issue17502

Issue 17502 - العدد Thursday - 2026/10/29 الخميس OPINION الرأي 14 «تحظى إمبراطوريتنا السماوية بكل شيء وبوفرة كبيرة داخل حدودها، وليست بحاجة إلى منتجات البرابرة خارجها مقابل منتجاتنا» ـ هكذا جاء نص الرسالة التي وجهها الإمبراطور تشيان ، والتي نقلها 1793 لونغ إلى الملك جورج الثالث عام سفير الأخـيـر، الـلـورد ماكارتني، لتقضي على أي أمل في تقليص عجز التجارة البريطانية، الناجم عن الطلب على الشاي والحرير والخزف الصيني -سـلـع كـــان يـجـري ســـداد قيمتها بـالـفـضـة. الـيـوم، يــبــدو هـــذا المــضــمــون مـــألـــوفا لـلـغـايـة لـلـمـفـاوضين التجاريين الغربيين. وتـتـركـز الـــرؤيـــة الــســائــدة بين مـراقـبـي الـشـأن الــصــيــنــي، حــــول أن نـــمـــوذج الــنــمــو، الـــــذي يـتـبـنـاه الحزب الشيوعي الحاكم من أعلى لأسفل ويعتمد على الاستثمار، يلفظ أنفاسه الأخــيــرة. ويتجلى ذلك في تباطؤ الإنتاجية، وتسجيل ثلث الشركات خسائر، بينما يتقدم السكان في العمر. ومع ذلك، لا يحمل هذا الوضع عـزاء للقادة الغربيين، الذين يــشــهــدون مـحـو قــطــاعــات واســـعـــة مـــن صناعاتهم المـحـلـيـة، بـسـبـب الــــــواردات الـرخـيـصـة مــن الـــصين، بينما تتهاوى صادراتهم هم أنفسهم إلى الصين. ورغـــــم كـــل الـــحـــديـــث عـــن «الــــــصين المـــكـــســـورة» أو «بـــلـــوغ الــــصين ذروتــــهــــا»، سـجـلـت بــــكين، الـعـام 1.2 الماضــي، أكبر فائض تجاري في التاريخ، بلغ تـريـلـيـون دولار، نـاهـيـك بـأنـهـا مـسـؤولـة عــن ثلث الإنتاج التصنيعي العالمي، إضافة إلى نحو خمس حجم صـــادرات السلع. والـتـسـاؤل هنا: هـل تحقق كــل ذلـــك عـبـر مـنـافـسـة عـــادلـــة؟ فــي الـــواقـــع، تكشف في المائــة من مكاسب بكين 60 الأرقـــام عن أن نحو فــي الـحـصـة الـسـوقـيـة الـعـالمـيـة تنبع مــن الإعــانــات الـحـكـومـيـة، حـسـب مـنـظـمـة الــتــعــاون الاقــتــصــادي والتنمية. والمؤكد أن بكين تعتمد على الصادرات لـتـحـقـيـق نـــمـــو، خـــصـــوصا أنــــه فـــي الــــداخــــل انــهــار الطلب الاستهلاكي بفعل انفجار فقاعة العقارات. والآن، أهلا بـــكـــم فــــي الــنــســخــة الـــثـــانـــيـــة مـن ََــــد بـــهـــا الاضــــطــــراب الــــصــــدمــــة الـــصـــيـــنـــيـــة، ويُُــــقــــص الاقـتـصـادي العظيم الـثـانـي، الـنـاجـم عــن دخولها الـسـوق الـعـالمـيـة. وربـمـا أدت جـولـتـان مـن الـرسـوم الجمركية، التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلـى إبطاء وتيرة المـد مؤقتا داخـل الولايات المتحدة، لكنهما أعادتا توجيه صادرات الصين إلى أوروبـــا وبقية الـعـالـم. وبعد أن كانت بــكين تمدّّنا بالألعاب البلاستيكية والأزياء الرخيصة، أصبحت بضائعها اليوم ترتقي سلم القيمة بسرعة. على سبيل المثال، نجد أن ألمانيا، التي كانت تتطلع يـــوما نحو الـــصين بوصفها ســـوقا مربحة لـسـيـارات «بــي إم دبـلـيـو» والـسـلـع عالية التقنية، شــهــدت تـــراجـــعا شــديــدا فــي قـيـمـة صـــادراتـــهـــا، في الـــوقـــت الــــذي يـتـألــق أداء ســـيـــارات «بــــي واي دي» و«جـــايـــكـــو» داخـــــل صـــــالات الـــعـــرض فـــي مـيـونـيـخ وشتوتغارت. وإلــــى جــانــب إيـطـالـيـا وبـــولـــنـــدا، تـقـف ألمانــيــا -التي كانت يـوما رائــدة التجارة الـحـرة- على شفا الهاوية، بينما تقضي موجات التسريح الضخمة للعمالة على قوتها العاملة المحلية. أما فرنسا، فلا تحتاج إلى الكثير من الإقناع كي تعمل على تعزيز الحواجز الجمركية لديها. مليون وظيفة على المحك في 13 ومـع وجــود قــطــاع إنـــتـــاج الـــســـيـــارات عــبــر الاتـــحـــاد الأوروبــــــي، ســـــارعـــــت بــــروكــــســــل بــــفــــرض «قــــــانــــــون الـــتـــســـريـــع الصناعي»، الهادف إلى زيـادة مساهمة التصنيع الـصـنـاعـي فــي الـنـاتـج المـحـلـي الإجــمــالــي للاتــحــاد في 20 إلـى 2024 في المائــة عـام 14.3 الأوروبـــي من . وفـي وقـت سابق من هذا 2035 المائــة بحلول عـام الشهر، أبـرم التكتل اتفاقا تجاريا مؤقتا مع بكين لإدارة الرسوم الجمركية على السيارات الهجينة، لكن الهدف طويل الأجــل للقانون فك الارتـبـاط مع الصين. والآن، أيـــن يـضـع ذلـــك المـمـلـكـة المــتــحــدة، التي تجد نفسها عالقة بين الـولايـات المتحدة والـصين والاتحاد الأوروبي؟ الواضح أن أولويات بريطانيا تختلف عن حلفائها؛ فلديها قاعدة تصنيع أصغر وتــصــديــر قــائـــم عــلــى الـــخـــدمـــات. كــمــا أن أهــدافــهــا المــلــزمــة قـــانـــونا المـتـمـثـلـة فـــي الـــوصـــول إلــــى صفر انـبـعـاثـات كـربـونـيـة، تعتمد عـلـى تقنيات الطاقة المتجددة المستوردة من بكين. اللافــــــت أن الــحــكــومــة الــحــالــيــة بـــقـــيـــادة حــزب العمال، تتبع مسارا دقيقا للغاية؛ فربما تتعرقل طموحات رئيس الوزراء أندي بيرنهام في التقارب مـــع الاتـــحـــاد الأوروبــــــــي، أو حــتــى الانـــضـــمـــام إلـيـه مــجــدداً، إذا مـا بــدت بريطانيا فـي صـــورة حصان طـــــروادة، فيما يـخـص الـسـلـع الصينية. كـمـا تظل الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة أكـــبـــر ســـــوق أمــــــام الــــصــــادرات في 3.5 البريطانية، بينما لا تتجاوز حصة الصين المائة. الــواضــح أن الحكومات المتعاقبة أخفقت في وضـــــع اســتــراتــيــجــيــة تـــحـــدد المــصــلــحــة الــوطــنــيــة. وتحت قـيـادة حزبي المحافظين والعمال على حد ســـــواء، تـــذبـــذب مــوقـــف المـمـلـكـة المــتــحــدة وتـــأرجـــح مــا بين الـفـتـور والـــــدفء فــي علاقــاتــهــا مــع الـــصين، وإن كــان الـخـنـوع بــدا الـخـيـار المفضل فـي الغالب. وفــي بـعـض الأحــيــان، يـجـري تـحـريـك الـخـيـوط من واشنطن، مثلما حدث عندما مارست إدارة ترمب الأولــــــــى، الـــضـــغـــط عـــلـــى رئـــيـــس الـــــــــوزراء المــحــافــظ بـــوريـــس جــونــســون، لإزالـــــة مـــعـــدات «هــــــواوي» من جميع شبكات الجيل الخامس لدواع أمنية. كــــان وزيــــر الــخــارجــيــة الــســابــق ديــفــيــد لامـــي، عضو حــزب الـعـمـال، قـد قلل عـمـدا مستوى تقييم وزارتــــــــه لـــخـــطـــورة الـــتـــحـــدي الـــصـــيـــنـــي، خــــــوفا مـن إغضاب بكين. أما خليفته إد ميليباند، فقد أعطى الأولوية للعلاقات الطيبة مع بكين، في فترة ولايته فــي مـنـصـب وزيــــر لـلـطـاقـة، نــظــرا إلـــى حـاجـتـه إلـى المحولات والألـواح الشمسية، والبطاريات صينية الصنع، لإنجاز أهداف التحول في مجال الطاقة. وعــلــى مـــا يـــبـــدو، تــجــري صـيـاغـة الـسـيـاسـات بشكل ارتجالي؛ فوزير الأعمال جوناثان رينولدز، يـعـارض فــرض حـواجـز جمركية، ويفضل الإبـقـاء في 10 على الــرســوم الجمركية القياسية البالغة المائــــة عـلـى الــســيــارات الكهربائية الصينية، على أمــل أن تمنح بــكين تـراخـيـص لتصنيع سياراتها فــي بـريـطـانـيـا، خــصــوصا أن نـحـو ربـــع الـسـيـارات الجديدة المبيعة في المملكة المتحدة، الشهر الماضي، مستوردة من الصين. وتتمسك الــخــزانــة بــالارتــبــاط الـتـاريـخـي بين لندن والتجارة الحرة. ويفضل السياسيون إبقاء الــــرفــــوف مـــمـــلـــوءة بــالــبــضــائــع مـنـخـفـضـة الـسـعـر، وتغذية الناخبين بالأغذية والمشروبات الرخيصة، في حين تضع الصين وألمانيا التصنيع والصادرات في المقام الأول. اليوم، يواجه بيرنهام مطالب بالانحياز إلى جانب مـعين. والـسـؤال: إذا فـرض رســوما جمركية تضخمية على السلع الصينية، فما تداعيات ذلك على استراتيجية تكلفة المعيشة لديه، خصوصا فـــي المائـــــة فـــي وقـت 3.5 مـــع ارتـــفـــاع الـتـضـخـم إلـــى تـحـوم سـحـب الــحــرب مــجــددا فـــوق أســعــار النفط؟ وإذا لـم يتحرك، فـمـاذا يعني ذلـك لطموحه القوي فيما يخص إعادة التصنيع داخل المملكة المتحدة؟ مـــن نـاحـيـتــهـا، لـــن تـنـتـظـر بــروكــســل الإجـــابـــة إلــى الأبـــد؛ ففي نهاية الشهر المقبل، مـن المفترض أن تــمــهــد قـــمـــة مــشــتــركــة بين الاتــــحــــاد الأوروبـــــــي والمـمـلـكـة المــتــحــدة، الـطـريـق نـحـو علاقــــات تجارية أفضل مع الـقـارة. ورغـم أن المسودة الأولــى لقواعد «قانون التسريع الصناعي» عاملت المملكة المتحدة بوصفها «شريكا موثوقاً»، في إطار مخطط «ص ُُنع فــي أوروبـــــا»، تـرغـب فـرنـسـا وألمانــيـــا فــي أن تطبق المـمـلـكـة المــتــحــدة الـــرســـوم الـجـمـركـيـة نـفـسـهـا على السيارات الكهربائية الصينية. والآن، ما التنازلات التي سيجنيها بيرنهام فـي المـقـابـل؟ رغــم أن الاقــتــران المــشــؤوم بين أهــداف الانبعاثات الصفرية الصارمة وخــروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد أضر بصادرات السيارات البريطانية، فإن الـبلاد تنتج القليل من السيارات الكهربائية، الـتـي ستستفيد أكـثـر مـن التغييرات الوشيكة في قواعد الاتحاد الأوروبي. ويُُقدر مركز «المـمـلـكـة المـتــحـدة فــي أوروبـــــا المـتـغـيـرة» البحثي، أن «مستقبل الـصـنـاعـة سيتحدد تـبـعا للسياسة التجارية، على الأقــل، بقدر ما يتحدد بالهندسة، وعلى ضـوء الاتجاهات الحالية، لا تجني المملكة المتحدة ما يكفي من المكاسب». في الواقع، إن غياب الوضوح بشأن المصلحة الوطنية، يظل المشكلة الأساسية. أمـــا الـــصـــورة الــكــبــرى فـتـكـشـف عـــن أن الـغـرب فشل فـي تنسيق استجابته للنسخة الثانية من الصدمة الصينية. وبوصفها عضوا في الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الـهـادئ، ينبغي للمملكة المتحدة استخدام موقعها المحوري للمطالبة بجبهة ديمقراطية موحدة. وحتى يغادر ترمب المشهد، يظل هذا الأمر مستبعدا للغاية، ومع ذلك فإن التخبط الحالي لن يجلب سوى الكوارث. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» لا بد أن تتصدى للإرهاب قيادة كل بلد مع قـوى المجتمع التنويرية الوطنية وتجتهد في تقليص فرص ظهوره شــتــان بين دولـــــة غـــدت فـيـهـا الاضــطــرابــات ديدناً، وأخرى ديدنها مجابهة نوازع الاضطراب والتصدي لمختلف أشكال الإرهاب حال وقوعها. إنــمــا يـبـقـى الــهــم أو الـــجـــرح الــعــربــي واحـــــدا من المحيط إلى الخليج، ومن الشام إلى اليمن. لذا يتََضامن العرب -بمن فيهم اليمن- وكل العالم مع المملكة الأردنية الهاشمية بعد الهجوم الإرهــــابــــي عــلــى كـنـيـسـة الــقــديــس جــاورجــيــوس لـــلـــروم الأرثــــوذكــــس فـــي قــريــة حــمــود بمحافظة أكتوبر/ 23 الكرك، جنوب الأردن (يـوم الجمعة .)2026 تشرين الأول وفي مشهد يثبت تفاعل واستشعار القائد لمسؤوليته وممارسة دوره المعهود تجاه وطنه ومـواطـنـيـه، ويـجـسـد عــــزاء حقيقيا لـهـم يخفف وقــع محنتهم، ظهر المـلـك عبد الـلـه بـن الحسين ببزته العسكرية وهو يزور الجرحى والمصابين. حين تقع الـحـوادث الإرهـابـيـة تـرى القيادة الــقــويــة الـفـاعـلـة تقتحم المـــيـــدان، بينما «فــئــران الـــفـــوضـــى» تــخــتــبــئ بـــعـــارهـــا وســـــط جــحــورهــا وكهوفها، قبل أن تطالها يد من حديد. «بـيـد مـن حـديـد، سنضرب كـل مـن يتطاول على هـذا البلد» وفــقا لإعلان الملك الأردنـــي عبد الــلــه الـــثـــانـــي؛ تــأكــيــدا عــلــى صــــون هـيـبـة الــدولــة وتماسك الكيان الأردنـــي أمـام مـحـاولات تمزيق وتــفــريــق، وتـــرويـــع وتـرهـيـب أبــنــاء شـعـب واحــد يـــحـــتـــرم تـــنـــوعـــه الـــديـــنـــي ويـــتـــجـــاوز الاخــــــتلاف السياسي. مـــراعـــاة أســبــاب الاخـــــتلاف ورعـــايـــة أشـكـال الـــــتـــــنـــــوع؛ أســــطــــع آيــــــــات المــــــقــــــدرة عــــلــــى تــحــمــل المسؤولية الوطنية في دول الاستقرار، فضلا عن وعي تام بالمخاطر المحتملة. الــدول الـحـرة المستقرة: الأردن والسعودية وبـــقـــيـــة دول الـــخـــلـــيـــج، ومـــصـــر مــــع بـــعـــض دول المغرب العربي، بكل ما تملك من طاقات احتمال تـتـجـنـب عـمـلـيـات الاســـتـــنـــزاف؛ وإذا استعصى الــحــل الــســلــمــي، أو تـــعـــذرت الــتــهــدئــة المـطـلـوبـة، وتجاوز التمادي حده، تُُقرر السلطات الحازمة الــــــردع واســـتـــئـــصـــال أي «جـــــزء عـــضـــوي» يـهـدد الاستقرار ويزعزع بنيان السلام الداخلي. لماذا تنبغي محاربة الإرهاب... وكيف يمكن تقليص فرص ظهوره مجدداً؟ خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين، شهدت المناطق الوسطى بشمال اليمن حوادث إرهـابـيـة وعمليات تخريب تـقـوم بها مجاميع سياسية مـؤدلـجـة مـدعـومـة مـن الشطر اليمني الــجــنــوبــي، كـــانـــت تــســتــهــدف تـحـقـيـق الـــوحـــدة، ولها أهـداف سياسية أخرى بصيغة متطرفة لا تنسجم مع مقتضيات الاستقرار الإقليمي..! ذاك النهج المتطرف ز ََرع الألغام وسط شمال اليمن خلال القرن الماضي، ومارس أفظع جرائم الاغـتـيـال خـــارج الــــبلاد وداخــلــهــا، عـنـدئـذ أطلق أستاذ اليمن الراحل أحمد محمد نعمان كلمته ودعوته: «حــــاربــــوا الإرهــــــاب بــكــل صـــــوره وأشــكــالــه، حــتــى لا تــســقــط هــيــبــة الــــدولــــة، ويــســقــط معها الوطن». مـن يتهاون مـع الخطأ يضطر إلـى العيش مع الخطر. إذن، بشتى السبل حاربوا كل أشكال الإرهـاب حتى لا يسقط الوطن، سـواء في اليمن أو في الأردن، وفي غيرهما من الـدول المستقرة، ومن تحاول استعادة استقرارها... وهيبتها. مـا دام الإرهــــاب يُُــط ِِــل بــقــرون فتنة طائفية ديـنـيـة عـلـى بــلــد يتميز بـالـتـنـوع؛ مــثــل: الأردن بجباله وبحره، ويمتد بذراع المذهبية إلى وسط معروف بالاعتدال، ومثل: محافظة تعز اليمنية بجبالها وبـحـرهـا، لا بــد أن تـتـصـدى لــه قـيـادة كــل بـلـد مــع قـــوى المجتمع الـتـنـويـريـة الوطنية، وتجتهد في تقليص فرص ظهوره. «حـاربـوا الإرهـــاب» وقـاومـوه بـروح الثقافة الـــوطـــنـــيـــة والانــــفــــتــــاح عـــلـــى الآخــــــــر، والالـــــتـــــزام بالقوانين والدستور، وإسناد كل قيادة مخلصة تحمي وطنها وترعى حقوق مواطنيها في حياة آمنة ليس فيها اضطراب. لـــم تـكـن الـــحـــرب الــتــي انــدلــعــت فـــي الـــســـودان مجرد صـدام عسكري دمّّــر المـدن وشرد 2023 في الملايين، بل كانت أيضا زلزالا اجتماعيا وسياسيا أحدث تحولات جذرية وعميقة في تفكير المواطن الـسـودانـي ونـظـرتـه للحياة والمـشـهـد السياسي، متجاوزة تماما الأطر والمفاهيم التي كانت سائدة .2018 خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة فـقـد تـبـدلـت، تـحـت وطـــأة المــعــانــاة، أولــويــات قطاعات واسعة من المواطنين، وتغيرت نظرتهم إلـى الدولة والسياسة والأمــن ومستقبلهم. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تتيح هذه التحولات فـرصـة لإعـــادة بـنـاء الـتـوافـق الوطني على أسس جديدة؟ خلال الـفـتـرة الانـتـقـالـيـة، تــصــدرت شـعـارات الــحــريــة والــــــسلام والـــعـــدالـــة، إلــــى جــانــب قـضـايـا الـتـحـول الـديـمـقـراطـي وتـقـاسـم السلطة، النقاش العام. أما اليوم، فقد فرضت الحرب أولويات أكثر إلـحـاحاً: الأمــن، وتوفير الغذاء والـــدواء، وحماية الممتلكات، والــعــودة إلــى المــنــازل، والـحـفـاظ على الدولة من الانهيار الكامل والتقسيم. لا يــعــنــي ذلـــــك أن الــــســــودانــــيين تـــخـــلـــوا عـن تـطـلـعـاتـهـم إلــــى الــحــريــة والــديــمــقــراطــيــة، بـــل إن الـــتـــجـــربـــة الـــقـــاســـيـــة أعـــــــادت تـــرتـــيـــب الأولـــــويـــــات، وجعلت تحقيق هـذه التطلعات مرتبطا بوجود دولــــــة قـــــــادرة عـــلـــى حـــمـــايـــة مــواطــنــيــهــا وتــوفــيــر الــحــد الأدنــــى مــن مـقـومـات الــحــيــاة. فـعـلـى الـرغـم مـن الانـتـقـادات الـحـادة التي يوجهها المواطنون لـتـاريـخ أداء الـحـكـومـات الـسـودانـيـة، فــإن تجربة هــذه الـحـرب تـحـديـداً، ولّّـــدت قناعة بــأن الــدولــة - بأي شكل كانت - هي صمام الأمان ضد الفوضى الشاملة. أضعفت الـحـرب ثقة قطاعات مـن المـواطـنين بالنخب الـتـي تـصـدرت المشهد بعد الــثــورة. فقد أسهمت الصراعات السياسية والاستقطاب الحاد في تعميق الانقسامات، وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر فـي المـنـاخ الـــذي أدى فـي النهاية لاندلاع هذه الحرب المدمرة. فـــي المـــقـــابـــل، أعــــــادت الـــحـــرب تـشـكـيـل نـظـرة قطاعات واسعة إلى المؤسسة العسكرية، إذ بات الحفاظ على الجيش، لدى كثيرين، مرتبطا ببقاء الــدولــة ووحـدتـهـا فــي مـواجـهـة تـهـديـد وجـــودي، بصرف النظر عن الخلافات السابقة بشأن دوره السياسي. كما نمت هــوة واسـعـة بين المـواطـنين و«قـــــوات الــدعــم الــســريــع»، بـفـعـل مــا ارتـكـبـتـه من قـــتـــل وانـــتـــهـــاكـــات وعـــمـــلـــيـــات نـــهـــب واعـــــتـــــداءات عـــلـــى المـــــدنـــــيين ومـــمـــتـــلـــكـــاتـــهـــم، وتـــدمـــيـــر لـلـبـنـى التحتية ومنشآت الدولة ومؤسساتها الخدمية والتعليمية والتاريخية والثقافية. وتـرافـق ذلك مع رفض الناس أي بدائل لمؤسسات الدولة، وأي محاولات لإنشاء كيانات وإدارات مدنية موازية، خوفا من سيناريوهات التقسيم. لــم تقتصر آثــــار الــحــرب عـلـى الـسـيـاسـة، بل امتدت إلـى النسيج الاجتماعي، حيث تصاعدت خـــــطـــــابـــــات الـــــكـــــراهـــــيـــــة والاســـــتـــــقـــــطـــــاب الـــقـــبـــلـــي والجهوي، وتعرضت الثقة بين مكونات المجتمع لاخـــتـــبـــارات قـــاســـيـــة. كــمــا أدى تـسـيـيـس الإدارة الأهــلــيــة واســــتــــغلال الـــحـــواضـــن الاجــتــمــاعــيــة في الـصـراع إلـى تأجيج القبلية والجهوية وتفتيت النسيج الاجتماعي. لــكــن الـــحـــرب كــشــفــت، فـــي الـــوقـــت نــفــســه، عن قـدرة المجتمعات المحلية على المبادرة والتضامن وتطوير وسائل الاعتماد على الذات. فقد اضطلعت غــــرف الــــطــــوارئ والـــتـــكـــايـــا والمـــــبـــــادرات الـشـبـابـيـة بـــــــــأدوار أســـاســـيـــة فــــي تـــوفـــيـــر الـــــغـــــذاء والـــرعـــايـــة ومــســاعــدة المــتــضــرريــن، فـــي ظـــل غــيــاب الـخـدمـات وتعطل مؤسسات الدولة. ويعكس ذلك انتقالا من انتظار الحلول القادمة من النخب والسلطات، إلى الاعتماد على المبادرة المجتمعية، من دون أن يعفي الــدولــة مــن مـسـؤولـيـاتـهـا. وفـــي هـــذا الإطــــار أيــضا انخرطت قطاعات واسعة في «المقاومة الشعبية» للدفاع عن مناطقهم، أو لمساندة الجيش. تضعنا هذه التحولات أمام حقيقة أساسية: لا يمكن استئناف العملية السياسية من النقطة ،2023 ) الـتـي توقفت عندها قبل أبـريـل (نـيـسـان وكـــــأن الـــحـــرب لـــم تـــقـــع. فــقــد تــغــيــرت الأولــــويــــات، وتبدلت موازين الثقة، واتسعت دائرة المتضررين، وأصـبـحـت قـضـايـا الأمـــن ووحــــدة الــدولــة وعـــودة الـــنـــازحين واللاجــــــئين وجــبــر الـــضـــرر والـتـعـايـش السلمي في صدارة أي مشروع وطني. ومن ثم، فإن فرصة حوار سوداني - سوداني شــــامــــل، بـمـلـكـيـة وقــــيــــادة ســــودانــــيــــتين، تـتـطـلـب الاعتراف بأن مرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها تختلفان في الظروف والتحديات، وأن ترتيبات المحاصصة القديمة والرؤى التي حكمت المرحلة الانـتـقـالـيـة لا تـصـلـح، بــالــضــرورة، أســــاسا كـافـيا للمستقبل. المطلوب ليس إقصاء القوى السياسية، بل تـوسـيـع المــشــاركــة لتشمل المـــدنـــيين المـتـضـرريـن، والــــشــــبــــاب والـــــنـــــســـــاء، والـــــــنـــــــازحين واللاجـــــــــئين والمغتربين، والمجتمعات المحلية، وسائر القوى الاجتماعية والسياسية، مع الاتفاق على معايير واضحة للمشاركة والمسؤولية. يتحول الـحـوار إلـى مساومة ا كما ينبغي ألّا بين النخب على السلطة. فوقف الحرب، وحماية المــــدنــــيين، وخـــــروج الـــقـــوات مـــن الأعـــيـــان المــدنــيــة، واستعادة مؤسسات الدولة، وضمان عودة آمنة وكريمة للمتضررين، ورفـــض خـطـاب الكراهية، تمثل قضايا لا يمكن تجاوزها. لقد كلفت الـحـرب الـسـودانـيين ثمنا باهظاً، لكنها كشفت أيـــضا حـــدود المـقـاربـات السياسية الـتـي لــم تستطع مـنـع الانــهــيــار. والـفـرصـة الـيـوم لـيـسـت لــلــعــودة إلــــى مـشـهـد مـــا قــبــل الـــحـــرب، بل لبناء توافق جديد يستوعب دروسها ويستجيب لــــتــــحــــولات المــــجــــتــــمــــع. فـــــالـــــحـــــوار الـــــســـــودانـــــي - الـسـودانـي لا ينجح بمجرد جمع الأطـــراف حول طـاولـة واحـــدة، وإنـمـا بقدرته على استعادة ثقة المــواطــنين، وربـــط السياسة بحاجاتهم الفعلية، ووضــــــع أســـــس دولــــــة تــحــمــي الــجــمــيــع مــــن دون تمييز. تلك هي المهمة التي ينبغي أن يتقدم إليها السودانيون معاً، قبل أن تصبح كلفة التأخر أكبر مما تبقى للبلاد من قدرة على الاحتمال. لطفي فؤاد نعمان عثمان ميرغني *مارتن آيفنز الفرصة للحوار... كيف غيّّرت الحرب تفكير السودانيين؟ من اليمن إلى الأردن... حاربوا الإرهاب التخبطات البريطانية تجاه الصين ت ُُنذر بكارثة الغرب فشل في تنسيق استجابته للنسخة الثانية من الصدمة الصينية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky