعـد الــزائــف» الــذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بـن الإغـــراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة. الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعــادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يـــقـــول نـعـمـة إن «الآلـــــة تـــقـــدم لــنــا الــنــهــايــة بـــا بـــدايـــة، الـنـتـيـجـة بـــا صــــــراع»، وهــــي جـمـلـة تـخـتـصـر المــوقــف الأخلاقي للكتاب كله. فــي عــنــوان «اســتــحــواذ عـلـى ملكيتنا الـفـكـريـة»، ينتقل الكاتب إلــى الـواقـع الثقافي، مستعرضا كيف أصــبــحــت الـــنـــمـــاذج الــلــغــويــة تــقــتــات عــلــى الـنـصـوص البشرية لتنتج محتوى بـا مـؤلـف. ويستشهد هنا بـــتـــجـــارب روائــــيــــن وصــحــافــيــن غـــربـــيـــن، مــثــل كيت مـــوس وأنـــــدرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قـد تتحوَّل إلـــى شـكـل جــديــد من الـــنـــهـــب الأدبــــــــي. ثـــم، يــــطــــرح ســــــــؤالا أكــثــر عــمــقــا: هـــل يــمــكــن أن يــســتــمــر الإبــــــــداع فـي عـــــالـــــم تُـــــخـــــتـــــزل فــيــه الــتــجــربــة الإنـسـانـيـة إلى بيانات تدريب؟ أمـا في «بديهية ديـــكـــارت عـنـد الـذكـاء الاصــــــــــطــــــــــنــــــــــاعــــــــــي»، فيعيد الـكـاتـب طـرح الــســؤال الـقـديـم «هـــل يفكر الــذكــاء الاصـطـنـاعـي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضا آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلـة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تــعــرف الــشــك ولا الــتــجــربــة، وهــمــا جــوهــر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم. بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعا عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير. ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شــات جي بي تـي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المـقـارنـة تمنح الـكـتـاب بـعـدا أدبـيـا عميقاً، إذ يتحول الـذكـاء الاصطناعي إلــى شخصية رمـزيـة فـي سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب. من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يــقــدِّم قــــراءة فـكـريـة متماسكة بلغة شـاعـريـة، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنـصـار التقنية. ومـع ذلــك، فـإن قـوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلـى سـؤال فلسفي، لا إلى موقف أخـاقـي. فهو لا يدين الـذكـاء الاصطناعي، بل يستخدمه كـمـرآة لفحص الإنـسـان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس فـي الآلـــة، بـل فـي رغبتنا بـأن تكون الآلـة مرآتنا الكاملة. في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملا يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبــــداع، وكتأمل فلسفي فـي معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبـــي عـن هشاشة الإنـسـان أمـــام وعـــوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعدا بالخلاص، بـل اختبارا جـديـدا للوعي، وأن الإنـسـان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالبا بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى. تونس: «الشرق الأوسط» وفّر البلد مبكرا استقرارا نفسيا وحرية فكرية للأكاديميين الوافدين المشاركة الكويتية في الثقافة العربية ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة م حـن تـواصـل معي محمد طنطاوي، 1973 مــحــرر الاســتــطــاعــات الـصـحـافـيـة عــن المــدن الــعــربــيــة والإســــامــــيــــة، لمــســاعــدتــه فـــي فتح أبــــواب مدينتي (الـقـطـيـف) أمـــام قـــراء مجلة «الــعــربــي» المستمتعين بــدخــول عــوالــم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة. كنت وقتها طالبا في المرحلة الثانوية، وقــــد بـــــدأت خـــطـــواتـــي عــلــى درب الـصـحـافـة المــثــيــر، مـتـابـعـا مـــا كــــان يـــــدور فـــي صـحـافـة لـبـنـان ومـصـر والــكــويــت، حـيـث أتـسـابـق أنـا وزمـائـي على اقتناء مـا تصدر مـن صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تـــشـــدنـــا بـــمـــحـــتـــواهـــا المــــوســــوعــــي الــــجــــذاب، خـــاصـــة حـــديـــث رئـــيـــس تــحــريــرهــا الـشـهـري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لـنـدن، ليصبح المـشـرف على مـركـز البحوث الــعــلــمــيــة. لـــقـــد أهّـــلـــتـــه ثــقــافــتــه المــوســوعــيــة الـجـامـعـة بــن الـعـلـم والأدب لــيــرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد). لـــعـــل انــــحــــســــار دور المـــــجـــــات الأدبــــيــــة فـــي مــصــر فــيــمــا بـــن الـــحـــربـــن الــعــالمــيــتــن؛ «الــــكــــاتــــب المـــــصـــــري» بــــرئــــاســــة طــــه حــســن، و«الثقافة» لأحمد أمـن، و«الرسالة» لأحمد حسن الــزيــات، كـأنـه حفز النخبة الكويتية مــن مثقفين وأدبــــاء ورجــــال مـــال وأعــمــال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بـــالـــكـــويـــت الـــصـــغـــيـــرة إلـــــى اهـــتـــمـــام الـــعـــرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقــــد اســتــضــافــت الـــكـــويـــت قــبــل اسـتـقـالـهـا رمـــوزا مـن مناضليهم، فــارّيــن مـن اضطهاد الاستعمار الأوروبي. ويـــدهـــش المــطــلــع عــلــى تـــاريـــخ الــكــويــت الـــثـــقـــافـــي كـــيـــف قــــــام عـــلـــمـــاؤهـــا وأدبـــــاؤهـــــا وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات الـتـراث العربي والإســـــامـــــي، وتــبــنــي فــتــح مــكــتــبــات عــامــة، وإنشاء مــدارس، وإصــدار صحف ومجلات، رغـم ضعف الإمـكـانـات الطباعية، تـأثـرا بما كــــان يــصــل إلــيــهــم عــبــر ســفــن الـــغـــوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلـى أقـرب جـار للكويت، فإذا مجلة 1928 بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة «الـــكـــويـــت»، وهـــاشـــم الــرفــاعــي بــعــده يـصـدر صحيفة من البصرة. حـــــن قـــابـــلـــت أحــــمــــد الــــســــقــــاف الأديــــــب في برنامجي «هذا هو» 1994 والشاعر سنة »، فتح أمامي صفحات ما MBC« عبر قناة جـرى تحضيرا لإصــدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة الـنـشـر والمـطـبـوعـات قـبـل الاسـتـقـال - أي وزيــر الإعــام بعده - واستقر الــرأي على إصـــــدار مـجـلـة بــاســم «الـــعـــربـــي»، وقــــد كُــلّــف الــســقــاف بـالـسـفـر إلـــى أهـــم عــواصــم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها. م السفر جوا إلى بغداد، 1957 فبدأ سنة مجتمعا بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمـــحـــقـــق مــحــمــد بــهــجــة الأثــــــــري، ودكــــاتــــرة مــن جـامـعـة بــغــداد. غـــادر بـعـدهـا إلـــى لبنان متواصلا مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فــؤاد أفـــرام البستاني، الــذي أصـدر هـــو وأخــــــوه يــعــقــوب مـجـلـة «المــقــتــطــف» في القاهرة، أسوة بما أصـدره قبلهما جورجي زيـــــدان وأخـــــوه إمـــيـــل؛ مـجـلـة «الــــهــــال»، وآل تقلا الذين أصــدروا جريدة «الأهـــرام»، أثناء هجرة الـشـوام إلــى مصر فـــرارا مـن الطغيان العثماني. ولم ينس السقاف في رحلته التاريخية هــــــذه الإفــــــــــادة مـــــن خــــبــــرة مـــحـــقـــقـــي الــــتــــراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكرا من علمهم في طباعة عدد مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخرا - المجلس الوطني للثقافة والـــفـــنـــون والآداب مـــن طــبــاعــة مـعـجـم «تـــاج الـــــعـــــروس» لـــلـــغـــوي مـــرتـــضـــى الـــزبـــيـــدي فـي أربعين جزءاً. أمــا الأمـــر المثير حقا فـي رحـلـة السقاف التحضيرية هـذه لإصـــدار مجلة «العربي»، فــهــو إقــنــاعــه الــســريــع أحـــمـــد زكــــي - الـــوزيـــر الــــســــابــــق والمــــــشــــــرف عــــلــــى مــــركــــز الـــبـــحـــوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانيا واجتماعيا وثقافيا حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية. ونــظــرا لـتـوفـر إرادة سياسية طموحة، فـقـد ســافــر الــســقــاف - وقـــتـــذاك - إلـــى ألمـانـيـا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كـان ضعف مستوى الطباعة في الكويت مـنـذ بــدايــة الــقــرن الـعـشـريـن سـبـبـا فــي تعثر اسـتـمـرار مـا حـاولـه بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات. هــــكــــذا صــــــدر الـــــعـــــدد الأول مـــــن مـجـلـة ،1958 ) «العربي» في ديسمبر (كانون الأول ليكون مـن حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامنا مع صدورها. في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كـــانـــت إذاعـــــــة الـــكـــويـــت هــــي الأخـــــــرى تـشـكـل مصدرا معرفيا لجيلي، بما كان يصل إليها مـــن مـــشـــاركـــات بــعــض الأكـــاديـــمـــيـــن الــعــرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها ، وكـــــان فـــي طليعتهم 1966 الـــولـــيـــدة ســنــة الـدكـاتـرة عبد الرحمن بـــدوي، وزكــي نجيب مـحـمـود، وشــاكــر مصطفى، ومـحـمـود علي مكي، وأحـمـد أبـو زيــد، وفـــؤاد زكـريـا، الذين وفرت لهم الكويت جوا من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية. فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم مـا ألـفـه عبد الرحمن بـــدوي مـن كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقــــد أصـــبـــح أســــتــــاذا لـلـفـلـسـفـة فـــي جـامـعـة الـــكـــويـــت جــنــبــا إلـــــى جـــنـــب مــــع زكـــــي نـجـيـب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بــحــوارات رمـضـان لاونـــد، المـذيـع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت. فـقـد وجـــد هـــذا المـفـكـر المـــصـــري فـــي جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الـكـتـب الـتـراثـيـة، فـرصـة ذهـبـيـة للاستغراق فـي قـراءتـهـا، بعدما انكب على قـــراءة الفكر الأوروبــــــــــي بــــمــــدارســــه الــفــلــســفــيــة والأدبــــيــــة المـخـتـلـفـة، أثــنــاء دراســتــه مـنـذ الأربـعـيـنـيـات الميلادية فـي جامعة لـنـدن. ورغــم أنـه حـاول اســـتـــدراك مــا فـاتـه عـربـيـا وإسـامـيـا بكتابة بـــحـــثـــه الـــــدســـــم عـــــن الـــفـــيـــلـــســـوف والــــعــــالــــم الـكـيـمـيـائـي جــابــر بــن حــيــان، المـنـشـور سنة فـي سلسلة «أعـــام الــعــرب» المصرية، 1960 فـــإن ذلـــك لــم يــشــف غـلـيـلـه، وقـــد بـــدأ يشتغل على أطروحته حـول «الأصـالـة والمعاصرة» الــجــامــعــة بـــن روحـــانـــيـــة الـــشـــرق وعـقـانـيـة الــغــرب، كـمـا تطارحتها مـعـه فــي برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في م؛ أي بعد عودته 1978 شقته القاهرية صيف مـن الكويت بخمس سـنـوات، بعدما استقر .1973 إلى 1968 بين أروقة جامعتها منذ وفيها أكــد تدينه المستنير كما يذهب تـلـمـيـذه دكـــتـــور إمــــام عــبــد الــفــتــاح إمــــام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كـتـب الـــتـــراث الــعــربــي الإســـامـــي عــن تأليف كـــتـــابـــه «تـــجـــديـــد الـــفـــكـــر الــــعــــربــــي» الـــصـــادر م، وكتابه الآخــر المكمل «المعقول 1971 سنة واللامعقول في تراثنا الفكري». انـــظـــر إلــــى مـــا كــتــبــه فـــي مــقــدمــة كـتـابـه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فــــإذا هـــو يــحــس الــحــيــرة تـــؤرقـــه، فـطـفـق في الأعــــوام الأخــيــرة الـتـي لا تـزيـد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الـكـويـت - يـــزدرد تـــراث آبـائـه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلـى ثقافة مـوحـدة متسقة يعيشها مثقف حـي فـي عصرنا هـــذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصـيـل فـي نظرة واحـــدة؟»، ويـخـتـم مـحـمـود مـقـدمـتـه بـجـمـلـة: «جـامـعـة .»1971 ) الكويت في يونيو (حزيران بـعـد سـنـة مــن مــغــادرتــه إلـــى مـصـر عـاد إلى الكويت ثانية مشاركا ببحثه «الحضارة وقضية الـتـقـدم والـتـخـلـف» فـي نـــدوة كبرى أبــــريــــل (نــــيــــســــان) سـنـة 12 و 7 عُــــقــــدت بــــن م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على 1974 اخـتـاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة مـــن جــامــعــة الـــكـــويـــت وجــمــعــيــة الـخـريـجـن الكويتية، لمناقشة «أزمـة التطور الحضاري فــــي الــــوطــــن الــــعــــربــــي»، إيـــمـــانـــا مــــن مـفـكـري الـعـرب بمسؤوليتهم القومية أمــام التاريخ وأمــــــام الأجـــيـــال الــعــربــيــة المــقــبــلــة، وشـــعـــورا منهم - كما جــاء فـي بـيـان الـنـدوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية فـي تطورها المـتـسـارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والـــــــتـــــــراث الــــعــــربــــي الإســـــــامـــــــي، وتـــبـــعـــات الاستعمار الغربي في المجتمع. قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت حول نفس الموضوع، 2014 في الكويت سنة بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجـــــدنـــــا عــــــــددا مـــــن المـــفـــكـــريـــن الـــــعـــــرب مـنـذ منتصف السبعينيات المـيـاديـة يشتغلون عــلــى مـــا أثـــارتـــه الـــنـــدوة الأولـــــى مـــن قـضـايـا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقدا هيمنة الـــتـــراث الــفــكــري عــلــى الــعــقــل الــعــربــي طـــوال قـرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي». وهــــــو مـــــا عـــالـــجـــه قـــبـــلـــه دكـــــتـــــور طـيـب تـيـزيـنـي، أســتــاذ الفلسفة بـجـامـعـة دمـشـق، فـي كتابه «مـشـروع رؤيــة للفكر العربي في الــعــصــر الـــوســـيـــط» بــــأجــــزاء عـــــدة، ثـــم عـمّــق أطـــروحـــتـــه حــســن مــــروة بـكـتـابـه «الــنــزعــات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة ، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب 1978 المــــاركــــســــي، بــتــحــلــيــل الـــــتـــــراث وفـــــق مــقــولــة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته. وهـــذا مـا فعله محمود أمــن الـعـالـم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقدا موقف المــثــقــف الـــعـــربـــي مـــن قـضـيـة «الـخـصـوصـيـة والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازيا ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من الــعــالــم ســـوى اســتــدعــاء الــتــصــور المـاركـسـي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيـــه أسـاسـا آيديولوجيا في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي. على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والـفـنـون والآداب الكويتي، بأمانة الــشــاعــر المــثــقــف أحـــمـــد مـــشـــاري الـــعـــدوانـــي، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصـــدار كتاب «عـالـم المـعـرفـة»، بـالإفـادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة». وفـــي طليعة أولــئــك دكــتــور فـــؤاد زكـريـا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشارا دؤوبا صبورا وفعالا لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفا وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره ، متوخيا طباعة 1973 هذا بعد تأسيسه سنة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي. هـــذا مــا وجــدتــه شخصيا وأنـــا أتمشى فــــي «شــــــــارع الـــحـــبـــيـــب بـــورقـــيـــبـــة» بــتــونــس ، مقتنيا إصــــداره الأول؛ كتاب 1978 صيف «الـحـضـارة»، تأليف دكـتـور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كـتـاب «عـالـم المعرفة» عـلـى تــوالــي الـسـنـن شــهــرة عـربـيـة واســعــة، شاكرة جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة إلى يومنا هذا؛ إذ 1961 منذ استقلالها سنة شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة ذات الــــدراســــات 1970 «عـــالـــم الـــفـــكـــر» ســنــة الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكــــتــــور أحـــمـــد أبـــــو زيــــــد، ومـــجـــلـــة «الــثــقــافــة الــــعــــالمــــيــــة» ذات المـــــوضـــــوعـــــات المــــعــــاصــــرة المترجمة، وكـتـاب «عـالـم المـعـرفـة»، منظومة ثقافية راقية. يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية الــافــتــة، الــتــي شـكـلـت أســـاســـا راســـخـــا لـقـوة الــعــرب الـنـاعـمـة، انـطـاقـا مــن الـكـويـت التي على تبني وتمويل «الخطة 1979 عملت منذ الـــشـــامـــلـــة لــلــتــنــمــيــة الـــثـــقـــافـــيـــة»، بــمــشــاركــة أبـــرز الـخـبـراء الـعـرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة ، بحماس الوزير 1968 الـــدول العربية سنة المـــثـــقـــف عـــبـــد الـــعـــزيـــز حـــســـن فــــي اجـــتـــمـــاع المــنــظــمــة الــتــحــضــيــري بـــالـــطـــائـــف، مـتـعـهـدا رعـايـة الـكـويـت تلك الـخـطـة، بوصفه رئيسا للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كـان مشرفا على «بيت الطالب ، بـإصـدار 1946 الكويتي» فـي الـقـاهـرة سنة مجلة «الـبـعـثـة»، مستكتبا مثقفين وأدبـــاء كويتيين وعربا فوق صفحاتها. يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة كـان مقدمة 1954 ثماني سنوات حتى سنة حبلى آذنـــت بـعـد أربـــع ســنــوات بــــولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟ عبد الرحمن بدوي فؤاد زكريا أحمد السقاف محمد رضا نصر الله

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky