حين وصـــف وزيــــر الـــدفـــاع الأســـتـــرالـــي ريـتـشـارد مــارلــيــس قــــاع الــبــحــر بــأنــه ســاحــة مــعــركــة، وذلــــك في تجمع دفــاعــي إقـلـيـمـي ع ُُــقـد فــي سـنـغـافـورة فــي وقـت سابق من هذا العام، كان يخاطب جمهورا يدرك أبعاد هذا الطرح. فقد كان أمن الكابلات البحرية، التي تنقل في المائة من تدفقات البيانات وتريليونات 95 أكثر من الـــــــــــدولارات مــــن المـــــعـــــاملات المالـــــيـــــة الـــيـــومـــيـــة، يـحـتـل صــدارة اهتمامات كبار الـقـادة العسكريين والمحللين الجيوسياسيين والوزراء الحاضرين في القاعة. وسرعان ما أُُعلن عن مشروع جديد مشترك بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة لتطوير تقنية المُُــســيّّــرات الـبـحـريـة تـحـت الماء، بـهـدف حماية ، في حين أطلقت سنغافورة 2027 الكابلات بحلول عام دولـــــة مـــن جـــنـــوب شـــرقـــي آسـيـا 17 إطـــــار عــمــل يــضــم وأوروبـــا والـشـرق الأوســط وأوقيانوسيا لاستكشاف ســـبـــل الـــتـــعـــاون الـــدفـــاعـــي فــــي مـــجـــال حـــمـــايـــة الـبـنـيـة التحتية الحيوية. إلا أنََّه في حين تتسابق الـدول لحماية الشبكات القائمة، تـواجـه الشركات التي تشيد البنية الرقمية في جنوب شرقي آسيا تحديا من نوع آخر، يتمثل في تجنب الاختناقات البحرية والمخاطر التي يفرضها اتـسـاع الـحـضـور الصيني فـي الـبـحـار. ويُُــعـد مضيق «ملقا»، الممر الضيق الواقع بين إندونيسيا وماليزيا وسـنـغـافـورة، عُُــرضـة للخطر بـصـورة خـاصـة بسبب الكثافة الهائلة للكابلات التي تمر عبر هذا الممر. وبعدما صـار المضيق يُُعتبر أهـم نقطة اختناق 21 في المحيطين الهندي والهادئ - إذ تمر عبره نحو فـي المائـــة مـن قيمة الـتـجـارة البحرية العالمية - باتت مشاريع الكابلات البحرية الخاصة الكبرى تتجاوزه بصورة متزايدة. فعلى سبيل المثال، مشروع «تـالاي لــيــنــك» الـــتـــابـــع لــشــركــة «غــــوغــــل»، ســيــربــط أســتــرالــيــا بـتـايـلـنـد عــبــر المــحــيــط الـــهـــنـــدي، ســـالـــكا مـــســـارا غــرب مضيق «سوندا» حتى يتفادى هذا الممر المزدحم. بيد أن التركز ليس الخطر الوحيد. فلا تتجلى المنافسة الجيوسياسية على مــســارات الــكــابلات في مكان بقدر تجليها فـي بحر الــصين الجنوبي، حيث تـسـتـخـدم الــــصين الـتـنـظـيـمـات الـقـانـونـيـة وإجـــــراءات الإنـفـاذ البحري للتحكم فيمن يحق لـه إنـشـاء البنية التحتية للكابلات وإصلاحها في هذه المياه المتنازع عليها. وتسعى بــكين فعليا إلــى إعـــادة رســم خريطة الــكــابلات البحرية، فـي حين تبتكر الــولايــات المتحدة وشركاؤها سبلا جديدة للتصدي لهذه التحركات. ويـــعـــكـــس مــــشــــروع كـــابـــل «إيــــكــــو» المـــشـــتـــرك بين شـركـتـي «غـــوغـــل» و«مــيــتــا بلاتـــفـــورمـــز»، الــــذي يـربـط الولايات المتحدة بسنغافورة عبر غوام وإندونيسيا، كيف تعيد شركات التكنولوجيا تصميم شبكات آسيا والمحيط الهادئ للحد من انكشافها أمام الصين. فقد قــــررت هــاتــان الـشـركـتـان الــعــملاقــتــان أن تـجـنـب بـكين يستحق تحمل تكاليف إضافية ومخاطر مد الكابلات في تضاريس أقل ملاءمة. وبطبيعة الـحـال، قد يغري الأمــر بالتهوين منه بـاعـتـبـاره مـجـرد تـداعـيـات جانبية أخـــرى للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، غير أن تبعاته ستكون بــعــيــدة المـــــدى. فـــالمـــســـارات الــتــي تُُــخــتــار لــهــذه البنية التحتية الـحـيـويـة الـبـاهـظـة التكلفة بــصــورة مذهلة سـتـؤثـر فـــي المـنـطـقـة لـعـقـود قـــادمـــة؛ إذ سـتـعـمـل على تعميق الـــروابـــط بين بـعـض الــــدول وتــزيــد عـزلـة دول أخــــــرى. وقــــد كــتــب صــامــويــل بــاشــفــيــلــد، الــبــاحــث في جامعة «لا تـروب» في ملبورن، ومؤلف كتابين صدرا مــؤخــراً، أحـدهـمـا عـن الــكــابلات الـبـحـريـة، أن الجهات المنف ِِّذة لمد الكابلات باتت أكثر حذرا من العمل في بحر الصين الجنوبي، وأن كثيرا منها بات يتجنب المنطقة تماما ً. وقـــال باشفيلد إن بـــكين، إلـــى جـانـب نـشـر سفن خفر السواحل الصينية لمضايقة طواقم الإصلاح أو منعها من الوصول إلى مواقع الكابلات، أغلقت الباب فعليا أمـــام مـشـاريـع الألــيــاف الضوئية البحرية غير الصينية عبر اشتراطات ترخيص مرهقة. وأضاف أن هذه التأخيرات أجبرت بعض المشاريع الجديدة على تغيير مساراتها بالكلية، فصارت تلتصق بالسواحل وتدفن الكابلات في قيعان ضحلة، وهو حل بعيد عن المثالية من حيث متانة الشبكات. ومـــشـــروع «نــظــام كـــــابلات آســيــا كــونــكــت»، الــذي مليون دولار وتقوده الشركة الناشئة 700 تبلغ كلفته «إنليغو نتووركس»، سيتفادى بحر الصين الجنوبي بالمرور عبر إندونيسيا والفلبين. أما «شبكة باسيفيك لايت للكابلات»، التي تربط الولايات المتحدة بتايوان والفلبين، فقد خضعت لتحول مماثل بعد التخلي عن وصلتها المخططة بهونغ كونغ إثر تدخل أميركي. وبــذلــت الـــولايـــات المـتـحـدة جــهــودا كـبـيـرة لإقـنـاع دول جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ بالابتعاد عن الموردين الصينيين، لصالح بدائل أميركية أو يابانية أو أوروبــيــة. وتخشى الـقـوتـان العظميان مــعا مـن أن تتيح المـشـاركـة الأجنبية فـي بنية الــكــابلات التحتية جـمـع المـعـلـومـات الاسـتـخـبـاراتـيـة أو تنفيذ عمليات التخريب. فواشنطن ترى في التكنولوجيا الصينية خطرا أمنياً، فيما أثــارت بـكين مخاوف مماثلة بشأن المعدات الأميركية واليابانية. فــي ظــل تـصـاعـد الـتـدقـيـق الأمــيــركــي، وافـقـت عـلـى بـيـع حـصـتـهـا الـبـالـغـة 2019 «هــــــواوي» عـــام فـي المائـــة فـي «هـــواوي مـاريـن نـتـووركـس» إلى 51 شركة «هنغتونغ أوبتيك إلكتريك» الصينية، التي استحوذت أيضا على حصة شريكتها البريطانية. وأُُعيدت تسمية شركة بناء الكابلات لاحقا لتصبح «إتـش إم إن تكنولوجيز». غير أن هيكل ملكيتها وأصـــولـــهـــا الــتــكــنــولــوجــيــة يــعــنــيــان أن الـــولايـــات المـتـحـدة وحـلـفـاءهـا، ومـنـهـم الـيـابـان وأسـتـرالـيـا، يهدفون للحد من استخدامها في أنحاء آسيا. وقـــــد حــقــقــت هـــــذه الـــــــدول بـــعـــض الــنــجــاحــات مــؤخــراً؛ ففي أغسطس (آب)، أعلنت أسـتـرالـيـا أن جميع أعـضـاء منتدى جـزر المحيط الـهـادئ باتوا متصلين بشبكة الكابلات البحرية العالمية للمرة الأولـــى. وهـو إنجاز مهم، لكنه لا يعني استبعاد الـشـركـات الصينية مـن المحيط الــهــادئ بالكامل. فـسـاحـة المـعـركـة الـتـالـيـة هــي مــراكــز الـبـيـانـات؛ إذ سيتعين على الـدول التي تمول الكابلات البحرية أن تساعد أيــضا في بناء البنية التحتية اللازمــة لتخزين البيانات ومعالجتها محلياً، وإلا فإنها تخاطر بأن يملأ الموردون الصينيون هذه الفجوة. ومع ذلك، ثمة مفارقة في الجهود الرامية إلى كبح نفوذ بـكين على مسارات الـكـابلات الحيوية؛ إذ إن جـانـبا كبيرا مـن هــذه الـقـوة يتركز بـــدلا من ذلــــــك فــــي أيـــــــدي مـــجـــمـــوعـــة صـــغـــيـــرة مــــن عــمــالــقــة التكنولوجيا الأميركيين. فما الذي يمكن أن يحدث من خطأ في ظل هذه الأوضاع؟ * بالاتفاق مع «بلومبرغ» في كرة القدم وجميع الأنشطة الاجتماعية التي لــهــا علاقـــــة بــ«تــســجــيــل» أو تـحـقـيـق الأهــــــــداف، هـنـاك فـضـيـلـة يــتــم الـــتـــدريـــب والــتــأكــيــد عـلـيـهـا مــــــراراً، وهــي «الــتــركــيــز» الــــذي هــو فــي الــوعــي الـــفـــردي حــالــة عقلية تمك ِِّن الفرد من تجاوز كل أنواع الضوضاء والتشتيت الدائر حوله، والسعي المثابر الدؤوب من أجل تسجيل أو تحقيق الـهـدف. فـي الـوعـي الجماعي المسألة تبدو أكـثـر تعقيدا وتـركـيـبا حسب درجـــة التعددية الفكرية والاجـتـمـاعـيـة، وهـنـا يـأتـي دور النخبة (كـــل مــن لديه القدرة على التأثير من قريب أو بعيد في اتخاذ القرار) أو الـنـخـبـة الاسـتـراتـيـجـيـة (وهــــي المـــنـــوط بـهـا اتـخـاذ الــقــرار) فـي تحديد الأهـــداف مـن قِِبل الأولـــى، وتحديد أولوياتها وتنفيذها من قِِبل الثانية. ما يفعله هؤلاء جميعا يبدأ بتعريف المـوقـف حتى لا يختلط الحابل بــالــنــابــل بــعــد أن كــثــرت الـــوقـــائـــع، وزاغـــــت المـعـلـومـات وبـــاتـــت الــحــقــائــق غــائــمــة بــعــد أن تـــــذوب فـــي ضــربــات عسكرية وتصريحات ملتهبة، وتحركات دبلوماسية لم يعد أحد يعرف ما انتهت إليه أو أنها وصلت، كما هو الحال مع إيران، إلى صانع القرار الحقيقي في بيئة تتميز بالسخونة والخشونة في الكلام والأفعال. بيئة الــقــرار الـجـازمـة فـي الــولايــات المـتـحـدة فـي يـد الرئيس دونالد ترمب إلا أن الرجل يجمع ما بين انتظار نتيجة الانـتـخـابـات النصفية لـلـكـونـغـرس، ومـتـابـعـة قضايا وأزمـات الشرق الأوسـط، حيث اجتمعت حرب غزة مع حرب الخليج، والتواصل مع شمال شرقي أوروبا حيث الـحـرب الأوكــرانــيــة ومــا تتبعها مـن علاقـــات مـع حلف الأطلسي والقضايا المعلقة في أميركا اللاتينية. الأمــــر بـبـسـاطـة بـــات يـسـتـلـزم مــن الــــدول العربية الناضجة والقادرة والتي لا توجد بها ميليشيات ولا حرب أهلية؛ استراتيجية الخروج من حالة «اللاحرب واللاسـلـم» المتأرجحة بين القتال والهدنة، وهـذا ليس مـــن المـــســـتـــحـــيلات. الــــواضــــح مـــن الـــحـــرب الأمـــيـــركـــيـــة - الإيـــرانـــيـــة، والـــحـــرب الإسـرائـيـلـيـة - «الــحــمــســاويــة» أن هــنــاك صـــــراعا مـــا بين اســتــراتــيــجــيــتين: اسـتـراتـيـجـيـة الاستنزاف الموروثة عن حروب الاستقلال الوطنية، أو من تجارب خوض حرب في حالة من الاختلال الشديد في توازنات القوى. الاستنزاف في هذه الحالة يفرض على الأقوى أن يكون حاسما وقاسيا حتى يترجم قوته إلـي واقـع بسرعة لتقليل التكلفة ومنع الاستنزاف أن يصير نزفاً. الأضعف يحتاج إلى استخدام دقيق للزمن لإطالة أمد القتال وإلحاق عار كثير بالآخر يكون شؤما عليه ويحقق اختلالا في الجبهة الداخلية. الاستراتيجية المقابلة هي إضعاف الضعيف، أو ما يفعله الأميركيون في الحرب مع إيـران بأن ينفذوا عملية تخفيض أو إضــعــاف الــطــاقــة الـعـسـكـريـة لـدى الخصم إلى الدرجة التي تدفعه إلى مائدة المفاوضات، حيث يفرض القوي شروطه للاستسلام. 14 «التحالف البحري الدفاعي» الـذي تكوّّن من دولة عربية وشرق أوسطية يتقدم من اسمه بعنوان استراتيجية هدفها الدفاع عن دول الإقليم وحمايتها مـن هجمات الميليشيات، وتحرير البحار الإقليمية (الــبــحــر الأحـــمـــر، وبــحــر الـــعـــرب، وخــلــيــج عـــمـــان) من ضـغـوط الـتـحـكـم فــي المـضـايـق (هــرمــز وبـــاب المـنـدب) ومـنـعـهـا مـــن تـهـديـد قــنــاة الــســويــس. هـــذا الـــنـــوع من التأمين يمثل خطوة للوقوف على طاولة المفاوضات الجارية في لحظات «اله ُُدن» إذا قامت، والسعي إليها إذا غابت. الأمــر الآخــر هو أنها استراتيجية دفاعية عـلـيـهـا أنــهــا تــدعــم الـــــدول الـوطـنـيـة (لــبــنــان والـــعـــراق واليمن وسـوريـا) للحفاظ على شعوبها وأراضيها وتــــدعــــم الـــســـعـــوديـــة فــــي مــهــمــتــهــا بـــكـــســـر الــجــمــاعــة الــحــوثــيــة. شــجــاعــة هــــذا الــتــحــالــف ســــوف تـــكـــون في الـقـدرة على إقامة تصور للأمــن الإقليمي يضع دول وشـــعـــوب المــنــطــقــة كلا فـــي نـــصـــابـــه. حــلــقــات الــــسلام مــع إيــــران وإســرائــيــل ســـوف تـقـوم عـلـى وقـــف مطامع التوسع في الأرض، والتمسك بالتحكم في المضايق؛ مقابل الترحيب بدائرة الأمن والازدهار الإقليمي. هــنــاك دروس اسـتـراتـيـجـيـة يـمـكـن تـعـلـمـهـا من التاريخ؛ أولها جـاء من حـرب الخليج الثانية عندما قــام الــعــراق بــاحــتلال الـكـويـت، وتــكــو ّّن تحالف دولـي بدأ من الجامعة العربية ولم ينته بالأمم المتحدة إلا عندما تكو ََّن تحالف عالمي نجح في تحرير الكويت وحــــاول أن يُُــبـقـي الــعــراق عـلـى حــالــه. ولـكـن مــا حـدث كــــان الـــغـــزو الأمـــيـــركـــي لــلــعــراق والـــقـــضـــاء عــلــى نـظـام صــــدام حــــسين، فــكــان ذلـــك عــالمــيا وجـيـواسـتـراتـيـجـيا يعني تسليم العراق لإيران. تسليم العراق للعراقيين بـات مهمة كـبـرى، ولـكـن تكوين تحالف دولــي سوف يقد ِِّم لذلك، فـضلا عن حماية المضايق وتقليم أظافر الميليشيات بـالـدخـول فـي الـنـظـام الـوطـنـي. وثانيها أن الحرب ضد الإرهـاب الذي بلغ قمته بإنشاء «دولة ) عــلــى الــحــدود 2019 - 2014( » الـــخلافـــة الإسلامــــيــــة الــعــراقــيــة - الـــســـوريـــة وعــاصــمــتــهــا الـــرقـــة الـــســـوريـــة؛ نجم عن تحالف دولــي شامل نجح في مهمة تراجع الـــتـــيـــارات الـديـنـيـة الــراديــكــالــيــة فـــي المـنـطـقـة. التعلم مـن التجربتين يـعـزل الـقـوى المـعـاديـة وينصر القوى الساعية إلى الاستقرار الإقليمي، محق ِِّقا أمنا إقليميا وشرعية في المواجهة، وسعيا نحو البناء والتعمير والتنمية الشاملة والسعادة. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel التركيز الاستراتيجي لتسجيل الأهداف الحرب الباردة التكنولوجية بين أميركا والصين في أعماق البحار OPINION الرأي 13 Issue 17501 - العدد Wednesday - 2026/10/28 الأربعاء عبد المنعم سعيد *روث بولارد
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky