Issue 17509 - العدد Thursday - 2026/11/5 الخميس OPINION الرأي 14 فـــي كــتــابــه «مـــحـــاوراتـــي مـــع الــــســــادات» روى الأستاذ أحمد بهاء الدين جانبا طريفا من حوار طويل جرى بينه وبين الرئيس أنور السادات. كــــان ذلــــك فـــي أعـــقـــاب نــصــر أكــتــوبــر (تـشـريـن ، وكــانــت مـصـر تـتـوجـه إلـــى اقتصاد 1973 ) الأول السوق وتتخلص من فكر القطاع العام في نهجها الاقـتـصـادي، وكـانـت الـقـاهـرة تتهيأ لاســتــرداد ما يتبقى من أرض سيناء بالسلام، بعد أن استردت ما استردته منها بالحرب، وكانت الدولة تستعد لمـسـار سـيـاسـي مختلف يسمح بــوجــود الأحـــزاب ذات الرؤى السياسية المختلفة. كل ذلك أوحى إلى بهاء الدين، وهو جالس مع رأس الدولة في الاستراحة الرئاسية في القناطر الخيرية شمال القاهرة، بأن مثل هذه التوجهات الجديدة على المستويات السياسية والاقتصادية بالذات، إنما تحتاج بالضرورة إلى دستور جديد يؤسس لها ويُُرسخ؛ حتى لا تكون مجرد خطوات هائمة لا يربطها رابط ولا يجمع بينها جامع. وكـــــان أن تــوجــه إلــــى الــــســــادات بـــالـــســـؤال عن أهمية أن يوضع دسـتـور جديد لـلـبلاد، وعما إذا كـانـت فـكـرة كـهـذه تشغل بـــال الـرئـيـس أو تضغط عليه؟ راح الـسـادات يتطلع إلـى أحمد بهاء الدين بــشــيء مـــن الاســـتـــغـــراب، ثـــم قــــال: «دســـتـــور إيـــه يا أحــمــد؟ أنـــا وعـبـد الـنـاصـر آخـــر الـفـراعـنـة الــذيــن لا يحتاجون دستورا ليحكموا». توقف بعدها قليلا ليعود مستكملا حديثه وسط دهشة بهاء الدين: «ســـوف يـأتـي مـن بـعـدي رؤســـاء آخـــرون عـاديـون، وسـوف يكونون في حاجة إلى دستور ليحكموا، أو يمش ّّوا شغلهم»، على حد تعبيره! كــــانــــت الـــدهـــشـــة قــــد ســـيـــطـــرت عـــلـــى صــاحــب الــســؤال إلـــى حــد لــم يـعـرف مـعـه مـــاذا بـمـقـدوره أن يقول، ولا بـأي كلام يمكنه أن يــرد. فلقد أيقن من كلام الـــســـادات أن مـــوضـــوع الــدســتــور لا يشغله، وأنه حتى لو طاوع المطالبين بدستور جديد فقرر صياغته ووضعه، فلن يكون في حاجة إليه، ولن تـقـيـده مــــواده فــي شـــيء، وسيحكم كـمـا حـكـم عبد الناصر والفراعنة من قبلهما، من دون حاجة إلى نصوص دستورية مكتوبة يعود إليها أو يتكئ عليها أمام الناس. فـأعـاد 1980 طـبـعا عـــاد الـــســـادات بـعـدهـا فــي صياغة بعض مواد الدستور، وبالذات المادة التي تحدد مدة بقائه في القصر، وجعلها مدة مفتوحة بغير سقف، ولكن شـاء الله ألا يستفيد هو منها فــي شـــيء، وأن يــغــادر الـدنـيـا فــي يـــوم عـيـده وبين جــنــوده، وأن يستفيد منها الـرئـيـس مـبـارك الـذي جاء من بعده فبقي في الحكم ثلاثين سنة! وهكذا، يتبين أن الرئيس السادات عندما فكر في أن يبقى لفترة مضافة على الكرسي، لم يجد مفرا من العودة للدستور وإعادة صياغة بعض ما فيه، ولكن المشكلة كانت أن الوقت لم يسعفه، وأنه لم يكن يدري أنه كان يفتح الطريق أمام القادم من بعده لا أمامه هو! تلك إذن قصة طويلة لا نريد أن نستطرد فيها لأن فيها تفاصيل كثيرة يُُمكن أن تُُـــروى، ولأنها ليست الهدف في حد ذاتها من وراء هذه السطور، وإنــــمــــا هــــي مـــقـــدمـــة طـــالـــت بـــأكـــثـــر مـــمـــا هــــو لازم. فالهدف أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي استبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فتصرف هو وإدارته، بالطريقة ذاتها تقريبا التي تكلم بها السادات مع بهاء الدين. فــمــمــا قــــرأنــــاه أن الـــرئـــيـــس تـــرمـــب اسـتـشـعـر الخطر من سباق الكونغرس مسبقاً، فراح يتحوط ويتخذ من الخطوات الاستباقية ما يستطيع بها أن يصمد في وجه أغلبية ديمقراطية محتملة في مجلسي الـنـواب والشيوخ. إنـه قد فعل كل ما في وسـعـه سـيـاسـيا وشـعـبـيا قـبـل بـــدء الــســبــاق، لعل حزبه الجمهوري يحتفظ بأغلبيته في المجلسين، ولكنه ليس واثــقا كل الثقة مما يمكن أن يتكشف عـنـه الـسـبـاق فــي الـنـهـايـة، ويــريــد هــو وإدارتـــــه أن يحكم السنتين المتبقيتين لـه فـي البيت الأبيض، بــمــثــل مـــا حــكــم فـــي الــــعــــامين المـــنـــقـــضـــيين، أو بما يشبههما في أقل القليل. قـــــرأنـــــا عــــلــــى لــــســــانــــه أن الــــســــبــــاق إذا أعـــطـــى الديمقراطيين أغلبية، وأن الأغلبية إذا كانت حقيقية بلا عبث ديمقراطي انتخابي فيها، فسوف لا يملك هو إلا أن يعترف بها، ولكنه في المقابل سيحكم بما سماه «صلاحـيـات تنفيذية» للرئيس، أي سيجعل أغلبية الديمقراطيين وراءه، وسيحكم بما يمكن أن تعطيه الثغرات من صلاحيات تعرفها إدارته! هـذا كلام غريب لـم ينطق بـه رئيس فـي مكانه من قبل، ولكن لأنه اعتاد منذ عودته للبيت الأبيض أن يـحـكـم بــمــا قـــد يـــــرى، غــيــر عـــابـــئ بــمــا تُُــلــزمــه به المــؤســســات المـسـتـقـرة، فــإنــه يـتـصـور أنـــه قــــادر على مـتـابـعـة الــطــريــق بــالأســلــوب نـفـسـه فـــي حـــال خسر حزبه الأغلبية! إن تفكيره في هذه النقطة يشبه إلى حد كبير ما كان السادات يفكر به وهو يرد على سـؤال بهاء الدين، ولكن الواقع تظل له أحكامه طبعاً، وإلا، ما كـــان الـــســـادات قـــد عـــاد إلـــى الــدســتــور حين فـكـر في البقاء، وقد كان لا يعبأ به وهو يجيب على السؤال. ســــوف نــــرى الآن بــعــدمــا خــســر الـجـمـهـوريـون الأغـــلـــبـــيـــة فــــي مــجــلــســي الـــكـــونـــغـــرس، كـــيـــف يـمـكـن لـلـصلاحـيـات التنفيذية إيــاهــا أن تُُــسـعـف الرئيس تـــرمـــب؟ فـــالـــكلام شـــيء فـــي حين الـــواقـــع شـــيء آخـــر، وبـــيـــنـــهـــمـــا مـــســـافـــة مـــحـــكـــومـــة دائـــــــــما بـــمـــا تُُــمــلــيــه الضرورات وتفرضه المقتضيات. أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الـــحـــالـــي، أن المــــحــــادثــــات مــــع الـــوســـطـــاء الــقــطــريين أفــضــت إلـــى صـيـغـة تختصر مدة تنفيذ المقترح الإيراني لإعـادة فتح مضيق هرمز إلى يومين فقط. وبموجب هـــذا الـتـصـور المـــطـــروح تـتـخـذ واشـنـطـن إجــــــراءات اقـتـصـاديـة وأمــنــيــة فــي الـيـوم الأول، في مقابل إعـادة فتح المضيق في الـيـوم الـثـانـي. وحـتـى الـسـاعـة، لـم تعلن الولايات المتحدة قبولها المقترح المقدََّم، بينما لا تزال طهران تشترط الاستجابة لمــطــالــبــهــا قـــبـــل اســـتـــئـــنـــاف المـــفـــاوضـــات المباشرة، وهذا ما أكد عليه أكثر من مرة الأمين الـــعـــام لــ«المــجــلــس الأعـــلـــى للأمـــن القومي» محسن رضائي. هـــــذا الـــتـــطـــور أتـــــى بـــعـــد مـــحـــادثـــات ساعة في طهران، 12 استمرت أكثر من أكتوبر 31 وانتقلت تاليا إلى الدوحة في (تشرين الأول) المنصرم. الاتـــــــصـــــــالات المـــكـــثـــفـــة تـــكـــشـــف عــن تـقـدم فـي مناقشة الإجــــراءات العملانية والـتـوقـيـت، مــع اســتــمــرار الــــخلاف حـول طبيعة الالتزامات ومن يبدأ في تنفيذها، وهـــــي المـــســـألـــة الـــتـــي أخـــفـــقـــت واشــنــطــن وطــــهــــران فــــي تـــجـــاوزهـــا خلال جــــولات التفاوض السابقة، وقد يؤدي ذلك لتعثر الجهود الحالية إذا لم تكن هنالك مرونة تمنع انـــزلاق المنطقة إلـى حـرب جديدة، ستكون أقسى من سابقتيها! ولا أن الدبلوماسية المدعومة بقوة والمـخـطـط لـهـا بـشـكـل دقــيــق، مــن الممكن أن تكون بـــديلا فـــاعلا عـن حــرب صفرية تستنزف ميزانيات دول المنطقة، وتفتح المــــجــــال أمـــــــام المـــيـــلـــيـــشـــيـــات والمـــجـــامـــيـــع الإرهابية لتنشط في الفوضى! بالنسبة إلى الرياض، فإن التسوية المطلوبة تتصل بـأمـن الخليج العربي، وأيضا سلامة أراضي المملكة ومنشآتها، وحـــريـــة الملاحــــــة الــبــحــريــة فـــي مـضـيـقََــي هـرمـز وبـــاب المــنــدب، ووقـــف الاعــتــداءات الحوثية وعمليات الميليشيات العراقية. ولهذا أكدت وزارة الخارجية السعودية أكتوبر الماضي، 26 في بيان نشرته يوم تطلعها إلى «تعاطي أطـراف الأزمـة بكل إيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة، ومـع جهود قطر وباكستان المستمرة»، وذلـك بعد زيـارة وزيـر الدفاع السعودي الأمـــــيـــــر خــــالــــد بـــــن ســـلـــمـــان ضـــمـــن وفـــد «اتفاقية مكة» إلى طهران. ضــــمــــن الــــســــيــــاق ذاتــــــــــه، تـــواصـــلـــت الاتــصــالات السعودية – الأميركية عبر لـقـاء وزيـــر الـخـارجـيـة الأمــيــر فيصل بن فـرحـان نظيره الأمـيـركـي مـاركـو روبيو أكتوبر الماضي؛ حيث 31 في أتلانتا، يوم تناول اللقاء التحديات الإقليمية؛ وهو ما يشير بوضوح إلى جدية الرياض في مساعيها التي على طهران أن تتعاطى معها بإيجابية كبيرة، وتجنب المنطقة مـــواجـــهـــة لــــن تـــكـــون فــــي صـــالـــح دولـــهـــا وشعوبها. مـــواكـــبـــة لــكــل هــــذا الــــحــــراك، جـــاءت رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فـــانـــس إلــــى الـــجـــنـــرال مــحــســن رضـــائـــي، فــي مسعى لفتح قـنـاة تــواصــل مــع أحـد مراكز القرار الأمني الإيراني؛ خصوصا أن رضــــائــــي هــــو مــمــثــل المــــرشــــد الأعـــلـــى مجتبى خـامـنـئـي فــي «المــجــلــس الأعـلـى للأمن القومي» ولديه تاريخه العسكري كـــرئـــيـــس ســــابــــق لــــ«الــــحــــرس الــــثــــوري» الإيراني. بــحــســب مـــا تـــســـرب اشـــتـــرط فـانـس إدراج المـلـف الــنــووي فــي أي مـفـاوضـات جــــديــــدة. أمــــا رضـــائـــي فــأعــلــن لاحـــــقا أن الــلــهــجــة الأمـــيـــركـــيـــة «تـــغـــيـــرت تــــمــــاماً»، واعــتــبــر ذلـــك مـــؤشـــرا إيـــجـــابـــياً؛ لـكـنـه لم يـــقـــدم ردا رســــمــــيا عـــلـــى الـــرســـالـــة حـتـى الساعة. هــذه الـتـطـورات المهمة يجب النظر لـهـا فــي سياقاتها السياسية الدقيقة، بــوصــفــهــا مــســاعــي الــلــحــظــات الأخـــيـــرة لـتـجـنـب الــــحــــرب، لا انـــتـــصـــارا سـيـاسـيا أو دعـــــائـــــيا لإيـــــــــران كـــمـــا تـــــــروج بـعـض الأوســـــاط فــي طـــهـــران؛ لأن هـــذه الــقــراءة ستضلل صناع القرار في النظام وتجعل النشوة تأخذهم، عوض أن يكون العقل السياسي الـبـارد هو من يفكك الأحــداث بعناية، ويبني عليها سـيـاسـات تكون في صالح أمن دول المنطقة كافة. كــــل ذلـــــك لا يــعــنــي أن الـــطـــريـــق إلـــى السلم معبد وسهل ٌٌ؛ حيث تزداد صعوبة الــتــســويــة مـــع تــمــســك إيــــــران بـتـرتـيـبـات خاصة للملاحة عبر مضيق هرمز تكون تحت إدارتـهـا. وهـذه مطالبة تستوجب بـــــحـــــثا مـــــســـــتـــــقلا عــــــن المـــــلـــــف الــــــنــــــووي، يـتـعـلـق بــحــريــة الملاحـــــة وحـــقـــوق الــــدول المستخدمة للمضيق، ولا يكفي بشأنها التفاهم الأميركي – الإيراني وحـده؛ لأن الـسـعـوديـة وبـقـيـة دول الخليج العربي لن تقبل بأن تُُعط ََى إيران هدايا مجانية تتعارض مع القانون الدولي وتنتهكه، وتـــكـــرس أمـــــرا واقــــــعا بــــالإكــــراه وتـهـديـد السفن! أيــــضاً، اسـتـئـنـاف تفتيش المنشآت الــــنــــوويــــة الإيـــــرانـــــيـــــة الـــــــذي تـــطـــالـــب بـه الــولايــات المـتـحـدة، يحتاج إلــى معالجة وضـــــــــع مـــــــخـــــــزون الــــــيــــــورانــــــيــــــوم عــــالــــي الــتــخــصــيــب. فــقــد حـــــذ ََّر مـــديـــر «الـــوكـــالـــة الدولية للطاقة الذرية» رافائيل غروسي، 440 من عدم القدرة على التحقق من نحو كيلوغراما من هذه المـواد. وأي إعفاءات اقتصادية مقابل التفتيش ستحتاج إلى تحديد نطاق الرقابة، ومصير المخزون الــنــووي، إضـافـة لإجــــراءات التعامل مع الانتهاكات التي قد تُُقدم عليها إيران. إذن، مـا الـــذي مـن الممكن أن تترتب عــــلــــيــــه زيـــــــــــارة وفــــــــد «اتـــــفـــــاقـــــيـــــة مــــكــــة»، والوساطة القطرية، ورسالة فانس؟ بـــــاعـــــتـــــقـــــادي، هــــنــــالــــك احــــتــــمــــالات مـسـتـقـبـلـيـة عــــــدة: الأول مــنــهــا «تــفــاهــم مــــرحــــلــــي» تـــــوافـــــق فـــيـــه واشــــنــــطــــن عـلـى إجـــــــراءات اقــتــصــاديــة مــــحــــدودة، مـقـابـل إعــــادة فـتـح المـضـيـق، وإتـــاحـــة التفتيش وفق جدول زمني محدد. ويعتمد نجاح ذلك على قبول إيران بحث الملف النووي، وتـــــراجـــــع مــطــالــبــهــا بــــــــــالإدارة المـــنـــفـــردة لــــلــــملاحــــة الـــبـــحـــريـــة فـــــي هـــــرمـــــز. وهـــــذا التفاهم الأولـي يقود تاليا إلى تقدم في الـنـقـاشـات فــي المـلـفـات المـخـتـلـفـة، ضمن سـيـاسـة خــطــوة مـقـابـل خــطــوة، وصـــولا إلى الاتفاق النهائي مستقبلا ًً. الاحــــــتــــــمــــــال الــــــثــــــانــــــي «اســــــتــــــمــــــرار المفاوضات من دون اتفاق»، وهو مسار يـتـضـمـن مــخــاطــر عــالــيــة؛ لأن واشـنـطـن ســـــــــوف تـــــــواصـــــــل الـــــحـــــصـــــار الــــبــــحــــري والــــضــــغــــط الاقـــــتـــــصـــــادي عــــلــــى إيـــــــــران، وتــــواصــــل الــــقــــوات الإيـــرانـــيـــة اســتــخــدام المضيق ورقــة تفاوضية، وتهدد السفن العابرة؛ سواء باستهدافها بالصواريخ أو بـــالـــطـــائـــرات المُُـــســـي ََّـــرة والألــــغــــام. هــذا المسار ربما يمنح الوسطاء وقتا إضافيا لـــلـــعـــمـــل، ولـــكـــنـــه يــــرفــــع بـــــدرجـــــة كــبــيــرة احـتـمـالات المـواجـهـة العسكرية، وأيــضا يقوي وجهة نظر المتشددين في مختلف الأطراف، ويعمق عدم الثقة والريبة. «عــــــودة المـــواجـــهـــة الــعــســكــريــة» هي الاحتمال الثالث، ومن الممكن أن تحدث بـــشـــكـــل عـــنـــيـــف إذا رفـــــضـــــت الأطـــــــــراف التنازلات المتبادلة، أو أدى حادث أمني خطير إلى انهيار الاتصالات. وما يعزز هـــذا الـتـوجـه الــرســالــة الأخــيــرة للمرشد مجتبى خـامـنـئـي الــــذي هـــدد بــالــرد من دون قيود جغرافية! مــــن المـــفـــيـــد ألا يُُـــــفـــــرِِط المــــــراقِِــــــب فـي الـــتـــفـــاؤل أو الـــتـــشـــاؤم، وأن تــتــم قــــراءة المــــشــــهــــد بـــــواقـــــعـــــيـــــة؛ حــــيــــث تــســتــطــيــع السعودية وقطر وباكستان وتركيا دعم تسوية تضمن أمن المنطقة وتمنع عودة الـــحـــرب، ولـــكـــن نـجـاحـهـا يـتـطـلـب قـبـول الــولايــات المـتـحـدة وإيــــران، وعـــدم تدخل إســرائــيــل عــســكــرياً، ومـعـالـجـة مـتـوازيـة وجــادة وعملية للملف الـنـووي، وحرية الملاحــــة، والاعــــتــــداءات الـعـابـرة للحدود عــبــر المــيــلــيــشــيــات، مـــن خلال الـــتـــزامـــات محددة وآليات رقابة واضحة؛ وإلا فإن المواجهة العسكرية ستكون حتمية. ،2023 رافق الحرب الراهنة في السودان منذ اندلاعها في دمـــار غير مسبوق طــال كـل شـــيء. دُُمـــرت ونُُــهـبـت مؤسسات الدولة وممتلكات المواطنين، والبنى التحتية، والمستشفيات، والجامعات، والمتاحف، والبنوك، والمختبرات الزراعية. وكان لافتا في كل محطاتها التركيز على استهداف قطاع الكهرباء وكل ما من شأنه تعطيل الحياة. ومع استعادة الجيش زمام المبادرة وميل الكفة لصالحه، في ظل تراجع «قوات الدعم السريع»، دخلت الطائرات المسي ََّرة بقوة إلى ساحة المعركة، لتكشف عن أبعاد خارجية متزايدة لــلــحــرب. وعـــــاد اســـتـــهـــداف مــحــطــات الــكــهــربــاء إلــــى الــواجــهــة محطة 16 بـــصـــورة مـكـثـفـة فـــي الآونـــــة الأخـــيـــرة، إذ تـعـرضـت لهجمات خلال عشرة أيـام، مما تسبب في انقطاع التيار عن مناطق واسعة، وسط تحذيرات من إظلام شامل. ولا يتعلق الأمر بمجرد انقطاع الكهرباء، بل بشلل يهدد مختلف قطاعات الحياة. فالكهرباء عصب الإنتاج الزراعي والصناعي، وركيزة عـمـل المـسـتـشـفـيـات والمــنــشــآت الـطـبـيـة، وشـبـكـات الاتــصــالات والخدمات المصرفية. وتدمير منظومة الطاقة يعني تقويض مقومات الحياة اليومية، ودفع البلاد نحو انهيار اقتصادي وخدمي يصعب احتواء تداعياته. 180 عقب الهجمات المتكررة، أعلن الـسـودان أن أكثر من طائرة مسي ََّرة هاجمت البلاد خلال العام الجاري، انطلقت من داخــل الأراضـــي الإثيوبية. وقـدمـت الحكومة مطلع الأسبوع الـحـالـي شــكــاوى إلـــى مجلس الأمـــن الــدولـــي، ومـجـلـس السلم والأمــــن الأفــريــقــي، مـتـهـمـة إثـيـوبـيـا بــالــعــدوان والمــشــاركــة في الـهـجـمـات الـتـي انطلقت مــن أراضــيــهــا، وهـــي اتـهـامـات تضع الحرب في سياق إقليمي يتجاوز حـدود المواجهة الداخلية، وتستدعي تحقيقا دوليا في ملابساتها. فتدخلات أطــراف خارجية في الحرب لم تعد أمـرا يمكن تجاهله، كما أن استمرارها بهذه الوتيرة المتصاعدة يفرض أسـئـلـة جـديـة حـــول أهــدافــهــا. فمخططات إضــعــاف الــســودان وتقسيمه لـيـسـت ولــيــدة الـــيـــوم؛ إذ إنـــه مـنـذ انـفـصـال جنوب ، ظلت التحذيرات تتصاعد من محاولات 2011 الـسـودان عـام أخــرى لتفكيك الـــبلاد، في سياق صـراعـات النفوذ والسيطرة عـلـى المــــــوارد الــغــذائــيــة والمائـــيـــة والمــعــدنــيــة، وإعــــــادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. ويـمـكـن قـــــراءة مــســار الـــحـــرب حـتـى الآن مـــن خلال ثلاث مــراحــل رئـيـسـيـة؛ الأولــــى تمثلت فــي مـحـاولـة الـسـيـطـرة على الـدولـة بـانـقلاب عسكري خـاطـف فـي الـبـدايـة عندما هاجمت «قوات الدعم السريع» مقر إقامة رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان لاعتقاله أو قتله، وذلك بالتزامن مع مهاجمة القيادة العامة للقوات المسلحة ووحدات أخــرى تابعة لها فـي العاصمة، والسيطرة على مقر الإذاعــة والـتـلـفـزيـون، ومـحـاصـرة قـواعـد عسكرية بـريـة وجــويــة. غير أن المخطط لم يحقق هدفه، بعدما تصدى الحرس الرئاسي لهجوم مقر الإقامة، واستعادت القوات المسلحة توازنها رغم صدمة المباغتة والتفوق العددي لـ«قوات الدعم السريع» في العاصمة في بداية الحرب. أمــا المرحلة الثانية فتمثلت فـي محاولة السيطرة على البلد بالقوة العسكرية والانتشار من الخرطوم نحو ولايات أخرى في الوسط، مع التمدد في كردفان ودارفور. لكن الجيش السوداني تمك ََّن تدريجيا من استعادة السيطرة على العاصمة وولاية الجزيرة وأجبر «قوات الدعم السريع» على الانسحاب والانكفاء نحو مناطق وجودها في كردفان ودارفــور والنيل الأزرق. المرحلة الثالثة، وهــي المرحلة الحالية التي تتشكل من مسارين في تقديري: الأول خلق كيان مــواز وواقــع تقسيمي عـلـى غـــرار الــنــمــوذج الـلـيـبـي، عـبـر إعلان حـكـومـة «تـأسـيـس» وإنشاء إدارات محلية وجهاز شرطة ومؤسسات شكلية، مع محاولة توسيع السيطرة في غرب السودان والتحالف مع عبد العزيز الحلو وقـواتـه في الحركة الشعبية في جبال النوبة، وربط ذلك بإقليم النيل الأزرق وصولا إلى الحدود مع إثيوبيا. ومــــع تـعـثـر هــــذا المـــســـار، فـــي ظـــل رفــــض دولــــي وإقـلـيـمـي للاعـتـراف بـأي كيان مـــوازٍٍ، ووقــوف قـوى إقليمية مـؤثـرة إلى جانب السودان في رفض أي تهديد لسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، فضلا عن تحركات الجيش لاستعادة السيطرة على كردفان والنيل الأزرق قبل الانطلاق المتوقع نحو دارفور، برز المــســار الـثـانـي بــصــورة أكـثـر خـــطـــورة: تـحـويـل الـــســـودان إلـى دولـــة فـاشـلـة، عبر اسـتـنـزاف قــدراتــه وتـدمـيـر بنيته التحتية وتعطيل الـخـدمـات الأسـاسـيـة وإغــــراق المجتمع فــي فـوضـى. وفي هذا السياق يمكن قراءة تصاعد هجمات المسيََّرات على محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية، بوصفها جزءا من حرب تستهدف مقومات الدولة. تعاظ ُُم الخطر دفع مصر للتلويح مؤخرا بتفعيل اتفاقية الـــدفـــاع المــشــتــرك مــع الـــســـودان لـدعـمـه ولــضــمــان عـــدم تـجـاوز الــخــطــوط الــحــمــراء فـيـمـا يـتـعـلـق بـــوحـــدة أراضـــيـــه وسـيـادتـه وسلامـــة مؤسساته. كذلك أكــدت السعودية موقفها الرافض لأي كـيـانـات مــوازيــة فــي الـــســـودان، ودعـمـهـا الـثـابـت لوحدته وسيادته وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسسات الدولة. فــــي مـــواجـــهـــة هـــــذا المـــشـــهـــد، يــبــقــى الــــرهــــان الأكــــبــــر عـلـى الـسـودانـيين أنفسهم ومــدى استعدادهم لحماية بلدهم مما يحاك ضـده. المُُطمْْئن أنـك عندما تتحدث إلـى الناس تجدهم واعين للمخاطر والمؤامرات التي تهدد بلدهم، وهو ما يفسر صبرهم على المعاناة المتزايدة التي تسببها الحرب وقناعتهم بأنهم سيتجاوزون هـذا المنعطف الحرج، وربما الأخطر في تاريخ بلدهم منذ الاسـتـقلال. فالتحدي لم يعد مجرد إنهاء الـــحـــرب، وإنـــمـــا مـنـع تـحـويـلـهـا إلـــى مــدخــل لـتـقـويـض الــدولــة وضياع مقومات بقائها. عثمان ميرغني سليمان جودة السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة التسوية الصعبة في اللحظات الأخيرة! وجه شبه بين ترمب والسادات الرئيس الأميركي سيحكم بما سم ّّاه «صلاحيات تنفيذية» في ضوء نتائج انتخابات الكونغرس حسن المصطفى التحدي لم يعد مجرد إنهاء الحرب وإنما منع تحويلها إلى مدخل لتقويض الدولة وضياع مقومات بقائها
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky