* أنـــت مــن الـجـيـل الـــذي أسـهـم فــي تأسيس الرواية المغربية الحديثة؛ بعد أكثر من ستة عقود مـن التجربة الإبـداعـيـة، كيف تقرأ الـتـحـولات التي شهدتها الرواية المغربية؟ - فـي تـصـوري أن الـروايـة لا ينبغي أن تــهــدف إلـــى أن تــكــون عـلـى مــثــال روايــــة بلد آخـــر. مـن الناحية الـتـاريـخـيـة، مـن الـواضـح أن الــروايــة العربية ولـيـدة الــروايــة الغربية الحديثة، وقد ع ُُرفت في المشرق قبل المغرب، حيث يمكن الـحـديـث عـن خمسينات القرن الماضـي بوصفها مرحلة من البدايات. ففي فـــتـــرة الاســـتـــعـــمـــار وبــــدايــــة الاســــتــــقلال كــان عــدد الكتاب مــحــدوداً، وكـانـت نسبة الأمية مرتفعة. ومن الطبيعي أن يتأثر الروائيون بما يقرأونه، وأن يتأثر الكتاب المغاربة بالرواية المــشــرقــيــة، خـــصـــوصا المــكــتــوبــة بـالـعـربـيـة. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية المشرقية مــعــيــارا نـقـيـس بـــه الـــروايـــة المــغــربــيــة، أو أن ننظر إلى تاريخ الرواية باعتباره انتقالا من أعمال ناقصة إلى أعمال مكتملة. الرواية إما أن تكون رواية أو لا تكون. وحين نـتـحـدث عـنـهـا بـوصـفـهـا فــــناً، فإننا نتحدث عن عمل تتوفر فيه مقتضيات هذا الفن وشروطه. والأمر يشبه الفن التشكيلي، فإما أن نكون أمام لوحة فنية أو لا نكون. والـــــروايـــــة المـــغـــربـــيـــة، بــوصــفــهــا روايــــة قائمة بذاتها، لها صلات بالرواية المشرقية، لـــكـــن لـــهـــا يـــــضا علاقـــــــة بــــالــــروايــــة الــغــربــيــة والـــعـــالمـــيـــة، ســــــواء عـــبـــر الـــــقـــــراءة بـلـغـاتـهـا الأصلية أو من خلال الترجمة. لكن لا ينبغي أن نحاكمها بمقارنتها بهذه الـروايـات، أو أن نسأل إن كانت قد بلغت مستواها. فتلك روايــة وهـذه روايــة، وكلها تنتمي إلـى عالم الفن الروائي. * مــــاذا عـــن الـخـصـوصـيـة؟ هـــل اسـتـطـاعـت الرواية المغربية أن تؤسس هويتها وخصوصيتها بعيدا عن تأثير النماذج المشرقية والغربية؟ - بشأن الخصوصية، الرواية المغربية لـهـا مــظــهــران. الأول يـتـعـلـق بـالمـوضـوعـات الـــتـــي تــعــبــر عـــن الــبــيــئــة المــحــلــيــة مـــن حيث الموضوعات، والثاني يتعلق بالكيفية الفنية التي يعالج بها الـروائـي تلك الموضوعات. فـالـروايـة ليست مـجـرد مـوضـوع أو حكاية عـن مجتمع مــعين، وإنـمـا هـي الشكل الفني الــــــذي تـــتـــحـــول بــــه تـــلـــك الـــحـــكـــايـــة إلـــــى عـمـل روائي. ومـــــن هـــــذه الـــنـــاحـــيـــة، تــمــتــلــك الــــروايــــة المغربية خصوصيتها، سـواء في تعبيرها عـــن الـبـيـئـة المــغــربــيــة أو فـــي بــعــض مـظـاهـر الـــتـــجـــديـــد والـــتـــجـــريـــب. لــكــنــهــا تـــظـــل جــــزءا مـن الــروايــة العربية وهــي جــزء مـن الـروايـة العالمية، ولا ينبغي أن ننظر إليها من خلال معيار يجعل روايــة بلد ما نـمـوذجا للحكم على غيرها. الاستعمار والاستقلال.. والتجربة الروائية * عاصرت مرحلة الاستعمار والاسـتـقلال ومــا رافقهما مـن تـحـولات سياسية واجتماعية. كــيــف انــعــكــســت هــــذه الـــتـــجـــارب عــلــى مــشــروعــك الروائي؟ - الـسـؤال عـن كيفية انعكاس الأحــداث فــــي الـــعـــمـــل الـــــروائـــــي هـــــو، مــــن جـــهـــة، شـــأن المتلقي أو القارئ أو الناقد، ومن جهة أخرى يرتبط بالموضوعات التي يتناولها الكاتب. وأســـتـــطـــيـــع الـــــقـــــول إن تـــلـــك الأحـــــــداث انـعـكـسـت عــلــى بــعــض أعـــمـــالـــي. فــقــد عشت مرحلة مقاومة الاسـتـعـمـار، وعانيت منها شـخـصـيا وعـــائـــلـــياً، وكــــان بين زملائـــــي في الـــــدراســـــة مــــن اســـتـــشـــهـــدوا وهـــــم يـحـمـلـون السلاح في المقاومة. وقـــــد تــــأثــــرت بـــهـــذه المـــرحـــلـــة بـطـبـيـعـة الــحــال، خــصــوصا أن الأمـــر وصـــل إلـــى نفي الأســـرة الملكية. فلم يكن حـــدثا بـسـيـطاً، بل كان تحولا هز البلاد كلها. * هـل كـانـت الــروايــة المغربية شـاهـدة على تلك التحولات، أم أسهمت في صناعتها؟ - صانعة لها؟ لا. لا أعتقد أن الـروايـة تصنع التحولات الاجتماعية أو السياسية. قد يأتي من يقرأ الرواية ويؤولها، ويحاول تحويل ما تتضمنه إلى تطبيق عملي، لكن هذا شأنه وفهمه هو. أمـــا الـــروايـــة فـهـي فنية قـبـل كــل شــيء، ولا تهدف إلا إلى جماليتها. وحتى عندما تـــســـجـــل مـــــوقـــــفا اجــــتــــمــــاعــــيا أو وطـــــنـــــيا أو سياسياً، فـإن جوهرها يظل في جماليتها الفنية، لا أكثر. * في أعمالك من رواية «الطيبون» إلى «الريح الشتوية» و«درب السلطان» و«غرب المتوسط»، ظل المجتمع المغربي حاضرا بتحولاته وصراعاته في أعمالك. ما القضية التي ظلت تشغلك طــوال هذه المسيرة، ومـا الــذي تغيّّر فـي نظرتك فـي الإنسان والمجتمع؟ - يمكن اعتبار هذه الأعمال تعبيرا عن انـعـكـاسـات الــواقــع المجتمعي، وعــن الـواقـع الـفـنـي فـــي الـــروايـــة بـصـفـة خـــاصـــة. لـكـن ما أريد التأكيد عليه أن التحولات المجتمعية، بوصفها مـــادة ملهمة، قــد تثيرني أنـــا ولا تـثـيـر غـــيـــري، بـيـنـمـا تـسـتـوقـف كـــاتـــبا آخــر أحداث لا تستوقفني. فـالمـنـظـور الـــذي ينظر بــه الـــروائـــي إلـى الإنسان في لحظة معينة، أو إلى موقف أو مشهد، هو الذي يحدد فنية الرواية. أما نظرتي إلى الإنسان، فهو الإنسان فــي عظمته الـعـلـيـا، حين يـرتـقـي إلـــى أعلى درجــات الخير والنبل، وهـو أيــضا الإنسان في حضيضه، حين يكون خسيسا وتصدر عنه كل أنواع الخسائس. ومــــن الــقــمــة إلــــى الــحــضــيــض، يظل دائما إنساناً. والروائي يختار اللحظة، أو تــفــرض عـلـيـه الـلـحـظـة نـفـسـهـا، التي يقتنص فيها الإنسان عند مستوى من هذه المستويات. علم النفس والمخيلة الأدبية * أنــت روائـــي وأكـاديـمـي متخصص في عـلـم الــنــفــس. أيـهـمـا أقــــدر عـلـى فـهـم الإنــســان والـــكـــشـــف عـــن دوافــــعــــه وصـــراعـــاتـــه، المـعـرفـة الـعـلـمـيـة أم المــخــيــلــة الأدبــــيــــة؟ وإلـــــى أي مــدى استفدت مـن دراسـتـك لعلم النفس فـي كتابة الرواية؟ - عــلــم الـــنـــفـــس، كــغــيــره مـــن الـعـلـوم الإنسانية، يتيح فرصة لفهم الإنـسـان. لـــكـــن فــــي علاقــــتــــي بـــكـــتـــابـــة الــــــروايــــــة، لا يكفي علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الأدب العربي أو الأجنبي لتأهيل الإنسان لكتابة الرواية، إذا لم تكن لديه المؤهلات والاستعداد الشخصي. يمكن أن يكتب الرواية من لم يدرس علم النفس أو علم الاجتماع أكاديمياً. بل إن علم النفس نفسه موجود في الأدب. يـــكـــفـــي أن نــــتــــذكــــر كــــيــــف اســـتـــفـــاد فرويد من الأدب والأساطير اليونانية، وخصوصا أسطورة أوديب، في تطوير بعض مفاهيم التحليل النفسي. فالأدب كــــان مـــصـــدرا مـــن مـــصـــادر فــهــم الـنـفـس الإنسانية. وكذلك حين نقرأ القصائد في الأدب الجاهلي، نستطيع أن نحللها نفسياً، وأن نجد فيها معرفة بالنفس ودوافعها وانفعالاتها. هذا ما يمكن تسميته علم النفس الفطري أو الطبيعي أو العفوي، فـي مقابل علم النفس الأكـاديـمـي الـذي يــقــوم عـلـى المـنـهـج والــتــقــنين والـــدراســـة الميدانية. لــكــن دراســــــة عــلــم الــنــفــس لا تـؤهـل وحدها لكتابة الرواية، بدليل أن أطباء ومهندسين وشعراء كتبوا روايات. نعم، تفيد المعرفة النفسية الروائي فـي جانب مهم، وهــو فهم الشخصيات وتجنب بعض التناقضات في بنائها. فــــعــــنــــدمــــا يـــــصـــــف شــــخــــصــــيــــة تـــعـــانـــي الاكـــــتـــــئـــــاب، مــــــــــثلاًً، تــــســــاعــــده مــعــرفــتــه العلمية على ألا يقدم صفات تتعارض مع طبيعة هذه الحالة، بينما قد يقع في مثل هذا الخطأ من لا يعرف علم النفس الأكاديمي. لـــكـــن حـــتـــى هـــــذا الـــخـــطـــأ قــــد يــكــون مقبولا فنياً، لأن الروائي لا يكتب كتابا علمياً، وإنما يكتب عـملا أدبــياً. فالعلم بالنسبة إليه خلفية ثقافية ومعرفية، وليس مجموعة من القواعد الملزمة في بناء الشخصيات. وحـــــتـــــى إذا قــــــــال الأكــــــاديــــــمــــــي إن مواصفات شخصية روائية لا تتفق مع المعطيات العلمية، فإن الكاتب يظل حرا فـي ابتكار شخصياته وتشكيلها وفق مقتضيات العمل الفني. الحرية وتحولات المجتمع * ارتــبــط الأدب المـغـربـي فــي مــراحــل من تــاريــخــه بـأسـئـلـة الــحــريــة والــســلــطــة والــعــدالــة الاجــتــمــاعــيــة. هـــل أصـبـحـت الـــروايـــة المـغـربـيـة اليوم أكثر جرأة في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنـهـا بـاتـت أكـثـر انـشـغـالا بالتجريب الفني والهموم الفردية؟ - صـــحـــيـــح أن المــــشــــاغــــل الـــيـــومـــيـــة تغيرت، وأن التحولات الرقمية ووسائل الاتصال أصبحت تستحوذ على اهتمام الإنــــســــان، بــمــا فـــي ذلــــك الـــكـــاتـــب. وهـــذه الظواهر تفرض حضورها، وقد تصبح جاذبة وملهمة للكتابة الروائية. لـكـن ذلـــك لا يعني أن قـضـايـا الحرية والــكــرامــة وســائــر الـقـيـم الـتـي تـقـوم عليها الإنـــســـانـــيـــة قـــد غـــابـــت عـــن الــــروايــــة أو عن اهتمام الروائيين. هذه قضايا إنسانية لا تنمحي ولا تـــزول، ســـواء عالجها الكاتب بطريقة مـبـاشـرة أو غـيـر مـبـاشـرة. وإنـمـا تـــخـــتـــلـــف قــــــــــدرات الــــكــــتــــاب وإمـــكـــانـــاتـــهـــم وتقنياتهم في التعبير عنها. * هــــــــــــــــــــــــل الثقافة CULTURE 17 Issue 17498 - العدد Sunday - 2026/10/25 الأحد ٍٍيرى أن المثقف العربي لم يفقد دوره الثقافي لكن تأثيره السياسي تقلّّص الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير م ُُرض أصيلة (المغرب): ميرزا الخويلدي تكريم مبارك ربيع في أصيلة قد تتحول إلى حجة تلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة سلطة الذائقة مِِن أكثر العبارات شيوعا في الحديث عــــن الأدب والــــفــــن قـــولـــنـــا إن «الأذواق لا تـــــنـــــاقََـــــش». تــــبــــدو الــــعــــبــــارة فـــــي ظـــاهـــرهـــا تسامحا محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه فـي أن يحب مـا يشاء وأن ينفر مما يشاء، لـكـنـهـا قــد تـتـحـول إلـــى حـجـة تُُــلـغـي إمـكـان الحديث عن الجودة والـرداءة، وتُُسو ّّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر. لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هـذا العمل أو لم يعجبني. فـــــالإعـــــجـــــاب تــــجــــربــــة شـــخـــصـــيـــة لا يــمــكــن فرضها بالقوة، لكن حرية الـــذوق لا تعني أن جـمـيـع الأحـــكـــام مــتــســاويــة فـــي الـقـيـمـة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الـثـانـيـة فـتـصـدر حـكـما عـلـى الـعـمـل نفسه. وهـــنـــا يــصــبــح مــــن المــــشــــروع أن نـــســـأل عـن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار مـعـرفـة صـاحـبـه بـالـفـن الـــذي يـتـحـدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز. فالذائقة لا تولََد مكتملة. القارئ الذي لـم يـعـرف إلا نـــوعا واحـــدا مـن الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطا واحدا من الموسيقى سـتـكـون استجابته محكومة بـمـا اعــتــاده. وكــلــمــا اتــســعــت الــخــبــرة أصــبــحــت الـــفـــروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز. بــــــل إن كــــثــــيــــرا مــــمــــا نـــســـمـــيـــه «ذوقا شخصياً» قد يكون أثرا للتعو ّّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفــع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعـتـيـاد فـي صــورة ذائـقـة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار. ونـــحـــن نـــقـــر فــــي مــــجــــالات كـــثـــيـــرة بـــأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الـخـط كحكم الـخـطـاط، ولا حكم مََــن تــذوّّق ط ََبقا للمرة الأولى كحكم مََن خبََر مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلـــى الـفـن والـثـقـافـة، وكـــأن كــل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية. مِِـــن حــق المـــرء أن يفضل عـــملا بسيطا على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتابا كبيرا بعد صـفـحـات قـلـيـلـة. لـكـن الـتـفـضـيـل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه. ومـــــن هـــنـــا تـــبـــدو عــــبــــارة «الأذواق لا تناقََش» أكثر إشكالا مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكما نهائياً، فـمـا الــحــاجــة لـلـنـقـد؟ ومـــا جــــدوى التعليم الفني والأدبــــي؟ ولماذا نـقـرأ تـاريـخ الفنون أو نتعلم كيف تـطـورت الــروايــة والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الــذائــقــة قـابـلـة لـلـصـقـل والــتــطــويــر، وأن الإنــــســــان يــســتــطــيــع أن يـــرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل. وهـــــــــــــذا لا يـــعـــنـــي أن الــــــذائــــــقــــــة الــــجــــيــــدة ذائــــقــــة مـــــوحـــــدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المـقـصـود أن يمتلك الإنــســان أدوات أوســع للاخــتــيــار، وأن يـعـرف الــفــرق بين مــا يميل إليه شخصيا وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مـؤسـسـات وأصــــوات تمنح بعض الأعـمـال مـكـانـة أعــلــى مـــن غــيــرهــا، فـهـنـاك المـــدرســـة، والـــجـــامـــعـــة، والـصـحـيـفـة، والــنــاقــد، ودار النشر، والمــــجــــلــــة الـــثـــقـــافـــيـــة، ثــــم لاحـــــــقا الـــجـــوائـــز والـــقـــوائـــم والــبــرامــج الــتــلــفــزيــونــيــة. وهـــذه الـــــــــجـــــــــهـــــــــات لـــــــــــــــــــم تـــــــكـــــــن معصومة مــــــــــــــــــــــــــــــــــــن الخطأ، ولـم تكن دائــما عـادلـة، لكنها كانت تـــؤدي وظيفة الــفــرز، وتمنح الــقــارئ إطــارا أوسع من استجابته الفردية المباشرة. أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلا منها، أدوات جـــديـــدة أســـــرع وأكـــثـــر تـــأثـــيـــراً. فـــالـــســـوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانـتـشـار توحي بـأن ما يـراه الجميع جدير بـأن يُُــرى، ومـا يشتريه الـــجــمــيـــع جـــديـــر بـــــأن يُُــــشــــتــــرى. ثــــم جــــاءت المــنــصــات والـــخـــوارزمـــيـــات لـتـعـرض علينا غالبا ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُُضيق مـــجـــال الاكـــتـــشـــاف وهــــي تُُــوهــمــنــا بـاتـسـاع الاختيار. ومـــــــع شــــبــــكــــات الـــــتـــــواصـــــل أصـــبـــحـــت الأحــــكــــام الــثــقــافــيــة أكـــثـــر ارتـــــبـــــاطا بـــــردود الـــفـــعـــل الـــســـريـــعـــة؛ م ِِـــــن إعــــجــــاب ومـــشـــاركـــة وتقييم وعـــدد مـشـاهـدات. وهـــذه الأرقــــام لا تقيس القيمة بـقـدر مـا تقيس الــقــدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئا فــشــيــئا إلــــى وعــيــنــا بــوصــفــهــا قـــرائـــن على الــجــودة، حتى صــار العمل الأكـثـر حضورا يبدو تلقائيا كأنه الأفضل، رغم أن السبب قـــد يــعــود إلـــى علاقـــــات وصـــداقـــات ونـشـاط صاحب العمل. وهنا يكمن أحـد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير لــلــجــدل، أو لأنــــه وصــــل إلــــى الــجــمــهــور في الــلــحــظــة المـــنـــاســـبـــة، أو لأنـــــه مــــدعــــوم بــآلــة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه. كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمــؤســســة الـتـعـلـيـمـيـة، يــقــومــون بــدرجــات مــــتــــفــــاوتــــة بــــــــــدور الـــــوســـــيـــــط بين الـــعـــمـــل والــجــمــهــور. أمـــا الـــيـــوم فـقـد أصــبــح العمل قـادرا على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نــقــاش جــــاد حــــول قـيـمـتـه. وفــــي أحــيــان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأيا عاما يصعب مقاومته. لــــهــــذا لا تــــبــــدو الــــذائــــقــــة شـــــــأنا فـــــرديا خالصا كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا بــاســتــمــرار مــا ينبغي أن نــقــرأه ونـشـاهـده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جـــزءا مـن وعـيـنـا. ومــن هنا لـم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكو ََّن هـــذا الــحــب، ومََــــن أســهــم فــي تشكيله؟ فــإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها الـيـوم؟ أهــو الناقد والمـؤسـسـة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية * كاتب سعودي *خالد الغن ّّامي يُُــعـد الـروائـي والأكـاديـمـي المغربي مـبـارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي ـــــق فـــي أعــمــالــه الأدبـــيـــة الـتـحـولات ث � مـنـذ الاســــتــــقلال، وو الاجتماعية والـثـقـافـيـة، ومــا رافـقـهـا مـن صــراعــات بين الموروث والحداثة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وبعد مسيرة إبداعية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عـقـود، ظـل خلالـهـا مـنـشـغلا بأسئلة الإنــســان والمجتمع وتحولاتهما، يتمسك صاحب «الطيبون»، و«رفقة السلاح والقمر»، و«الريح الشتوية»، و«بدر زمانه»، و«برج السعود»، و«درب السلطان»، و«طـوق اليمام» بأولوية الفن، ويرفض وضــع الــروايــة المغربية فـي موقع التابع لـلـروايـة المشرقية أو الغربية، مـؤكـدا أنـهـا جــزء مـن الإبــــداع الــروائــي العربي والـعـالمـي، ولها خصوصيتها التي تستمدها مـن بيئتها وتجارب كتابها. وهنا نص الحوار معه لا الماضي ولا التراث وحدهما... المستقبل عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky