issue17499

Issue 17499 - العدد Monday - 2026/10/26 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز السياسة العربية في ع ُُهدة «العر ّّافين» «الـــســـوق المـــوازيـــة لـلـمـعـلـومـات الـسـيـاسـيـة» تـــزدهـــر في العالم العربي أكثر من أي وقت مضى. المتحدثون الرسميون والــقــادة والمـسـؤولـون معظمهم لا يتحدثون بما يكفي. وإن تحدّّثوا فإنهم يطرحون عبارات إنشائية، ويقدمون مواقف ثابتة ومــكــرورة. فهم لا يجيبون عـن كثير مـن الأسئلة التي تشغل المجال السياسي، وتحتاج إلى إيضاحات، بل يكتفون بإدارة الغموض بدلا من إجلائه. وفـــــي ظــــل هـــــذا الـــغـــمـــوض، وشــــــح المـــعـــلـــومـــات المـــوثـــوقـــة المـنـسـوبـة إلـــى مــصــادر مـعـنـيـة، وحــاجــة الـجـمـهـور المــتــزايــدة إلـــى مـعـرفـة المـــواقـــف والآراء الـرسـمـيـة، نــشــأت طـبـقـة واسـعـة مــن المـتـحـدثين غـيـر الــرســمــيين؛ سأسمّّيهم هـنـا «الـــعـــرّّافين»؛ وهؤلاء ستجدهم في عدد كبير من الدول العربية، التي تشهد تطورات ساخنة ومتسارعة. المــتــحــدثــون غـيـر الـــرســـمـــيين، أو «الـــعـــرّّافـــون»، يـــــزدادون باط ّّراد في السياسة العربية، ويجبرون فجوة المعلومات التي تتسع؛ بعضهم من المسؤولين المتقاعدين، أو القادة السابقين، أو الــصــحــافــيين والـــكُُـــتّّـــاب والإعلامـــــــيين «المـــقـــربين مـــن دوائـــر السلطة»، ولذلك أسباب معلومة، وله أيـضا تداعيات سلبية وخطيرة. لتلك الظاهرة بعدها التاريخي بكل تأكيد؛ فنحن نذكر هذا الصحافي اللامع والكاتب المُُتميز، الذي كان مقاله بمنزلة «بيان رسمي»، أو قراءة دقيقة في عقل صانع القرار الأول في بلاده. ولتلك الظاهرة أيــضا أمثلة فـي دول أخـــرى؛ فـي الـصين مــثلاًً، ستجد رئيس تحرير صحيفة يُُنظر إليه كناطق غير رسمي باسم سلطة الحزب الحاكم. وفي روسيا، هناك قادة عسكريون سابقون سيََعد الجمهور ما يقولونه إنما يعكس وجهة نظر الكرملين عن تـطـورات الحرب مع أوكـرانـيـا. وفي إسرائيل، ثمة موقع إخباري، سينظر إليه المحللون بوصفه تعبيرا عن مواقف المؤسسة العسكرية، والأمر نفسه يمتد إلى الولايات المتحدة، حيث تظهر منصة رقمية وكأنها تعلن ما لا تريد الرئاسة أن تعلنه منسوبا إليها. تلك أمثلة من أمم أخرى، وهي ملحوظة بكل تأكيد، لكنها قليلة ومحدودة الأثر والمهمة، بحيث لا يمكن وصفها بأنها «سوق موازية للمعلومات السياسية»، أما في العالم العربي، فـــالأمـــر يــأخــذ مــنــحــى مــخــتــلــفاً؛ فــجــهــاز الاتـــصـــال الـسـيـاسـي غالبا ما يكتفي بإصدار بيانات مُُعلبة ومحفوظة، بعبارات تتم استعارتها عـــادة مـن الإفــــادات الرسمية السابقة، وكـأن السياسة صارت بركة راكدة، لا تتحرك فيها المياه، ولا يتغير فيها اتجاه التيار. سيجد جهاز الاتصال السياسي في بعض الدول العربية الكثير من الذرائع التي تقوده إلى استخدام طبقة «العرّّافين» بـــإســـراف؛ فـهـم - مــن وجــهــة نــظــره - يـــســـدّّون قــــدرا مــن الــفــراغ المعلوماتي، ويقدمون إجابات عن أسئلة يفور بها الشارع، ويمكّّنونه من ممارسة «الإنـكـار الإيجابي» في حـال الحاجة لذلك، ويمنحونه فرصة إطلاق «بالونات الاختبار»، من دون تكلفة أو خوف من المساءلة. «العرّّافون» أيضا لديهم ذرائعهم. فهم يقومون بدور في تفسير الأحداث، وإزالة الغموض، وتلبية حاجة الجمهور إلى المعرفة، ويعالجون آثار التحفظ الرسمي، ويراكمون الثقة في أدوارهـــم، ويستفيدون من قربهم من ص ُُناع الـقـرار، لـ«خدمة السياسة الوطنية»، أو إيصال الرسائل إلى الأطراف المعنية، من دون أعباء على السلطة الرسمية. والـــجـــمـــهـــور بــــــدوره لــيــس لـــديـــه الــكــثــيــر مـــن الـــخـــيـــارات، فـالـوقـائـع م ُُــتـسـارعـة وم ُُــعـقـدة، والــيــقين غـائـب، والــقــدرة على اتخاذ القرارات الفردية والجماعية محدودة، والأسئلة كثيرة، وجهاز الاتصال الحكومي لا يلبي بالقدر الكافي، فليس هناك مفر من اللجوء إلى ما يقوله «العرّّافون». والإعلام، بشقيه «التقليدي» و«الجديد»، معذور طبعا في استثماره لظاهرة «العرّّافين». ولم لا؟ لا توجد معلومات كــافــيــة، وردود المـــصـــادر الــرســمــيــة شـحـيـحـة، والــتــفــســيــرات المُُشبعة نــادرة، بينما الجمهور لا يتوقف عن السؤال. وهنا ستعمد الاستوديوهات التحليلية في التليفزيون الإخباري إلى استضافة «العرّّافين»، وإفساح المجال لما يصدر عنهم، ثم اعتماده كمرجعيات في فهم الأحداث والمواقف. الصحف أيضا ستفعل ذلك، ومعها المنصات الإلكترونية، ومواقع «التواصل الاجتماعي»، وتلك الأخيرة ستستثمر دينامياتها الفائقة في تعميم الرسائل، وتأجيج التفاعل معها، قبل أن يضيف إليها المستخدمون تأطيرا وسـيـاقـات، ومنتجات مرئية، ولقطات أرشيفية، وبعض الأوهـام من صنع الذكاء الاصطناعي، بما يُُضاعف أثرها، ويُُكرس أهميتها، لترقى إلى مراتب الحقائق. وسـتـتـجـمـع تــلــك الـــتـــفـــاعلات كــلــهــا لـتـخـلـق مــشــهــدا من التحفظ الرسمي في مقابل اليقين غير الرسمي؛ وهـو الأمر الــــــذي ســيُُــضــعــف الــقــيــمــة المـــؤســـســـيـــة لــلــخــطــاب الــســيــاســي، وسيكشف التحول الجوهري في طبيعة السلطة الإعلامية. الجميع في هذا التحول التاريخي في السلطة الإعلامية لديهم ذرائعهم إذن، لكن مع ذلك فإن المخاطر ستظل كبيرة؛ إذ ستتآكل المساءلة الضرورية للمسؤول، وسيتفاقم ضعف جهاز الاتصال الحكومي، وستقع أزمات الفهم الخاطئ، وما يترتب عليه من مواقف غير مدروسة أحياناً. وأخيرا وليس آخراً، فإن بعض «العر ّّافين» سيتحولون إلى فاعلين سياسيين مـسـتـقـلين، وقـــــادة اعـــتـــبـــاريين، ونــحــن لــن نــعــرف لاحــــقا كيف سنتعامل معهم... عرّّافون أم مسؤولون بلا مناصب؟ #ترند مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام» أجـــرت شـركـة «ميتا» تـعـديلا على شـروط الاســــتــــخــــدام قــــد يـمـنـحـهـا صلاحــــيــــات واســـعـــة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه، واللافت أن الشركة العملاقة أمهلت الناشرين حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الـــحـــالـــي لــــيــــقــــرّّروا بين قـــبـــول الـــشـــروط الجديدة أو الخروج من منص ّّات الشركة. 19 الـشـروط التي أعلنت عنها «ميتا» في أكتوبر الحالي تتيح للشركة «استخدام أدوات آلـــيـــة كـــالـــزواحـــف والــــروبــــوتــــات لـــلـــوصـــول إلــى المــحــتــوى ونــســخــه وتـحـلـيـلـه واســتــرجــاعــه من الصفحات المرتبطة بمنتجاتها وخدماتها أو التي تُُشارك عبر منصاتها». كذلك تسمح هذه الشروط باستخدام هذا المــحــتــوى فـــي تــطــويــر مـنـتـجـاتـهـا وتحسينها والـبـحـث فيها وتـدريـبـهـا، لـكـن الـشـركـة حذفت لاحقا كلمة «تدريب» من الصياغة. فـــي هـــذه الأثـــنـــاء، نـقـلـت صـحـيـفـة «بـريـس غـــازيـــت» عـــن مـــات تــوبــيــك، المــحــامــي الأمـيـركـي المـــتـــخـــصـــص فـــــي قــــضــــايــــا الإعلام، قـــــولـــــه إن الـــصـــيـــاغـــة المــــعــــد ّّلــــة مــــا زالـــــــت تــتــيــح لـــ«مـــيـــتـــا» استخدام المحتوى المجم ّّع لـ«تطوير» أي «منتج تجاري»، معتبرا أن كلمة «تطوير» واسعة بما يكفي لتشمل التدريب. من جهة ثانية، نصحت الحركة الناشرين بـ«حذف حساباتهم التجارية قبل نهاية الشهر الـحـالـي، وتـعـديـل شـــروط مـواقـعـهـم، لحظر أي جـمـع آلـــي لـلـمـحـتـوى والـــنـــص عـلـى أنـــه مقابل رســــــوم». ويــــرى مــراقــبــون أن الــنــاشــريــن الـذيـن يستخدمون خدمتي «فيسبوك» أو «إنستغرام» - الــتــابــعــتين لـلـشـركـة - قـــد يـمـنـحـون الــشــركــة، عــمــلــياً، حـــقـــوقا متعلقة بــالــذكــاء الاصـطـنـاعـي ّّــاتـهـا وفـــقا عـلـى مـحـتـوى مـنـشـور خــــارج مـنـص للشروط الجديدة، أو سيضطرون إلى المغادرة، وهـو الأمــر الــذي قـد يضعهم أمــام أكبر خسارة فـــي الـــقـــاعـــدة الــجــمــاهــيــريــة الـــتـــي تـــكـــو ّّنـــت لهم عـبـر ســنــوات. ووفـــق إفــــادات صـحـافـيـة، وصـف الرئيس التنفيذي لرابطة الإعلام الإخباري في بريطانيا، ثيو بامبر، الخطوة بأنها «استيلاء فاضح» على المحتوى، ودعـا الــوزراء والجهات التنظيمية إلـى التصدّّي لـ«ميتا» ومنعها من ترسيخ سابقة. أمــــــا جـــيـــمـــس روزويـــــــــــل، مــــديــــر مــجــمــوعــة «حــــركــــة مــــن أجـــــل ويـــــب مـــفـــتـــوح» الــبــريــطــانــيــة فحذّّر أخيرا من أن الضرر سيكون «فـــوريا ولا رجـعـة فـيـه» بـمـجـرّّد أن يُُمتص المـحـتـوى داخـل نـمـاذج الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، وكـشـف عـن إعــداد طعن قانوني عبر المفوضية الأوروبـيـة وهيئة المنافسة والأسواق البريطانية. عربياً، في لقاء مع «الشرق الأوسـط»، قال فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحول الــرقــمــي والـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي الــتــولــيــدي، إنـه ليس لــدى الناشرين رفـاهـيـة مــغــادرة منصات «ميتا». وأردف أن «هـذه المنصات أصبحت من أهـم قـنـوات الـوصـول إلـى الجمهور، وبالتالي، فالانسحاب منها قـد يعني خـسـارة جـزء كبير من الانتشار والإيرادات الإعلانية وفرص جذب المشتركين». وتابع عمروش أن «حجم الخسارة يختلف من مؤسسة إلـى أخـرى بحسب اعتمادها على المـنـصـتين (فـيـسـبـوك) و(إنــســتــغــرام)، والمـفـارقـة أن الناشرين أصبحوا يعتمدون على منص ّّات تــتــحــكّّــم فـــي وصـــولـــهـــم إلــــى الـــجـــمـــهـــور، بينما تتراجع الزيارات التي تحولها تلك المنصات إلى مواقعهم». ونصح من ثم «بتجنب الانسحاب، ولـــكـــن مــــع تــقــلــيــص الاعــــتــــمــــاد تــــدريــــجــــيا عـلـى (مــيــتــا)، والاسـتـثـمـار فــي المـــواقـــع والتطبيقات والــنــشــرات الـبـريـديـة لـبـنـاء علاقـــة مـبـاشـرة مع الــجــمــهــور». ولـلـعـلـم، كــانــت «مــيــتــا» قــد حذفت مـنـتـصـف الــشــهــر الـــحـــالـــي الإشـــــــارة الـصـريـحـة إلــى «الــتــدريــب» مـن شـروطـهـا الـجـديـدة، لكنها أبــقــت عـلـى صلاحـــيـــات لـجـمـع مـحـتـوى المــواقــع المرتبطة بالحسابات التجارية لأغراض تطوير منتجاتها. ولذا لا تزال هناك تساؤلات قانونية مشروعة حول حدود هذه الصلاحيات. وتعليقا على هــذه النقطة، قــال عـمـروش: «صـــحـــيـــح أن ثـــمـــة تــــــســــــاؤلات عـــــديـــــدة تـــطـــرح نفسها بعد الشروط التي تفرضها (ميتا) على الناشرين، غير أن هناك حلولا غير الانسحاب قـــــد تــــكــــون أكــــثــــر جـــــــــــدوى». ثـــــم قـــــــدم مـــقـــتـــرحا للمؤسسات الإعلامـيـة، هو أنـه «على المستوى التقني يـجـب ضـبـط مـلـف (روبـــوتـــس. تكست) لمنع برامج الزحف غير المرغوبة، مع استخدام أنظمة حماية الخوادم مثل (كلاود فلير) لمراقبة الزحف وتقييده من دون تعطيل ظهور الأخبار ومعاينة روابطها على المنصات». القاهرة: إيمان مبروك بعد أحداث يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» توج ّّهات آيديولوجية تغط ّّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا ََــم فـي الـشـارع من حـالـة مـن الغليان الــذي يُُــتـرج خلال المــظــاهــرات والمــســيــرات، ولـكـن أيـــضا عبر الــصــدامــات مــع الــقــوى الأمـنـيـة الــتــي تـواكـبـهـا، بشكل منهجي، حـرائـق الـسـيـارات واسـتـهـداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة. يـــــتـــــرافـــــق ذلــــــــك كــــلــــه بــــــحــــــفلات الــــتــــراشــــق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومــرئــيــة، لـيـسـت ســـوى صــــورة لـحـالـة المجتمع وتـــجـــاذبـــاتـــه، فــــإن مـــا تـنـتـجـه يـعـكـس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثـانـيـة، مـصـالـح وطــمــوحــات الــقــوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية. ولــــعــــل أبــــــــرز مــــثــــال عــــلــــى ذلـــــــك الــتــغــطــيــة الصحافية للأحـــداث الـتـي عاشتها فرنسا في الأسـبـوعين الأخـيـريـن: الأولـــى، مـع حــراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والـــثـــانـــيـــة، مــــع مــــا صـــــدر عــنــهــا بـــعـــد «الــســبــت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تمي ََّزا بعنف اســـتـــثـــنـــائـــي إن عـــلـــى صــعــيــد الــــصــــدامــــات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والـسـرقـة والـنـهـب والاعـــتـــداءات. وهـذه ضربت المـدن الفرنسية الـثلاث الكبرى، باريس ولــيــون ومـرسـيـلـيـا، ومــــدنا كـثـيـرة غـيـرهـا مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل. مواقف الصحافة اليومية لنأخذ كنقطة الانـــطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صـدر عنها يـوم الاثـنين الــــذي أعــقــب يــومــي «الـسـبـت الأســـــود» و«الأحــــد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لــــوفــــيــــغــــارو»، و«لـــوبـــيـــنـــيـــون»، إضــــافــــة إلـــى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» الـتـي تـصـدر مــرة واحـــدة فـي الأســبــوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها. عم ّّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تـصـد ََّرت صفحتها الأولــى صـورة حريق مبنى بـلـديـة مـديـنـة لـيـمـوج، بـوسـط فـرنـسـا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب». وفــــي الــصــفــحــة نـفـسـهـا افــتــتــاحــيــة بـالـغـة الشدة، تشك ِِّل مضبََطة اتهامات للدولة واليسار وجــــان لــــوك مــيــلــونــشــون، زعــيــم حــــزب «فـرنـسـا الأبيّّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية. ومـــمـــا جــــاء فــيــهــا: «الــــدولــــة م ُُـــهـــانـــة داخـــل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والــفــرنــســيــون مـــذعـــورون ومـــســـتـــاؤون مـــن هـذا الغضب العارم الذي يشو ّّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعان لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع». وتــضــيــف: «الــتــجــار يــائــســون بـعـد أعـمـال الـــنـــهـــب. والـــصـــحـــافـــيـــون يـــتـــعـــر ََّضـــون لـلـتـهـديـد ) وقناة (سي 1 والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا نــيــوز) وصحيفة (لـــو جــورنــال دو ديـمـانـش) - وكـلـهـا تـتـبـع لــرجــل الأعـــمـــال فـانـسـان بـولـوريـه المـــتـــمـــتـــرس قـــــرب الــــيــــمين المـــتـــطـــرف - تــتــعــر ََّض لهجوم مباشر». وتكمل: «فــي ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعـمـى وانـعـدام البصيرة. واحتقار كـل سلطة تمنح الفرد شعورا بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّّي النزعات الثورية. وعـدالـة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحط ّّم وتحرق وتقتل من دون أن تُُحاس ََب، وهـجـرة خـارجـة عـن السيطرة، يقف جـزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، مـن ميلونشون إلـى باغايوكو، تتعمّّد تأجيج الـــحـــمـــى الـــروبـــســـبـــيـــيـــريـــة» - فـــــي إشـــــــــارة إلـــى ماكسميليان روبسبيير، رجـل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية. اتهام يميني لميلونشون وفـــــي الـــصـــفـــحـــات الـــداخـــلـــيـــة مـــــــادة تـتـهـم ميلونشون بــ«الـغـمـوض» فـي إدانـــة الـعـنـف، لا ََّــن الـعـدد بــل تتهمه بـالمـسـؤولـيـة عــنــه. ويـتـضـم مـــطـــالـــبـــات بـــمـــزيـــد مــــن الــــت ََّــــشــــد ُُّد الـــبـــولـــيـــســـي، ومـــــقـــــتـــــرحـــــات الـــــــيـــــــمين، ومــــنــــهــــا حــــظــــر حــــزب مــــيــــلــــونــــشــــون، الـــــتـــــي أطــــلــــقــــهــــا رئـــــيـــــس حــــزب «الـــجـــمـــهـــوريـــون» الــيــمــيــنــي المـــعـــتـــدل ورئـــيـــس مـجـلـس الـشـيـوخ جــيــرار لارشـــيـــه، المـنـتـمـي إلـى الـــحـــزب نــفــســه، وكـــذلـــك مــقــتــرح غـــبـــريـــال أتــــال، رئـــيـــس الـــــــوزراء الــســابــق الـــــذي دعــــا إلــــى إنــــزال الجيش لحفظ الأمن. وفـــي الـسـيـاق الآيـديـولـوجـي عينه تـنـدرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولــــى بـعـنـوان: «الــفــوضــى: اليسار المــتــطــرف يــديــر المـشـهـد مـــن وراء الــكــوالــيــس... أعـــمـــال شــغــب ذات طـــابـــع تــــمــــرّّدي ويـــــوم أشـبـه ّّــصــت بـــنـــهـــايـــة الـــــعـــــالـــــم». وفــــــي الــــــداخــــــل، خــص الـصـحـيـفـة مــــــادة مـــطـــو ّّلـــة أصـحـبـتـهـا بــصــورة لميلونشون وقـادة من حزبه اليساري في أثناء مـشـاركـتـهـم فـــي مــظــاهــرة الأحــــد الماضـــــي، ومـن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوما «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً». ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله الـــقـــوى الأمــنــيــة «مــســؤولــيــة الـــفـــوضـــى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عـــام، يتهم قـــادة حــزب «فرنسا الأبـيّّــة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تـفـكّّــك الــحــركــة المـطـلـبـيـة، ورهــانــهــا أيــــضا على تــأثــيــر الــفــرصــة المـــدرســـيـــة الـــتـــي تـنـتـهـي بــدايــة الشهر المقبل على الـتلامـذة والـــطلاب، وأحيانا أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر. ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تـهـمـل المــطــالــب المـــرفـــوعـــة، وتـمـتـنـع عـــن تـقـديـم ِِّـــلـــة عــلــيــهــا ســيــاســة «حــــلــــول ســـيـــاســـيـــة» مـــفـــض الهراوة أو «الردود الأمنية». الرأي الآخر على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيََّر المـــقـــاربـــات، الأمــــر الــــذي يــبــدو بــــارزا فــي تغطية صــحــيــفــة «لـــيـــبـــراســـيـــون»، المُُـــصـــن ََّـــفـــة يـــســـاريـــة، للأحـــــــــداث. فـــفـــي عــــددهــــا الــــصــــادر بـــعـــد يـــوم ََـــي الــــــحــــــراك، تــــطــــرح الـــصـــحـــيـــفـــة تـــــســـــاؤلات حـــول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بــ«غـيـر المـنـاسـبـة»، وتــنــدِِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واســع» في حين تعبِِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية». وفــــــي مــــقــــال م ُُــــســــهــــب، تــــشــــرح الــصــحــيــفــة تعاطي الـقـوى الأمنية مـع الــحــراك، الــذي تعدّّه «لا يـتـوافـق» مــع الــوضــع، لا بــل يمكن اعـتـبـاره «خــطــيــراً»، وهـــذا فــي حين وصـــف سيباستيان روش، الــعــالــم الــســوســيــولــوجــي، مـــا قـــامـــت به الـشـرطـة بــ«تـعـامـل هــــواة». وأعــربــت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأســى» إزاء ردود الطبقة الـسـيـاسـيـة عـلـى الأحــــــداث، كـونـهـا «تــفــكّّــر أولا بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لـصـالـحـهـا»، وإزاء غــيــاب الـــطـــروحـــات الـجـديـة حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها. جدية «لو موند» ووقارها ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة الــيــســرى. واللافـــــت فــي تغطية هـــذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّّس مواد عدة لتشريح تعاطي الـسـلـطـات مــع الـحـركـة المطلبية، وتـتـسـاءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بـوجـه الــدولــة وسـلـطـاتـهـا بينما يــشــارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه يوم. 200 سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من ورغـم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشـتـبـاكـات وبالمشاغبين وبم ََن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهـداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عد ََّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة م ُُـــعـــدمـــة». مـــا سـبـق غـيـض مـــن فـيـض وصـــورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحـــداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفــــي بــرامــجــهــا الـــحـــواريـــة حــيــث الــلــغــة مـعـلّّــبـة والـحـجـج المـسـوقـة مـعـروفـة سـلـفا بحيث يكفي التعرّّف على هوية المتكلّّم لتوقّّع مـا سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه. )24 جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس باريس: ميشال أبو نجم ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky