issue17505

يبدو الإقليم العربي غارقا في أحمال «النوستالجيا»، ويكاد يتحول الماضي من ذاكرة نتعلم منها إلى أغلال تقيد حركتنا، فالتاريخ ليس سجنا نقيم فيه، لكنه دروس يجب أن نتحرر بها من أخطائنا، ونستشرف بها المستقبل. وبينما الـعـالـم يعيد رســم خـرائـط الـقـوة والـنـفـوذ، لا يملك العرب ترف البقاء أسرى لما جرى؛ فقد آن الأوان لفتح صفحة بيضاء، نواجه فيها الحاضر بعقل جديد وإرادة مستقلة. ومــــن هــنــا تــفــرض الـلـحـظـة ســيــاســات عــربــيــة جــديــدة تحمي الدولة، وتصون السيادة، وتستعيد القرار العربي، من دون الوقوع في فخ استعادة الحنين. سياسات تواجه الخطر الذي يضرب الدول من الداخل، ويستنزف الشعوب، ويــــمــــزق المـــجـــتـــمـــعـــات، ويـــفـــتـــح الأبـــــــــواب أمـــــــام الــــتــــدخلات الخارجية. سياسات تشطب الميليشيات التي تنازع الدولة سـلـطـتـهـا، وتـــصـــادر قـــرارهـــا، وتــجــر الــشــعــوب إلـــى حــروب مفتوحة. يـقـدم الـتـاريـخ دروسا قـاسـيـة، فـظـواهـر نستهين بها في بداياتها قد تعيد رسـم الخرائط. والميليشيات واحـدة من أخطر هذه الظواهر؛ تبدأ جماعات مسلحة، ثم تنازع الدولة سلطتها، وتفرض إرادتها على السكان، وتستدعي الــتــدخلات الـخـارجـيـة، ومــع الـوقـت تقيم سلطات مـوازيـة، وتستنزف مؤسسات الدولة، وتهدد كيانها، وقد تدفعها إلى التفكك والانهيار. ومـنـذ نـشـأة الـــدول العربية الحديثة تـعـرض مشروع الدولة الوطنية لضربات متتابعة؛ بدأ الاستعمار بتقويض اســـتـــقلالـــهـــا، ثــــم ظـــهـــرت جـــمـــاعـــات مــســلــحــة وتــنــظــيــمــات تـــجـــاوزت حـــدود الـعـمـل الـسـيـاسـي، ارتــبــط بعضها بقوى خارجية، ونازعت الدولة سلطتها وقرارها، وكلما ضعفت مؤسساتها تــمــددت الـــتـــدخلات الإقـلـيـمـيـة، وكـلـمـا تـعـددت مراكز القوة تراجعت سيادة الدولة. الـيـمـن بــصــراعــاتــه المـسـلـحـة وتــــــدخلات إقـلـيـمـيـة غير عـربـيـة مــزّّقــت الـــــبلاد، وعـطـلـت بـنـاء الـــدولـــة. وانـــظـــروا إلـى لـبـنـان؛ سلاح مستقل يــنــازع المـؤسـسـات سلطتها، وقـــرار الـــحـــرب والـــســـلـــم يــخــضــع لمــــعــــادلات تـــتـــجـــاوز الــــدولــــة. أمــا الــــســــودان، فــقــد دفــــع ثــمــن صـــراعـــات طــويــلــة عــلــى السلطة والــثــروة، ثـم انـفـجـرت الـحـرب والــيــوم تـواجـه وحـــدة الــبلاد ومقدرات شعبها خطرا جسيماً. وتــــقــــدم فـــلـــســـطين مــــثــــالا صـــــــارخا عـــلـــى الــــوجــــه الآخــــر لـلـخـطـر؛ فـقـد طـــردت ميليشيات «شــتــيــرن» و«الــهــاغــانــاه» و«الأرغون» السكان الفلسطينيين الأصليين. وهــــكــــذا ظــــل الـــشـــعـــب الـفـلـسـطـيـنـي يــــقــــاوم الاحـــــــتلال، ويــنــاضــل مـــن أجــــل حــريــتــه، وقـضـيـتـه عـــادلـــة، لــكــن عــدالــة القضية تحتاج إلى وحدة الصف والقرار؛ فالانقسام يبدد الــتــضــحــيــات، ويــمــنــح الاحــــــتلال فـــــرصا إضـــافـــيـــة، ويــؤخــر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أن الخطر يتجاوز الـصـراعـات الداخلية والانقسامات الوطنية، حين تتحول الميليشيات إلى أدوات في يد قوى إقليمية، وتصبح أراضي الـــدول العربية سـاحـات لتنفيذ مشاريع تتجاوز مصالح شعوبها. وهنا تبرز فلسفة «الـــوكلاء» التي تتبناها دول مــجــاورة للجغرافيا الـعـربـيـة، وفــي مقدمتها إيــــران، وهي فلسفة تقوم على إنـشـاء قـوى مسلحة وتنظيمات محلية تدين بـالـولاء لـلـخـارج، وتتحرك وفــق حساباته، وتفرض أجندته على الدولة التي تعمل فوق أرضها. وهكذا يصبح الـقـرار الوطني رهينة لقوة خارجية، ويخرج قـرار الحرب والسلم من يد المؤسسات الشرعية. هذه وصاية مرفوضة، وســيــادة منقوصة، واســتــقلال يفقد مـعـنـاه، فلا يـجـوز أن تتحول الـدول العربية إلى ساحات نفوذ، أو شعوبها إلى وقود لصراعات إقليمية، فالقرار العربي يجب أن تصنعه الـــــدول الــعــربــيــة، لا وكلاء الـــقـــوى الإقـلـيـمـيـة، والـــســـيـــادة لا تستقيم مع وجود قوى مسلحة تنازع الدولة سلطتها، أو تضع قرارها الوطني في خدمة حسابات الخارج. من هنا تبرز الحاجة إلى سياسات عربية تضع لاءات حاسمة، أولاها: حصر السلاح في سلطة الدولة والقانون، وثـانـيـتـهـا: رفـــض اســتــخــدام المـيـلـيـشـيـات لــخــوض حـــروب القوى الإقليمية على الأرض العربية، وثالثتها: مواجهة مشاريع تفكيك الدول وتقسيمها، ورابعتها: رفض فلسفة «الوكلاء» التي تنتزع القرار الوطني من مؤسسات الدولة، وتـــربـــط مـصـيـر الــشــعــوب بـحـسـابـات قـــوى خــارجــيــة. لكن البيانات وحـدهـا لا تكفي؛ فالمطلوب استراتيجية تنهي مصادر تمويل الميليشيات وتسليحها غير المشروع. لقد طال العبث بمقدرات المنطقة، وتعددت القوى التي تتقاسم القرار العربي، ولـم تعد الميليشيات خطرا محليا يمكن احتواؤه؛ إنها بوابة للتدخل الخارجي، وأداة لتفكيك الدول، وتهديد مباشر للمصير العربي المشترك. وقبل كل شيء علينا التخلص من حالة «النوستالجيا» إلى الماضي القريب، فالأرض تدور. الانتخابات النيابية والرئاسية حـروب من نـوع آخر. الأســبــوع الماضــــي شـهـدنـا ثلاث مــعــارك انتخابية ضـاريـة، جــــرت عــلــى الــتــرتــيــب فـــي ثلاثــــة بـــلـــدان (صــربــيــا والـــبـــرازيـــل وإســـرائـــيـــل) فـــي ثلاث قـــــارات (أوروبــــــا وأمــيــركــا الـجـنـوبـيـة وآسيا) واستأثرت باهتمام العالم. أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن الأول) تــابــعــنــا مــجــريــات 25 يـــــوم انـتـخـابين فـي صربيا والــبــرازيــل، وبـعـدهـا بـيـومين تابعنا مـجـريـات مـعـركـة الانــتــخــابــات الـنـيـابـيـة فــي إســرائــيــل. كما فـــي الــــحــــروب الــعــســكــريــة، المــــعــــارك الانــتــخــابــيــة تــســفــر عن فائزين وخاسرين. وفي الحملات الانتخابية السابقة ليوم الانتخابات تكون الحقيقة الضحية. فـي صربيا جــرت المعركة بين طـــرفين غير متكافئين، الأول محترف سياسة مخضرم لـه مـن الخبرة فـي دهاليز الحكم قرابة أربعة عشر عاماً، والثاني دفعت به الظروف إلى الميدان من دون سابق خبرة. ورغم ذلك كان النصر حليفه. ذلك النصر وصف بأنه زلزال سياسي. الوصف ليس مبالغة إعلامــيــة لأن الــذيــن حـقـقـوه كــانــوا هــــواة، وعـلـى وجـــه الـدقـة كــانــوا طلابا قــــادوا انـتـفـاضـة ضــد فـسـاد النخبة الحاكمة. القائمة الطلابية حظيت بدعم فئات عديدة من الناخبين، ،250 مـقـعـدا بـــرلمانـــيا مـــن مـجـمـوع 138 واســـتـــحـــوذت عـلـى وأصبح من حقها دستوريا تشكيل حكومة. فــي الـــبـــرازيـــل، جـــرت المـعـركـة بين مــتــرشــحين: مترشح عاماً، وهو الرئيس الحالي لولا دا 81 يساري يبلغ من العمر سيلفا، ومترشح يميني شعبوي في الأربعينات من العمر يدعى فلافـيـو بولسونارو، سبق لـه الـفـوز بالجولة الأولـى من الانتخابات في المدة القليلة السابقة. المعركة الانتخابية أسفرت عن فوز لولا دا سيلفا، وبذلك تكون المر ّّة الرابعة التي يتغلب فيها على خصومه في انتخابات رئاسية. وتتمثل المشكلة الـتـي ستواجهه فـي ولايـتـه الـرابـعـة، الـتـي قـد تـكـون الأخــيــرة، فـي أنــه سيجد نفسه فـي مواجهة مـجـلـسـي الــــنــــواب والـــشـــيـــوخ الـــخـــاضـــعين لـهـيـمـنـة الــحــزب 513 مـقـعـدا مــن أصـــل 280 الـلـيـبـرالـي وحـلـفـائـه، بـأكـثـر مــن 81 مـن أصــل 50 مقعدا فـي مجلس الــنــواب، ومــا يصل إلــى مـقـعـدا فــي مجلس الـشـيـوخ. الــحــزب الـلـيـبـرالـي هــو الـحـزب اليميني الشعبوي الذي ينتمي إليه المترشح المهزوم فلافيو بـولـسـونـارو ووالــــده جايير بـولـسـونـارو، المـــدان فـي قضية مؤامرة انقلابية، والمحكوم عليه بالسجن مدة طويلة، وهو ملازم مـنـزلـه ويـخـضـع لـلـحـراسـة بـسـبـب وضــعــه الصحي السيئ. تقول التقارير الإعلامية إنََّها المرة الأولـى التي يتمكّّن فيها مرشح رئاسي ه ُُزم في الجولة الأولى من الانتخابات من قلب الطاولة على خصمه والفوز بالجولة الثانية، إذ لم يسبق للفائز بالجولة الأولــى أن خسر انتخابات رئاسية. وبذلك يكون لولا دا سيلفا قد صنع تاريخا ودخل التاريخ من أوسع أبوابه. في إسرائيل اختلطت البيانات العسكرية التي تصدرها رئاسة الأركان عن عمليات حربية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بالبيانات الانتخابية عما يجري في ميدان المعركة الانتخابية قبل إجــراء الانتخابات وأثناءها وبعد إغلاق مراكز الاقتراع وبدء عد الأصوات. إســرائــيــل كـمـا أبــانـــت الانــتــخــابــات الأخـــيـــرة، وبـاتـفـاق المـــعـــلـــقين، لا تــــــزال عـــلـــى عـــهـــدهـــا مــــن الانــــقــــســــام، وازدادت الانـــقـــســـامـــات داخـــلـــهـــا عــــمــــقاً. فــــي هـــــذه الانـــتـــخـــابـــات كـــان الفلسطينيون في إسرائيل في مرمى النيران من عدة جبهات، والـسـبـب فــي ذلـــك أنـهـم تـمـكـنـوا، لـلـمـرة الأولــــى، مــن توحيد الــصــف الــعــربــي (المــســلــم والمـسـيـحـي) ودخـــلـــوا الانـتـخـابـات بقائمتين وتمكنوا من إقناع الناخبين العرب بالتخلي عن لامبالاتهم بالانتخابات الإسرائيلية، وإقناعهم بالخروج من بيوتهم والتوجه إلى مراكز الاقتراع والإدلاء بأصواتهم. فـي انتخابات سابقة، كــان كثير مـن عــرب إسـرائـيـل لا يبالون بممارسة الحق الانتخابي حتى لا يضفوا شرعية على الانتخابات الإسرائيلية، وآخرون منهم كان امتناعهم لفقدانهم الثقة بـجـدوى التصويت. لكنهم بعد قـرابـة أربـع ســنــوات تـحـت حـكـم الــيــمين الـفـاشـي الـعـنـصـري فــي أوضــح وأســوأ تجلياته أدركــوا أن بقاءهم في البيوت لن يفيدهم. الاســـتـــطلاعـــات الأولــــيــــة تـشـيـر إلــــى فــــوز الأحـــــــزاب الـعـربـيـة مــقــعــداً، عـــدد مـقـاعـد الكنيست 120 مـــن مـجـمـوع 19 بــعــدد الإسرائيلي. الفوز الانتخابي التاريخي نب ّّه المواطنين العرب إلــى معنى اتـحـادهـم وقوتهم وخوضهم المعركة فـي جبهة واحـــدة وفــي الـوقـت نفسه أثـــار الـذعـر والـخـوف فـي صفوف اليمين اليهودي، خصوصا حـزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو. والذين تابعوا الانتخابات يعرفون أن نتنياهو ركـبـه سـتـون عـفـريـتا وهـــو يـــرى الــنــاخــبين الــعــرب يهرعون إلى مراكز الاقتراع بأعداد كبيرة، على نحو أفقده صوابه، فـخـرج فـي يــوم الاقــتــراع فـي وسـائـل الإعلام، يـصـرخ؛ حـاثا أنصار اليمين اليهودي على مغادرة بيوتهم والتوجه إلى مــراكــز الاقـــتـــراع لأن الــعــرب يـسـرقـون الانــتــخــابــات. وأفـــادت أنباء باعتقال الشرطة الإسرائيلية ثلاثــة من سكان النقب للاشتباه في محاولتهم شراء أصوات انتخابية. القاسم المشترك بين الانتخابات في البلدان الثلاثة، كما ثبت مـن الانـتـخـابـات، أنـهـا كشفت عـن الانـقـسـام المجتمعي فيها إلى حد يهدد السلم الاجتماعي. في صربيا، على وجه التحديد، أفضت النتائج إلـى ما يشبه وضـع نهاية لنظام سياسي وانبثاق آخــر. وفـي الـبـرازيـل، كـان تـقـارب النتائج دليلا على انقسام البرازيل إلى جبهتين متعاديتين من دون وجود جسر تواصل بينهما. مــن جـهـة أخــــرى، فـــوز الـيـسـار فــي الــبــرازيــل وضـــع حــد ّّا لزحف وتمدد أحزاب اليمين الشعبوي في أميركا الجنوبية، بعد سلسلة من الانتصارات المتوالية تمكنت من تحقيقها مؤخرا في عدد من البلدان. عند كل تطو ّّر كبير يتعر ََّض له الشرق الأوســط، وخصوصا المشرق وجــواره، تُُثار مـسـألـة الـجـمـاعـات الأهـلـيّّــة وانـدمـاجـهـا في الــــــدول الأمـــــم الـــتـــي تـنـتـمـي إلـــيـــهـــا، أو مــدى قابلي ّّة الدول الأمم لاستيعابها ضمن أنظمة تمثيل واعتراف عادلة. فـــمـــع الــــحــــرب الأمــــيــــركــــيّّــــة الإيــــرانــــيّّــــة، ذُُكّّــــرنــــا بـــــأن الـــفـــرس أقـــــل مـــن نــصــف ســك ّّــان الأمّّــــــة الإيــــرانــــيّّــــة، وراح المـــراقـــبـــون، وكــذلــك السياسيّّون والاسـتـراتـيـجـيّّــون، يـتـداولـون في أوضاع القوميّّات غير الفارسيّّة، ومدى انسجامها مـع المـركـز أو قابليّّاتها لكسره. لكن هــذا لا يلغي، فـي المـقـابـل، وجــود نفوذ إيراني تمدّّد قـارّّيّّا بالاستفادة من هشاشة النسائج الوطني ّّة لبلدان أخرى. ومؤخ ّّراً، مع الانتخابات الإسرائيليّّة، والحضور القوي الـذي أعلنته نُُس ََب التصويت العربي ّّ، بدت المـسـألـة الـعـربـيّّــة فـي الــدولــة الـعـبـريّّــة إحـدى أهم مسائل الحاضر، وقد تتحوّّل، في زمن غير بعيد، إلى أهم مسائل المستقبل. ومنذ الـحـرب الإسرائيليّّة اللبنانيّّة، بـات عنوان «نـزع الـــسلاح» أبـرز عناوين الانشقاق على قاعدة طائفيّّة، في معزل عن نوايا ورغبات تـنـفـي ذلـــك عـلـى جـانـبـي الـــصـــراع. وبــــدوره تــــحــــو ّّل ســـقـــوط نـــظـــام الأســــــد فــــي ســــوريّّــــة، وقبله سقوط نظام صد ّّام حسين في العراق، حــــدثين يـــحـــملان، بين دلالات أخــــرى، دلالــة طائفيّّة حاد ّّة. أم ّّا المسألة الكرديّّة في تركيّّا، ولكن أيضا في العراق وإيران وسوريّّة، فلا ويتّّصل ا يكاد يجد حدث كبير في المنطقة إل َّا بها تأثّّرا أو تأثيراً. والــــتــــطــــو ّّرات الـــكـــبـــرى، حـــــربا وســلــما وسقوطا للأنظمة أو انتخابات مفصليّّةًً، تــــمــــلــــك قــــــــــدرة اســــتــــثــــنــــائــــيّّــــة عــــلــــى كــشــف المـخـبّّــأ وإشــهــار الـكـامـن وعـقـد التحالفات الـخـارجـيّّــة وكـسـرهـا، وتــالــيا الانــــدراج في ما يُُسم ّّى «حدثا مصيريّّاً». فهي، في الحد الأدنـــــى، فــرصــة الـجـمـاعـة، أو مناسبتها، لـــلـــخـــضـــوع والــــتــــكــــيّّــــف، أو لــلــتــغــيــيــر فـي شــــروط الـلـعـبـة وتــــوازنــــات الـــقـــوى. وكـلّّــمـا كـبـر الاعـــتـــراض عـلـى الــوضــع الــقــائــم، كبر حجم الارتجاج، ومثله حجم المطلب الذي يرفعه المعترضون، وكذلك الأثمان البشريّّة ي ــــــــــــة المـــصـــاحـــبـــة، والمـــلـــحـــمـــيّّـــة الــتــي � والماد يُُسبغها أصحاب المطلب عليه. وهــــذا مــا لــم تـكـن عـلـيـه الــحــال حين لم تكن انـتـمـاءات الجماعات مـن طينة قوميّّة أو إثنيّّة. بيد أن أشواطا بعيدة قُُطعت على هـــذا الـطـريـق لأســبــاب عـــدّّة يـتّّــصـل بعضها بـضـمـور «الـــســـرديّّـــات الــكــبــرى» الــتــي طغت عــلــى تــلــك الــــــــولاءات أو مــو ّّهــتــهــا، والـــفـــراغ الآيـــديـــولـــوجـــي الـــــذي أعـــقـــب نــهــايــة الــحــرب الــــــبــــــاردة، والانــــكــــشــــاف المـــتـــعـــاظـــم لــفــئــويّّــة الأنـظـمـة الـسـيـاسـيّّــة وكـونـهـا أطــــرافا أهليّّة مُُــقــنّّــعــة، لا أدوات تـحـكـيـم مـتـعـالـيـة. وهـــذا فضلا عن الصلة المعق ّّدة بين العولمة وتراجع الـدولـة الوطنيّّة نفسها، وانفجار الهويّّات الصغرى كملاذات آمنة للجماعات والأفراد، وتحو ّّر الصراعات الاقتصادي ّّة والاجتماعي ّّة فـــي صـــراعـــات هـــويّّـــة. وإذ تـعـاظـمـت أعــــداد الــــخــــائــــفين مـــــن الــــعــــولمــــة بـــوصـــفـــهـــا «غــــــزوا ثــــقــــافــــيّّاً»، زاد تــشــبّّــثــهــم بـــهـــويّّـــاتـــهـــم الــتــي ــــــصــــــالات لــتــحــرز ت � اســــتــــفــــادت مــــن ثـــــــورة الا أدوات فعّّالة في التنظيم والتعبئة، وتمعن فـــي شــحــذ الـــوعـــي والـــخـــوف الأهــــلــــيّّين لــدى جماعاتها. وأخيرا لربّّما صـح ما رآه عالم الاجتماع زيغمونت بََــومـان من أن الإنسان المعاصر يعيش في «عالم سائل» تغيب عنه المؤس ّّسات والـعلاقـات الوطيدة والراسخة، بحيث تغدو الهويّّة، دينيّّة كانت أو إثنيّّة، «مرساة صلبة» في عالم متقلّّب. وما يُُلاح ََظ هنا أن القاسم المشترك بين تلك الارتـــدادات هو الاحتجاج العميق على الـدولـة الوطنيّّة بالشكل الـــذي نـشـأت عليه في منطقتنا بعد إحدى الحربين العالميّّتين. وإذا كـانـت الـعـجـالـة هـــذه لا تتيح الـخـوض فـــي المـــقـــد ّّمـــات المـجـتـمـعـيّّــة والــثــقــافــيّّــة الـتـي مـهّّــدت لـــذاك الانـفـكـاك وسـهّّــلـتـه، يبقى أنّّها أسباب ومقدّّمات لا يمكن اختزالها وردّّهـا إلى عامل بعينه، ولربّّما صح القول إنّّنا لا نزال نتخبّّط في «الما بعد عثماني ّّ» الذي لم تنجح الـدولـة الوطنيّّة واستقبالنا لها في تجاوزه وبلورة ما يليه. وقــــد يـــكـــون هـــنـــاك، والــــحــــال هـــــذه، ما يدعو إلى التفكير في صيغ أخرى للاجتماع الـسـيـاسـي تـكـون ضمانة أقـــوى للاسـتـقـرار ونزع العنف، وتشك ّّل استجابة أكبر لرغبات الجماعات الناقمة على تـراكـيـب سياسيّّة تراها سجونا تخنقها. وقد تََستلهم صيغ كهذه شكل الـروابـط الإمبراطوريّّة القديمة عـــلـــى أن تُُــــــملأ بــمــضــمــون عــــمــــاده أنـظـمـة ّّـــع، كـمـا قـــد تستلهم الـحـكـم الـــذاتـــي المـــوس الأنـظـمـة الـفـيـدرالـيّّــة والـــطلاقـــات المتمدّّنة والـــــدول المــتــعــد ّّدة الــقــومــيّّــات... والـتـاريـخ وتــــجــــارب الـــشـــعـــوب لا تــبــخــل بــالــنــمــاذج شريطة أن ينشأ مزاج مختلف في العالم، وخصوصا في المنطقة. ّّــلـي ّّاً ّّــلـي ّّ، أو تـدخ ذاك أن عـــالما غير تـدخ بــطــرق ارتــجــالــيّّــة وعـــوجـــاء، لا يــوفّّــر المـنـاخ الصالح والضاغط والذي لا بد منه لدخول الــــطــــور هــــــذا. أم ّّــــــا فــــي المـــنـــطـــقـــة، حـــيـــث يُُـــلـــح المــــــزاج الـــجـــديـــد الـــــذي يُُــخــرجــنــا مـــن الـــــذواء والـتـبـديـد الـــذاتـــي بـوصـفـه ضــــرورة قـاهـرة، فليس واضـــحا وجــود أي استعداد لدخول مـغـامـرة كــبــرى كــهــذه. وأوّّل الــتــحــوّّل لا بـد أن يـــكـــون الــــخــــروج بـــوصـــف دقــــيــــق، وغــيــر انـــــتـــــصـــــاري ّّ، لأحــــوالــــنــــا، ومــــــغــــــادرة الـــغـــرق المـــتـــواصـــل فــــي الـــتـــفـــاصـــيـــل المـــحـــلّّـــيّّـــة حـيـث تحول رؤيــة الشجرة عـن رؤيــة الغابة التي هـــي الــشــكــل الـــراهـــن للاجـــتـــمـــاع الــســيــاســي ّّ. فكيف وأن مزاجا كهذا، وما يرتّّبه من أفعال ومـــبـــادرات، لـن يكونا ممكنين ضمن نطاق دولــــة واحــــــدة، لأن الـــخـــائـــفين مـــن «آخـــريـــن» يرونهم مدج ّّجين بالكثرة أو بالتعص ّّب أو بكليهما، لن يبادروا ولن يفرّّطوا بالأدوات التي يعتبرونها أدوات قوّّتهم وضمانتها. وهـــذه «عــــد ّّة شـغـل» الــهــويّّــات المـهـتـاجـة في لحظة اهتياجها القصوى. OPINION الرأي 12 Issue 17505 - العدد Sunday - 2026/11/1 الأحد حروب الصناديق أحمال «النوستالجيا» ... عن الدولة الوطني ّّة في أحوالها واحتمالاتها وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغي ّّة جمعة بوكليب جمال الكشكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky