issue17505

لم تكن زيارة وفد «حلف مكة» إلى طهران مجرد تــحـرك دبـلـومـاسـي جــديــد لاحـــتـــواء الأزمــــة الإيــرانــيــة، بـل جــاءت فـي توقيت تتزايد فيه المـخـاوف مـن تج دد الحرب الشاملة ضد إيـران، وتتعاظم معه التساؤلات عـــن مـسـتـقـبـل الأمــــن والاســـتـــقـــرار فـــي مـنـطـقـة لـــم تعد تحتمل مزيدا من الـحـروب، ولا تريد أن تجد نفس ََها طـــــرفا فـــي صــــراعــــات تـعـطـل مــشــروعــاتــهــا الـتـنـمـويـةََ، وتب دد فرص ازدهارها. ولعل السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس: لماذا ذهب الوفد إلى طهران؟ فحسب، وإنما لماذا اختار هذا التوقيت بالذات؟ وما الذي يمكن أن تقدمه الدول الـــــثلاث، الــســعــوديــة وتــركــيــا وبــاكــســتــان، لمـنـع تـجـ دد الـــحـــرب، بـعـد أن انـدلـعـت حــربــان سـابـقـتـان، فــي حين كانت المفاوضات الأميركية - الإيرانية جارية؟ وهـــــذا يــعــنــي أن اســـتـــمـــرار المـــفـــاوضـــات لا يـوفـر بحد ذاتـه ضمانة لمنع الـحـرب، وأن نجاح أي مسعى دبـــلـــومـــاســـي جـــديـــد يــتــطــلََّــب أكـــثـــر مــــن مـــجـــرد إعـــــا ةد الأطـــراف إلـى طاولة التفاوض. أم ََّــا التوقيت فيفسره تزامنُُها مع المواسم الانتخابية في إسرائيل وأميركا، وانـــقـــضـــاء مــهــلــة مــــذكــــرة إسلام آبــــــاد الـــتـــي وقّّــعــتــهــا واشنطن وطـهـران فـي يونيو (حــزيــران) الماضـــي دون اتفاق نهائي، وعاد الحصار البحري ليخنق الاقتصاد الإيراني، وتصاعد ِت التلويحات بضربة جدي ةد. من هنا تكتسب الزيارة أهميت ََها، ليس باعتبارها وســاطــة أخـــرى تـضـاف إلـــى مــحــاولات سـابـقـة، وإن ََّــمـا بوصفها تحركا جماعيا لـدول ذات ثقل تجمع بينها مــصــالــح أمــنــيــة واســتــراتــيــجــيــة، وتــــــدرك أن الـــحـــرب، إذا استؤنفت، لـن تقتصر تداعياتُُها على إيـــران، بل ستمتد إلى دول المنطقة وممراتها البحرية ومنشآتها الاقتصادية، ورب ََّما إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد أعلنت الرياض أن الزيارة تستهدف خفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعــم وساطة قطر وباكستان. غير أن دلالــة التحرك تتجاوز أهـدافـه المعلنة إلــى طبيعة الإطـــار الــذي جاء مـن خلالـــه، وهــو «حـلـف مـكـة» لـلـدفـاع المـشـتـرك، الـذي جــاء تحركه دبلوماسيا لا عـسـكـرياً، وهــو مـا يمنحه دلالـــــة تـــتـــجـــاوز الــتــعــامــل مـــع تــهــديــد عــســكــري عــابــر. فالتحالفات الدفاعية لا تُُقاس بقدرتها على خوض الـــحـــروب وحـــدهـــا، بـــل بــقــدرتــهــا عــلــى مــنــع وقــوعــهــا، دون التفريط في مقتضيات الأمــن والـــردع. ولعل في تركيبة الـوفـد نفسه مـا يؤيد ذلــك. ومــن هــذه الـزاويـة يـمـكـن الــنــظــر إلــــى زيـــــارة طـــهـــران بــاعــتــبــارهــا مــؤشــرا على إمكانية تطور الحلف إلى إطـار أوسـع للتنسيق الـسـيـاسـي والأمـــنـــي، ورب ََّـــمـــا المـسـاهـمـة مـسـتـقـبلا في تــرتــيــبــات إقـلـيـمـيـة تــعــالــج أســـبـــاب الـــصـــراعـــات بـــد ًلا مـن الاكـتـفـاء بالتعامل مـع نتائجها. لكن نجاح هذه الــجــهــود يــظــل مــرتــبــطا بـحـسـابـات الأطـــــراف المعنية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، الذي يواجه خيارات لا تبدو نتائجها متساوية بالنسبة إلى الدولة الإيرانية والسلطة الـتـي تحكمها. فمن الناحية الاقـتـصـاديـة، تستطيع إيـــران أن تجني مـكـاسـب مـن تسوية تنهي المـواجـهـة، وتخفف الـعـقـوبـات، وتعيد فتح الأســـواق، وتتيح لها استثمار مــواردهــا وموقعها الجغرافي. وفـــي المــقــابــل، فــــإن حــــربا جــديــ ةد قــد تـعـنـي مــزيــدا من الدمار والاستنزاف العسكري والاقتصادي، وتعميق الأزمات الاجتماعية التي يعاني منها الإيرانيون. غير أن حسابات بعض الأنظمة السياسية لا تتطابق دائما مع مصالح الــدول التي تحكمها. وهنا تبرز فرضية تـسـتـرعـي الانــتــبــاه؛ فـالـنـظـام الإيـــرانـــي ربـمـا يـــرى في السلام استحقاقات يخشاها أكثر من الحرب؛ فالحرب تـتـيـح للسلطة اســتــدعــاء الـخـطـر الــخــارجــي، وتـبـريـر الأزمــات. أم ََّا الـسلام المقترن بالانفتاح، فقد يعيد إلى الواجهة مطالب معيشية وسياسية رأينا بوادرها في . بيد أن هذه الفرضية وحدها 2026 احتجاجات شتاء لا تكفي، والتعقيدات التي تواجه محاولات التسوية مـتـعـ دةد؛ فطهران وقّّــعـت مـذكـرة إسلام آبــاد وتطالب بالعو ةد إليها، وعينها على حـربين بدأتا وهـي على طاولة المفاوضات، وإلى خصم يعلن صراحة أن هدفه إسقاط النظام. وهنا تتلاقى العقدتان: نظام يخشى استحقاقات السلام في الداخل، ولا يثق بأن التسوية لن تكون مقدمة لإضعافه في الخارج، وما لا تستطيع واشــنــطــن أن تـقـدمـه مــن ضــمــانــات قــد تستطيع دول المنطقة أن تسهم فيه؛ لأنََّها جارة باقية لا طرف يأتي ويرحل. فــي المــقــابــل، هــنــاك حـسـابـات مـخـتـلـفـة؛ فالمملكة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة ودول المنطقة لــم تـعـد تنظر إلـى الاســـتـــقـــرار بــاعــتــبــاره مــجــرد غــيــاب لــلــحــروب، وإن ََّــمــا بــوصــفــه شـــــرطا أســـاســـيا لـتـحـقـيـق رؤاهــــــا الـتـنـمـويـة ومشروعاتها الاقتصادية. فالرياض التي تمضي في »، وتستثمر في تنويع اقتصادها، 2030 تنفيذ «رؤية وبـــنـــاء المـــــدن وتـــطـــويـــر الـــصـــنـــاعـــات والـــتـــقـــنـــيـــات... لا تـريـد أن تجد نفس ََها مضطرة إلــى تحويل مـواردهـا واهتماماتها مـن مـشـروعـات المستقبل إلــى مواجهة صــراعــات تستنزف المنطقة. وينطبق ذلـــك، بـدرجـات متفاوتة، على دول أخـرى اخـتـارت التنمية وتحسين مستوى معيشة شعوبها أولوية وطنية. ولــم تعد هــذه الـطـمـوحـات مـحـصـورة فـي حـدود الــــدول، بــل أصـبـحـت جـــزءا مــن مـــبـــادرات ومـشـروعـات اقـتـصـاديـة كـبـرى تعيد رســم طــرق الـتـجـارة العالمية، وتـقـوم على تحويل الجغرافيا مـن سـاحـات للصراع إلى جسور للتجارة والتكامل الاقتصادي. ومـن المفارقات أن إيــران نفسها، بحكم موقعها، تستطيع أن تستفيد مــن هـــذه الــتــحــولات، لكنََّها قد تخسر كثيرا إذا استمرت في الحروب والعزلة وتعطيل طرق التجارة وفرص الاستثمار. وهنا تبرز أهمية مشاركة تركيا وباكستان في زيارة طهران؛ فالدولتان تشتركان مع إيران في حدود برية ومصالح أمنية واقتصادية مباشرة، وتدركان أن أي اضــطــراب واســـع داخـــل إيـــران أو على حـدودهـا لن يبقى محصورا في أراضيها. كما أن تركيا بحكم موقعها وعلاقاتها الدولية، وباكستان بما تمتلكه من قـدرات عسكرية وعلاقــات وثيقة مع الرياض وقنوات اتصال مع واشنطن وطهران، تستطيعان الإسهام في تقريب المواقف وتوفير مسارات للتفاهم. أم ََّــــــا المـــمـــلـــكـــة الـــعـــربـــيـــة الـــســـعـــوديـــة، فــــــإن ثـقـلـهـا السياسي والاقتصادي، وموقعها في العالمين العربي والإسلامي، يمنحان مشاركتها أهمية خاصة، فضلا عــن مصالحها المــبــاشــرة فــي أمـــن الـخـلـيـج واسـتـقـرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية. ولعل اجتماع هذه الدول الثلاث في إطار دفاعي مــشــتــرك، ثــم تـحـركـهـا جــمــاعــيا نـحـو طـــهـــران، يعكس إدراكا مـــتـــزايـــدا بـــــأن أمــــن المـنـطـقـة لا يـمـكـن أن يبقى مرهونا بالكامل بحسابات الآخـريـن، وهـذا لا يعني، كما تحب طهران أن تقرأه، إقصاء للشركاء الدوليين، بــل أن تـكـون دول المـنـطـقـة شــريــكا فــي صـيـاغـة أمنها وتأدية دورا أكبر في صياغة الترتيبات التي تحمي مصالحها ومستقبلها. غـيـر أن هـــذه الـطـمـوحـات لا تلغي صعوبة المهمة؛ فالتوصل إلى تسوية مستدامة يتطلب معالجة المـلـفـات الـنـوويـة والأمــنــيــة، وتوفير ضــمــانــات تـــحـــول دون تـــكـــرار الاعـــــتـــــداءات، واحـــتـــرام سيا ةد الـــدول، وعــدم استخدام أراضيها ومصالحها الاقتصادية أوراقا للضغط في الصراعات الدولية. لقد ذهب «حلف مكة» إلى طهران لمنع استئناف الــحــرب، فـي تـحـرك ينسجم مـع ميثاق الأمـــم المتح ةد واتفاقية لاهـاي بشأن التسوية السلمية والوساطة، ولا يـتـعـارض مـع طبيعته الـدفـاعـيـة، بـل يمتد لمسار . وربما تتجاوز أهمية 2023 ) الرياض منذ مارس (آذار الــزيــارة نتائجها المـبـاشـرة إلــى ترسيخ أمــن إقليمي يجمع بين الردع والحوار، ويحمي السيا ةد والمصالح المشتركة، فالمعضلة ليست فـي إقـنـاع طـهـران بتكلفة الـــحـــرب، بـــل بــــأن الـــــسلام ضـمـانـة لـدولـتـهـا لا تهديد لنظامها. أما دول الاتفاقية، التي اختارت الاستثمار في المستقبل، فلا تريد الـحـرب، ولـن تقبل أن تتحول أراضـيـهـا ومنشآتها الحيوية إلــى أهـــداف فـي صـراع ليست طـــرفا فيه بـذريـعـة ضــرب المـصـالـح الأميركية. وعـــلـــى طـــهـــران إدراك أن أمــــن هــــذه الــــــدول مـسـؤولـيـة مشتركة، وليس شأنا يخص كل دولة على ح ةد. يـومـان فـي الحياة السياسية البريطانية يكاد البلد كله يتوقف لمتابعتهما؛ الأول يوم الانـتـخـابـات الـعـامـة، عـنـدمـا تُُــفـتـح الصناديق بعد العاشرة لـيلاًً، وغالبا تستيقظ بريطانيا وهـــــي تـــعـــرف م ََـــــن ســيــحــكــمــهــا. والـــثـــانـــي يـــوم الميزانية. المـــيـــزانـــيـــة لـــيـــســـت مــــجــــرد أرقــــــــام تـعـلـنـهـا الحكومة من فوق؛ إنها يوم سياسي وبرلماني كامل، فكل رقم يؤثر، مباشرة أو غير مباشرة، على جيب المــواطــن: ضريبة الـدخـل، والأجـــور، والمــــــعــــــاشــــــات، وأســــــعــــــار الــــطــــاقــــة والــــبــــنــــزيــــن، والـضـرائـب على الـشـركـات والــعــقــارات، وحتى سعر المشروب في الحانة، والذي كان الناخبون ينتظرون تقليديا ليعرفوا إن كان سيرتفع في المساء. ولـــهـــذا قــضــت بــريــطــانــيــا أســابــيــع تنتظر أول ميزانية يقدمها وزير المالية الجديد جون هـيـلـي، بـعـد سـيـل مــن الـتـسـريـبـات والتكهنات والوعود. وبعد كل هذا الانتظار، ترقبت وستمنستر الأرنب الذي سيخرجه الوزير من القبعة. حضر الوزير بلا عصا سحرية وبلا قفاز أبيض، فما خرج كان أقـرب إلى مدفع في فيلم كوميدي قديم: دوى انفجار هائل، ثم تدحرج شــــيء صـغـيـر عــلــى الأرض لــيــتلاشــى بلا أثـــر. شبح من الماضي ربت على كتف الوزير. فمن منصة الصحافيين تبا لد المخضرمون الـنـظـرات. فقد سبق أن شـاهـدنـا «هـيـلـي» آخر عاما ً. 52 يقدم ميزانيته الأولى قبل ، وقف دينيس هيلي، وزير 1974 في ربيع المالية في حكومة هارولد ويلسون، في البرلمان بعد أسابيع مـن أزمــة «أسـبـوع الأيـــام الـثلاثـة» الـتـي شلت الصناعة البريطانية؛ فبعد حرب ، عــنــدمــا وظّّـــف 1973 ) أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول العرب النفط سلاحاً، ارتفعت أسعاره بصورة ،»1974 غير مسبوقة. واعترف هيلي، «موديل لاحـقا بـأن أزمـة النفط سيطرت على الاقتصاد البريطاني والعالمي. والـيـوم يقف هيلي الجديد أمــام الـبـرلمان، فيما حرب أخرى في الشرق الأوسط تضغط من جديد على أسعار الطاقة والاقتصاد. يــــوم المــيــزانــيــة لـــه تـقـالـيـد مـــتـــوارثـــة تـكـاد تشبه طقوس افتتاح الـبـرلمان. تقديم الميزانية يتبع مـسـاءلـة رئـيـس الحكومة يــوم الأربــعــاء، ويـتـرك رئيس مجلس العموم الكرسي لنائبه (نــائــبــتــه هــــذه المـــــرة) الـــــذي يــتــولــى مناقشتها لأنها، برلمانياً، جلسة لجنة لا جلسة للمجلس بكامله. وبعد انتهاء الـوزيـر يستجوبه زعيم المعارضة الرسمية، لا وزير مالية حكومة الظل، فدور الأخير تفنيد بنود الميزانية في جلسات مناقشتها التي تمتد سبعة أيام أخرى. المهمة الحقيقية لمراسلي البرلمان تبدأ عند انتهاء الخطاب. فـــــــور جــــلــــوس الـــــــوزيـــــــر، وتـــهـــنـــئـــة رئـــيـــس الحكومة أنــدي بيرنهام لـه، الــذي يظل جالسا بـــجـــواره بصفته أيــــضا الـــلـــورد الأول للخزانة (مــنــصــب أقــــدم مـــن رئـــاســـة الــحــكــومــة بـــقـــرون)، يتسلم الصحافيون كـتـابين ثـقـيـلين: «الكتاب صفحة هـــذا الــعــام)، 166( الأحــمــر» للميزانية صفحة) تقرير مكتب 200( » و«الـكـتـاب الأزرق مسؤولية الميزانية. الأحـــمـــر يــخــبــرنــا بــمــا تـــريـــد الــحــكــومــة أن نــعــرفــه، والأزرق يــســاعــدنــا عــلــى اكــتــشــاف ما تفضل الحكومة ألا نعرفه. الــــكــــتــــابــــان، جــــنــــبا إلــــــى جــــنــــب، يـــســـاعـــدان عـلـى اكـتـشـاف الألـــغـــام المـخـتـبـئـة بين الــجــداول والحواشي. بعضها ينفجر بعد ساعة، والآخر يظهر خلال المناقشات التالية، بمساع ةد خبراء الاقتصاد والمحاسبين، والمعارضة، التي تبدأ بدورها البحث عن الذخيرة. هيلي وعـــد الـنـاخـبين بــ«مـسـاحـة لالتقاط الأنــــــفــــــاس»، ومــــســــاعــــ ةد فــــي فـــواتـــيـــر الـــطـــاقـــة، واســــتــــثــــمــــارات ودعـــــــم للأعــــــمــــــال. لـــكـــن مـكـتـب مـسـؤولـيـة المــيــزانــيــة يـتـوقـع أن يـتـبـاطـأ النمو إلــــى واحــــد فـــي المائـــــة الـــعـــام المــقــبــل، فـيـمـا أثـــار معهد الـــدراســـات المالــيــة تــســاؤلات حـــول قــدرة الإجراءات الصغيرة المتع دةد على تغيير مسار النمو فعلا ًً. أول عـبـارة تهكم فـي رد زعيمة المعارضة كيمي بيدنوك: «هـل هـذا كل شـــيء؟»، واتهمت الـحـكـومـة بـــزيـــا ةد الــضــرائــب وارتـــفـــاع الــديــون والإنفاق على الإعانات. المـــفـــارقـــة الأكـــبـــر أن هــيــلــي نــفــســه كــــان قد استقال بصفته وزيــرا للدفاع؛ احتجاجا على نقص ميزانية «الدفاع»؛ وبعد توليه «المالية»، يــؤجــل الإجـــابـــة عــن الـــســـؤال الأصـــعـــب: مــن أيـن تأتي الأموال؟ الميزانية تعد بزيا ةد الإنفاق الدفاعي إلى في 3.5 ، ثم 2030 في المائة من الناتج بحلول 3 . وهيلي يعد بنشر التفاصيل 2035 المائة بحلول الكاملة التي ستأتي في مراجعة الإنفاق العام الــســنــة المــقــبــلــة. فـــوزيـــر الــــدفــــاع الـــســـابـــق الـــذي اشتكى من وزارة المالـيـة، يؤجل، بصفته وزير المالية، فاتورة الدفاع إلى موعد آخر. وهنا تكمن أهمية يــوم الميزانية أكثر من الأرقام نفسها. فــالــوزيــر فـــي قـــدرتـــه أن يـخـتـار مـــا يـقـولـه، لكنه لا يستطيع منع الــبــرلمان مـن سـؤالـه، ولا المـعـارضـة مـن مهاجمته، ولا مكتب مسؤولية الميزانية المستقل من نشر حساباته في اللحظة نفسها، ولا الصحافة الحرة من مقارنة الكتاب الأحــــمــــر بــــــــــالأزرق، والـــبـــحـــث عـــمـــا اخـــتـــبـــأ بين السطور. فيوم الميزانية ليس فقط إعلانا بتفاصيل إنفاق أمــوال دافعي الضرائب؛ إنـه أيـضا بداية الاســـتـــجـــواب: مـــن أيــــن ســتــأتــي الأمـــــــوال؟ وم ََـــن سيدفعها؟ ومََن سيستفيد منها؟ وهل تصمد الأرقـــام التي أعلنتها الحكومة بعد أن تنتهي تهنئة نوابها لأنفسهم؟ ،2026 أمـــا هــديــة الــســاحــر هـيـلـي، مـــوديـــل فربما تظهر في السنة المالية المقبلة. Issue 17505 - العدد Sunday - 2026/11/1 الأحد قبل أسابيع مـن أول ضـربـة جـويـة على الــعــراق، كــان كـورشـاد تـوزمـن وزيـــر التجارة ، فــي بـغـداد 2003 الـتـركـي فــي يـنـايـر مــن عـــام يــــزور الــرئــيــس الــعــراقــي صــــدام حــــسين، ولـم يـــكـــن المـــبـــعـــوث الـــتـــركـــي أول ولا آخـــــر مــوفــد أجنبي يــزور صــدام حـسين قبل الـحـرب على الــــعــــراق، حــيــث كــــان مـــوفـــدا مـــن قــبــل رئـيـس الوزراء التركي حينذاك عبد الله غول يتوسل إلـيـه أن يتجنََّب الــحــرب عـلـى الــعــراق وينقذ مقدراته ومكتسباته، وأن يتعاون مع إدارة الرئيس الأميركي جـورج دبليو بـوش. وفي اللقاء المصور الـذي عرضه تلفزيون العراق، كان صدام حسين -كعادته- في مكانه، مُُعتدا بـنـفـسـه، مستقيم الــوقــفــة، مُُـــصـــرّّا عـلـى عـدم التقدم خطوة إلى الأمام حتى يضطر الضيف أن يسير إليه وهو ثابت في مكانه، مبتسماً، يكاد يمد يده، مما يجعل الضيف مجبرا على الإسراع بالخطى نحوه والميل للأمام للسلام عليه. (المقابلة موجو ةد على اليوتيوب) مـــا أشــبــهــهــا بـتـلـك الـــوقـــفـــة الـــتـــي يقفها أمين المجلس الأعلى للأمـن القومي الإيراني مـحـسـن رضـــائـــي، وهـــو يـسـتـقـبـل جـمـيـع من يزور طهران هذه الأيام لتقديم نفس الرسالة عاما ً. 23 التي قُُد ّّمت لصدام حسين قبل الـرسـالـة الـتـي حملها كــورســاد تــوز من عاما هي ذاتها التي ح ُُم ِِلت لإيران قبل 23 قبل أيام من قبل مبعوثين لع ةد رؤساء، وربما لن يكون تحالف مكة آخر الزوار الذين حملوها؛ إنـمـا هــي ذاتــهــا الـتـي أرسـلـهـا جميع محبي العراق والتي لم يصغ لها، ولم يستمع إليها، ولم يُُولِِها أي اهتمام. انصب اهتمام صدام حينذاك على شكله وصورته التي حـاول أن يعكس مـن خلالـهـا قـوة الـعـراق وقـدرتـه على الـــصـــمـــود، وعـــــدم اكـــتـــراثـــه بــالــنــصــائــح الـتـي قُُد ّّمت له من العديد من الزعماء! ، هـذا 2003 لـيـسـت الـــعـــراق 2026 إيـــــران مـعـروف، ولا أحــد يضمن أن نتائج الضربة على إيـران -إن حدثت- ستؤول إلى ذات المآل الـتـي آلـــت إلـيـه الــحــرب عـلـى الــعــراق ويسقط النظام فـورا بعدها؛ الفارق أنََّــه قد يستغرق الأمـــر فـتـرة زمـنـيـة أطــــول، قــد لا يـكـون هناك اجــتــيــاح بــــري كــمــا حــــدث فـــي الــــعــــراق، قـــد لا يسقط النظام بعد ع ةد أسابيع من الضربة، كما حـدث في الـعـراق، ولكن المؤكد والــذي لا يـخـتـلـف عـلـيـه أحــــد بــمــن فـيـهـم الإيـــرانـــيـــون، أن الأضــــرار الـتـي ستقع على إيـــران ستكون فــادحــة جـــداً، وثمنها عـــال جـــدا عـلـى النظام بشكل خاص وعلى إيران بشكل عام. لن يعود الوضع في إيـران طبيعيا بعد انتهاء الضربة، وستكون التكلفة عالية جدا عـلـى الـشـعـب الإيـــرانـــي وعـلـى الـنـظـام أيـــضاً، وقــــد تـــتـــوقََّـــف الـــضـــربـــات ومــــا زال أفــــــراد من النظام موجودين، وقد يُُعلن محسن رضائي أن إيــــران انــتــصــرت، لـكـن حـجـم الـــدمـــار الــذي ستتركه تلك الضربات لن يكون في الحسبان أبدا ً. أمــا وضــع إيـــران فـي محيطها الإقليمي فسيكون رهـــنا بـسـلـوك الـنـظـام، فــي معرض دفــــاعــــه عــــن نــفــســه مــــع مــحــيــطــه الـــجـــغـــرافـــي؛ هــل سيقطع آخـــر شـعـرة مــع هـــذا المـحـيـط، أم سيتركها؟ فـإن تمادى واعتبر أن ضربه للمنشآت الحيوية فـي دول الخليج هـو الأمــر الوحيد الذي يملكه، بعد أن عجز عن الرد على مصدر الاعتداء عليه، معتقدا أن ذلك سيساعده على الاحــتــفــاظ بهيبته وصـــورتـــه الــتــي يرسمها لنفسه، فإن ََّه يكون قد ارتكب آخر اندفاعاته. تتغير الــصــور، تتغير الأســمــاء، تتغير الأيـام، ولكن تبقى العظة والعبرة والـدروس الـــتـــاريـــخـــيـــة واحـــــــ ةد لا تــتــغــيــر؛ فلا يـمـكـنـك الحصول على طعم مختلف وأنت تكرر ذات المقادير وذات الطريقة. تتغير الصور والأسماء والأيام ولكن تبقى العظة والعبرة والدروس التاريخية واحدة لا تتغير سوسن الشاعر عادل درويش OPINION الرأي 14 لماذا ذهب «حلف مكة» إلى طهران؟ ثلاثة وعشرون عاما مر ّّت والرسالة واحدة قصة ميزانيتين الميزانية ليست مجرد أرقام تعلنها الحكومة من فوق إنها يوم سياسي وبرلماني كامل المعضلة ليست في إقناع طهران بتكلفة الحرب... بل بأن السلام ضمانة لدولتها لا تهديد لنظامها بندر بن عبد الرحمن بن معمر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky