issue17500

«الأسـاطـيـر لا تــمــوت». هــذا مـا يؤكده المــــصــــمــــم الــــفــــرنــــســــي ســـتـــيـــفـــان رولان فــي كـــل مـــوســـم مـــن مـــواســـم الــــ«هــــوت كـــوتـــور» ، رســم 2024 تـــقـــريـــباً. فــفــي خـــريـــف وشـــتـــاء صــــورة درامـــيـــة لـلـسـوبـرانـو مــاريــا كـــالاس، 2027 وحــديــثاً، فـي عـرضـه لخريف وشـتـاء قـدََم مجموعة استلهمها من أيقونة أخرى هـي دالــيــدا. قــال إنـهـا مجموعة تتزامن مع الــــذكــــرى الأربـــــــعين لــرحــيــلــهــا، وفــــي الــوقــت ذاته، يستعيد من خلالها ذكريات ترس ََّخت في وجدانه وهـو يستمع إلـى أغانيها منذ صباه. يـضـيـف فـــي لـــقـــاء خــــاص مـــع «الـــشـــرق الأوســــــــــط» أنــــــه بــــالــــرغــــم مــــن أنــــــه يـسـتـلـهـم دائـــما مـن فـنـانين، ســواء أكـانـوا رســـامين أم نحاتين أم مؤلفين موسيقيين، فإن للعاطفة الـتـي يُُعبِِر عنها الـصـوت والموسيقى وقع خاص في نفسه. أسأله عن سبب اهتمامه تـحـديـدا بـأيـقـونـات جـريـحـة نـــوعا مـــا، مثل مــــاريــــا كــــــالاس ودالـــــيـــــدا، يُُـــجـــيـــب أنـــــه يـجـد نفسه مشدودا إلى ما يختبئ وراء الصورة الـخـارجـيـة والــبــراقــة، مــن مـشـاعـر إنسانية تــدفــع أصـحـابـهـا إلـــى بــلــوغ أقــصــى حـــالات الإبداع، في محاولة لمداواة الألم أو التعايش معه. يُُــتــابــع: «كــانــت مــاريــا كـــالاس ودالــيــدا متشابهتين في كونهما روحين جريحتين اسـتـطـاعـتـا غـــزو الــعــالــم. لـكـن بينما كانت كــــالاس مــحــاربــة وشـــديـــدة الانــضــبــاط رغـم الخذلان العاطفي الذي عاشته، كانت داليدا تعيش صراعا وجوديا وتحمل شرخا أعمق لم تتجاوزه طوال حياتها، مما جعلها أكثر هشاشة بكثير». أبــــرز المـصـمـم هـــذا الاخــــــتلاف بينهما فــــي الأزيــــــــــاء. فــــي مــجــمــوعــتــه المـــســـتـــوحـــاة مـــن كـــــالاس، تـجـلََــت الـــدرامـــا المـسـرحـيـة في الأحــجــام والألـــــوان والـكـثـيـر مــن التفاصيل الفنية. البحث عن داليدا... المرأة أمـــــــا فـــــي عـــــــرض «دلــــــــيــــــــدا.. امــــــــــرأة مــن الشرق»، وهو عنوان المجموعة، فبرز البُُعد الشرقي بكل ما يحمله من حسية وحميمية، جس ّّدهما من خلال تصاميم تتبع تضاريس الــــجــــســــد وانـــــحـــــنـــــاءاتـــــه، فـــتـــكـــشـــف أحــــيــــانا وتحجب أحيانا أخرى. هذه الازدواجية هي التي ســادت المجموعة، وعـبََــر فيها المصمم عــن رؤيــتــه الــخــاصــة لــدالــيــدا كـــامـــرأة تجمع بين الـــقـــوة والــنــعــومــة. فـهـو لا يـتـوقـف عند ملامح صورتها المألوفة هنا، من تسريحات الشعر أو الماكياج، إلى سائر التفاصيل التي ارتبطت بها، بل يحاول النفاذ إلى ما يختلج في داخلها، وفهم الثمن الـذي دفعته مقابل هالتها الأيقونية. وهكذا تتجاوز المجموعة الاستعراض الجمالي والفني لتغدو قـراءة نفسية تستنطق ما وراء الصورة. يقول رولان إن الـصـورة التي لا تفارق مخيلته عن المغنية، هي لامــرأة شقراء ذات روح شـــرقـــيـــة، تــقــف تــحــت أضــــــواء المـــســـرح، بـــفـــســـتـــان أبــــيــــض ذي خــــطــــوط بـــســـيـــطـــة، لا يكسر صفاءه سوى الستارة الحمراء لمسرح الأولمــبــيــا الـشـهـيـر. إنـهـا ليست دالــيــدا التي استقرت صورتها في الذاكرة خلال سنواتها اللاحـــقـــة، ولا نـجـمـة الـديـسـكـو الــشــابــة قبل معاناتها مع الفقد بعد رحيل رفيق دربها منتحراً، ومـا أعقب ذلـك من مـآس شخصية وانـــكـــســـارات عــاطــفــيــة، بـــل امـــــرأة تــعــود إلــى المـــســـرح بـعـدمـا اعـتـقـد كــثــيــرون فـــي الـوسـط الفني أن مسيرتها انتهت. نوفمبر (تشرين الثاني) 23 ففي ليلة ، كتبت لنفسها بداية جديدة. صعدت 1971 إلـى المسرح بذلك الفستان الـذي يكاد يكون رهبانيا في بياضه وبساطته، من تصميم «بـــالمان» وقدمت أداء مــذهلا بحيث وُُصفت تلك الليلة بـ«ليلة الانتصار الملحمي». الأبيض للبدايات هــــــذه الـــلـــحـــظـــة هـــــي الــــتــــي الــتــقــطــهــا ّّــــدهــــا فــــي مـــجـــمـــوعـــة غـلـب المـــصـــمـــم وجــــس عـلـيـهـا الـــلـــون الأبـــيـــض، بـاسـتـثـنـاء قطع قليلة بالأسود والأحمر. لم يأت الأبيض، وفـق رؤيـة رولان، للتعبير عن الحنين أو الرغبة في الاختفاء، بقدر ما يرمز لبداية جــــديــــدة وفــــتــــح صـــفـــحـــة بـــيـــضـــاء، تـظـهـر فيها داليدا امرأة قوية بما يكفي لتسحر الملايين بـصـوتـهـا. لـكـن وراء هـــذه الـقـوة تسكن امـــرأة هشة بما يكفي لأن يهزمها خذلان حياتها الخاصة. من الناحية الفنية، يوض ِِح المصمم أن التحدي في ابتكار مجموعة بهذه الدرجة مـــن الـــصـــفـــاء، يـكـمـن فـــي تـحـقـيـق الـتـنـوع الـــذي يـخـاطـب كــل امــــرأة، أيا كـــان ذوقـهـا، من دون تكلف أو مبالغة في الزينة، وفي الوقت نفسه تفادي الرتابة التي يمكن أن يُُولدها تكرار اللون الواحد. لتحقيق ذلك، كان لا بد من توظيف الحسية، مستعينا بانحناءات الجسد وبعض تقنيات الثني والانسياب في القماش. كما أضفى على الـــخـــامـــات ثـــــراء إضـــافـــيا بـــإدخـــال الــذهــب والأحــــجــــار الــكــريــمــة». وهـــكـــذا يـمـكـن لأي امــــرأة أن تـتـعـامـل مــع الـقـطـعـة بـالأسـلـوب الـــــــذي تـــخـــتـــاره ويـــنـــاســـب شـخـصـيـتـهـا. فـــالأبـــيـــض هـــنـــا جــــــاء بـــمـــثـــابـــة «كـــنـــفـــس» يـمـكـنـهـا أن تـــرســـم عــلــيــه الــــصــــورة الــتــي تعكس ذوقها الخاص. أمــــا كــيــف تـــرجـــم هــــذا الـــتـــنـــوع، الـــذي يــــحــــمــــل ازدواجـــــــــيـــــــــة ثـــقـــيـــلـــة بين الــــقــــوة والـــــهـــــشـــــاشـــــة، وحـــــــو ّّلـــــــه إلـــــــى لــــغــــة فــنــيــة متماسكة، فكان عبر الحركة والتفاصيل الخفيفة التي تتكشف بهدوء، من ثنيات وأحجام واسعة، اعتمد فيها على خامات مــثــل الــــغــــازار والأورغـــــنـــــزا الــخــفــيــفــة إلــى جـــانـــب الــــريــــش والـــكـــريـــســـتـــال الــصــخــري والأحــــجــــار الــثــمــيــنــة. عــنــاصــر تــعــبــر عن الـفـخـامـة والـتـمـيـز لـكـنـهـا تـظـل مطبوعة بالرقة، حتى في التصاميم الأكثر صلابة. فــــــــرولان المـــــعـــــروف بـــخـــطـــوطـــه المـــعـــمـــاريـــة وحــضــوره الـنـحـتـي، كـــان يبحث فــي هـذه المجموعة، على حد تعبيره «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور، وتعكسه فوق خشبة المسرح». ويوض ِِح: «لم أخترع داليدا جديدة، ولن أجرؤ على ذلك أبداً. ما قد ََمته هو نوع من التخيََل الفني للصورة الـــتـــي تــشــكََــلــت لــــدي عــمــا وراء مـظـهـرهـا المـصـقـول، حيث تسكن إنسانة حساسة، لها جراحها وشقوقها، وتبحث عن طريق للاستمرار». فـهـي امــــرأة أكــثــر تــــأملا فــي علاقـتـهـا بالحياة والمــوت، تكاد تقترب من النظرة الفلسفية. ففي نظر رولان، لم تكن داليدا مــجــرد فــنــانــة عـــاديـــة، بـــل امـــــرأة تـتـسـاءل عـن معنى وجــودهــا وتــحــاول فهم معنى الحياة وكيفية مواصلة العيش فيها». ولتجسيد هـــذه الـــصـــورة، أو الـــروح 33 الـتـواقـة للتعايش مــع الـحـيـاة، اقــتـرح إطلالـــــــة، بــــرز مـــن بـيـنـهـا فــســتــان بتقنية المكرمية، يجمع بين كورسيه وتنورة من الأورغنزا وتفاصيل من ريش النعام. كما ظهرت فساتين طويلة أخرى، يجمع بينها الـــتـــوازن بين الـــصلابـــة والـنـعـومـة، بينما بــدت الـعـارضـات فـي العديد منها كأنهن مـــنـــحـــوتـــات مـــتـــحـــركـــة. لــــم يـــغـــب غــمــوض الـــشـــرق ولا ســـحـــره. فــقــد بـــــرزا مـــن خلال خـامـات، مثل الأورغــنــزا الـتـي تنساب مع الخطوات كزبد البحر، وتصاميم تكشف اجــــزاء مــن الـجـسـد مــن دون مـبـالـغـة، كما حضر الأسود إلى جانب الأحمر في قطع مــــعــــدودات. الأســـــود لـيـعـكـس الــســوداويــة التي كانت تعيشها في حياتها الخاصة، والأحــــمــــر لـيـسـتـحـضـر ســـتـــارة مـسـرحـهـا المفضل، الأولمبيا. مسرح الأولمبيا هــذا المـسـرح بالنسبة لـــرولان، لا يمكن فصله عن داليدا، أو عن تلك الليلة الملحمية التي عادت فيها إلى الأضواء، لأنه كان جزءا مــــن حــكــايــتــهــا، حـــيـــث وقـــفـــت عـــلـــى خـشـبـتـه مـــرات لا تُُــحـصـى، لـذلـك «كـــان مـهـما أن أقــدِِم هــــذه المــجــمــوعــة الـتـكـريـمـيـة والـــتـــي تـتـزامـن مـع رحيلها الأربــــعين فـي المـكـان الـــذي كانت ت ُُفض ِِله». ويشرح رولان أنه يعتبر اختيار المكان عـــمـــوماً، عـنـصـرا أســـاســـيا فـــي كـــل عــروضــه. فعندما استلهم من ماريا كالاس، كان قصر غـارنـيـيـه الـخـيـار الـطـبـيـعـي. فـقـد غـنََــت على خشبته وأحيت فيه ثلاث حـفلات مهمة في مسيرتها. كذلك الأولمبيا، الـذي كـان الأقـرب إلى داليدا، وحققت فيه أجمل نجاحاتها. وعــــنــــدمــــا أشــــيــــر إلــــــى أن الــــغــــوص فـي الــــذات الإنـسـانـيـة هـنـا، وســـرد الـقـصـص في عـــالـــم المـــوضـــة عــــمــــوماً، بــــات يــحــتــل أحـــيـــانا مــســاحــة مــبــالــغا فــيــهــا، إلــــى حـــد يـجـعـل كل مجموعة مصحوبة بحكاية أو مصدر إلهام أو مرجعية ثقافية تكاد ترقى إلى أطروحة فكرية أو فلسفية، يُُقر رولان أن هـذا السرد يتحول إلى عبء حين يُُختلق لمجرد إرضاء المتلقي. ويُُوض ِِح: «أنا أحب رواية الحكايات، لـكـن فـقـط إذا عشتها أو لمستني شخصياً. عـنـدهـا فـقـط أومــــن بـــأن الإحـــســـاس سيصل صادقا ومقنعاً». مـــن هـــذه الــقــنــاعــة، يــؤكــد أنـــه لا ينسج قصصا للترويج لمجموعة أزياء، بل يستلهم تـــجـــارب إنـسـانـيـة حـقـيـقـيـة يـتـرجـمـهـا بلغة ِِـــر تـــركـــيـــزه عـلـى فـــنـــيـــة. ولــــعــــل هـــــذا مــــا يُُـــفـــس داليدا في لحظة مفصلية من حياتها: حين عــادت إلـى المـسـرح بعدما اعتقد كثيرون أن مسيرتها انتهت، متحدِِية خــذلان منتجين رفضوا تمويل حفلتها الشهيرة، إذ مو ََّلتها مـــن مــالــهــا الــــخــــاص، لـتـقـف أمـــــام الـجـمـهـور بــفــســتــان أبــــيــــض، شـــامـــخـــة، وكـــأنـــهـــا تـعـلـن رفضها للغياب أو التواري عن الأنظار. في تــلــك الــلــحــظــة، بــكــل مـــا تـخـتـزنـه مـــن مـعـانـي الـــعـــودة والـــتـــجـــدد واســـتـــعـــادة الــــــذات، وجــد رولان الـــصـــورة الــتــي أراد أن يستحضرها ويُُقدمها في هيئة امرأة معاصرة. 1971 فـقـد رأى فــي تـلـك الليلة مــن عـــام ما يتجاوز حدود الموضة. رأى امرأة تحاول أن تمضي فـي الحياة رغـم التحديات، ومن هنا وظف اللون الأبيض كرمز للعودة وفتح صفحة جديدة لا كلون للاختفاء والتواري. لمسات LAMASAT 21 Issue 17500 - العدد Tuesday - 2026/10/27 الثلاثاء كيف وظ ّّف المصمم الأبيض لاستنطاق صورة تلمع في الظاهر وتتوجع في الداخل؟ : أردت إبراز المرأة خلف داليدا الأيقونة ستيفان رولان لـ لندن: جميلة حلفيشي لمسات المصمم الفنية ظهرت في الكثير من التفاصيل بينما بقي الأساس بسيطا كصفحة بيضاء (ستيفان رولان) كان لا بد من خلق تنوع يخاطب كل الأذواق لتجنب رتابة اللون الواحد (ستيفان رولان) ظهرت بعض التصاميم كمنحوتات رغم تناقضاتها بين الانسيابي والهندسي (ستيفان رولان) وظ ََّف قدرته على النحت والبناء المعماري لخلق توازن بين الصلابة والنعومة (ستيفان رولان) تتجاوز المجموعة الاستعراض الجمالي والفني لتغدو قراءة نفسية عب ّّر عنها بلون يوحي بالأمل ببداية جديدة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky