issue17512

قد يكون تقارب السن عاملا في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش الثقافة CULTURE 17 Issue 17512 - العدد Sunday - 2026/11/8 الأحد يرى أن الرواية مطالبة بالخروج من أسر الماضي واكتشاف العوالم المهمشة يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة يـــرى الـــروائـــي المـغـربـي يـونـس أوعــلــي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تيارا أدبيا متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع فـي أسئلتها وتختلف فـي رؤاهـــا وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهـتـمـام، وتـجـاوز المـوضـوعـات الـتـي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود. وفـي حــوار مـع «الـشـرق الأوســـط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبرا أن الاغتراب قــد يعيشه الـكـاتـب داخــــل وطــنــه. كـمـا يـــرى أن الـــجـــوائـــز الأدبــــيــــة، رغــــم دورهــــــا فـــي الـتـعـريـف بالكتّّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها. ويـــنـــتـــمـــي أوعــــلــــي إلــــــى جـــيـــل الـــــروائـــــيين المـــغـــاربـــة الـــشـــبـــاب، وقــــد بــــرز اســـمـــه بــعــد فــوز روايــتــه «أحلاس، ذاكـــرة أليمة المـــدى» بجائزة ، فـي دورتها 2021 كـتـارا لـلـروايـة العربية عــام السابعة، ضمن فئة الــروايــات غير المـنـشـورة. وفـي روايته الأحــدث «حقيبة علي اليونسي»، يـــواصـــل انــشــغــالــه بــأســئــلــة الـــهـــويـــة والــــذاكــــرة وقيمة الإنسان، متناولا علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء. وفيما يلي نص الحوار: * تنتمي إلــى جيل لـم يعِِش الـتـحـولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. مــن أيـــن يستمد جـيـلـك مــادتــه الـــروائـــيـــة، مــن ذاكــرتــه الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟ - أظـن أن الكاتب يستمد مـادتـه الروائية مـمـا عـاشـه بنفسه، ومـمـا سمعه وقــــرأه، ومـن الآثار التي خلّّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نــرث نتائج تـحـولات لـم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صـــوتا لأنـــاس بـسـطـاء لــم يلتفت الـتـاريـخ إلـى حكاياتهم. لـذلـك تتشكل مـادتـي الـروائـيـة مـن تفاعل ذاكــــرتــــي الــشــخــصــيــة مــــع ذاكـــــــرة أوســـــــع، تــبــدأ مـن ذاكـــرة المـغـاربـة وتمتد إلــى ذاكـــرة الإنـسـان عموماً، وما عرفه من حروب ومآس ومعاناة. وأعـــــتـــــقـــــد أن روايــــــــتــــــــي «حــــقــــيــــبــــة عـــلـــي ّّـــد هـــذا الـــيـــونـــســـي»، الـــــصـــــادرة حــــديــــثاً، تـــجـــس الامـــتـــداد، إذ تنطلق مــن ســـؤال قيمة الإنـسـان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنـــســـان الأفــريــقــي فــي نـظـر الإنـــســـان الـغـربـي. ومــــن خلال ذلــــك، أحـــــاول الـــدفـــاع عـــن الإنــســان لذاته، بعيدا عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة. * فـــي روايـــتـــك «أحلاس، ذاكـــــرة ألــيــمــة المــــدى» حضور للتاريخ والمـكـان والــذاكــرة. هـل تكتب الـروايـة لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟ - أكتب انطلاقا من الرغبة في إعادة النظر فـــي الــــذاكــــرة واكـــتـــشـــاف مـــا تـــركـــه الماضــــــي في حـيـاة الإنــســان، أكـثـر مـن اهتمامي باستعادة الــحــكــايــات كـمـا وقـــعـــت، أو مــســاءلــة الـــروايـــات المستقرة عن الماضي لذاتها. ومـــــــن قـــــــرأ روايــــــتــــــي الأولـــــــــــى «أحلاس، ذاكـــــرة ألـيــمــة المـــــدى» ســـيلاحـــظ انــشـغـالـي بما يتركه الماضـــي فـي الإنـسـان، خـصـوصا مرحلة الـطـفـولـة، لأن الإنـــســـان امـــتـــداد لـطـفـولـتـه. وقـد حاولت تعقّّب الطريقة التي تستمر بها بعض الــتــجــارب فـــي الـتـأثـيـر فـــي حــيــاتــه، حـتـى حين يعتقد أنــه تـجـاوزهـا. فـالـحـدث قـد ينتهي في الـزمـن، لكنه يظل حـاضـرا فـي قـــرارات الإنسان واختياراته. * ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟ - تستطيع الــروايــة الاقــتــراب مـن المناطق الداخلية في حياة الإنـسـان، ومـن التناقضات والمـشـاعـر الـتـي يصعب اخـتـزالـهـا فـي الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الــوثــائــق والــســيــاقــات، بـيـنـمـا يـتـيـح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تـعـيـش الأحــــــداث وتــتــأثــر بـــهـــا، وكـــيـــف تتغير مصائرها. ولا يعني ذلك أن الرواية أقـدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الـــكـــتـــابـــة أدواتـــــــــه وحــــــــــدوده، والــــــروايــــــة تـفـتـح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان. الرواد وأسئلة الشباب * عــــرفــــت الـــــروايـــــة المـــغـــربـــيـــة أســــمــــاء أســســت حضورها الـعـربـي، مثل محمد شكري والـطـاهـر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟ - أرى أن الـــعلاقـــة مــع الــتــجــارب السابقة لا تستلزم الاخـتـيـار بين الامـــتـــداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو مـن دونـــه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة. المهم ألا تتحول أسماء الـرواد إلى قوالب جــــاهــــزة لـــلـــكـــتـــابـــة، وألا تـــتـــحـــول الــــرغــــبــــة فـي الاخـــتلاف إلـى قطيعة مـع إرث أدبــي أسهم في تشكيل ذائقتنا. * هـــل يـمـكـن الــحــديــث الـــيـــوم عـــن جــيــل روائــــي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟ - أمــيــل إلــــى الــنــظــر إلــــى المــشــهــد الـــروائـــي المغربي باعتباره فـضـاء تتجاور فيه تجارب مــــتــــعــــددة، أكـــثـــر مــــن كـــونـــه جــــــيلا مـــتـــجـــانـــساً. صــحــيــح أن هـــنـــاك أســئــلــة مــشــتــركــة تـفـرضـهـا التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المـــغـــرب ويــشــهــدهــا، لـكـن طـــرق الـتـعـامـل معها تختلف من كاتب إلى آخر. وقـد يكون تقارب السن عـاملا في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبـــي بـالمـعـنـى الـجـمـالـي والــفــكــري. فـمـا يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها. * نــشــأ جــيــلــك فـــي زمــــن الإنـــتـــرنـــت والــهــجــرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هـذه التجارب على بـنـاء الـشـخـصـيـات الــروائــيــة، وعـلـى تـصـور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟ - وس ّّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتـــاح الاحـتـكـاك بثقافات وتــجــارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلـى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصا في المجتمع المغربي. وقـــــــد حـــــاولـــــت تـــجـــســـيـــد هـــــــذا الــتــعــقــيــد مــــن خلال إحــــــدى شــخــصــيــات «حــقــيــبــة عـلـي الــيــونــســي»، الــتــي وجــــدت نـفـسـهـا، بـعـد حياة أمـــضـــتـــهـــا فـــــي الـــتـــعـــصـــب والــــــدفــــــاع عـــــن قـيـم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلـى الفئة التي طالما حاربتها. أردت من خلال هـذه الشخصية مساءلة تــصــوراتــنــا الــجــاهــزة عـــن الــهــويــة والانــتــمــاء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقـة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد. عــمــوماً، لــم يـعـد الإنــســان يعيش هويته بالضرورة داخــل حــدود مكان واحــد أو ذاكـرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هـــذه الــتــحــولات جـعـلـت ســــؤال الــهــويــة أقـل ارتــــبــــاطا بـالـبـحـث عـــن تــعــريــف ثـــابـــت، وأكــثــر اتصالا بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم. عوالم على الهامش * يـعـيـش المــجــتــمــع المـــغـــربـــي بين تـــعـــدد لـغـوي وثقافي وتـحـولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟ - قدمت الـروايـة المغربية أعمالا متنوعة فـــي تـعـامـلـهـا مـــع الـــتـــعـــدد الــثــقــافــي والــلــغــوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبــي يستطيع الإحـاطـة بكل تعقيدات المجتمع. ما يــزال هناك مجال واســع لاستكشاف تــجــارب تعيش عـلـى الـهـامـش، ســـواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية. وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقـــتـــراب مــن هـــذه الــعــوالــم، وتــجــاوز الـصـور الـجـاهـزة، وإتـاحـة المـجـال لأصـــوات لا تحظى بالظهور الكافي. * تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء مـوضـوعـات حـاضـرة فـي الأدب المـغـربـي. هـل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكنا أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟ - بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الـجـغـرافـيـة وحـــدهـــا. قــد يعيش الإنـــســـان في المـكـان الــذي وُُلــد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عـن المجتمع الــذي ينتمي إلـيـه، أو عاجز عن الـــعـــثـــور عـــلـــى مـــوقـــع يــنــســجــم فـــيـــه مــــع ذاتــــه وتطلعاته. وقـــد يـكـون الاغـــتـــراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا مـــا يــحــدث مـــع كـثـيـر مـــن الــــروائــــيين الـشـبـاب في المغرب، خصوصا أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بــعــيــدا عـــن مــشــهــد ثــقــافــي مـــوبـــوء بـشـبـكـات المصالح والحسابات الضيقة. الجوائز لا تصنع الأدب * بـعـد فـــوزك بـجـائـزة كــتــارا، هــل شـعـرت بـأن الـجـوائـز العربية تمنح الـكـاتـب فـرصـة لـلـوصـول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟ - بالنسبة إلـى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عـــربـــياً، والـــوصـــول إلـــى قـــراء يصعب بلوغهم فــي بــدايــة الــطــريــق. كـمـا تـــؤدي الــجــوائــز دورا في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها. لـكـنـنـي، بــاعــتــبــاري قـــــارئا أولاًً، أرى أن الـقـيـمـة الـفـنـيـة لـلـعـمـل لا يحسمها الـتـتـويـج، وإنــــمــــا قــــدرتــــه عـــلـــى الــــصــــمــــود أمـــــــام الــــزمــــن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات. حوار: ميرزا الخويلدي يونس أوعلي أمجد ريان يحتفي بـ«اليومي» والأشياء الصغيرة الشعر حين يختبئ في التفاصيل الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعــــراك المارة. وكــــذا، تـبـدو الـقـضـايـا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاًً، نجده منبثا في كل ما نظنه مبتذلا وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقش ِِّر الاستعارات لكي أكوّّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريـان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الـــشـــائـــع، هـــي أن يـقـشـر الاســــتــــعــــارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام الـلـغـة والمـــجـــازات، ليكتشف الـشـعـر المختبئ كلؤلؤة، فـي دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولا الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح. الــــــــديــــــــوان الــــــــــذي صــــــــدر فــــــي الــــقــــاهــــرة عــــن «الـــهـــيـــئـــة المـــصـــريـــة الـــعـــامـــة لـــلـــكـــتـــاب» لا يتبنى منطق الـثـنـائـيـات الـضـديـة بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلـى مفهوم ينتمي إلـــى اسـتـراتـيـجـيـات مــا بـعـد الـحـداثـة وهـــو «الـتـكـمـلـة»، بـمـعـنـاهـا لـــدى الفيلسوف الأمــيــركــي، المــصــري الأصـــل إيــهــاب حـسـن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فـالـيـومـي لـيـس مـنـاقـضا للفلسفي، والـعـابـر المعيش ليس مـتـعـارضا مـع الـــوجـــودي؛ فكل طـــــرف مــــن أطـــــــراف الـــثـــنـــائـــي يــكــمــل نـقـيـضـه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طـرف يعني غياب الآخـر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله: «سيقان هزيلة تملأ الشارع بطوله وعرضه، وأنا أمشي تحت جدران الفقراء ممتلئا بالحنين لمعرفة بدايات الإنسان وأسراره التاريخية» فــالانــتــقــال يـــأتـــي ســـلـــسا وطــبــيــعــياً، من وصـــف مــا يـحـدث فــي الـــشـــارع ومــــرور الـنـاس فيه، بوصفه حدثا عاديا ويومياً، هذا الوصف يـــبـــدو مـــحـــايـــدا وتــســجــيــلــيا لــلــوهــلــة الأولـــــى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومــع مـا يعانونه مـن هــزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسيا واجتماعيا إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلـى مستوى ثالث أكثر اخـــتلافاً، وهو المـسـتـوى الـــوجـــودي، الـــذي تبحث فـيـه الـــذات الشاعرة في أسئلة الـوجـود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلا ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى. هـــــــذا الــــخــــلــــط والـــــتـــــداخـــــل المــــــركــــــزي فــي الــــديــــوان، وفــــي رؤيــــة الـــشـــاعـــر، يـجـعـل معظم الـقـصـائـد تنبثق مــكــانــيا داخــــل الــبــيــت، وفـي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئا على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هــــذه الــشــرفــة الـــتـــي يـلـجـأ إلــيــهــا كــثــيــراً، فهي نـافـذتـه عـلـى الـحـيـاة وصخبها وتـفـاعلاتـهـا، وتـعـد وسيلة تـواصـلـه مـع الـعـالـم فـي مرحلة الشيخوخة، مدققا في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الــواقــع، أو حتى تفسيره؛ فكل مـا في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس الـعـاديين «ومــا زلت عـلـى المـنـضـدة المنخفضة أقـــول لنفسي: «أنــا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هـنـا يفقد كــل مــا يمكن أن يجعله فــي مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة فــي الـقـلـب، تجعله يستشعر مــا يـــدور حوله بـشـكـل أكــثــر رهـــافـــة، ويـمـسـك بـمـا هـــو أصـيـل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظيا ومتناثرا في زحام الحياة. هــــذا الـــشـــاعـــر، الإنـــســـان الــــعــــادي، وفــي خـضـم مــراوحــتــه بين الـثـنـائـيـات، كـثـيـرا ما يستحضر مشاهد مـن طفولته، فالطفولة تـظـل حــاضــرة فــي الـشـيـخـوخـة، ومـتـداخـلـة مــعــهــا، فــهــو فـــي شـيـخـوخـتـه مـــا زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الــصــفــيــح» فـــي عــشــوائــيــات الـــقـــاهـــرة، الـتـي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مـــع مــديــنــة «ســـــت» الــفــرنــســيــة الـــتـــي زارهــــا شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن عـلـى غــيــره؛ «فــالــزمــان دائــــرة يـصـب آخـرهـا في أولـهـا، ولا يوجد في الأصــل شـيء قابل للفهم». إنـه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت: «الماضي حكايات، والمستقبل حكايات والأحداث متناثرة في كل اتجاه وخلف الجدران والنوافذ: ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي الحزن حكاية، والجسد حكاية الزمن حكاية، والأبواب حكاية وكل شيء حاضر وغائب». يـنـشـغـل الــشــاعــر فـــي كـثـيـر مـــن قـصـائـد الـديـوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه لــلــشــعــر، بـــمـــا يــجــعــل كـــثـــيـــرا مــــن الــنــصــوص تقترب مـن «الميتا شـعـر»، هـذا المفهوم يمزج بين المـــصـــادفـــة والــعــبــثــيــة والـــفـــوضـــى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الــذات، وتتكرر التعريفات كثيرا بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعـلـم مــا الـــذي سـأكـتـبـه»، ومـــرة أخــــرى: «لا أعـــرف كيف أكــتــب... والـكـتـابـة عـنـدي محض مـصـادفـات»، ومــرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شــــروط لــــدي، بـــل أبــــدأ بـالـتـعـبـيـر عـــن نفسي بشكل مـبـاشـر، وأريــــد أن أنـطـلـق مــن المحلية إلـى الـكـون». وليس مـن المصادفة أنـه لـم يقل مـن المحلية إلـى العالمية، فهو ليس منشغلا بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيرا من الشعراء والمثقفين. مـا يهم الـــذات الـشـاعـرة هنا هـو الـكـون؛ وفهم أسـراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمــفــردة الــكــون، الـتـي تـــؤرق الشاعر حــــقاً، ولــيــس الـحـمـولـة الـدعـائـيـة عــن الـشـاعـر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية فــي الــتــكــرار المــدهــش لمـــفـــردات مـثـل «الـــنـــاس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤيــة الـشـاعـر، لكنه فـي النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقـف أمـام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المــــرات، بينما أنـــا صـغـيـر... لـلـدرجـة الـتـي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش: «أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم، فلا مكان لحسرة أخرى أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة، ولكنني - مثل أقراني الشعراء - مفلس لدرجة الفضيحة. والإنسان دائما على حافة التوهج وعلى حافة الانطفاء». عمر شهريار

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky