العاهل المغربي يطالب الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»

حمل الجزائر مسؤولية حله.. وعد مبادرة الحكم الذاتي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده

الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
TT

العاهل المغربي يطالب الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»

الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)
الملك محمد السادس لدى القائه الخطاب مساء أول من أمس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء وإلى جانبه شقيقه الأمير مولاي رشيد (ماب)

طالب العاهل المغربي الملك محمد السادس الأمم المتحدة والدول الكبرى بموقف واضح من «نزاع الصحراء»، وقال إنه «في الوقت الذي يؤكدون فيه أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية».
وحمل الملك محمد السادس، في خطاب ألقاه، الليلة قبل الماضية، بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، الجزائر مسؤولية حل «النزاع»، مؤكدا أن مبادرة الحكم الذاتي «هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، وعبر عن رفض بلاده لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، وإعادة النظر في مهام (مينورسو) أو توسيعها».
ودعا الملك محمد السادس إلى إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق في الأقاليم الجنوبية (الصحراء)، وتفعيل الجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي)، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، مشيرا إلى أن «السنة المقبلة ستكون حاسمة لمستقبل المنطقة». وفي هذا السياق أوضح العاهل المغربي أن «الجهوية التي نتطلع إليها ليست مجرد نصوص قانونية، وتحويل اختصاصات وموارد مادية وبشرية، من المركز إلى الجهات (المناطق)، وإنما نريدها أن تقوم على الغيرة الوطنية الصادقة، وعلى الوحدة الترابية لبلادنا»، وتابع: «إننا نريد مناطق وجهات متضامنة ومتكاملة، غيورة على بعضها البعض، فالمغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية، وهم عندنا سواسية، لا فرق بين الجبلي والريفي، والصحراوي والسوسي»، ومن هذا المنطلق، فإن البحث الأكاديمي - يضيف الملك محمد السادس: «في مكونات هويتنا، مفيد لترسيخ الوحدة الوطنية، أما النقاش الذي يقوم على التعصب، ويميل لزرع التفرقة، فلا يسمن ولا يغني من جوع، ومن يدعي أنه لا ينتمي لهذا المزيج، فهو مخطئ، ومن يحاول إثبات عكس ذلك قد يفقد صوابه».
وأوضح الملك محمد السادس أن الجهوية التي يريدها هي «استثمار لهذا الغنى، والتنوع البشري والطبيعي، وترسيخ لهذا التمازج والتضامن والتكامل بين أبناء الوطن الواحد، وبين جميع مناطقه، فالمغرب الموحد الجهات لا يعني أبدا التعصب القبلي، ولن يكون عاملا للتفرقة والانفصال لأنه أمر ممنوع، سواء في الدستور القديم، أو الجديد».
وقال الملك محمد السادس إنه «مرت 40 سنة من التضحيات من أجل استرجاع الأرض، وتحرير الإنسان، وتكريم المواطن المغربي بالصحراء، وكسب قلبه، وتعزيز ارتباطه بوطنه»، مستحضرا في هذا الصدد «جميع الذين قدموا حياتهم، في سبيل الدفاع عن الصحراء، وبينهم أمهات وآباء من جميع أنحاء الوطن فقدوا أبناءهم في الصحراء، وأرامل تحملن أعباء الحياة وحدهن، وأيتام لم يعرفوا حنان الأب من أجل الصحراء، وهناك شباب فقدوا حريتهم، وعاشوا أسرى لسنوات طويلة، في سبيل الصحراء».
فالصحراء - يضيف العاهل المغربي: «ليست قضية الصحراويين وحدهم بل قضية كل المغاربة، وكما قلت في خطاب سابق: الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود، والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
وإضافة إلى التضحية بأرواحهم قال الملك محمد السادس: «إن المغاربة قدموا أشكالا أخرى من التضحيات، المادية والمعنوية من أجل تنمية الأقاليم الجنوبية، وتقاسموا خيراتهم مع إخوانهم في الجنوب»، مذكرا بالوضع الذي كانت عليه الصحراء قبل 1975، وأضاف أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة سنة 1975، كانت أقل من 6 في المائة من جهات شمال المغرب، و51 في المائة مقارنة بإسبانيا. أما اليوم - يضيف العاهل المغربي، فإن هذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية «تفوق بكثير المعدل الوطني لبقية جهات المملكة. لهذا أقول، وبكل مسؤولية: كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة، فمن المعروف أن ما تنتجه الصحراء لا يكفي حتى لسد الحاجيات الأساسية لسكانها، وأقولها بكل صراحة: المغاربة تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية، لقد أعطوا من جيوبهم ومن رزق أولادهم ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية، كما أن الكل يعرف أن المغرب حريص على استفادة سكان المنطقة من ثرواتها، في ظل تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية».
وأقر العاهل المغربي بأن نمط التدبير بالصحراء عرف بعض الاختلالات، جعلتها مع توالي السنوات مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية، وهو ما أدى، برأيه، إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغبن والإقصاء لدى فئات من المواطنين، وأضاف: «إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه»، وتابع قائلا: «إن هؤلاء جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية مطية لتحقيق مصالح ذاتية، كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا في الوطن، إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا. وهنا أقول: كفى من سياسة الريع والامتيازات، وكفى من الاسترزاق بالوطن». بيد أن العاهل المغربي نبه إلى أنه «لا يجب تضخيم الأمر، لأن الانتهازيين قلة وليس لهم أي مكان بين المغاربة، ولن يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم».
و«إنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن»، دعا العاهل المغربي إلى إعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بالأقاليم الجنوبية وتفعيل الجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي)، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وذلك بهدف إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، دعا الملك محمد السادس إلى فتح حوار وطني صريح، ومناقشة مختلف الأفكار والتصورات، بكل مسؤولية والتزام، من أجل بلورة إجابات واضحة لكل القضايا والانشغالات، التي تهم سكان المنطقة، وذلك في إطار الوحدة الوطنية والترابية للبلاد، كما دعا القطاع الخاص إلى الانخراط أكثر في تنمية الأقاليم الجنوبية. وقال إن التزامه بتوفير شروط العيش الكريم للمواطنين لا يعادله إلا حرصه على ضمان الأمن العام، وسلامة المواطنين في إطار دولة الحق والقانون.
وعبر الملك محمد السادس عن رفض المغرب لكل الممارسات التي تستهدف المس بأمنه واستقراره، مؤكدا أنه سيتصدى لها بكل حزم ومسؤولية في إطار القانون، وتحت سلطة القضاء، وأضاف متسائلا: «متى كان ترهيب المواطنين وتخريب ممتلكاتهم، التي اكتسبوها بجهدهم وعرق جبينهم، حقا من حقوق الإنسان؟ ومتى كان الإخلال بالأمن العام، وتدمير الممتلكات العمومية، يدخل في إطار ممارسة الحقوق والحريات؟».
وقال إنه سبق له في خطاب المسيرة سنة 2009 أن عبر عن رفضه القاطع لهذه الممارسات، ونبه إلى أن «أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا، فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية والخيانة، كما أنه ليست هناك درجات في الوطنية ولا في الخيانة، فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما أن يكون خائنا»، وتابع: «صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك، ولكن مرة واحدة لمن تاب ورجع إلى الصواب، أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى».
وأضاف: «إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر، والمغرب لن يكون أبدا مصنعا (لشهداء الخيانة)»، موضحا أن «الشهداء الحقيقيون هم الذين وهبوا أرواحهم في سبيل حرية واستقلال الوطن، والذين استشهدوا دفاعا عن سيادته ووحدته»، وزاد قائلا: «كفى من المزايدات على المغرب، وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات، التي يوفرها الوطن للتآمر عليه».
ولفت الملك محمد السادس إلى أن المغرب يتوفر على آلياته ومؤسساته الخاصة، المشهود لها دوليا بالالتزام والمصداقية لمعالجة كل القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، وبأنه البلد الوحيد بالمنطقة الذي يتعاون مع الآليات الخاصة للمجلس الأممي لحقوق الإنسان، معبرا عن استعداد بلاده للانفتاح أكثر على مختلف الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية، التي تعتمد الحياد والموضوعية، في التعامل مع قضاياه.
وأكد العاهل المغربي أن المغرب «يرفض سياسة تبخيس مبادراته، وتضخيم الأحداث التي تقع بالأقاليم الجنوبية، مقابل الصمت والتواطؤ تجاه ما يقع في تندوف، وفي بلدان الجوار».
وفي هذا السياق، أوضح الملك محمد السادس أن «المغرب عندما فتح باب التفاوض من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول صحرائه، فإن ذلك لم يكن قطعا، ولن يكون أبدا حول سيادته ووحدته الترابية»، مشيرا في هذا الصدد إلى أنه سبق له أن تفاوض مع بعض المغاربة من تندوف (قيادات في البوليساريو)، عندما كان وليا للعهد: «وليس عندي في ذلك أي مشكل، لأنني كنت أفاوض مواطنين مغاربة، ولأن الأمر يتعلق بالدفاع عن حقوق المغرب».
فالمغرب - يضيف الملك محمد السادس - ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان، ولكنه أكد على أن سيادة المغرب على أراضيه كاملة ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة، موضحا أن «اختيار المغرب للتعاون مع جميع الأطراف بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على أنه ضعف، أو اتخاذه دافعا لطلب المزيد من التنازلات».
وأكد العاهل المغربي على أن مبادرة الحكم الذاتي «هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده، في إطار التفاوض، من أجل إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي»، وأضاف أنه بصفته الضامن لاستقلال البلاد ولوحدتها الترابية، فإن من واجبه تحديد المفاهيم والمسؤوليات، في التعامل مع الأمم المتحدة، والتعبير عن رفض المغرب للمغالطات والانزلاقات، التي تعرفها هذه القضية، وسرد الملك محمد السادس موقف بلاده بهذا الشأن بـ 5 لاءات، وهي: «لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي، وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار، فالمغرب في صحرائه لم يكن أبدا قوة محتلة، أو سلطة إدارية، بل يمارس صلاحياته السيادية على أرضه»، و«لا لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، ولأي محاولة لإعادة النظر، في مهام الـ(مينورسو) أو توسيعها، بما في ذلك مسألة مراقبة حقوق الإنسان»، و«لا لمحاباة الطرف الحقيقي في هذا النزاع، وتمليصه من مسؤولياته»، و«لا لمحاولة التوازي بين دولة عضو في الأمم المتحدة، وحركة انفصالية»، و«لا لإعطاء الشرعية لحالة انعدام القانون بتندوف».
فسيادة المغرب - يضيف الملك محمد السادس - «لا يمكن أن تكون رهينة، لأفكار آيديولوجية، وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين، وأي انزلاقات أو مغالطات سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية»، معبرا عن استعداد المغرب للتعاون مع كل الأطراف، للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ ماء وجه الجميع، ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق الاندماج المغاربي.
كما عبر الملك محمد السادس عن تقديره للأمين العام للأمم المتحدة، وللقوى الدولية الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة، وعلى رأسها البيت الأبيض، لمساهمتها الإيجابية في مختلف المراحل لإيجاد حل لهذه القضية، وثمن دعمهم للجهود التي يبذلها المغرب، وللمسار التفاوضي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، وطالب في المقابل بموقف واضح من هذا النزاع، وقال إنه «في الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب؛ فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض، مع قضية وحدته الترابية»، مشددا على أنه من دون تحميل المسؤولية للجزائر، الطرف الرئيس في هذا النزاع، لن يكون هناك حل. ومن دون منظور مسؤول للواقع الأمني المتوتر بالمنطقة، لن يكون هناك استقرار.
بيد أن الملك محمد السادس نبه إلى أن كلامه «لا يعني الإساءة للجزائر، أو لقيادتها، أو شعبها، الذي نكن له كل التقدير والاحترام، فكلامنا موزون، ومعناه واضح، وإنما نتحدث عن الواقع والحقيقة، التي يعرفها الجميع. هذه الحقيقة التي كلما قالها المغاربة، يتم اتهام الحكومة والأحزاب والصحافة المغربية، بمهاجمة الجزائر».
وأوضح في هذا الصدد أنه «إذا كان المغرب لا يملك بترولا ولا غازا، بينما الطرف الآخر(يقصد الجزائر) لديه ورقة خضراء، يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية، فإن لدينا مبادئنا وعدالة قضيتنا، بل لدينا أكثر من ذلك: حب المغاربة وتشبثهم بوطنهم»، وتابع قائلا: «مخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء، سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة أو توصيات غامضة، تقوم على محاولة التوفيق بين مطالب جميع الأطراف، ومخطئ أيضا من يحاول مقارنة الصحراء بتيمور الشرقية أو ببعض النزاعات الترابية بأوروبا الشرقية، لأن لكل قضية خصوصياتها، فارتباط سكان الصحراء بالمغرب ليس وليد اليوم، بل تمتد جذوره في أعماق التاريخ».
وعبر العاهل المغربي عن إيمانه بعدالة قضية بلاده، وبانتصار الحق والمشروعية على نزوعات الانفصال، مؤكدا أنه يتطلع «بكل أمل وتفاؤل، لجمع الشمل بين أبناء الصحراء، في وطنهم»، وأنه «واثق من انخراطهم في مسيرات جديدة، للنهوض بالتنمية، وتوفير العيش الحر الكريم لكافة المواطنين، أينما كانوا».



اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.