issue17503

إذا كان هناك ناد كروي تنطبق عليه نظرية «الرجل العظيم» في التاريخ، فهو مـانـشـسـتـر يــونــايــتــد. فـــــخلال المائـــــة عــام الماضية، لم ينجح في وضع هذا النادي على المسار الصحيح سوى رجـلين؛ مات بـيـسـبـي وألـــيـــكـــس فــيــرغــســون. فـكلاهـمـا من اسكوتلندا، وُُلد أحدهما في بيلشيل ميلا فقط 15 والآخر في غوفان، على بعد بينهما، وهما من امتلكا مفتاح النجاح في النادي الإنجليزي العريق. وفيما عدا ذلـــك، تـحـول مانشستر يـونـايـتـد إلـــى ما يشبه «سلة مهملات» للمديرين الفنيين، ويــبــدو أن مـايـكـل كــاريــك هــو أحـــدث اسـم يُُلقى به في السلة! لقد بنى كل من بيسبي وفيرغسون الـــنـــادي حـــول شخصيتيهما، متمتعين بـكـاريـزمـا أقنعت الآخــريــن بــأن نهجهما هو المسار الذي يجب اتباعه. أما كاريك، وهو ابن النادي ومن داخله، فيجد نفسه الـيـوم ضحية الـعـزلـة نفسها الـتـي عانى مـنـهـا أسلافـــــه الـــذيـــن فــشــلــوا فـــي المـهـمـة. ومـا قـام به برونو فرنانديز وليساندرو مـــارتـــيـــنـــيـــز، حين خـــرجـــا عــــن الـــنـــص فـي ّّـــهـــا انــتــقــادات مـــقـــابلات تـلـفـزيـونـيـة ووج لاذعـــة لـكـاريـك، لــم يـكـن فــي الــواقــع سـوى اتباع لتقاليد الـنـادي؛ فمع البريق يأتي الانــحــدار، أو مـا يمكن وصفه بـ«العظمة الآفــلــة» الـتـي لـطـالما كـانـت سـبـبا فـي دفع مدربي مانشستر يونايتد إلى الرحيل. وبـــــاســـــتـــــثـــــنـــــاء حــــقــــبــــتــــي بـــيـــســـبـــي وفـــــيـــــرغـــــســـــون، عـــــانـــــى كـــــل مـــــديـــــر تـــولـــى المسؤولية فـي مانشستر يونايتد وطـأة الـــيـــأس الـــــذي يـــرافـــق عــــــملاقا فـــي طـريـقـه نحو السقوط. وقد اتسمت عمليات إقالة هـــؤلاء المــــدربين بـصـراعـات داخـلـيـة تبدو وكأنها مستوحاة من روما القديمة؛ حيث حضرت المحسوبية والمحاباة والمصالح الـــشـــخـــصـــيـــة والـــــشـــــعـــــور بـــالاســـتـــحـــقـــاق والــــتــــهــــاون والـــعـــاطـــفـــيـــة المــــفــــرطــــة، وهـــي عـوامـل أسهمت فـي «خيانة الأسـطـورة»، عـــلـــى حــــد تــعــبــيــر عــــنــــوان الـــكـــتـــاب الــــذي أصــدره مايكل كريك وديفيد سميث عام . ولـعـل الـعـيـش فــي ظــل إرث هذين 1989 المدربين (بيسبي وفيرغسون) وتأثيرهما يتصدر قائمة التحديات التي تواجه أي مدير فني يتولى إدارة النادي. يدرك مشجعو يونايتد هذا التاريخ جـــــيـــــداً. فـــفـــي ديـــســـمـــبـــر (كـــــانـــــون الأول) ، حين صـــدر قـــرار الإطـــاحـــة بويلف 1970 ماكغينيس، خليفة بيسبي المباشر، صرخ برايان كيد في وجه زملائه قائلا ًً: «يا لكم من أوغاد، لقد خذلتموه!». وكان بيسبي نفسه هـو مـن اتخذ ذلـك الـقـرار. وبالمثل، 1972 فإن المباراة التي أقيمت في ديسمبر على ملعب سيلهرست بـارك، التي خسر فيها مانشستر يونايتد أمـــام كريستال بـــالاس بخماسية نظيفة، كـانـت بمثابة المـــســـمـــار الأخـــيـــر فـــي نــعــش حــقــبــة فـرنـك أوفـاريـل. ثم جـاء دور دوكيرتي؛ إذ أعلن سكرتير النادي، ليس أوليف، إقالته عام على خلفية علاقة غرامية مع زوجة 1977 أخـــصـــائـــي الـــــــعلاج الــطــبــيــعــي. أمـــــا ديــف رغم فوزه 1981 سيكستون، فقد أُُقيل عام فـي مبارياته السبع الأخــيــرة؛ حيث كان تــراجــع أعــــداد الجماهير فــي ملعب أولــد ترافورد، الذي س ُُم ّّي حينها تهكما «كولد ترافورد» (أي أولد ترافورد البارد)، سببا في الإطاحة بديف. وفي نوفمبر (تشرين ، حــــــوّّل رون أتـكـيـنـسـون 1986 ) الـــثـــانـــي خـــبـــر إقــــالــــتــــه إلــــــى حـــفـــلـــة داخــــــــل مـكـتـب الــــــنــــــادي، الـــــــذي كــــــان يـضـم أيــــــضا جــــهــــازا لـلـتـسـمـيـر الاصــــطــــنــــاعــــي، وكـــانـــت «هـديـتـه» الأخــيــرة لمن خـــلـــفـــه هـــــي حـــــالات الــصــداع الناتجة عــــن الإفـــــــــراط فـي تـــنـــاول الــكــحــول، الـــــــتـــــــي اســـتـــقـــبـــلـــت فيرغسون فـي أول يوم له في منصبه. ، قال 1991 وفي عام أوفـــاريـــل، الـــذي ينحدر من مدينة كـورك ولُُقّّب بـــــــ«أوفـــــــيـــــــلـــــــيـــــــر» (أي الفاشل)، إنـه «لـم تكن هـــنـــاك أي حـقـيـقـة في تلك الأسطورة». كما أن تـــســـاهـــل بـيـسـبـي مـــــــع جــــــــــــورج بــــســــت، الــــــــــذي كــــــــان يــــنــــزلــــق نــحــو الـــــضـــــيـــــاع، خــــلــــق مــــشــــكلات وجـــــد أوفـــــاريـــــل أنـــهـــا عـصـيـة على الحل. ورغم أن دوكيرتي أظهر دهـاء كبيرا حين تخلّّص مـــــن بـــســـت فـــــي يـــنـــايـــر (كــــانــــون ، فـــــإن اســتــغــنــاءه 1974 ) الـــثـــانـــي أيــضا عـن كـل مـن بوبي تشارلتون ودينيس لو وبادي كريراند جلب له كـثـيـرا مـــن الأعـــــداء. ولــــــــــم تـــــكـــــن علاقـــــــة الحب التي جمعته بــــــــمــــــــاري بــــــــــــــراون، الـــتـــي ظــــل مــعــهــا بـقـيـة حياته، ســوى ذريعة اســـتـــغـــلـــهـــا «حـــــــراس الأخلاق» في مجلس الإدارة للتخلص من مــديــرهــم الـفـنـي المثير للجدل. أمـــــــــــــــــــــــــــا خـــــــــلـــــــــفـــــــــاء فـــــيـــــرغـــــســـــون، فـــــقـــــد كـــــان يــــتــــعين عــلــيــهــم الــتــعــامــل مـــــــع وجـــــــــــــوده المــــســــتــــمــــر؛ فــــــــهــــــــو الــــــــــــوجــــــــــــه الــــــــــــذي يـــبـــحـــث عـــنـــه المــــصــــورون ومخرجو التلفزيون بين الجماهير. كما أن دعمه اسـتـحـواذ مـالـكـوم غليزر 2005 عـــلـــى الـــــنـــــادي عـــــام يمثل إرثا مثيرا للجدل، لا يزال يثقل كاهل من جاءوا بـــعـــده. وعـــــــادًة مـــا يفضل فيرغسون الاحتفاظ بآرائه لــــنــــفــــســــه؛ فــــقــــد ظــــــل يــعــمــل سـفـيـرا لـلـنـادي مـقـابـل أجـر سخي، إلى أن ألغى السير جيم راتكليف ذلك الراتب السنوي البالغ مليوني جـــنـــيـــه إســـتـــرلـــيـــنـــي فـي . ومــــع ذلـــك، 2024 عــــام فــــقــــد وقـــــــع فــــــي بــعــض الهفوات. «يــــنــــبــــغــــي عــلــيــك دائــــــما الـــبـــدء بـأفـضـل لاعـــبـــيـــك»، هـــكـــذا قـــال فيرغسون لمقاتل الفنون القتالية المختلطة ،2021 حبيب نـورمـاغـومـيـدوف فــي عـــام وذلــك فـي الـوقـت الــذي استبعد فيه أولـي غـــونـــار سـولـسـكـايـر الــنــجــم كـريـسـتـيـانـو رونــالــدو مـن التشكيلة الأسـاسـيـة؛ وهي تــصــريــحــات تــســربــت لاحــــقا إلــــى وســائــل الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي. لــقــد كــشــف دور فيرغسون في العودة الكارثية لرونالدو إلــــى مـلـعـب أولـــــد تــــرافــــورد عـــن اســتــمــرار تأثيره من خلف الكواليس، في تكرار لما كان يحدث في حقبة السير مات بيسبي وجـــورج بـسـت. وفــي مـؤتـمـره الصحافي يوم الجمعة الماضـي، أشـار مايكل كاريك إلـى محادثاته مع مديره الفني السابق. أما استبعاد برونو فرنانديز من المباراة أمــــــام بــــورنــــمــــوث، فـــكـــان تــــصــــرفا يـحـمـل بصمة فيرغسون بامتياز! لكن محاولة «استنساخ فيرغسون»، إن جــــــاز الـــتـــعـــبـــيـــر، لـــيـــســـت ســــــوى شـــيء عــبــثــي. ربـــمـــا اســـتـــوعـــب كـــاريـــك الـــــدروس الــــتــــي تـــلـــقـــاهـــا ســـولـــســـكـــايـــر، الـــــــذي عـمـل مساعدا له؛ فبعد رفضه استخدام موقف السيارات المخصص لفيرغسون، وحديثه العاطفي المفعم بالحنين عن المدير الفني الاسـكـوتـلـنـدي، لــم يقتنع أحـــد بمحاكاة سولسكاير، بطبيعته الوديعة واللطيفة، شخصية الرجل القوي القادم من غلاسكو. لا يعني هـذا أن محاولة فـرض شخصية «القائد المسيطر» كانت أكثر جدوى. ومع تراكم الإخفاقات اللاحقة، بدا أن الزمن قد أنـصـف فترتي لـويـس فــان خــال وجـوزيـه مورينيو أكثر مما كان يُُعتقد سابقاً، لكن كليهما فشل في تلبية التوقعات المتعلقة بتقديم كرة قدم هجومية. وهـذا لا يعني أن النادي قد تخلّّى عن تقاليده الأخـرى؛ فــالمــنــاورات الـخـفـيـة الـتـي مـهـدت الطريق لـقـدوم مورينيو لـم تكن أقــل دهـــاء ومكرا من أي من عمليات الإطاحة بالمدربين التي شهدها النادي في حقبة ما بعد بيسبي. «يـــعـــرفـــه الـــنـــاس بـصـفـتـه شـخـصـيـة ذات حضور طــاغٍٍ. إنـه شخصية استثنائية»، هكذا وصف إيد وودوارد، نائب الرئيس التنفيذي، لويس فان خال عند تعيينه في .2014 عام أمـــــــــا فـــــــــان خـــــــــــال، فـــــقـــــد روى كـــيـــف اكـتـشـف، وســـط أجــــواء الاحــتــفــال بالفوز ،2016 بـــكـــأس الاتــــحــــاد الإنــجــلــيــزي عــــام أنــه سيُُستبدل بواسطة غـيـره؛ إذ عرفت زوجـــتـــه بـــالأمـــر صـــدفـــة أثـــنـــاء وجـــودهـــا فــــي المـــصـــعـــد مــــع عـــائـــلـــة وودوارد. فـقـد نـــجـــح مـــســـاعـــده الـــســـابـــق فــــي بــرشــلــونــة فــي إقــنــاع وودوارد بـاتـخـاذ هـــذا الــقــرار. ورغم المحاولات التي بذلها ممثلو عائلة غـلـيـزر، ولاحــــقا شـركـة إيـنـيـوس التابعة ، لتبني 2023 لجيم راتكليف منذ ديسمبر نـــهـــج مـــؤســـســـي واحـــــتـــــرافـــــي، فـــــإن حــالــة الفوضى والإســـراف المتأصلة في النادي تظل دائما أقوى من أي منطق عقلاني. وفـــــــــي عـــــمـــــل خـــــــــاص عـــــلـــــى مـــنـــصـــة «نـــتـــفـــلـــيـــكـــس»، أعـــــــاد جــــوزيــــه مــوريــنــيــو صياغة دوره في هذه القصة؛ حيث كشف هو وأليكس فيرغسون حقيقة أنه رفض .2013 تدريب مانشستر يونايتد في عام ويُُــفـهـم مـن ذلــك أن الأمـــور كـانـت ستسير عـلـى أفــضــل مـــا يــــرام لـــو تــولــى مـوريـنـيـو المـــســـؤولـــيـــة حــيــنــهــا. إنـــهـــا مـــحـــاولـــة غير مقنعة لتجميل سمعة الـرجـلين! لكن من وضع ديفيد مويز الخليفة المباشر الذي ُُـــــو ّّر وكـــأنـــه خــيــار ثـــانـــوي جـــاء لاحـــقاً؟ ص ، كان فيرغسون 2013 ) ففي يوليو (تموز يُُحتفى به وكأنه «صانع للملوك»، وكان مويز يُُنظر إليه بوصفه الوريث الشرعي للمدير الفني الأسطوري للنادي. وقــــد تـحـسـنـت ســمــعــة مـــويـــز بفضل الإخـفـاقـات الـتـي تلت فترته، بما فـي ذلك فترة تولي مورينيو المهمة، التي اتسمت بالحدة والمشكلات. وفي لحظات خروجه، عـلـى مــضــض، مـــن مـقـر إقــامــتــه فـــي فـنـدق «لــــــــوري»، لــجــأ المـــديـــر الــفــنــي الــبــرتــغــالــي إلـــــى الـــســـخـــريـــة مــــن تــــاريــــخ الـــــنـــــادي عـبـر تصريحاته المثيرة للجدل حول «إرث كرة القدم». وقد تكرر نهج «الأرض المحروقة» هـذا على لسان روبــن أمـوريـم، بينما كان قـرار شركة «إينيوس» بالإبقاء على إريك أمـــرا مـحـيـرا لتن 2024 تــن هـــاغ فــي صـيـف هــاغ نفسه بـقـدر مـا كــان محيرا للجميع. فـــهـــل أصـــبـــح مــانــشــســتــر يـــونـــايـــتـــد نـــــاديا يستحيل إدارته؟ لقد أثبت كل من بيسبي وفيرغسون أن النجاح ممكن، لكن فرص بــنــاء إمــبــراطــوريــة أخــــرى تــتــضــاءل كلما اســــتــــمــــرت نـــــزعـــــات الـــــغـــــرور والمــــــؤامــــــرات والمـــصـــالـــح الـشـخـصـيـة الـــتـــي بـــاتـــت سمة ملازمــة لنادي مانشستر يونايتد. ولهذا السبب يتحمل بيسبي وفيرغسون جزءا من المسؤولية! *خدمة «الغارديان» عالم الرياضة SPORTS 20 Issue 17503 - العدد Friday - 2026/10/30 الجمعة العيش في ظل إرث وتأثير فيرغسون يتصدر قائمة التحديات التي تواجه أي ًًمدرب يتولى إدارة يونايتد لم ينجح في قيادة الفريق سوى بيسبي وفيرغسون... لكن كلا منهما ترك خلفه حملا ثقيلا ومربكا ناد تصعب إدارته... كاريك أحدث ضحايا تراجع أمجاد مانشستر يونايتد *لندن: جون بروين هل يستطيع مانشستر يونايتد استعادة أمجاده بعد سنوات من الإحباط ؟ (أ.ب) فيرغسون ترك إرثا وتأثيرا يصعب أن يدركه أي مدرب يتولى إدارة يونايتد (أ.ب) فيرنانديز على مقعد البدلاء بعد تصرحاته التي أساءت لكاريك (رويترز) كاريك ومصير مجهول مثل أسلافه (رويترز)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky