لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّّة في أيّّامنا مـن مقالة أو أكـثـر تـحـذر مـن إدمـــان الشاشات وتــــآكــــل قـــــــدرات الـــتـــركـــيـــز الـــتـــي انـــتـــهـــى إلـيـهـا الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكي ّّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يومي لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود. بــــروفــــســــورة عـــلـــم الاجـــتـــمـــاع الأمــيــركــيــة كــاثــريــن جـــيـــزيـــر-مـــورتـــون فـــي كـتـابـهـا «قـصـة حـــــيـــــاتـــــك: كــــيــــف تــــشــــك ّّــــل وســــــائــــــل الــــتــــواصــــل ،*»2026 - الاجــتــمــاعــي تـجـربـتـنـا لــكــل شــــيء تتجاوز تلك التحذيرات المألـوفـة نحو منطقة أكـــثـــر عـــمـــقاً، وربـــمـــا أشــــد إزعـــــــاجاً، إلــــى حيث تـتـشـكـل الـــســـرديـــات الــتــي يــرويــهــا الأفـــــراد في المجتمعات الحديثة عـن أنفسهم وفـق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة الـتـجـاريـة الشخصية الـتـي يسوّّقها المـــرء عن ذاتـــه بنية تحتية لـلـهـويـة، وهــــواء يستنشقه يـومـيا داخــل فـضـاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين. يـنـطـلـق «قـــصـــة حـــيـــاتـــك»، الـــــذي يستند بشكل كبير إلـــى مـــادة عـمـود المـؤلـفـة الـــدوري فـــي مـجـلـة «ذا كــــت» الأمــيــركــيــة وأطــروحــتــهــا لـــلـــدكـــتـــوراه حـــــول «المـــــؤثـــــرات الأمـــــهـــــات»، مـن فــكــرة مــركــزيــة مــفــادهــا أن المــنــصــات الـرقـمـيـة تـحـولـت إلـــى «مـــواقـــع لــلــعــرافــة»، يـبـحـث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعــن قـوالـب جـاهـزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، مـا يـفـرض الـتـسـاؤل حول تأثير تلك الـقـوالـب المـسـتـعـارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط ســــرديــــات مـكـتـمـلـة ومـــعـــدة مــســبــقا لــلــعــرض. وتلاحـــظ جـيـزيـر-مـورتـون أن الأجــيــال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتـهـا؛ لأنها تشبه الـهـواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلــى سجل تاريخي ليتقط حـالـة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي. تــقــدم المــؤلــفــة تــحــلــيلا لما تـسـمـيـه «فـــرط الـواقـعـيـة الــخــانــق»، وهـــي الـحـالـة الـتـي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات الــســيــاحــيــة إلـــــى خــلــفــيــات لـــلـــعـــرض الـــرقـــمـــي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقد ّّم الوجبات كمادة خــام لمحتوى بــصــري... وتلتقط هــذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بـالـسـرد الشخصي الحميم، مـع نـبـرة ترفض الـوعـظ الأخلاقــــي، وتتجنب لــوم المستخدمين الــــذيــــن يـــقـــعـــون ضـــحـــايـــا، ويــــكــــونــــون شـــركـــاء فاعلين في الوقت ذاته. يتميز الطرح في «قص ّّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الـخـوارزمـيـات، والــذي يكافئ الإيجاز المخل والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تــــجــــارب إنــســانــيــة كــامــلــة مــــن الـــفـــضـــاء الــعــام مـثـل الـــتّّـــردد فــي خـــيـــارات الــحــيــاة، والارتـــيـــاح لما يـــخـــالـــف المـــــوضـــــة، والاســــــتــــــسلام لــلــحــزن، وخيبة الأمـل، والقبول بالواقع. ويوثّّق كذلك كيف تلّمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والـقـصـص ذات «أقــــواس التضحية المكتملة» كــمــا تـسـمـيـهـا، وهــــو نــمــط أمـــيـــركـــي بـامـتـيـاز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، فــــي وقـــــت يـــخـــضـــع فـــيـــه الــــســــرد عــــن الــضــعــف لـقـواعـد اجـتـمـاعـيـة صــارمــة، الـقـاسـم المشترك بينها جميعا هو إعـادة تقديمه لضمان بقاء الــعلامــة الـتـجـاريـة الشخصيّّة عـلـى المنصات قوية وتحظى بالمتابعة. ولا شـك أن أحــد أهــم فصول الكتاب ذلك الـــذي يحلل مــا يمكن تسميته بتبني قـواعـد الـــخـــوارزمـــيـــة فـــي عـــــادات الــنــشــر، فـيـشـيـر إلــى تعلّّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفـــراد للرقابة الذاتية والتحريف والــــــكــــــذب «بـــســـهـــولـــة الــــتــــنــــفــــس»، فـــــي ســـيـــاق رســم صـــورة بد لية عـن أنفسهم تـكـون «قابلة لــلــتــســعــيــر» مــــن قـــبـــل الآخـــــريـــــن، ســــــواء كــانــت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه »2025 - كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن عـن حتميّّة تــردي المنصات الرقمية مـع مـرور الـــوقـــت، فـتـقـول إن ســنــوات الـشـعـور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مـرحـلـة تــوقــع تحقيق الأربــــــاح، فــي حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقا إلى تغيير صـيـغـة الـتـعـامـل مـــع المــســتــخــدمين ومـمـارسـة الـضـغـوط عليهم كــي يـقـدمـوا أنفسهم بشكل متزايد كسلع. ثمة ســؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حـــول علاقــــة الــســرديــات المـعـلّّــبـة بـبـعـض أكبر التحديات التي تـواجـه المجتمعات المعاصرة مـثـل الــعــدالــة الاجـتـمـاعـيـة والمــــســــاواة، وقـــدرة الأفــراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية لـلـبـالـغين والمـــراهـــقين، وتـفـتـح الـبـاب لـربـطـهـا بـــأزمـــات الـصـحـة الـنـفـسـيـة المتفشية بـدلالـة أن «الـعلامـة التجارية» قـد تكون حلت مــحــل الــــــذات نــفــســهــا، وأن اســتــيــعــاب قــواعــد الــخــوارزمــيــة يـجـعـل الأفـــــراد يــعــيــدون اجــتــرار الــقــوالــب الــتــي تــخــدم مـصـالـح شـــركـــات كـبـرى تـعـمـل عـلـى تـحـويـل الــتــجــارب الإنـسـانـيـة إلـى بيانات قابلة للتسويق. تـسـتـدعـي جــيــزيــر-مــورتــون فـــي مـعـرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومــقــابلات مـع مؤثرين وعـامـلين فـي قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نص ّّها دفئا وصدقاً، مع إدراك الـــقـــارئ بـالـطـبـع لمــحــدوديــة تمثيل تلك الـحـكـايـا إحــصــائــيا لأجــيــال كـامـلـة نــشــأت في ظـــل هــــذه المـــنـــصـــات، عــلــى أن قــوتــهــا تــظــل في قـدرتـهـا عـلـى الـتـقـاط لـحـظـة تـاريـخـيـة فــارقـة؛ أي تلك اللحظة الـتـي أصـبـح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركا أن شـيـئا مـا قـد ضــاع منه بـيـدََيـه. ويـبـدو هذا التباين واضحا بين الجيل الذي عاش طفولته فــي فـــضـــاءات مــا قـبـل الـرقـمـنـة، والـجـيـل الــذي تشك ّّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يــشــيــر إلــــى تـــحـــول عــمــيــق فـــي بــنــيــة الـتـجـربـة الإنسانية ذاتها. فـــــــي الـــــفـــــصـــــل المـــــخـــــصـــــص للإعلانــــــــــــــات المستهدفة إضـــاءة على صعوبة التمييز بين مــنــشــورات الأصـــدقـــاء والمـــــواد المــدفــوعــة، وهـو تــداخــل يـجـعـل الــوعــي اخــتــبــارا يــومــيا عندما تــتــفــكــك الـــــحـــــدود بين الـــــعلاقـــــات الـشـخـصـيـة والـــــعلاقـــــات الـــتـــجـــاريـــة، ويـــتـــحـــو ّّل كـــل تـفـاعـل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي. وتـــعـــتـــرف المـــؤلـــفـــة ضـــمـــنـــيا بـــــأن الــبــديــل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الــذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحا لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجـوديـة وسياسية في ذات الآن، ومــســألــة تـسـتـحـق الــتــأمّّــل العميق بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة. The Story of Your Life How Social Media* Shapes the Way We Experience Everything, .2026 ,Kathryn Jezer-Morton, Icon Books قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق Issue 17509 - العدد Thursday - 2026/11/5 الخميس كتب BOOKS 17 كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع» تــفــتــتــح الـــكـــاتـــبـــة أحلام نــــــواف بـــــارود كــتــابــهــا «لــــم نُُـــخـــلََـــق لـــلـــقـــاع» بــــإهــــداء يـشـرع أمـــــام الــــقــــارئ أبــــــواب الأمــــــل: «إلـــــى آخــــر يــوم فــي حـيـاتـك، مُُــصــرّّح لــك بـالـتـجـربـة والخطأ والتعلّّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتد أجمل ما لديك، وتََعط ّّر، واقرأ، وتعلّّم، واعتن بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً». وتـــوضـــح الــكــاتــبــة فـــي مــقــدمــة كـتـابـهـا الـــــصـــــادر عــــن «الآن نـــــاشـــــرون ومـــــوزعـــــون» ّّـــهـــة إلــــى «كــل )، أن نــصــوصــهــا مـــوج 2026( شخص شعر يــوما أنـه عـالـق، أو ضـائـع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هـــذه الــنــصــوص إن اسـتـطـاعـت أن تغيّّر فكرة واحـــدة بداخل الـقـارئ، أو توقظ رغبة البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّّق هدفه. 135 ويتضمن الكتاب الـواقـع في نحو فــصلا قصيرا تدور 53 صفحة موزعة على جميعها فـي فلك فكرة واحـــدة، يشير إليها الــعــنــوان فـــي الـــبـــدء، وهـــي أن الـــوصـــول إلـى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يــتــحــول إلــــى مـحـطـة عـــابـــرة فـــي الــحــيــاة. نـقـرأ فـي هــذا الـسـيـاق: «الـقـاع لا يـأتـي دائــما ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لــم نُُــخـلََــق لـلـقـاع... خ ُُلقنا لنعبره ونتغير خلالـــه، ثـم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقـى وأعظم وأنجح صورة لنا». لــــذا تـــبـــدو قــائــمــة عـــنـــاويـــن الــنــصــوص شبيهة إلـى حد بعيد بخريطة تقود طريق الــــقــــارئ لـــلـــخـــروج مــــن ذلـــــك الــــقــــاع، وتــحــثّّــه عــلــى طــــرح عــديــد مـــن الأســئــلــة ذات الأبــعــاد الــــوجــــوديــــة: «لــــم نُُـــخـــلََـــق عــــبــــثاً»، و«مـــداخـــل الألـــم»، و«الإنــســان»، و«وضــــوح»، و«إلـهـام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الـخـوف عبر: «الــخــوف... القاتل الصامت»، و«الــــشــــجــــاعــــة»، و«لا تـــنـــظـــر لــنــفــســك بـــعين الـفـشـل»، ليأتي فـصـل: «إجــابــات معلّّقة بين الـــســـؤال والــــوقــــت» مـسـتـحـضـرا قــصــصا من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث. ويــــخــــصــــص الـــــكـــــتـــــاب مــــســــاحــــة لــفــهــم ّّــم الإنـــســـان فـــي فــصــل «افــهــم الــنــفــس، فـيـقـس نفسك أولاًً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابََي «لـغـات الـحـب الخمس» و«م ََـــــن حـــــرّّك قـطـعـة الـــــجبن الــخــاصــة بــــي؟»، يتبعه فصل بـعـنـوان «الـضـمـيـر»، ثـم قائمة عادة تزيد ثقتك بنفسك»، 21« عملية بعنوان وفصل «كن طيبا دون أن يستغلّّك أحد». ويحمل الفهرس ثلاث إشـارات بنيوية لافـــتـــة، فــقــد و ََســـمـــت الــكــاتــبــة ثلاثـــــة فـصـول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «اســتــرجــع عـقـلـك (عــقــل الـــكـــتـــاب)»، والـثـالـث «علاقـتـك بالله (روح الـكـتـاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلا لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة. عم ّّان: «الشرق الأوسط» هبة الله أحمد تتخذ من محطة القطار إطارا لتنويع حركة القص «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات تـــــؤســـــس الــــكــــاتــــبــــة المـــــصـــــريـــــة هــبــة الــلــه أحــمــد عــالــم مـجـمـوعـتـهـا «حــكــايــات الــغــمــاز» عـلـى مــفــارقــة مـكـانـيـة وحـركـيـة؛ فــمــحــطــة الــــقــــطــــار، الــــتــــي تــــبــــدو مـــســـرحا واحدا تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تـهـدأ، قوامها اللهاث والـــعـــبـــور وتلاقـــــــي المـــصـــائـــر. وتـسـتـثـمـر الـــكـــاتـــبـــة هـــــذه الــطــبــيــعــة فــــي بـــنـــاء عــالــم تـــتـــقـــاطـــع فــــيــــه الــــحــــركــــة الــــخــــارجــــيــــة مــع تــحــوّّلات إنسانية أكـثـر خــفــاءًً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصـوات لا تصدر عـــن وعـــي واحـــــد، رغـــم انـتـظـامـهـا جميعا حول راو ثابت. ومــــن خلال هــــذه الــجــدلــيــة لا يـعـود ثــبــات المــكــان نـقـيـضا لـلـحـركـة، بــل شــرطا لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بـوصـفـهـا مـــكـــانا لـلـسـفـر، لـتـصـبـح إطــــارا لاختبار ما يتغيّّر في الإنسان، وما يظل عــــالــــقا فـــيـــه، حـــتـــى حين يــــواصــــل الــعــالــم حركته. ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار الــــعين لـلـنـشـر- الــقــاهــرة) بـوصـفـه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نـــصـــوصا تـحـتـفـظ بــاســتــقلالــهــا الـنـسـبـي، أو فـــــصـــــولا مـــــن روايـــــــــة قـــصـــيـــرة تـتـشـكـل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الــحــكــائــيــة؛ فـالـشـخـصـيـات تــدخــل المـشـهـد وتـــــــغـــــــادره، فـــيـــمـــا يـــســـتـــمـــر عــــالــــم المــحــطــة خــارج حــدود كـل حكاية منفردة. ومـن ثم، لا تتحقق وحــــدة الـعـمـل بـتـتـابـع الأحــــداث حـول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد. اختيار الراوي تـمـنـح الــكــاتــبــة هــــذا الـــفـــضـــاء راويا فـــانـــتـــازيا هـــو عــمــود نــــور المــحــطــة، الـــذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يــــضــــاعــــف المـــــفـــــارقـــــة المــــؤســــســــة لــلــعــمــل؛ فـالـراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكـثـر اتـصـالا بحركة الآخــريــن، والأقـــدر عــلــى الاحـــتـــفـــاظ بـــأثـــر عـــبـــورهـــم. غــيــر أن ثباته المادي لا يعني سـكـونا فـي وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة الـقـدرة على الإصـغـاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لـتـؤسـس مـسـافـة بين الـــقـــدرة عـلـى إدراك العالم والأمل في تغييره. يــشــمــل هــــذا الـــتـــحـــو ّّل الـشـخـصـيـات الـــتـــي تـــبـــدو جــــــزءا مـــســـتـــقـــرا مــــن المـــكـــان، فـــيـــمـــا تـــخـــضـــع فـــــي داخــــلــــهــــا لـــتـــحـــو ّّلات اجـــتـــمـــاعـــيـــة ونــفــســيــة مـــتـــبـــايـــنـــة، فــالــقــط الـــعـــجـــوز «جــــــاكــــــوار»، الــــــذي يــنــتــقــل مـن حــيــاة الــقــط المــنــزلــي إلـــى حــيــاة الـــشـــارع، لا يــــواجــــه تـــغـــيـــرا فــــي شــــــروط مـعـيـشـتـه فـحـسـب، وإنـــمـــا يــبــدأ فـــي إعـــــادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقـتـه بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمـان الفردي. لا تـــــبـــــدو هـــــــذه الآلـــــيـــــة بــــعــــيــــدة عــن شـخـصـيـة الــطــفــل الـلـقـيـط الـــــذي يـتـحـو ّّل إلـى أحـد أبناء المحطة، ويستعير بـدوره لغة الاسـتـقـواء، لتقيم الكاتبة بين القط والـــطـــفـــل تـــنـــاظـــرا يـــتـــجـــاوز الــتــشــابــه في الـهـامـشـيـة أو الــتــشــرد؛ فــكلاهــمــا يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور. وفـــــي مـــقـــابـــل هـــــذه الــــتــــحــــولات الــتــي تفرضها شـروط البقاء، تنفتح المجموعة عــــلــــى تــــــحــــــو ّّلات أخـــــــــرى أكـــــثـــــر الــــتــــصــــاقا بــالــعلاقــات الـعـائـلـيـة والـــذاكـــرة، فحضور شخصية الأم المـصـابـة بـألـزهـايـمـر يضع علاقـة الأمـومـة والبنوة أمـام اخــتلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالا عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها عـلـى اسـتـحـضـار تـاريـخـهـا المـشـتـرك، كما تـفـتـح علاقــــة الابــــن والأب مــجــالا لمـسـاءلـة الأدوار الـعـائـلـيـة، بـمـا تـنـطـوي عـلـيـه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة. تـتـقـاطـع هـــذه الـــعلاقـــات مـــع حـضـور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بـقـصـر المــــدة الــتــي يـسـمـح فـيـهـا المجتمع لـلـمـرأة بـــأن تـظـل مـرغـوبـة أو مـرئـيـة وفـق معاييره، وبـهـذا المعنى لا يكون التحوّّل مـــرتـــبـــطا دائــــــما بــانــتــقــال الـشـخـصـيـة من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخــريــن إلـيـهـا، أو مــن إدراكـــهـــا أن الـزمـن يــعــيــد تــحــديــد مــوقــعــهــا داخـــــل الـــعلاقـــات الاجتماعية. زمن نفسي يـــــــؤدي الــــوقــــت وظـــيـــفـــة بـــنـــائـــيـــة فـي تـــنـــظـــيـــم هـــــــذه الـــــتـــــحـــــولات، فــــفــــي مــحــطــة الـــقـــطـــارات يـصـبـح الـــزمـــن الـكـرونـولـوجـي جـــزءا مــن نـظـام المــكــان، وتستهل الكاتبة عددا من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف مـن البشر بين الــقــادم والمــســافــر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخــلــيــة لا تـخـضـع لمـنـطـقـه. فــفــي حـكـايـة الـحـبـيـبـة الــتــي تـــواصـــل انــتــظــار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمـــــــن نـــفـــســـي يــســتــبــقــي علاقـــــــة لــــم تـعـد تستجيب لتحولاته. القاهرة: منى أبو النصر أصبح «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض... في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة الحياة سردا معل ّّبا في زمن الخوارزمي ّّات ندى حطيط كاثرين جيزير - مورتون وغلاف كتابها تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky