issue17498

ســــتــــظــــل فــــرنــــســــا بـــــلـــــدا جـــــــــــذابا فــــــي الـــفـــكـــر والــــســــيــــاســــة، وســـتـــبـــقـــى مـــــؤثـــــرة فــــي مـحـيـطـهـا الأوروبـي والعالم، كما ظل نموذجها السياسي متعايشا مع الاحتجاجات حتى أصبحت جزءا أصـــيلا مـن الثقافة السياسية للمجتمع، وبـات الإضراب سلاحا ي ُُرفع مبكرا في فرنسا، ومتأخرا في بريطانيا، ونادرا في ألمانيا. والحقيقة أن منسوب العنف الــذي شهدته بـــاريـــس والمـــــدن الـفـرنـسـيـة يـــوم الـسـبـت الماضـــي وصـــل إلـــى درجــــة غـيـر مـسـبـوقـة، بـعـد أن طالب طلاب المدارس الثانوية بتحسين أحوال المدارس الحكومية، وزيادة أعداد المدرسين، وهي مطالب دع ّّــمـهـا أغـلـب الـفـرنـسـيين، ومــع ذلــك بــدت درجـة الــعــنــف غــيــر مـــعـــتـــادة بـــهـــذا الــحــجــم المــــــروع في احتجاجات مطلبية وسياسية. والـــحـــقـــيـــقـــة أن هـــــذا الـــعـــنـــف الــــــذي تـابـعـتـه عـــن قـــرب أثـــنـــاء وجـــــودي فـــي بـــاريـــس، جـعـل من الصعب مقارنته بحوادث عنف سابقة شهدتها مظاهرات مطلبية وسياسية، فثقافة الاحتجاج المتعايش معها المجتمع الفرنسي بكل تنوعاته تختلف عـن العنف والـتـخـريـب، فكل المظاهرات الــتــي خــرجــت بـمـئـات الآلاف مـنـذ عـهـد الـرئـيـس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، واعترضت فـــي بـــدايـــة حـكـمـه عــلــى تــوحــيــد نـــظـــام الـتـعـلـيـم، وأدت إلـى تراجعه عنه، لـم تشهد حـــوادث عنف تذكر، كما أن الاحتجاجات التي حدثت في عهد الرئيسين شيراك وساركوزي حول إصلاح نظام التقاعد، واستمرت حتى عهد الرئيس الحالي ماكرون وشملت احتجاجات السترات الصفراء والاحــتــجــاج عـلـى قــانــون رفـــع ســن الـتـقـاعـد إلـى عــــاماً، الــــذي لــم يـتـراجـع عــنــه، رغـــم اسـتـمـرار 64 الاحــتــجــاجــات أســـبـــوعا بـعـد أســـبـــوع، وحـضـور العنف أحياناً، ولكنه لا يمكن مقارنته بما حدث مؤخرا ً. والحقيقة أن احتجاجات تلامـيـذ الثانوي كـــانـــت فـــي الأصـــــل فــئــويــة، صـحـيـح أنـــهـــا أخـــذت أبــــعــــادا ســـيـــاســـيـــة، وحـــــــاول أن يــســتــفــيــد مـنـهـا حـــزب أقـصـى الـيـسـار، إلا أن مقدماتها لا تقول إن نـهـايـتـهـا سـتـكـون بــهــذه الـــدرجـــة مـــن العنف والتخريب غير المسبوق فـي مظاهرات المطالب الاجتماعية والسياسية المـتـكـررة، إلا ربـمـا في ُُــم ّّــيـت ثــورة الـتـي س 1968 ثـــورة الــــطلاب فــي عـــام وليس احتجاجاً، وحملت فعليا بعض جوانبها. والحقيقة أن العنف في فرنسا ظل مصاحبا لـنـوع واحـــد مـن الاحـتـجـاجـات، يتعلق بـأحـداث الضواحي وبالعلاقة المعقدة بين الشرطة وأبناء المهاجرين في هذه المناطق، وأن حـوادث العنف سنوات 3 التي جرت فيها وأبرزها ما جرى منذ عقب قيام أحد رجال الشرطة بإطلاق النار على عاما ً) 17 صبي فرنسي من أصل جزائري (نائل بسبب عـدم التزامه بتعليمات الشرطة، ما أدى إلى مقتله، وأعقب هذه الواقعة مظاهرات عنف آلاف سيارة 5 وتخريب غير مسبوقة، وتم حرق عامة وخـاصـة وحــاويــات قمامة، ومــا يقرب من ألـف اعـتـداء على مـبـان مختلفة وأقـسـام شرطة، آلاف 4 وأصيب المئات، وألقي القبض على نحو شخص. هـــذا الـعـنـف المــرعــب يـتـكـرر بــصــورة مخففة مــع كــل حــادثــة تـحـدث فــي الــضــواحــي، إذ يدخل فيها الأصــل العرقي وارتــفــاع مـعـدلات الجريمة وتـــصـــاعـــد الـــعـــنـــف والـــتـــحـــريـــض المــــتــــبــــادل بين الفرنسيين من أصـول مهاجرة، وأنـصـار أقصى اليمين، فالفئة الأولى تقول إن المؤسسة الحاكمة دفعتهم إلى العيش في ضواح يعانون فيها من الـتـهـمـيـش والـتـمـيـيـز، حـتـى لــو كــانــوا يحملون الجنسية الفرنسية، في حين تقول الشرطة إنها تتعامل مع واقع يشير إلى أن كثيرا من حوادث العنف والجرائم المنظمة تقع في هذه الضواحي، وبـــالـــتـــالـــي تـــتـــعـــامـــل مــــع شـــبـــابـــهـــا بــاعــتــبــارهــم «متهمين محتملين». ومـــن هـنـا بـــدا صــعــبا تفسير مــا جـــرى يـوم أكـــتـــوبـــر (تـــشـــريـــن الأول) الماضــــــي فـــي المـــدن 17 الفرنسية من أحــداث عنف؛ لأنـه غير متسق مع طبيعة الاحتجاجات المطلبية والسياسية التي تشهدها الـــبلاد، وبــات شبه «عنف الضواحي» وليس «عنف المطالب الاجتماعية والسياسية». فقد تـم حــرق عـشـرات المباني الحكومية ومنها مقر البلدية الأثــري في مدينة ليموج وتخريب مـقـر بـلـديـة مـارسـيـلـيـا، بـجـانـب عــشــرات المباني والمحلات والسيارات في باريس وبوردو وليون 1200 ولـــيـــل وغــــيــــرهــــا، وتـــــم تـــوقـــيـــف أكـــثـــر مــــن شخص. وتـــصـــاعـــد هــــذا الــعــنــف بـــهـــذه الــطــريــقــة في مـظـاهـرات بـالأصـل مطلبية، يفتح بـــابا لنقاش أعمق حـول الأسباب التي أدت إلـى اقترابها من عنف احتجاجات الضواحي؟ والحقيقة أن سوء الأداء الـحـكـومـي وعــــدم تـقـديـم أي حــلــول تـذكـر للمشكلات الاجتماعية المتفاقمة، وأيضا العجز عـــن حـــل مـشـكـلـة دمـــج المــهــاجــريــن فـــي المـجـتـمـع، بــالإضــافــة إلـــى وجــــود كـتـلـة كـبـيـرة مــن الـشـبـاب الـفـرنـسـي مــتــأثــرة بــالأفــكــار المــدنــيــة والـيـسـاريـة اعتادت مهاجمة أداء الشرطة والدفاع عن أبناء المـــهـــاجـــريـــن، حــتــى لـــو أخــــطــــأوا، وشـــتـــم الــيــمين المتطرف في أي احتجاجات سواء أكانت الأخيرة أم غيرها، كل ذلك فاقم مشكلة العنف. مـــا جــــرى ويـــجـــري فـــي فــرنــســا أمــــر خـطـيـر؛ لأن تــــحــــول مــــطــــالــــب مــــشــــروعــــة إلـــــــى مـــواجـــهـــة وأعـــمـــال تــخــريــب، يـــدل عـلـى أن جــانــبا يـعـتـد به مـن الفرنسيين، خـصـوصا الشباب، بـات لا يثق أو يــرفــض مـؤسـسـات الـــدولـــة ومـنـظـومـة الحكم بصورة أعمق مما يبدو على السطح. Issue 17498 - العدد Sunday - 2026/10/25 الأحد لماذا يـمـيـل عــــدد مــتــزايــد مـــن أثــريــاء ع ـــــــــملات المــــشــــف ََّــــرة � الــــتــــكــــنــــولــــوجــــيــــا والـــــــــ والــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي إلــــى دعـــــم أحــــزاب الــيــمين الـشـعـبـوي، بـعـد أن كـانـت «وادي الـــســـيـــلـــيـــكـــون» تُُـــحـــســـب تــــاريــــخــــيا عـلـى الليبراليين والديمقراطيين؟ أهي مصلحة اقـــتــصــاديــة مـــبـــاشـــرة تـتـمـثـل فـــي تنظيم أقـل وضـرائـب أقــل؟ أم إيمان آيديولوجي بــ«الــتــســريــع الــتــكــنــولــوجــي» دون قـيـود تـشـريـعـيـة وأخلاقـــيـــة؟ أم رهــــان سياسي على الطرف الأقوى؟ فــــي الأســـابـــيـــع الماضـــــيـــــة، بـــــدت هـــذه الـــــعلاقـــــة فــــي أكـــثـــر تــجــلــيــاتــهــا وضـــــوحا بــبــريــطــانــيــا، وأدََّت إلــــى هـــبـــوب عـاصـفـة سـيـاسـيـة إثــــر تـــبـــرع مـــالـــي بـلـغـت قيمته مــــلــــيــــون جـــنـــيـــه إســـتـــرلـــيـــنـــي لـــحـــزب 72 الإصلاح الــبــريــطــانــي الــشــعــبــوي، قــدّّمــه ثـــــريـــــان يـــــعـــــم نلا فـــــي أســـــــــواق الـــــع ُُـــــملات المشفّّرة. ويعد الأكبر في تاريخ السياسة البريطانية؛ إذ لم يتجاوز الرقم القياسي ملايين جنيه، كان من نصيب 10 السابق حـزب المحافظين. المتبرعان البريطانيان الـــلـــذان دخلا الـــتـــاريـــخ، كـــوّّنـــا ثـروتـيـهـمـا خـــارج بـريـطـانـيـا، ثــم عـــادا للإقــامــة فيها مــؤخــراً، الأمـــر الـــذي أثـــار تــســاؤلات حـول قواعد التمويل السياسي وعلو الأصوات بــــضــــرورة الإســــــــراع بــتــمــريــر تــشــريــعــات جــــــديــــــدة، لــــضــــمــــان وجــــــــود مــــســــافــــة بين الأحــــــــزاب الـــســـيـــاســـيــة ورؤســــــــاء الأمــــــوال تـضـمـن عـــدم تــدخــل الأخــيــريــن فــي مسار العملية السياسية الديمقراطية. المـــبـــلـــغ المالــــــــي المـــــذكـــــور أعلاه، عـلـى ضـــخـــامـــتـــه بــــالمــــقــــايــــيــــس الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، يـــتـــضـــاءل أمــــــام المــــلــــيــــارات الـــتـــي تـتـدفـق سنويا إلى الحزبين الكبيرين في أميركا. وظهرت مؤخرا تقارير إعلامية بريطانية تتحد ََّث عـن مجموعة رجـــال أعـمـال كبار ينتمي أغلبُُهم إلـى قطاع شركات الذكاء الاصطناعي، تبرعوا بمبالغ مالية كبيرة للحزب الحاكم، بينما لـم يتبرع للحزب المعارض سوى ثري واحد. حين نـــــــعـــــــود إلـــــــــــى الـــــعـــــشـــــريـــــنـــــات والـــثلاثـــيـــنـــات مــــن الــــقــــرن الماضــــــــي، نـجـد صـــــــورة قــــد تـــبـــدو مـــألـــوفـــة: تـــحـــالـــف بين حركات فاشية ونازية وأصحاب رؤوس أمــــوال صـنـاعـيـة، ومـنـهـم مـالـكـو مصانع الـــــــــسلاح. ونــــعــــرف مــــا انـــتـــهـــى إلـــيـــه ذلـــك الـتـحـالـف مــن دمــــار. لــكــن؛ هــل نـحـن أمــام تـــكـــرار لـلـمـشـهـد نــفــســه؟ أم أمـــــام ظــاهــرة مـخـتـلـفـة الـــدوافـــع والــســيــاق تـسـتـحـق أن تُُفهم بشروطها الخاصة؟ دوافــــــع الـــصـــنـــاعـــيين فـــي ذلــــك الــزمــن كـــانـــت واضــــحــــة: اتـــقـــاء خــطــر الـشـيـوعـيـة والنقابات العمالية؛ فمم َّّن يخشى أباطرة التكنولوجيا الـــيـــوم؟ ربـمـا مــن تـــدخلات الــحــكــومــات، أو مـــن قــيــود تـبـطـئ ســبــاقا يرون أن ََّه يحدد مصير شركاتهم. في هذا السياق يمكن قراءة موقف الرئيس ترمب، الـــــذي رفـــــض الــــدعــــوات إلــــى كــبــح تـطـويـر الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي، خلافا لـتـحـذيـرات عدد من العاملين في المجال نفسه. ويبرر الـــرئـــيـــس مــوقــفــه بــالمــنــافــســة مـــع الــــصين، معتبرا أن أي تدخل في القطاع سيكلف أمـيـركـا الــســبــاق. وهـــي حـجـة يتقاسمها معه كثيرون، لكن يبقى السؤال: هل هي مصلحة وطنية فـــعلاًً؟ أم غـطـاء لمصالح الممولين؟ أم الاثنان معاً؟ للمال دور مـهـم فـي السياسة ودعـم الأحـزاب، وهو دور قديم قائم على تبادل المصالح بين الـطـرفين. غير أن الافتراض بـــأن المال يشتري الـفـوز تنقضه شـواهـد انـــتـــخـــابـــيـــة كــــثــــيــــرة؛ فـــفـــي الانـــتـــخـــابـــات ، جمعت 2016 الـرئـاسـيـة الأمـيـركـيـة عـــام حملة هـيلاري كلينتون، وفق إحصاءات رســـمـــيـــة، مـــــالا يـــفـــوق بـكـثـيـر مـــا جمعته حملة دونالد ترمب، ومع ذلك فاز الأخير بالرئاسة. ولم تكن تلك حالة معزولة، فقد تكرّّر الأمـر ببريطانيا في انتخابات عام .2024 المال الــذي عجز عـن شــراء الـفـوز عام فــي أمــيــركــا، لــم يـكـن يملك وقـتـذاك 2016 مـا يملكه الـيـوم؛ ففي ذلــك الـعـام، لـم يكن أباطرة التقنية يقفون في معسكر ترمب كــمــا يــقــفــون الآن، ولــــم يــكــن كــثــيــر منهم يملك أدوات التأثير التي يملكونها اليوم. الـتـحـالـف الـجـديـد بين الــيــمين الشعبوي وهـــــــؤلاء الأبـــــاطـــــرة الـــتـــكـــنـــولـــوجـــيين، فـي رأيــي، لا يراهن على شــراء الأصـــوات يوم الاقـتـراع؛ بل على تشكيل الـرأي العام في الأيام والسنوات التي تسبقه. خـــطـــر «المال الـــرقـــمـــي» لا يــكــمــن فـي ضــخــامــة الأرقـــــــام الـــتـــي تـــدخـــل حـسـابـات الأحــــــــزاب فـــحـــســـب؛ بــــل فــــي أن أصــحــابــه ّّــه أصــبــحــوا يـمـلـكـون الأدوات الــتــي تــوج الـــرأي الـعـام: المنصات والـخـوارزمـيـات... إيلون ماسك مثالاًً. رأس المال الصناعي فـي الثلاثينات كـــان يــمــو ّّل مــن يــدافــع عــن مـصـالـحـه، أم ََّــا رأس المال التقني اليوم فيمتلك الوسيلة والرسالة معاً. هذا هو الفرق النوعي بين الـحـالـتين، وهــو مـا يضع الديمقراطيات الغربية أمام تحد غير مسبوق. ويفضي بالضرورة إلى تغيير السؤال في العنوان أعلاه، «مــن يُُــصــوّّت أو مـن يُُـــمـــوّّل؟»، إلى صـيـاغـة أخــــرى هـــي: مـــن يـمـتـلـك الـفـضـاء الــــذي يـتـشـكـل فــيــه عــقــل الــنــاخــب قــبــل أن يدلي بصوته؟ المـسـألـة الثانية الـتـي يجب عـلـي إيضاحها، هــي عـــرض مــوقــف الـشـيـخ رشــيــد رضـــا الـسـاخـط والـغـاضـب على المـــدارس العلمانية. فـي البداية، قـــال تعليقا عـلـى كلام المـسـيـو أرنــولــد الـــذي نقله محمد نجيب حفار من جريدة «البشير» عن طريق جريدة «الخرج»: «ليس أن يقذف ذلك الملحد تلك الأباطيل جهراً، فتنشر في الجرائد ولكن العجيب أن تسمح الحكومة العثمانية بنشر الكفر الصريح فــي المــــدارس والــجــرائــد، وهـــي لا تـكـاد تسمح في الآستانة بانتقاد أحد من أصحاب السوء». ثم التفت إلـى كلام المسيو أرنولد ليرد عليه بــآيــة قــرآنــيــة، هـــي: «إِِن َّّـــم ََـــا يََـــفْْـــتََـــرِِي الْْــــك ََــــذ ِِب الََّـــذ ِِيـــن يُُــــؤْْمِِــــنُُــــونََ»، مـــقـــدما شــــرحا خــــاصا لـهـا يتصل ا ل َا بالواقع الإلـحـادي المعاصر، ليخلص إلـى نتيجة مفادها «أن تعليم الملحدين ضـار في الدنيا قبل الآخــرة؛ لأن سعادة الدنيا لا تتم إلا بالدين، وأن الذين جربوا هذا التعليم في أوروبا بدأوا يجنون منه الحنظل والزقوم بزيادة الجنايات والجرائم فيهم. وإننا ننقل لك ما نشر في جريدة (الأخبار) جمادى الآخرة مؤيدا 26 في العدد الذي صدر في لذلك، وهو...». المتن الأقــــــوى والمـــفـــيـــد فـــي رد الــشــيــخ رشـيـد رضا هو المادة الصحافية التي نقلها من جريدة «الأخـــــبـــــار» والــــتــــي يــمــكــن أن نـــضـــع لـــهـــا عـــنـــوانا هـــو «جـــنـــايـــة الــتــعــلــيــم الــعــلــمــانــي عــلــى المـجـتـمـع الفرنسي»، وكـان الشيخ رشيد رضا نقلها تحت عنوان «التعليم اللاديني». المادة الـــصـــحـــافـــيـــة المــــنــــشــــورة فـــــي جـــريـــدة «الأخــــبــــار» هـــي مـــــادة مــتــرجــمــة، كــمــا ســـنـــرى في تعليق الشيخ رشيد رضا الختامي. وما لم يحدده الشيخ رشيد أنها مترجمة مـن اللغة الفرنسية. وهــذا الأمــر سيتضح لنا من خلال الأسـمـاء التي استشهدت المادة الصحافية بـأقـوالـهـا فـي إدانــة العلمانية الفرنسية الراديكالية أو المفاصلة، ومن خلال كتابين - يمث نلا هـذا الاتـجـاه - استشهدت بقولين وردا فيهما ينضحان بالعداء والعدوانية في التجديف على الله - تنزه اسمه عن التجديف والإســــــــــــــاءة. هــــــــذان الــــكــــتــــابــــان هــــمــــا: «الـــتـــعـــلـــيـــم الجمهوري» و«الـقـوى الطبيعية». ومـن الاتساق المنهجي والموضوعي أن تكون المادة مترجمة عن الفرنسية لا عن الإنجليزية؛ فموضوعها فرنسي، وتـحـديـدا التعليم العلماني المنفصل عـن الدين انفصالا كاملا وتاما والذي أُُس ّّس في فرنسا، بعد ما يزيد على العقد بقليل بعد تأسيس الجمهورية الفرنسية الثالثة. الجمهورية الفرنسية الثالثة ، والتعليم 1870 ) سبتمبر (أيـلـول 4 تأسست في 28 الــعــلــمــانــي المـــوســـوم بـــاللاديـــنـــيـــة تـــأســـس فـــي .1882 ) مارس (آذار مـــــصـــــادر المادة الـــصـــحـــافـــيـــة مـــســـتـــمـــدة مـن اتـــجـــاهين مــتــصــارعين فـــي فــرنــســا، هــمــا: أنـصـار عـودة نفوذ الكنيسة الكاثوليكية وعــودة النظام المـــلـــكـــي. وأنــــصــــار الـــجـــمـــهـــوريـــة، والمـــقـــصـــود بها الجمهورية الثالثة والدعاة إلى التعليم العلماني من أي أثـر ديني حتى ولـو كـان شكلياً. والمسمى بـــقـــانـــون «جــــــول فـــيـــري الـــثـــانـــي» والـــــــذي يـقـضـي بالتعليم المجاني والإجباري الخالي من أي لمسة دينية. وجول فيري هذا منظ ّّر للاستعمار الفرنسي ولـلـعـنـصـريـة. وســـأقـــدم نـتـفـة مـــن المــعــلــومــات عن مصدر هذه المادة، وأعني بها جريدة «الأخبار»، لسببين: ُُـــــــح المـــعـــلـــومـــات عـــنـــهـــا فــــي الــكــتــب الأول، ش المختصة بتاريخ الصحافة في مصر، وفي الكتب التي تحدثت عن رواد الصحافة المصرية الذين هم أصلا من لبنان. والآخـــــــر، لإيـــضـــاح أن الـــهـــجـــوم عــلــى الـكـلـيـة العلمانية ببيروت هو في أصله هجوم مسيحي مـــشـــرقـــي بـــــــدأه الأب الـــيـــســـوعـــي لــــويــــس شـيـخـو والجريدة اليسوعية، جريدة «البشير» ثم تلقفه أولاًً، المــســلــم الــطــرابــلــســي مـحـمـد نـجـيـب حــفــار، وثــــانــــياً، الــشــيــخ المــســلــم رشــيــد رضــــا. ولإيــضــاح أنــه نـــزاع بين الكاثوليكية المحافظة والعلمانية المتجردة من الدين، بدأ من لبنان. وهو نزاع كان قائما على قدم وساق في الجمهورية الثالثة في فرنسا في عقودها الأولى. فــالــكــلــيــة الــعــلــمــانــيــة الــفــرنــســيــة فـــي بــيــروت التي أنشأتها «البعثة العلمانية» المعنية بنشر عـلـمـانـيـة الــجــمــهــوريــة الـفـرنـسـيـة الــثــالــثــة خـــارج ، لــــم تـــكـــن لـــهـــا غـــايـــة ديــنــيــة 1909 فـــرنـــســـا، عـــــام مسيحية تبشيرية، كـمـدارس الآبـــاء اليسوعيين الفرنسيين والمـــدارس البروتستانتية الأميركية. كما أنها فتحت أبـوابـهـا لقبول أعـــداد كبيرة من الطلبة المــســلـمين، شيعة وســنــة، لتلقي التعليم فيها، لكسب ثقة المـسـلـمين الـذيـن كـانـت المـــدارس الدينية فـي لبنان ذات التوجه الديني المسيحي أهملت عمدا تدريس أبنائهم. فاتني في أول حديث لي عن هـذه الكلية في مـقـال «المــــدارس العلمانية بين الشيخ والأب» أن أوضح بأن ََّها ليست كلية جامعية، بل هي مدرسة ثانوية، وهي المرحلة الدراسية التي تسمى اللغة الفرنسية «الليسيه». وهي موجودة إلى الآن في بيروت وقد تغير اسمها إلى الثانوية الفرنسية - الليسيه الفرنسي. نأتي الآن للتعريف بجريدة «الأخبار». أنـــشـــأ هـــــذه الــــجــــريــــدة الـــســـيـــاســـيـــة الــيــومــيــة الصحافي اللبناني يوسف الـخـازن فـي القاهرة . ومن المشهور أن آل الخازن مسيحيون 1896 عام موارنة. وعمل داود بركات مديرا لتحريرها. وضم الأخـــيـــر نـسـيـبـه إبــراهــيــم بـــركـــات لـلـعـمـل مـعـه في التحرير. والاثنان من عائلة مسيحية مارونية. وهــنــاك مــن كـتـب أنـهـمـا عـــاونـــاه فــي الإنـشـاء والــتــأســيــس. وهــنــاك مــن كـتـب - اســتــنــادا إلـــى ما هو مكتوب في ترويستها – أن منشئها ومالكها يوسف الخازن. لــجــرأة يــوســف الـــخـــازن فــي الـنـقـد السياسي كانت جريدته تتعرض للإيـقـاف. وقـد تكون مدة الإيقاف طويلة. اشتري أمين الرافعي منه هـذه الجريدة عام .1927 . وتوقفت مع وفاته عام 1920 ن مناسبة تبدأ المادة الصحافية بمقدمة تبيّن أو سبب كتابة هذه المادة. المقدمة تقول: «بشرنا مُُــكـاتـب مــن الإسـكــنــدريــة فــي (المــقــط ّّــم) بـــأن نخبة من الماســون ورجــال الجمعيات الأخــرى شارعون فـي إنـشـاء مـــدارس للتعليم المطلق مـن كـل سلطة ديـنـيـة يـعـلـمـون فـيـهـا الــتلامــيــذ عـلـى مــذهــب ابـن رشد. ورحب بهذا المشروع وأطراه وأمل فيه خيرا عــظــيــماً، وســــأل بــلــديــة الإســكــنــدريــة أن تـسـاعـده مـسـاعـدة فعلية مـــاديـــة، فـرأيـنـا والــحــالــة هـــذه أن نـقـول كلمة فــي التعليم المــشــار إلــيــه. نـذكـر فيها نتائجه في البلاد التي أقبلت ونبين حقيقته ع ِِبرة لقوم يعقلون». المُُـــكـــاتـــب بــلــغــة الـــصـــحـــافـــة فــــي مــطــلــع الـــقـــرن الماضــــــــــي هـــــو المــــــراســــــل الــــصــــحــــافــــي. والمـــــراســـــل الـــصـــحـــافـــي هـــنـــا مــــراســــل لـــجـــريـــدة «المـــقـــطـــم» مـن الإسكندرية. ويبدو أن أصحاب جريدة «المقطم»، يعقوب صـروف وفـارس نمر وشـاهين مكاريوس الذين هم من البروتستانت المتحررين مرحبون بتأسيس مدرسة دنيوية في الإسكندرية. مـــحـــرر هــــذه المادة الــصــحــافــيــة يــتــحــدث عن إنشاء مدرسة الليسيه الفرنسية في الإسكندرية . هذه 1909 أكتوبر (تشرين الأول) عام 11 بتاريخ المــدرســة أنشأتها «البعثة العلمانية» بـدعـم من هيئة حكومية فرنسية هي وزارة التعليم. وكانت «البعثة العلمانية» قد أنشأت في الشهر نفسه، مــدرســة دنـيـويـة في 1909 شـهـر أكـتـوبـر مــن عـــام بيروت، وهي الكلية العلمانية. فتحم ُُّس الماسونيين في مصر لإنشاء مدرسة دنيوية في الإسكندرية لا يجعلهم هم منشئيها. ومن المنطقي أن يتحم ََّس الماسونيون في كل مكان من العالم للتعليم الدنيوي بديلا للتعليم الديني؛ لأن ََّهم علمانيون ويتبن ّّون شعار الثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة. وبهذه المناسبة، أشير إلى أن من بدأ الكتابة العدائية للماسونية في العالم العربي مسيحيون شوام، وتحديدا لاهوتيون محافظون. ومن الرواد في هذا المجال جريدة «البشير» اليسوعية والأب اليسوعي لويس شيخو. أم ََّا الإسلاميون، فلقد بدأوا بالكتابة العدائية للماسونية في وقت متأخر من انتشار الجمعيات الماسونية في بعض البلاد العربية. من المؤكد أنََّكم قد لاحظتم أن الشيخ رشيد رضــــا ذكــــر الــشــهــر الـــهـــجـــري، وأهـــمـــل ذكــــر الــعــام الهجري لتاريخ نشر المادة الصحافية في جريدة «الأخــــبــــار». والـــتـــي اســتــعــان بـهـا لــلــرد عـلـى كلام المسيو أرنــولــد، الـــذي نقله لـه الطرابلسي محمد نجيب حفار في رسالة وج ََّهها له. ومـــن مـقـدمـة المادة الصحافية المـنـشـورة في جـريـدة «الأخــبــار» عرفنا الـعـام الــذي نشرت فيه. .1909 هذا العام هو عام فــي حين أن تــاريــخ نـشـر مـــادة الـشـيـخ رشيد يوليو 26 – رضا كان - كما ذكرت في مقال سابق . وللحديث بقية. 1911 ) (تموز جمعة بوكليب علي العميم عمرو الشوبكي OPINION الرأي 14 معارضة بعض المسيحيين للتعليم العلماني مََن يُُصوّّت أومََن يُُموّّل؟ فرنسا بين الاحتجاج والعنف

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky