9 تحقيق FEATURES ASHARQ AL-AWSAT Issue 17510 - العدد Friday - 2026/11/6 الجمعة أثر الدومينو في أوروبا... انتفاضات قد تغيّّر وجه الاتحاد تحمل موجة الاحتجاجات التي تعم مـدن وعـواصـم أوروبـــا أسماء متعددة، من دون أن تثبت أي روابط أو قواسم مشتركة هيكلية ظـــاهـــرة بـيـنـهـا؛ مـثـل الإصلاحـــــات الهيكلية وتقليص الـخـدمـات الاجتماعية واتــــســــاع الـــفـــجـــوة بين الـــفـــقـــراء والأغـــنـــيـــاء وانسداد الأفق أمام الشب ّّان، وتزايد المخاوف مـن تدفقات الـهـجـرة، واتـسـاع دائـــرة القلق من تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن انتفاخ الإنفاق العسكري والأمني وضمور المال الــعــام المـخـصـص لـلـخـدمـات الصحية والتعليم، وتضع المشروع الأوروبـــي الذي قـــام عـلـى الــرخــاء والأمــــن والاســتــقــرار أمــام أصعب اختبار في تاريخه الحديث. مـــــن فـــرنـــســـا إلــــــى بــلــجــيــكــا وصـــربـــيـــا وألــــبــــانــــيــــا، ومــــــن إســـبـــانـــيـــا إلــــــى إيــطــالــيــا والبرتغال واليونان، تتزامن الاحتجاجات الغاضبة في المدن، لكن تتباين دوافعها من غير أن تشكّّل حتى الآن حركة موحدة على امـتـداد الاتـحـاد. طلاب ومـزارعـون وعمّّال، إلــــى جـــانـــب مــــواطــــنين عــــــاديين ومـنـظـمـات بيئية ونسائية ومــراهــقين دون الخامسة عــشــرة مـــن الــعــمــر، يـتـدفـقـون فـــي الـــشـــوارع للإعـــــــــــراب عـــــن ســـخـــطـــهـــم إزاء الإجــــحــــاف الــــذي يـلـحـق بـهـم جــــراء الــتــفــاوت الــصــارخ فـــي تـــوزيـــع تـكـلـفـة الــتــحــولات الاقـتـصـاديـة والـسـيـاسـيـة وتـحـم ّّــلـهـم الـقـسـط الأكــبــر من تداعياتها. وقــــد أظـــهـــرت «الــــجــــولات» الأولــــــى من هــــذه الاحـــتـــجـــاجـــات، فـــي مـــدريـــد وبــاريــس ومــيلانــو وتـيـرانـا، أنـهـا قابلة لأن تتحول بسرعة ومـن غير دوافــع واضـحـة، موجات مــــن الـــعـــنـــف تــؤجــجــهــا أجــــنــــدات سـيـاسـيـة مـتـطـرفـة ومـــنـــاخ ســيــاســي شــديــد الــتــوتــر، وتدفعها نحو مـواجـهـات يمكن أن تخرج بسهولة عن السيطرة. منذ أشهر حذّّر «المرصد الاجتماعي» الــتــابــع للمفوضية الأوروبـــيـــة مــن أن ثمة مؤشرات متراكمة تـدل على وجـود أرضية خصبة في بلدان الاتحاد لانــدلاع موجات احـــتـــجـــاجـــيـــة بـــســـبـــب ظـــــــروف اقـــتـــصـــاديـــة ومـــعـــيـــشـــيـــة شــــتــــى، وأن جــــهــــات داخـــلـــيـــة وخـارجـيـة مـتـعـددة قــد تستغلها للتعبئة عـــلـــى أبـــــــواب الاســـتـــحـــقـــاقـــات الانــتــخــابــيــة المــقــبــلــة، أو لــزعــزعــة الاســـتـــقـــرار فـــي الــــدول الأعــــــضــــــاء وتــــقــــويــــض الــــثــــقــــة بــــالمــــشــــروع الأوروبـــي الـذي يمر في أحـرج المراحل منذ تأسيسه. «عدوى» الاحتجاجات والانتخابات أضــواء الإعلام الكاشفة بقيت خافتة إلــــــى أن بـــــــدأت مــــوجــــة الاعــــتــــصــــامــــات فـي إســـبـــانـــيـــا احـــتـــجـــاجا عـــلـــى أزمــــــة المــســكــن، وانــدلــعــت بـعـدهـا المــظــاهــرات الـعـنـيـفـة في المــــــدن الــفــرنــســيــة الـــكـــبـــرى، بـــالـــتـــزامـــن مـع احـــتـــجـــاجـــات غـــيـــر مـــســـبـــوقـــة فــــي مـــيلانـــو وبـروكـسـل ولشبونة وتـيـرانـا. لكن بـلـدانا أوروبـــــيـــــة عـــــدة كـــانـــت تــشــهــد مـــنـــذ أشــهــر احتجاجات متفرقة يقطع فيها المزارعون بجراراتهم الطرق المؤدية إلى المدن، وتعلن النقابات العمالية إضرابات عامة، ويخرج المواطنون إلى الشوارع ضد ارتفاع الإيجار وغلاء المعيشة وتــراجــع الــقــدرة الشرائية وتدني الخدمات الاجتماعية. تحركات قد تـبـدو فـي ظـاهـرهـا فـــروعا مـن تـيّّــار واحــد، لكن فـي الــواقــع لكل منها دوافـــع وأسـبـاب مختلفة، وأحيانا متضاربة. الغضب الذي انفجر في شـوارع المدن الـفـرنـسـيـة الــكــبــرى كـــان جــمــرا يـتـقـد تحت الــــرمــــاد مــنــذ فـــتـــرة طـــويـــلـــة، وكـــــان انــــدلاع شرارته متوق ََعا مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية التي قد تغيّّر وجه فرنسا التي تشكل الاحتجاجات العنيفة سمة رئيسية في حراكها الاجتماعي منذ عــقــود، وغــالــبا مــا تنتقل عــدواهــا بسرعة إلى الجوار، كما حصل في بلجيكا، حيث كـــــان الاســـتـــيـــاء الــــطلابــــي يــغــلــي عـــلـــى نـــار خفيفة منذ أشهر، إلى أن انفجر بعد إقرار الموازنة العامة الأخيرة التي تضمنت دفعة جـديـدة مـن المـسـاعـدات المالـيـة والعسكرية لأوكـرانـيـا، مُُقتط ََعة فـي معظمها مـن باب الـــخـــدمـــات الـتـعـلـيـمـيـة والاجــتــمــاعــيــة. في إســـبـــانـــيـــا، لـــم يــكــن انـــفـــجـــار أزمـــــة المـسـكـن ومـا رافقها من اعتصامات، سـوى امتداد طبيعي للاحــتــقــان الــشــديــد الــــذي يشهده المــــنــــاخ الـــســـيـــاســـي الإســــبــــانــــي مـــنـــذ فــتــرة طويلة، واحـتـدامـه بعد الإعلان عـن إجــراء انـتـخـابـات مسبقة أواخـــر الشهر الحالي، وهو مناخ كان قد توت ََّر إلى أقصى الحدود إثر أزمة تدفق عشرات آلاف المهاجرين غير الشرعيين من المغرب الصيف الماضي. وفـــي إيـطـالـيـا المـــوعـــودة بـانـتـخـابـات أخــــرى حـاسـمـة فــي الــربــيــع المــقــبــل، ترتفع حرارة المواجهة السياسية يوما غب اليوم بــعــد الــتــنــامــي الـــســـريـــع لــلــحــزب الـيـمـيـنـي الــــجــــديــــد الــــــــذي يــــنــــافــــس، فـــــي الــــتــــطــــرف، الــحــكــومــة الــحــالــيــة الـــتـــي تــقــودهــا زعـيـمـة حـزب «إخـــوان إيطاليا» اليميني المتطرف جــورجــيــا مــيــلــونــي، وبــعــد أن اسـتـشـعـرت الـقـوى والأحـــزاب اليسارية إمكانية الفوز فـــي الانــتــخــابــات المـقـبـلـة، فـــقـــررت تصعيد المواجهة الشعبية وتأجيج الاحتجاجات الــتــي خـلّّــفـت أضـــــرارا جسيمة فــي مـيلانـو منذ أسبوع، ثم عـادت وعمّّت معظم المدن الإيــطــالــيــة، الـجـمـعـة الماضـــــي، الــــذي كـانـت الــنــقــابــات الـعـمـالـيـة أعـلـنـت فـيـه الإضــــراب الـعـام، وتخللته اضطرابات كانت أعنفها تلك التي شهدتها العاصمة روما. صربيا... ومثابرة الطلاب وبـــــــيـــــــنـــــــمـــــــا كــــــــــانــــــــــت الـــــــــظـــــــــاهـــــــــرات والاحــــتــــجــــاجــــات تـــتـــوالـــى فــــي الـــبـــرتـــغـــال والـيـونـان وألبانيا ضـد تـراجـع الخدمات الاجتماعية وغلاء المعيشة وأزمـة السكن، كانت المفاجأة الكبرى تعتمل في صربيا التي كان طلابها يواصلون احتجاجاتهم الــســلــمــيــة وتــعــبــئــتــهــم فــــي جــمــيــع أنـــحـــاء الــــبلاد بــإصــرار لافـــت مـنـذ نـحـو الـسـنـتين، عندما أجبروا رئيس الجمهورية ألكسندر فوفيتش على الاستقالة والـدعـوة لإجـراء انتخابات مسبقة. لكن المفاجأة لم تقتصر عـــلـــى ذلـــــك فـــحـــســـب، بــــل تـــحـــولـــت رســــالــــة وإنــــــذارا إلـــى دول الـبـلـقـان الأخـــــرى، وإلــى الاتــــحــــاد الأوروبــــــــي، عــنــدمــا قــــرر الــــطلاب خـوض تلك الانتخابات بلائحة لا تحمل أي شــعــار ســيــاســي، ضــمّّــت مـــرشـــحين لم يسبق لهم أن خـاضـوا المعترك السياسي ومعظمهم مـن الأشـخـاص غير المـعـروفين في الأوســاط الاجتماعية، واستطاعوا أن يحققوا فوزا واضحا على حزب فوفيتش الذي كان ترشح على رأس لائحته لمنصب رئـــيـــس الــــــــوزراء؛ لأن الـــدســـتـــور الـصـربـي يمنع ترشحه لولاية رئاسية ثالثة. وكانت احتجاجات الطلاب الصربيين بـــــدأت، واســـتـــمـــرت حــتــى نـهـايـتـهـا، تحت شــعــار مـكـافـحـة الــفــســاد المــســتــشــري على عهد فوفيتش منذ نحو عقدين، وسيادة القانون، ومحاسبة المسـؤولين الذين تربط كثيرين منهم علاقـات بالجريمة المنظمة. ورغـم القمع الـذي تعرّّض له الــطلاب على يـد الأجـهـزة الأمنية والتنظيمات الموالية للحزب الحاكم، والاتـهـامـات التي وجهت إليهم بأنهم مرتزقة يعملون لحساب دول أجـنـبـيـة، واعــتــقــال الـعـديـد مـنـهـم، أصـــرّّوا على سلمية الاحتجاجات والاعتصامات، وانــــــتــــــشــــــروا فــــــي الأريــــــــــــاف الـــــتـــــي يـــشـــك ّّـــل سـكـانـهـا الـــخـــزان الانــتــخــابــي لـفـوفـيـتـش، وقـــــامـــــوا بـــــحـــــملات مـــتـــواصـــلـــة لــلــتــوعــيــة وتــعــبــئــة المــــواطــــنين الــبــعــيــديــن عـــــادة عن مـسـرح الأحــــداث السياسية ولا يتابعون مجرياتها، وحصدوا فيها نتائج لم تكن في حسابات الحزب الحاكم الـذي اعترف زعيمه بالهزيمة بعد سـاعـات مـن إغلاق صناديق الاقتراع. ورغــــــــم أن فــــــوز لائــــحــــة الـــــــــطلاب فـي الانتخابات الصربية لا يكفي وحده لطي صـفـحـة الـــنـــظـــام الـــــذي حــكــم الــــــبلاد طيلة عشرين عـاما توطن فيها الفساد وانتشر على كل المستويات، خاصة بعد ما شهدته بـــلـــغـــراد مــــؤخــــرا مــــن الـــتـــكـــريـــم الــعــســكــري الرسمي في جنازة راتكو ملاديش المحكوم بــجــرائــم ضـــد الإنــســانــيــة لمــســؤولــيــتــه في الفظائع التي شهدتها حرب يوغوسلافيا. إلـــى جــانــب هـــذه الاحــتــجــاجــات التي يشك ّّل الطلاب رأس حربتها، بدأ المزارعون أيـــــــضا ســـلـــســـلـــة مـــــن الاحــــتــــجــــاجــــات ضـد الضوابط والقيود الجديدة على الإنتاج والارتــــــفــــــاع الـــبـــاهـــظ فــــي تــكــلــفــتــه بـسـبـب أسعار المحروقات، واستحالة المنافسة مع المنتجات المستوردة. وفـــي المـــدن تـخـرج الـطـبـقـة الـوسـطـى، أو ما تبقى منها، إلى الشوارع احتجاجا على الـــغلاء المـطـرد الــذي يشمل كـل أبـواب الاســـــــتـــــــهلاك الأســـــاســـــيـــــة وعــــلــــى تــــدهــــور الــــخــــدمــــات الـــصـــحـــيـــة والـــتـــعـــلـــيـــمـــيـــة. أمـــا الـقـاسـم المـشـتـرك بين هـــذه الاحـتـجـاجـات، فـــهـــم الــــشــــبّّــــان الــــذيــــن يـــحـــمـــلــون الــرصــيــد الأكبر من الغضب بسبب الإحباط الناجم عـن تهميشهم ويـأسـهـم مـن تلمّّس فرص المستقبل، وشعورهم باتساع الفجوة بين الـــذيـــن يــتــخــذون الــــقــــرارات ومــــن يـقـاسـون تداعياتها اليومية. احتقان يولّّد العنف فـي تشخيص «المــرصــد الاجتماعي» الأوروبـــــي لـهـذه الأحــــداث ومسبباتها، أن الاستياء الـذي يتراكم منذ سنوات بسبب الــــظــــروف المــعــيــشــيــة يـــولّّـــد الــغــضــب الـــذي يـمـكـن أن يـنـفـجـر عــنــد أي تــدبــيــر أو قـــرار عــــــادي، مــثــل ضــريــبــة إضـــافـــيـــة، أو إلــغــاء مـــســـاعـــدة اجــتــمــاعــيــة أو إصلاح عــمــالــي، ويــــؤدي إلـــى احـتـجـاج شعبي تـتـرافـد فيه فـــئـــات عــــدة لــكــل مــنــهــا مــطــالــبــهــا. لــكــن ما يـــغـــفـــلـــه هــــــذا الـــتـــشـــخـــيـــص، أو يــتــغــاضــى عـــنـــه، هــــو أن المــــواطــــن الأوروبـــــــــي يـعـيـش حالة مزمنة مـن فـقـدان الثقة بالمؤسسات الـحـاكـمـة، وأن الـــقـــرارات الأسـاسـيـة تتخذ خارجها أو تمليها عليها جهات ودوائـر نـــافـــذة خـــدمـــة لمــصــالــح لا تـــراعـــي مـطـالـب المواطنين وتطلعاتهم. الـــقـــراءة المـتـأنـيـة لـهـذه الاحـتـجـاجـات ن أن المــتــظــاهــريــن، فـــي غـالـبـيـتـهـم، لا تـــــبي ّن يرفضون بالضرورة كل الإصلاحـات التي تـطـرحـهـا الــحــكــومــات، بــقــدر مــا يشككون فــي تــوزيــع أعــبــاء تكلفتها ومـــن سيقطف ثمارها، ومن يشارك في تصميمها. وهذا ما يفس ّّر كيف أن السياسات التي تعدّّها الــحــكــومــات أســـاســـيـــة وضـــــروريـــــة، يــراهــا المواطن مجحفة؛ لأنه غير قادر على تحمل أعبائها. يـضـاف إلــى ذلــك أن ثمة شعورا مـتـنـامـيا بين مـعـظـم الــفــئــات الاجـتـمـاعـيـة والاقـــتـــصـــاديـــة، بــــأن صــوتــهــا ومـطـالـبـهـا لا تلقى آذانا مُُصغية مــن المـــســـؤولين ولا تـصـل إلـــى المــؤســســات، وبـالـتـالـي تصبح الاحــــتــــجــــاجــــات هــــي الـــوســـيـــلـــة الـــوحـــيـــدة المــــتــــبــــقــــيــــة لإســــــمــــــاع صــــوتــــهــــا وإيـــــصـــــال مطالبها. ولا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي، والشبان هم أحسن من يتقن استخدامها، تساعد على تسريع التعبئة وتوسيع دائـرتـهـا، لكنها فـي الـوقـت ذاتـه تضخ ّّم الشعارات المتطرفة حولها، وتمزج بين المـــطـــالـــب المــحــقــة وحــــــملات الـتـشـويـه والتحريض على العنف. تربة لسياسات متطرفة يـوفّّــر كـل ذلــك الـوضـع المحتقن تربة خـــصـــبـــة لـــلـــقـــوى والأحـــــــــــزاب الــســيــاســيــة الـتـي تـنـادي بالحلول السريعة، وتحدد بــــوضــــوح المـــــســـــؤولين عــــن آلام المـجـتـمـع ومصائبه وتعد الحوار والحلول الوسط خيانة عظمى. لكن اللافت أيضا هو أن كل هذه الاحتجاجات لا تصب بالضرورة في مصلحة الأحـــزاب ذاتـهـا، رغــم أنـهـا تدفع ن الناخبين بقوة نحو الأطـــراف التي تـبيّن في السنوات الأخيرة أنها تتغذ ّّى بسخاء من هذا المناخ الاجتماعي المشحون. وحـسـب اسـتـطلاعـات لـلـرأي أجريت فـي المائـــة من 48 مـؤخـرا فـي فـرنـسـا، فــإن الشباب يصو ّّتون لصالح التيار اليساري في 33 المتطرف «فرنسا الأبيّّة»، في حين المائة من الذين دون الخامسة والعشرين فــــي الأريــــــــــاف يــــصــــو ّّتــــون لـــصـــالـــح حـــزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف؛ ما يولّّد أزمة ثقة بين الطرفين. معظم المحللين الاجتماعيين يتفقون على أن أزمــة الثقة هي المفتاح الأساسي لــــــقــــــراءة هـــــــذه الأحــــــــــــداث الـــــتـــــي تــعــصــف ببلدان الاتحاد الأوروبـي، وأن معالجتها تقتضي إعــــادة نـظـر شـامـلـة وعـمـيـقـة في أساليب عمل المؤسسات الحاكمة ومقاربة التواصل مع المواطن الأوروبي، وبخاصة مــع الـفـئـات الــشــابــة. لكنهم يـنـبـهـون إلـى أن هـــذه المـعـالـجـة تــكــاد تــكــون مستحيلة فـي الأمـــد المـنـظـور؛ بسبب مـنـاخ التعبئة السياسية القصوى في العديد من الدول الأعضاء. سباق محموم مع أميركا والصين يـسـه ِِــم فـــي اسـتـحـالـة تـلـك المـعـالـجـة، الــــظــــروف الــجــيــوســيــاســيــة الــنــاجــمــة عـن الـــحـــرب فـــي أوكـــرانـــيـــا وتــقــلــبــات المــوقــف الأمــيــركــي منها ومـــا يستدعيه مــن جهد أوروبـــــي إضــافــي يـسـتـنـزف مــــوارد مالية ضخمة، فضلا عن حاجة أوروبا الملحة إلى عدم خسارة رهانها على اللحاق بالصين والــولايــات المتحدة مـن حيث الـقـدرة على الـتـنـافـسـيـة فـــي الإنـــتـــاج والـــرســـوخ قـطـبا ثـالـثا فـي المـعـادلـة الـدولـيـة. ومــا يـزيـد من صعوبة هــذا الــرهــان الأوروبــــي أن الــدول 83 الأعــضــاء تـراكـم عـجـزا عـــاما متوسطه في المائة من إجمالي الناتج القومي، وان في المائة 60 معظمها ينفق ما يزيد على من إجمالي الناتج المحلي على الخدمات العامة من غير أن يحول ذلك دون موجات الغضب والاستياء. في ضوء هذه التحديات التي يتوقف عليها مستقبل المــشــروع الأوروبـــــي على غير صعيد، وتحسبا لمخاطر انفجارات اجــتــمــاعــيــة أوســــــع، يــبــقــى الــــســــؤال الـــذي يطارحه الأوروبـيـون أنفسهم هو التالي: ما السبيل إلـى الانتقال بالاقتصاد نحو المــســتــوى الــتــالــي الـــــذي يــفــرضــه الـسـبـاق التكنولوجي العالمي مـن غير أن تتحمل تكلفته دائما الفئات الاجتماعية نفسها؟ والإجــــابــــة عــنــه تـقـتـضـي ســيــاســات تـقـوم عـلـى مـــشـــاورات واســعــة وسـريـعـة وآجـــال واقــعــيــة، ورواتــــب وخــدمــات تـسـاعـد على اسـتـيـعـاب الأزمـــــة وتــداعــيــاتــهــا، وقــنــوات لـــلـــحـــوار تــســمــح بـــتـــصـــويـــب المــــســــار قـبـل حدوث الانفجار. مشهد مفتوح السيناريو المـتـداول حاليا في أروقـة القرار الأوروبــي هو أن هذه الاحتجاجات لـيـسـت ولـــيـــدة حــالــة واحـــــدة عــلــى امــتــداد الاتـحـاد، بل هي سلسلة من الانتفاضات القطاعية التي تنس ّّق فيما بينها من حين إلى آخر وتبلغ ذروتها بفعل قرارات وطنية أو أوروبــيــة، وأن الانـتـخـابـات والمــوازنــات الـعـامـة المقبلة قــد تعيد تأجيجيها. لكن المشهد العام يبقى مفتوحا على احتمالات ثلاثة: الأول، انفراج جزئي أو مرحلي نتيجة تــــنــــازلات وتـــدابـــيـــر تــخــفــف الــضــغــط على المواطن من غير أن تحل المشاكل الأساسية وتعالج أسبابها. الثاني، الانتقال إلى حال من الأزمات المــمــتــدة، تتخللها إضـــرابـــات وصـــدامـــات مستمرة بهدف الدفع نحو المفاوضات. والـثـالـث، اتـجـاه الأحــــزاب السياسية والمؤسسات إلى استغلال موجات الغضب والاســـتـــيـــاء وعــــدم الـــتـــجـــاوب مـــع المـطـالـب الـشـعـبـيـة، وتــــرك المــــواطــــنين يـــعـــبّّـــرون عن سخطهم وإحباطهم في صناديق الاقتراع التي يرج ّّح أن تخرج بمفاجآت قد يكون الوقت فات لاحتوائها. ولـــعـــل أغــــرب مـــا رافــــق هــــذه الأحــــداث مـن ردود فعل خارجية، إن الدبلوماسية الإيرانية احتجت على «القسوة» التي تمي ّّز بها تعامل السلطات الفرنسية مع أعمال الـشـغـب الــتــي ســــادت مــظــاهــرات بــاريــس، وتصريحات الـرئـيـس الــروســي فلاديمير بوتين عندما قال إن هذه الأزمـة هي دليل آخر على هزال القيادات الأوروبية. متظاهر يرتدي قناعا في مسيرة احتجاجية بمارسيليا تزامنت مع احتفالات «هالوين» ضمن موجة مظاهرات صاخبة عم ََّت أرجاء فرنسا (أ.ف.ب) ضباط شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهرا في وسط لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب) عندما كــان غوستاف فلوبير على فـــراش نزاعه الأخـيـر يستعرض مـا أحـدثـتـه الــثــورة الصناعية من تداعيات اجتماعية وسياسية أدّّت إلى ظهور الحركات والنقابات العمالية والأحـزاب الاشتراكية، واتساع المد الإمبريالي والاستعماري في أفريقيا وآسيا، في حين كانت تتشك ّّل التحالفات العسكرية التي تسببت لاحقا في نشوب الحرب العالمية الأولى، قال كاتب «المراسلات» ) الـــذي عـــرف بـرفـضـه «الــهــوس بـاسـتـخلاص 1863( أحـكـام نهائية»: «يـتـعـرّّض الـعـالـم، بين فـتـرة وأخـــرى، لسيل جارف من الأحداث يقو ّّض الدعائم الراسخة منذ عقود ويهز المسلّّمات التي تركن إليها المجتمعات في استقرارها». الأحـداث التي تتدفق سيولها في معظم بلدان العالم الغربي، خصوصا في أوروبا منذ مطالع هذا القرن، بالتزامن مع مخاض جيوسياسي وإعادة تشكيل للتحالفات والمحاور الدولية، تنذر باهتزازات قوية في أكثر من اتجاه وعلى غير صعيد، وتؤشر إلى عصر جديد يقوم على أنقاض التوازنات التي استقر عليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية إلى اليوم. غضب واحد بأدوات كثيرة بروكسل: شوقي الري ّّس المفاجأة الكبرى جاءت من صربيا حيث واصل الطلاب احتجاجاتهم السلمية لأكثر من سنتين وأجبروا الرئيس على الاستقالة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky