فــعــالــيــات أربـــــع شـــاركـــت فـيـهـا خلال الأســابــيــع الماضية أستخلص منها أربـع رسائل ذات دلالـة عمّّا أقصده بهذا العنوان: الــــرســــالــــة الأولــــــــــى؛ كــــانــــت عـــــن الاســــتــــثــــمــــار فـي المستقبل، وترددت في منتدى الاستثمار العالمي، الذي نظمته «أونكتاد» التابعة للأمم المتحدة واستضافته الدوحة بإعداد متميز. فالاستثمار الأجنبي زاد حقا في المائة 80 في المائـة رغم المعوقات؛ ولكن 6 بمقدار دولــــة فــقــط، والمـــشـــاريـــع المعلن 20 مـنـه تـسـتـأثـر بـهـا عنها فـي البلدان النامية انخفضت بأكثر مـن الربع مـقـارنـة بـالـعـام الماضـــي بما فـي ذلــك مـجـالات البنية الأساسية، والصحة والـغـذاء، والاستثمار ينبغي له أن يرفع مستويات المعيشة وفــرص العمل ويحافظ على الاستدامة، ويدعم السلم والأمن وإعادة البناء. وهــــذا كـلـه لا يــســانــده فــي رأيــــي الــوضــع الــراهــن للترتيبات الدولية، ولا أقول النظام الدولي؛ فالنظام يحمل مــن المـعـانـي والـتـوقـعـات مــا لا يـفـي بــه مــا هو سـائـد مـنـذ نـهـايـة الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة مــن أوجــه التحيز والتمييز وتباين تطبيق القواعد وانتقائية تنفيذ المعايير. استدعى هذا الدعوة إلى تبني إطار عمل جديد، تم الإعلان عنه في نهاية المنتدى، يتضمن حوكمة الاستثمار وربطه بالاستدامة وجودة الحياة، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعي وصناعات المستقبل، والتمويل وأدوات تخفيف المخاطر، وتوفير البيانات، ومساندة رواد الأعمال خصوصا الشباب والنساء. الرسالة الثانية؛ ما كان من نقاش في ندوة في الـقـاهـرة حــول كـتـابين صـــدرا هــذا الـعـام عـن دار نشر جامعة أكسفورد، عن الاقتصاد المصري والاقتصاد المغربي. برز فيها التأكيد بأوجه مختلفة على نهاية ما يعرف بتوافق واشنطن الـذي لخصه الاقتصادي فـــي عـــشـــرة بـنـود 1989 جــــون ويــلــيــامــســون فـــي عــــام تتبناها مؤسستا «بــريــتــون وودز» -الـبـنـك الـدولـي وصندوق النقد الدولي- من أهمها ما يتعلق بتحرير التجارة والاستثمار وسعر الصرف وتقييد الإنفاق الــعــام، بـمـا يستدعي الــيــوم الـبـحـث عــن نــمــوذج نمو جـــديـــد بـبـوصـلـة مـــرشـــدة واضـــحـــة الـــوجـــهـــات لإدارة الاقــتــصــاد. هـــذا يمنح الـحـريـة لـلـبـلـدان المختلفة في اختيار ما يناسبها. ويؤكد هذا ما ذهب إليه تقرير ، الــذي قـاد أعماله 2008 لجنة النمو الـصـادر في عـام الاقتصادي الحائز نوبل في الاقتصاد، مايك سبنس، مـن أن تـجـارب النمو الناجحة تشهد بـأنـه لا توجد وصفات جاهزة لتحقيق التنمية فتطبّّقها كل دولة، ولكن هناك مكونات أساسية لا غنى عنها لأي دولة، مـــن أهــمــهــا الاســتــثــمــار فـــي الــبــشــر، وتــطــويــر الـبـنـيـة الأسـاسـيـة، وإرســـاء الحوكمة، وتحقيق التراكم عبر الوقت. الرسالة الثالثة؛ ظهرت في جلسة أدرتها في قمة قادة الأعمال، التي نظمتها الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية تزامنا مع الاجتماع الوزاري للجنة التعاون الاقــتــصــادي والــتــجــاري لمنظمة الــتــعــاون الإسلامــــي، عن أهمية «الإقليمية الجديدة» التي تدفع بالتجارة والاســـتـــثـــمـــار والــــتــــبــــادل المـــعـــرفـــي بين دول الـــجـــوار الجغرافي أو دول يجمعها توافق المبادئ والتوجهات رغم بعد المسافات بينها. وتتجلى أهمية «الإقليمية الـجـديـدة» مـع الـصـراعـات الجيوسياسية والـحـروب المحتدمة واهـتـراء خيوط الإمـــداد، وتواتر واستمرار أزمـات المناخ والطاقة والغذاء والديون. وهو ما دفع وزيـر تجارة الدولة المضيفة للقمة، البروفسور عمر بـولات، إلى التأكيد أننا بحاجة إلى نموذج تعاوني جـــديـــد لـــلـــصـــمـــود طـــويـــل الأمــــــــد، مـــضـــاد لــلــصــدمــات والأزمات. الـــرســـالـــة الـــرابـــعـــة؛ مـــن مــؤتــمــر ع ُُـــقـــد فـــي لـنـدن ََّــمـتـه الـــشـــهـــر الماضـــــــي عــــن الــتــنــمــيــة فــــي أفـــريـــقـــيـــا نـظ صحيفة «الفاينانشال تايمز»؛ ذكرت في جلسة فيه عـن تمويل التنمية أن تـراجـع المـسـاعـدات الإنمائية يمكن اعتباره من المنافع والخيرات المخفية. شهدنا عـــامين مــن تــراجــع حـــاد لـلـمـسـاعـدات والمــنــح الـدولـيـة بسبب إلغاء المعونة الأميركية، وتخفيض المساعدات الأوروبية؛ إما لقيود من الموازنات العامة وعجزها، وإمـــــا لـتـقـيـيـد ســيــاســي مـــن الــحــكــومــات والمــعــارضــة الــيــمــيــنــيــة، وإمـــــا لــلــســبــبين مـــــعاً. لا شـــك فـــي تـضـرر قصير المـــدى لبلدان نامية اعتمدت على هــذا النوع مــن الـتـمـويـل. ولـكـن هــل يمكن إغــفــال ردود الأفــعــال، وأهــمــهــا مــراجــعــة نـهـج تـمـويـل الـتـنـمـيـة بـــل نـمـوذج النمو نفسه المـحـرك لـهـا؟ فقد تـحـررت حكومات من تمويل سهل وميس ََّر ظـاهـرياً، ولكنه كبح الاجتهاد فـــي حـشـد الـتـمـويـل مـحـلـيا والاعـــتـــمـــاد عـلـى المــــوارد الذاتية العامة والخاصة؛ كما وجه التمويل لمشاريع ليست ذات أولوية أصلا ًً، وانحازت السياسات العامة لمـسـتـهـدفـات لا تلبي تـطـلـعـات عـمـوم الـــنـــاس، وربـــط جهات صنع القرار بخيوط معلقة بمصادر الهبات والمساعدات التي تتحرك بالضرورة وفـقا لأولويات مانحيها، والـتـي قـد لا تنسجم دائـــما مـع ضـــرورات مستقبليها من الممنوحين، الذين استسهلوا طريق الهبات حتى استبانوا وعــورة نهاياته. وللمنادين بين حين وآخـــر بـمـشـروع مــارشــال جـديـد، على غـرار ما استفادت منه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بدعم أميركي؛ فليتذكروا أن هذا كان لإعادة الإعمار، وليس الإعمار في الفراغ من البدايات، وكان لكيانات اشــتــركــت مـــع المانـــــح فـــي الـثـقـافـة والــنــهــج والــتــوجــه، بمؤسسات تعليمية وقضائية وإنتاجية ورقابية عطلتها الحرب ولم تُُجتث جذورها، فعج ََّل مشروع الجنرال مارشال باستئناف أعمالها. والأهم أن عهد مارشال بمقوماته وأوزانه وزعاماته قد ولّّى، ونحن اليوم في عالم سريع التغير بقواه الجديدة الصاعدة التي تنافس القوى التقليدية على الصدارة. إذن فـخلاصـة الـرسـائـل الأربـــع أن مـن تداعيات نـهـايـات مــا يـسـمـى الـنـظـام الـعـالمـي مــا يـحـمـل مـزايـا الحرية والمــرونــة والبحث عـن بـدائـل. فنحن بحاجة إلـى إطــار جديد للاستثمار والـتـجـارة، وبحاجة من قـبـل هـــذا إلـــى نـــمـــوذج جــديــد لـلـنـمـو المـــطـــرد الـشـامـل للجميع والمحقق لأهــداف تـوطين التنمية، وبحاجة إلــــى تـفـعـيـل أســــس الـــتـــعـــاون مـــن خلال «الإقــلــيــمــيــة الــجــديــدة» ذات الـنـفـع المـتـبـادل والمـــتـــوازن لأطـرافـهـا. والأجـــدى مـن المـــن بمنافع المـسـاعـدات المشكوك فيها أصلاًً، أن تُُــدرأ مفاسد الاسـتـغلال والتدفقات المالية غير المشروعة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel قـبـل أســـبـــوع مـــن نـشـر هـــذا المـــقـــال كـــان الـشـرق الأوســــط يـعـج بـالـتـطـورات الـسـاخـنـة الـتـي يصعب الإمساك بها، والتي لا تستبعد طرفا من المعادلات المعقدة ولا تستثني الاحتكام إلـى إشكاليات طال بــهــا الـــزمـــن. الـخـلـطـة الــتــاريــخــيــة دائـــــما كــانــت لها علاقة بتجمع أحداث سياسية تتعلق بالانتخابات الـتـي ينتظر منها أن تـحـل بـعـضا مــن الـعـقـد التي تخص أصحابها؛ وعندما يكون أمــر الانتخابات يأتي من الولايات المتحدة حيث التجديد النصفي للكونغرس، فإن نجم الرئيس دونالد ترمب يصبح جـزءا من استطلاع المستقبل الـذي تتعلق شعبيته بالقدر الذي تؤكده النتائج لجهة استمرار سيطرة الجمهوريين أو عودة الديمقراطيين. كلاهما لم يعد يشير إلى برامج أو توجهات متباينة، وإنما يشير إلــى انقسام فـي الجمهور الأمـيـركـي لـم يتكرر منذ حرب فيتنام وفضيحة «ووترغيت». الانـــتـــخـــابـــات الإســـرائـــيـــلـــيـــة أحــــــرزت فـــــرزا بين حـكـم بـنـيـامين نتنياهو أو الــــخلاص مـنـه لصالح غـادي آيزنكوت؛ وفـي كل الأحــوال فإنه يفرز ألغازا جديدة من المرجح أن حل بعضها سوف يقود إلى أحـاجـي أكثر تعقيداً. الانتخابات الفلسطينية لم تـحـدث واكـتـفـى الفلسطينيون بـالمـشـاركـة الكثيفة في الانتخابات الإسرائيلية. ما جعل الأسبوع أكثر إثارة كانت مصاحبة «المعارك الانتخابية» بعملية حشد عسكري من ق ِِبل الولايات المتحدة تجاه منطقة العمليات مصاحبة بأشكال من التهديد الرئاسي الــذي يأتي وسـط مهرجانات التعبئة الانتخابية. المـوقـف ذاتــه كـان أكثر سخونة فـي الـشـرق الأوسـط عندما بـدأ الحوثيون السعي نحو صـرف الأنظار عن التقدم الذي يحرزه التحالف العربي والحكومة الشرعية اليمنية من خلال اعتداءات مستمرة على أهداف مدنية في المملكة العربية السعودية. كما هي العادة في هذه الأحــوال، فإن الكاتب يشعر بالحاجة إلـى الكتابة في كل هـذه الأحــداث مـــنـــفـــردة؛ وهـــــو مــــا لا يــصــلــح فــــي الـــــواقـــــع، حـيـث جميعها تـتـشـابـك؛ وحـتـى عـنـدمـا جـــرت محاولة لفتح مـسـار الــعــودة إلــى البحث عـن طـريـق لوقف «التصعيد» من خلال زيارة وفد رفيع المستوى من دول «اتفاقية مكة» إلـى طـهـران، فـإن العائد منها لـــم يـتـضـح فـــي حين الــضــربــات الـــغـــادرة مستمرة والوعيد لا يتوقف. في الواقع، لم يكن هناك أي من آداب «المفاوضات» التي يكون واجـبا فيها خفض الحرارة وبناء الثقة لعل المنطقة تتنفس الصعداء. فـــي الـــعـــمـــوم، فــــإن الانـــتـــظـــار خلال الأســــبــــوع بــات السمة المميزة حتى تسفر الانتخابات الأميركية عن نتائجها؛ ويقرر بعدها ما أكـد عليه الرئيس ترمب أن مصير الشرق الأوســط، حـربا أو سلاماً، ســـــوف يـــتـــوقـــف عـــلـــيـــهـــا، وربــــمــــا ســـاعـــتـــهـــا ســـوف يصو ّّت الجمهور الأميركي لصالح ترمب ويمنحه الشجاعة لاتخاذ قــرارات حاسمة أو ضـده فتكون خيبة أمل تنتقل بعدها الأقـدار إلى مناطق أخرى في أميركا اللاتينية وأوروبا. الساحة هكذا لا تحكمها بوصلة توجه إلى مـنـظـومـة الأحــــــداث الـجـلـيـلـة وفـهـمـهـا فـــي اتــســاق معلوم؛ ولعل ذلـك لا يأتي إلا بالنظر فيما سوف تـفـعـلـه الــــولايــــات المـــتـــحـــدة فـــي جـــولـــة جـــديـــدة من الحرب، سواء خاضت الحرب وحدها أو بالتعاون مع إسرائيل؛ وفي هذه الحالة لن يهم كثيرا ما إذا كان الجمهوريون سوف يكسبون الجولة النصفية أم أن الديمقراطيين سيعودون ويبدأون في لحظة عالمية حرجة بالمشاكسات النيابية والقضائية. في هذه الحالة، فإن شخصا واحدا سوف يكون مالكا للخيوط كافة التي تقرر مصير منطقة تشابكت فيها الأقـــدار الفاتحة لمصير عالمي لـم يتقرر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع، تنتشر كـتـابـات كـثـيـرة أن الـنـظـام الـــذي ســـاد بـعـد الـحـرب وقـــام مـثـالـيا عـلـى الأمـــم المـتـحـدة ومـــا تـفـرع عنها مـن تنظيم وقــواعــد ومـؤسـسـات؛ واسـتـنـد واقـعـيا إلى قطبية ثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وصـل إلـى نهايته مع انتهاء الحرب الــبــاردة وقـيـام عـالـم القطب الـواحـد الـــذي تتزعمه الولايات المتحدة. الــجــولــة الـــجـــديـــدة عــلــى الأرجـــــح ســــوف تـقـرر مــصــيــر المـــرحـــلـــة الـــعـــالمـــيـــة الــــجــــاريــــة؛ لأن خــــروج الـــولايـــات المـتـحـدة ودخـولـهـا إلـــى الــشــرق الأوســـط يضع على المحك مصير الولايات المتحدة نفسها بعد أن اعتزلت أوروبـــا؛ وغرقت روسيا في حرب أوكـــرانـــيـــا، فـــي حين أن الــــصين مقتنعة بـالـكُُــمـون الاسـتـراتـيـجـي وهـيـمـنـة عـصـر سلاســــل الــتــوريــد. وقتها، فإن المؤرخين وعلماء السياسة والاقتصاد ســيــكــون عـلـيـهـم إعـــــادة الــنــظــر فـــي دور الـــفـــرد في التاريخ؛ وأن شخصا وقائدا وحيدا مثل الرئيس ترمب قرر مصير العالم من خلال «ترمبية» فريدة من نوعها خاضت، خلال فترة قصيرة، في مسارح المعارك الساخنة والباردة في الأميركتين الشمالية والــجــنــوبــيــة، حــيــث كــنــدا وغـــريـــنلانـــد، وفـــنـــزويلا وكـوبـا؛ وفــي أوروبـــا حيث المــراوحــة بين أوكرانيا والحلف الأطلسي؛ والآن في الشرق الأوسط، حيث يتقرر مصير العالم، وربما مصير أميركا أيضاً. الحاجة إلـى التضامن العربي فـي البحث والفكر والتفكير في الاستراتيجيات الكبرى لم تكن م ُُلح ّّة كما هي الآن! دعوة إلى الفكر والتفكير أضرار نافعة ومنافع مخفية OPINION الرأي 13 Issue 17508 - العدد Wednesday - 2026/11/4 الأربعاء عبد المنعم سعيد محمود محيي الدين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky