فـــي روايــــتــــه «الـــحـــيـــاة الــثــانــيــة لـقـسـطـنـطين )، يختار الروائي 2023 ، كفافيس» (دار الشروق المصري طارق إمام شهر أكتوبر (تشرين الأول) لــيــكــون نــقــطــة الـــبـــدايـــة لــهــا. ذلــك 1932 مـــن عــــام التاريخ يعلّّم لعودة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس إلـــى الإسـكـنـدريـة بـعـد رحـلـة علاج في أثينا انتهت بفقدانه بصره. ويصف بحزن لدى لحظة الـوصـول فـي الميناء البحري للمدينة ما يعتمل من أحاسيس ومشاعر في داخـل العائد وهـو يقترب من مدينته بعد غياب، حيث تبدو له الإسكندرية مختلفة فيقول: «من ينظر لمدينة وهو عائد من سفر، يُُهي َّّأ له أنها خطوط مرتجلة ُُـــفّّـــت عـلـى عـــجـــل». تـلـك الــلــحــظــات، إذ لـــم يكن ص كفافيس قــادرا على الـرؤيـة البصرية، وبالتالي رآهـــا عـلـى الـنـحـو الـــذي وصــفــه. هـــذا الإحـسـاس الغريب هو ما شعرت به مطلع الأسبوع الماضي، وأنا أصل إلى طرابلس قادما من لندن، وأدخلها من بابها الشرقي. الإسكندرية وطرابلس مدينتان ضاربتان ن على البحر ا بجذورهما في عمق التاريخ تـطلّا المتوسط. البحر الذي تحو ّّل في العقود الأخيرة إلى مقبرة مائية تبتلع آلاف المهاجرين كل عام فـي طريقهم إلــى أوروبــــا، وهــو ذاتـــه الـــذي يعود هـــذه الأيــــام إلـــى صــــدارة الأخـــبـــار بـعـد مـصـادقـة مجلس الــنــواب الليبي على الاتـفـاقـيـة البحرية الـلـيـبـيـة - الــتــركــيــة، ومــــا أفــضــت إلــيــه مـــن تـوتـر بين تركيا مـن جـهـة، والـيـونـان وقـبـرص ومصر وإســرائــيــل مــن جـهـة أخــــرى. غـيـر أن مــا شغلني وأنا أقترب من المدينة لم يكن قـوارب المهاجرين ولا الاتفاقية، بل علاقتي بالمدينة نفسها. أبواب طرابلس كثيرة. ثمانية أو أكثر بقليل أو أقــل بــواحــد، ولــم يـبـق منها إلا الأســمــاء. أما «بـابـهـا الــشــرقــي» الـــذي ذكــرتــه أعلاه فليس من أبوابها التاريخية، وإنما قصدت به الإشارة إلى ضاحيتها الشرقية حيث يقع «مطار معيتيقة». المـــطـــار أنـــشـــأه الأمــيــركــيــون فـــي خمسينات الــقــرن الماضــــي قـــاعـــدة عـسـكـريـةًً، وحين غــــادروا لـيـبـيـا فـــي الــســبــعــيــنــات صــــار قـــاعـــدة عـسـكـريـة جــويــة لـيـبـيـة، ثـــم تـــحـــو ّّل إلـــى مــطــار مــدنــي بعد . وبـعـد عام 2011 سـقـوط النظام العسكري عــام ، حين أحــرق الإسلامــويــون مطار طرابلس 2014 الـــدولـــي فـــي حــــرب سـيـئـة الــصــيــت عـــرفـــت بـاسـم «فجر ليبيا»، صار المطار المنفذ الجوي الوحيد للعاصمة الليبية. بــــــدت لـــــي طــــرابــــلــــس، وأنــــــــا أقـــــتـــــرب مــنــهــا، ُُــفّّــت عـلـى عــجــل، بمسافات خــطــوطا صـغـيـرة ص غير متساوية تضيق وتتسع. وهي اليوم غيرها أمـس. ليست المدينة مجرد جغرافيا على حافة الـبـحـر، بــل مــــرآة لــحــال شـعـب بـأكـمـلـه تتجاذبه أمـــواج الـسـيـاسـة، كما تـتـجـاذب الأمــــواج قــوارب الحالمين بالضفة الأخرى. وبقاء الأسماء وحدها شاهدة على أبوابها التاريخية المفقودة قد يكون استعارة بليغة لمدينة تبحث عن مفاتيح روحها الــضــائــعــة بين صــخــب الــــراهــــن وفــــوضــــاه وثـقـل التاريخ. في كل عـودة إليها، تبدو لي كأنََّها تختبر قـدرتـي على الـتـذكّّــر، بين مـا تحمله الــذاكــرة من صــــور راســـخـــة ومــــا اعـــتـــراهـــا هـــي مـــن تــغــيّّــرات متسارعة. فأتوقف حائراً: هل تغيّّرت المدينة إلى حد أنني لم أعد قـادرا على استعادة تفاصيلها الأولــــى؟ أم أن التغيّّر طالني أنـــا، فـصـرت أعـود إلـيـهـا فــي كــل زيــــارة بـعـيـنين فـقـدتـا نضارتهما وغش ّّاهما تعب السنين؟ أم أننا تغيّّرنا معا في اتـجـاهين مختلفين: هـي نحو التآكل والـخـراب، وأنا نحو الموت؟ ، عــــــاد الـــشـــاعـــر قــســطــنــطين 1932 فــــي عــــــام كفافيس إلــى الإسكندرية مغمض العينين بعد أن أطفأ المــرض بصره، فكان يـرى مدينته بقلبه وذاكـــرتـــه كـمـا كــانــت دائـــــماً. أم ََّــــا أنــــا، فـــعـــدت إلـى بعينين تطالعان الراهن 2026 طرابلس في عـام وتريان خ ََرابه الصامت. ورب ََّما لهذا السبب تبدو لي اليوم مجرد خطوط مرتجلة ص ُُف ّّت على عجل؛ ليس لأن المدينة فقدت ملاءمََتها للجغرافيا، بل لأنََّنا - هي وأنا - صرنا نتبادل الغربة في وطن واحـــــد، ونـبـحـث بين الأبــــــواب المــفــقــودة عـــن بـــاب يـوصـلـنـا إلـــى مـــا كـــنّّـــاه. وحين يـدفـعـنـي الـحـنين إلـى التمشي في طرقاتها القديمة، وفيما تبقى صامدا من أزقتها العتيقة المتعبة، أحمل معي في قلبي رجاء خفيّّا مستحيلا ولو باستعادة قليل مما بذ ََّرته، في سنوات الشباب، من أحلام. Issue 17501 - العدد Wednesday - 2026/10/28 الأربعاء بـــعـــد الــــوقــــوف عـــلـــى أهـــمـــيـــة بــنــاء المناعة المعرفية بوصفها جدار الحماية المؤسسي للفضاء العام، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى هذه المنظومة إن لم تكتمل بوعي فردي يحرسها ويفع ّّل أدواتــــهــــا. فـالمــعــركـة الـحـقـيـقـيـة لـلـوعـي لا تُُـــحـــســـم حـــصـــرا فــــي قــــاعــــات مـــراكـــز الأبحاث أو داخل الاستوديوهات -ولو كانت رصينة- بل تبلغ ذروتها في عقل المتلقي ذاتــــه. إن الـتـحـصين المؤسسي يـــظـــل جــــهــــدا مــــنــــقــــوصا مــــا لــــم يــقــتــرن بـمـمـارسـة ذهـنـيـة يـومـيـة تُُــحــول الـفـرد من مستهلك سلبي للمعلومة إلى فاعل نـقـدي يمتلك أدوات التفكيك ويتمتع بالاستقلالية الفكرية. تــتــجــلــى الإشـــكـــالـــيـــة الـــكـــبـــرى فـي مـــيـــل شـــريـــحـــة واســــعــــة مــــن الــجــمــهــور إلـى اسـتـهلاك الإجـابـات الجاهزة التي يـــقـــدمـــهـــا بــــعــــض مــــتــــصــــدري المـــشـــهـــد الإعلامــــــــي، هـــــربا مـــن الــجــهــد الــذهــنــي الـــذي يتطلبه البحث والتقصي. وفي ظــــل فـــضـــاء رقـــمـــي يـــعـــج بــالــضــجــيــج، تتعزز حالة التسليم المطلق للسرديات الشائعة، حيث يذوب الرأي الفردي في مـسـار التفكير الجمعي، أو مـا يُُعرف بـ«الترند». هذا الركون إلى التفسيرات المعلبة يـوفـر للمتلقي انــتــمـاء وهـمـيا وراحة نفسية مؤقتة، ولكنه في جوهره يـعـطـل مـلـكـة الـتـفـكـيـر، ويـجـعـل العقل الـــجـــمـــعـــي فـــريـــســـة ســهــلــة لــلــخــطــابــات العاطفية والتوجيه الآيديولوجي. لـــتـــجـــاوز حـــالـــة الــكــســل الــذهــنــي، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل سلطة الـــــســـــؤال الــــنــــقــــدي بـــوصـــفـــه المـــصـــفـــاة الأولـــى لإسـقـاط الأوهــــام. إن الانتقال ََّــا مـــن عـقـلـيـة المـتـلـقـي الــــذي يـبـحـث عـم يُُــرضــي عـاطـفـتـه، إلـــى عقلية المتلقي الــــــــذي يــــتــــســــاءل عـــــن أدوات المــحــلــل ومــنــهــجــيــتــه، يــشــكــل نــقــطــة الــتــحــول الأســــــاســــــيــــــة. فـــــالـــــســـــؤال عــــــن دوافـــــــع الطرح، وعن مدى تطابق التحليل مع المـعـطـيـات المـيـدانـيـة الصلبة بـــدلا من الاعتماد على البلاغة اللفظية، يكسر هالة التلقين. حينها، لا يعود المتلقي يـبـحـث عـــن الــتــطــمين، بـــل عـــن تفسير موضوعي للواقع، مهما بدا معقدا أو عصيا على الاستيعاب. إن بــــلــــوغ هــــــذه المــــرحــــلــــة يـتـطـلـب شـــجـــاعـــة فـــــي مــــمــــارســــة الاســـتـــقلالـــيـــة الفكرية والـتـحـرر مـن ضغط المجتمع. ولا تــعــنــي هــــذه الاســـتـــقلالـــيـــة الــتــمــرد الـــعـــبـــثـــي عـــلـــى الــــحــــقــــائــــق، بـــــل تـعـنـي الــوقــوف بثبات خـــارج مـسـار الانـدفـاع الــعــاطــفــي الـــــذي يـسـيـر فــيــه المــجــمــوع. وتتجلى أسمى صور هذه الاستقلالية فــــي امــــــــتلاك الــــفــــرد لـــشـــجـــاعـــة الإقـــــــرار بــالــقــصــور المـــعـــرفـــي؛ أي الــــقــــدرة عـلـى الإقرار بنقص المعلومات أو عدم الإلمام بأهم جوانب الحدث، بـدلا من التورط في تبني مواقف قطعية متسرعة تُُبنى عــلــى الانـــفـــعـــال وتــفــتـقــر إلــــى الأرضـــيـــة المعرفية الصلبة. في المحص ّّلة، إن المجتمعات التي تـــســـود فــيــهــا ثـــقـــافـــة الــــســــؤال الــنــقــدي وتــتــجــذر فـيـهـا الاســتــقلالــيــة الـفـكـريـة، تغدو عصية على الاختراق ومحصنة ضد حــروب التضليل. فالفضاء العام يُُــــحــــمــــى بــتــســلــيــح المـــــواطـــــن بـــــــأدوات الـتـفـكـيـر المـنـهـجـي. وحين يــقــوم الـفـرد بتصفية مـا يتعرض لـه مـن معلومات وتـــحـــلـــيلات بـشـكـل نـــقـــدي، فــإنــه يبني بــذلــك الـــجـــدار الأخـــيـــر والأكـــثـــر صلابـــة فـــي حــمــايــة اســـتـــقـــرار وطـــنـــه وصـيـانـة مستقبله. بحظر 1973 منذ أن اتخذ الملك فيصل قراره عام تصدير النفط لعدد من الدول، زاد حضور الرياض في الإعلام الـدولـي وصـــارت متابعة الـشـؤون السعودية الداخلية والخارجية شغلا شاغلا للصحافة العالمية. حافلا بتطورات هز ََّت المنطقة؛ 1979 ثم أتى عام فسقط نظام الشاه في إيـران، ووقعت حادثة اقتحام الـحـرم المـكـي، وجــاء الـغـزو السوفياتي لأفغانستان. وكــــانــــت هـــــذه الـــــحـــــوادث المــــتلاحــــقــــة، عـــلـــى اخـــــتلاف طبيعتها، تـثـيـر مــخــاوف مــشــروعــة بــشــأن اسـتـقـرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي. حين تـخـلـت الـــريـــاض عـــن دور 1985 وفــــي عــــام «المنتج المرجح» داخل «أوبك» وانهارت أسعار النفط بعد ذلـك، أصبح كل خبر يصدر من المملكة العربية الــســعــوديــة أو عـنـهـا مـــــادة لــلــحــديــث عـــن ارتــــفــــاع أو انخفاض متوقع في أسعار النفط وتداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي. بكل ما فيها 1990 وكانت كارثة غزو الكويت عام بتداعياتها، 2001 ) من مآس ٍٍ، وأحداث سبتمبر (أيلول ومــا تلا ذلــك مـن هجمات إرهـابـيـة داخـــل السعودية ، لتزيد من دائــرة الاهتمام بالأخبار 2003 بــدأت عـام السعودية خصوصا مع انتشار البث الفضائي ومن ثم الإنترنت. ونشأ في خضم تلك الأحداث جيل من الإعلاميين والمـــراقـــبين الـغـربـيين المـهـتـمين بـالـشـؤون السعودية، تـفـاوتـت معرفتهم بها عـمـقا وسطحية، وغـلـب على أكثرهم قراءة الشأن السعودي بأدوات كأنها ص ُُممت لفهم دول أخرى. ولأن الإثــارة أكثر جـذبا للقارئ من الرصانة، لم يـكـن الـحـديـث عــن الـــواقـــع الــســعــودي الـحـقـيـقـي مــادة جاذبة للقراءة والاهـتـمـام، ولـم تخل مرحلة من تلك المـــراحـــل مـــن تــوقــعــات غــربــيــة بـــأفـــول شــمــس المـمـلـكـة العربية السعودية كأنها دولة حديثة النشأة لا دولة تمتد جذورها لثلاثة قـرون واجهت أزمـات وحـروباً، وصـــمـــدت وخـــرجـــت مـــن كـــل أزمــــة أصــلــب عـــــوداً، رغــم ضيق العيش وشح الموارد في الجزيرة العربية التي مـــرت بــقــرون ولـــم تــعــرف دولــــة مـركـزيـة بـحـجـم وقــوة الدولة التي أسستها أسرة آل سعود. ، نشرت 1996 ) ففي الثالث مـن يونيو (حــزيــران مـــجـــلـــة «تـــــايـــــم» الأمـــيـــركـــيـــة تـــقـــريـــرا تــــنــــاول الــــدولــــة الـسـعـوديـة بـعـد الـــعـــارض الـصـحـي الـــذي تـعـرض له ، وتطرق 1995 الملك فهد بـن عبد العزيز أواخـــر عــام الـتـقـريـر إلـــى تـوقـعـات وتـحـلـيلات تتعلق بمؤسسة الحكم وإدارة شــؤون الـدولـة، وتنبؤات بما ستؤول إلـيـه الأمـــور. ومــن يـقـرأ تلك التنبؤات الـيـوم يجدها قـاصـرة عـن فهم واقــع الـدولـة السعودية وتاريخها، لا سيما إن قـورنـت بما نشرته مجلة «تـايـم» ذاتها عن اغتيال الملك فيصل وما 1975 ) في أبريل (نيسان أظهرته الأسـرة الحاكمة من تماسك ووحـدة في ذلك الحدث الجلل. ولـــيـــس مــــن المـــســـتـــغـــرب، بــــالأمــــس أو الــــيــــوم، أن يتساءل الإعلام عن وضع المملكة العربية السعودية والتهديدات التي تواجهها. إلا أن التشابه في مصادر التهديد الـتـي تتعرض لها الـــدول لا يمكن أن يلغي الاخــــــتلاف بـيـنـهـا فـــي الـــتـــاريـــخ والــبــنــيــة الـسـيـاسـيـة والاجتماعية والمنعة الداخلية. ولعل النظرة الفاحصة إلى هذه المحطات تقودنا إلى ملاحظة تستحق التأمل، فإذا كان بعض المح للين الغربيين يقرأون الأزمات التي تواجه السعودية قراءة فاحصة ومتأنية، فلماذا أخفق كثير منهم في قراءة «الدولة السعودية» ذاتها؟ فلئن كانت قراءة أي أزمة تتطلب معرفة جذورها وأطــرافــهــا الحقيقية ومـــوازيـــن الــقــوى المحيطة بها، فــإن قـــراءة الــدولــة تقتضي فـهـما بصيرا بتاريخها، وطـبـيـعـة مــؤســســاتــهــا، والــعــقــد الاجــتــمــاعــي الـقـائـم فيها، ورصـيـدهـا السابق فـي التكيف مـع المتغيرات ومواجهة التحديات. وقـد يصيب المحلل في تقدير خطورة التهديد، لكنه يخطئ حين يفترض أن النتيجة التي حدثت في بلد آخر ستتكرر بالضرورة في الداخل السعودي. وربــمــا كـــان للانــحــيــازات الآيـديـولـوجـيـة نصيب في بعض تلك القراءات. ففي مرحلة صعود القومية العربية والاشتراكية، لم يكن مستغربا أن يرى بعض المراقبين في الحركات الثورية صورة لمستقبل محتوم فـي المنطقة، وفــي الملكيات العربية أنظمة آخـــذة في الأفـــول. لكن التاريخ لا يسير دائـــما وفـق التصورات الآيـــديـــولـــوجـــيـــة، ولا تــتــحــول الأفــــكــــار الـــتـــي تحظى بالرواج في مرحلة معينة إلى حقائق سياسية لمجرد اتساع انتشارها. وحين تتحول الآيديولوجيا من أداة لفهم الواقع إلـــى مـعـيـار لـلـحـكـم عـلـيـه، يـصـبـح الـتـنـبـؤ أقــــرب إلـى التعبير عـن القناعة منه إلــى اسـتـشـراف موضوعي للمستقبل. ولا يقتصر أثـــر الـقـنـاعـات المسبقة عـلـى مرحلة تاريخية بعينها؛ فقد تتغير الأفكار السائدة، بينما تبقى المشكلة المنهجية نفسها: قراءة الدولة من خلال نموذج نظري جاهز، بدلا من الانطلاق من تجربتها الخاصة. وثمة عامل آخر لا ينبغي إغفاله، وهو أن مكانة الــســعــوديــة الــعــالمــيــة تــؤثــر فـــي طــريــقــة قـــــراءة الــغــرب لأزمـــاتـــهـــا. فــــحين يـــكـــون فـــي تــهــديــد اســـتـــقـــرار دولـــة تــهــديــد مــبــاشــر لأمــــن الـــطـــاقـــة والأســــــــواق والمــصــالــح الاستراتيجية الدولية، يصبح السؤال عما يمكن أن يخسره العالم إذا اضطربت؛ أكثر حضورا من السؤال عن قدرة تلك الدولة على تجاوز التهديد. ولا يعني ذلك أن الصحافة الغربية تبنت موقفا واحـــدا فـي قراءتها لحاضر السعودية ومستقبلها، ولا أن جـمـيـع تـوقـعـاتـهـا أخــفــقــت. فــقــد كــانــت هـنـاك قــراءات متباينة، بعضها أكثر دقة من غيره. كما أن التحديات الـتـي رصـدتـهـا لـم تكن كلها متخيلة، بل كـانـت أحــيــانا أخــطــارا أعـلـنـت عنها المملكة العربية السعودية وواجهتها فعلا ًً. ، ومع الإعلان عن «رؤية السعودية 2016 وفي عام »، نـشـرت مجلة «تــايــم» مـقـالا فـي الـثـانـي عشر 2030 مـن مايو (أيـــار) وصــف خطة الإصلاح بأنها جريئة وحديثة، لكنها مرشحة للإخفاق. وبعد عشر سنوات، في المائـة 90 تشير التقارير السنوية للرؤية إلـى أن من مؤشراتها الرئيسة بلغت مستهدفاتها المرحلية أو تجاوزتها، على الرغم من أنه ما زال أمامها أربع سنوات لتبلغ أفقها. وهـــذا المـثـال يُُــذكِِّــرنـا بــأن الحكم على التحولات الكبرى في بداياتها يختلف عن تقييم نتائجها بعد مرور الزمن، كما يُُذك ِِّرنا بالفارق بين قراءة ما يجري، والجزم بما ستنتهي إليه الأحداث. واليوم، مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من استهداف للمقدسات والمطارات والمنشآت الحيوية مـــن مـيـلـيـشـيـا الـــحـــوثـــي الإرهــــابــــيــــة، تـــعـــود الأســئــلــة المتعلقة بالأمن والاستقرار والآثـــار الاقتصادية إلى الواجهة. وهي أسئلة مشروعة، ولا يصح التقليل من شأن التهديدات التي تطرحها. لكن التجارب السابقة تدعونا إلى التمييز بين تقدير حجم الخطر والتسرع في الجزم بنتائجه النهائية. لــقــد شــهــدت المـمـلـكـة الــعــربــيــة الــســعــوديــة خلال الــعــقــود الماضـــيـــة تـــحـــولات إقـلـيـمـيـة ودولـــيـــة كــبــرى، وواجــهــت تـحـديـات مختلفة المــصــادر والأدوات، ولم تـكـن اسـتـجـابـتـهـا لـهـا واحـــــدة فـــي كـــل مــــرة. وتــاريــخ أي دولــة في صد الأزمـــات لا يمنحها حصانة منها، لكنه يفرض على من يتناولها أن يقرأها في سياقها الكامل. وربـمـا كــان الــســؤال الـــذي يستحق الــطــرح، بعد كـل هــذه الـسـنـوات، ليس لماذا أخفقت أكـثـر توقعات الإعلام الـغـربـي المتعلقة بـالـشـأن الـسـعـودي؟ وإنما لماذا لم تدفع نتائج التجارب السابقة أصحاب تلك التوقعات إلى محاولة فهم حقيقة الدولة السعودية، وبـــالـــتـــالـــي مـــراجـــعـــة المــنــطــلــقــات الـــتـــي بـــنـــوا عـلـيـهـا قراءاتهم اللاحقة؟ لماذا لم تدفع نتائج التجارب السابقة إلى محاولة فهم حقيقة الدولة السعودية؟ المجتمعات التي تسود فيها ثقافة السؤال النقدي وتتجذر فيها الاستقلالية الفكرية تغدو عصية على الاختراق عبد الله فيصل آل ربح بندر بن عبد الرحمن بن معمر جمعة بوكليب OPINION الرأي 14 الإعلام الغربي والسعودية... الفارق بين فهم الأزمة وفهم الدولة كيف نفكك السرديات المعلبة؟ طرابلس في مرايا العودة ليست المدينة مجرد جغرافيا على حافة البحر بل مرآة لحال شعب بأكمله
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky