كثر فـي الأسابيع الأخـيـرة الحديث فـي الصحافة ومـراكـز البحث عـن احـتـمـالات الـحـرب، مـن أوروبـــا إلى الشرق الأوسـط، وعن عالم يبدو أقل استقرارا مما كان عليه منذ عقود. وفي مقال أثار عندي أكثر من سؤال، شـــبّّـــه المــــــؤرخ الــعــســكــري كـــويـــنتن درمـــونـــد أنـــدرســـون، ، قبيل اندلاع 1939 التوتر الدولي الحالي بأجواء عام الحرب العالمية الثانية. ليس المـقـصـود، بالطبع، أن الـتـاريـخ يعيد نفسه بالحرف في شكل دائــرة. روسيا اليوم ليست الاتحاد الـــســـوفـــيـــاتـــي، والــــــــصين لـــيـــســـت يــــابــــان الـــثلاثـــيـــنـــات، والــــولايــــات المــتــحــدة لـيـسـت أمــيــركــا روزفــــلــــت. لــكــن ما يـسـتـحـق الــتــأمــل هـــو أن ســـلـــوك الـــقـــوى الــكــبــرى يـبـدو مألوفا بصورة مقلقة. درمــــــونــــــد أنـــــــدرســـــــون يـــــــرى أن الــــتــــقــــدم الــعــلــمــي والــتــكــنــولــوجــي ســبــق كــثــيــرا نــضــج الإنـــســـان الـنـفـسـي والـوجـدانـي. تغيرت الأسلحة، كما يقول، لكن الغرائز بــقــيــت كـــمـــا هـــــي: الــــخــــوف، والانــــتــــمــــاء إلـــــى الــجــمــاعــة، والبحث عن عدو، والرغبة في الحماية، والطموح إلى الأرض والنفوذ. وهنا تذكرت مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا: «الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بأن يكرروه». لكن ربـمـا تـكـون المشكلة أشــد مـن ذلـــك؛ فنحن قـد نقرأ الـتـاريـخ جـيـداً، ونـعـرف أخـطـاء مـن سبقونا، ثـم نقنع أنفسنا بأننا هــذه المـــرة سنستخدم الـقـواعـد القديمة لمصلحتنا ولن نقع في المصير نفسه. ولهذا لا أظـن أن التاريخ يسير في خط مستقيم، ولا أنــه يــدور فـي دائـــرة كاملة. ربما يتحرك فـي مسار حلزوني صاعد: نعود إلى الغرائز والصراعات نفسها، ولــكــن فـــي كـــل دورة نـحـمـل مـعـنـا أدوات أكــثــر تــطــوراً، وبالتالي أكثر قدرة على التدمير. فـــالـــذهـــنـــيـــة الـــقـــبـــلـــيـــة الـــســـيـــاســـيـــة لا تـــــــزال تــســود المــجــتــمــعــات الـــحـــديـــثـــة، بـــأشـــكـــال جــــديــــدة. بـريـطـانـيـا مــثلا تـعـودت على صــراع سياسي تقليدي بين حزبي «المحافظين» و«العمال». وأصبحت الهويات المتعددة تـــلـــون المــنــافــســة الــســيــاســيــة: «بــريــكــســت» بمعسكريه البقائيين والخروجيين من الاتحاد الأوروبي، والقومية الجغرافية، كحال الحركتين الاسكوتلندية والولشية، والهجرة، وحرب أوكرانيا، وجدل المناخ. لكن أحداثا خارجية تعيد ترتيب هذه المعسكرات بـــطـــريـــقـــة لـــــم يـــكـــن أحــــــد يـــتـــوقـــعـــهـــا. حــــــرب غــــــزة مـــــثلا جمعت المـظـاهـرات والتحركات السياسية بين تيارات متنافرة، وفي صراع مواجهات أحياناً، حول القضايا الاجتماعية أو الثقافية؛ من اليسار والخضر وبعض الــتــيــارات الـلـيـبـرالـيـة، إلـــى حــركــات إسلامــيــة محافظة، ومتشددة. قد يتفق الجميع على قضية واحدة، بينما تـخـتـلـف تــصــوراتــهــم جـــــذريا عـــن شــكــل المـجـتـمـع الـــذي يريدونه. لكن الــصــورة تصبح أخـطـر عندما تنتقل ذهنية الـتـفـكـيـر الاســتــراتــيــجــي الـقـبـلـيـة مـــن داخــــل الـــــدول إلـى العلاقات بين القوى الكبرى. حين 1984 عــنــدمــا قـــــرأت روايــــــة جـــــورج أورويـــــــل كنت تلميذا فـي الخمسينات، كــان أهــم مـا لفت نظري هو التركيبة الديستوبية في سيطرة «الزعيم» («الأخ الأكــــبــــر» الـــــذي لـــم يـــــرََه أحــــد فـــعـــلـــياً) ومـــراقـــبـــة المـــواطـــن والــســيــطــرة عــلــى الــلــغــة. وبـمـراجـعـتـهـا مـــؤخـــراً، تـركـز انتباهي على رؤية أورويل للعالم مقسما إلى ثلاث كتل كـبـرى: أوشـيـانـيـا، وأوراشـــيـــا، وشـــرق آسـيـا، تتصارع وتـــغـــيـــر تـــحـــالـــفـــاتـــهـــا، بــيــنــمــا تـــتـــحـــول بــريــطــانــيــا إلـــى «الـقـاعـدة الجوية رقــم واحـــد» فـي كتلة أوشيانيا. ولم ، لكن التشابه 2026 يكن أورويــل يتنبأ بصراعات عـام يستحق التفكير. روسيا تنظر إلى جوارها باعتباره مجالا ضروريا لأمنها ونفوذها، والصين أصبحت قوة عالمية لا يمكن تجاهلها. أما أوروبا، فرغم قوتها الاقتصادية، فما زالت تجد صعوبة في تحويل هذه القوة إلى موقف سياسي وعسكري موحد. وبدخول دونالد ترمب المشهد، تكرر الــســؤال: لماذا يـبـدو أحـيـانا أقـــرب إلــى مـوقـف فلاديمير بـــوتين فــي قضية أوكــرانــيــا؟ لـكـن تـجـب إعــــادة صياغة السؤال. ربما لا يرى ترمب الأمر باعتباره انحيازا إلى بوتين؛ بل عودة إلى فكرة تقسيم مناطق النفوذ. أمـــيـــركـــا لــهــا مــجــالــهــا فـــي نــصــف الـــكـــرة الــغــربــي، وروسيا تريد مجالا في جوارها، والصين ترى لنفسها مـجـالا فـي آسـيـا. ومــن هــذا المنظور يمكن فهم اهتمام تـرمـب بــفــنــزويلا وغــريــنلانــد، وضـغـوطـه فــي الــقــارتين الأمـــيـــركـــيـــتين، وطــريــقــتــه فـــي الــنــظــر إلــــى الــتــحــالــفــات الـدولـيـة باعتبارها ترتيبات قابلة لإعـــادة التفاوض، وليست قواعد مقدسة. لكن المشكلة أن العالم ليس رقعة شطرنج فارغة. داخل كل «منطقة نفوذ» دول وشعوب لها إرادتها ومصالحها وهويتها. ، وأوكـــرانـــيـــا تعرفه 1939 بـولـنـدا عــرفــت ذلـــك عـــام اليوم. ولهذا ربما يكون أخطر ما في العودة إلى سياسة مناطق النفوذ ليس صراع القوى الكبرى فيما بينها، بل مصير الدول الأصغر الواقعة بينها. التاريخ، إذن، قد لا يدور في دائرة، ربما يسير في لولب متصاعد. نعود إلى الخوف نفسه، والطموح نفسه، والصراع نفسه على النفوذ. لكن في كل مرة نحمل معنا أسلحة أقوى، ووسائل اتصال أسرع، وقدرة أكبر على التأثير فــي الـعـقـول قـبـل أن تـصـل الـجـيـوش إلـــى الـــحـــدود. وقـد تكون مأساة الإنسان ليست أنه لم يتعلم من التاريخ؛ بـل فـي أنــه تعلمه جـيـداً، ثـم أقـنـع نفسه بــأن هــذه المـرة ستكون مختلفة. مــنــذ نــصــف قــــرن والـــحـــرب ســـجـــال وبــشــكــل جـــد ّّي بين الـدولـة الأردنـيّّــة ومنظ ّّمات الإرهـــاب؛ خبرة طويلة في مأسسة الحرب على الإرهـــاب، وجعل مكافحة هذا الداء جزءا أساسيا من الأمن القومي الداخلي، وتصدير نتائجه المفيدة إلى دول الجوار، بل لدول الغرب. فــــعلاوة على الـخـبـرات الأردنــيــة فـي مـجـال الحرب على الإرهاب، والتي شك ََّلت نواة تعاون أردني إقليمي، ثمة تعاون ضخم متطوّّر مع الولايات المتحدة في هذا المجال، وآخره إعلان تأسيس مركز متطو ّّر يتعاون فيه البلدان قبل قرابة عقد من الآن. ســبــب ذلــــك أن الأمــــن الأردنــــــي حــجــر زاويــــــة مهمة للإقليم والعالم. والإرهابيّّون لا يجهلون ذلك، بل نعثر على تأكيدهم ضرورة تصديع البنيان الأردني، مت ََّبعين آلــيــتين؛ أولاهــمــا: اسـتـهـداف مــقــدرات الــــدول، ومحاولة اخــتــراقــهــا أمـــنـــيا واســـتـــخـــبـــاريا بـغـيـة تـحـقـيـق أضـخـم عمليّّات اختراق تسه ّّل لها النفوذ نحو أهداف حيويّّة. وثــانــيــهــمــا: ضــــرب الــلُُّــحــمــة الــوطــنــيــة، وعـلـيـنـا أن ننتبه أن بعض الأصــــوات لحظة إعلان جريمة الكرك راح يعزف على وتـر «القبيلة» فـي الأردن، وهـي حيلة إرهابيّّة خبيثة، في حين التعايش الأردني بين القبائل والأديـــان عصي على الكسر، والأخـطـر مََــن راح يوظ ّّف رمــزيّّــة مـكـان الجريمة (الكنيسة) ويـومـهـا (الجمعة). إنها حيل الإرهـــاب النظري الإعلامـــي المـــوازي للإرهــاب الميداني الدموي الفتّّاك. والمـدقـق فـي شكل الجريمة الإرهـابـيـة يلحظ أنََّها نفّّذت على الطريقة المعتمدة لدى التنظيمات الإرهابية، فهي نسخة من عشرات العمليات التي نُُفّّذت في دول عـــربـــيـــة، وفــــي تــركــيــا وروســــيــــا وأوروبـــــــــا. إنــــه أســلــوب «الذئاب المنفردة» التي تعتمد على معلومات سريعةٍٍ، تُُنفّّذ بناء عليها ضربات موجعة. وبغض النظر عم ََّا إذا كانت المنظ ّّمة الإرهابية ذات تاريخ مرصود كـ«القاعدة» و«داعـــش»، أو ربما نشهد منظ ّّمات ولـيـدة تحمل الأفــكــار نفسها، وإنـمـا بـكـوادر وصيغ وأدبيات متحو ّّرة تبعا للتطورات التي يشهدها الإقـــلـــيـــم، ومــهــمــا كــــان المـــســـم ّّـــى، فــــإن الـــنـــواة الأســاســيــة ِِّــسـة لها متقاربة الجامعة بين تلك التنظيمات والمـؤس وربما متناسخة، فكل منظمةٍٍ، ومع كل عقد من الزمان وأكثر، قادرة على أن تلد أختها. ولـــئـــن كــــان تـــاريـــخ الإرهـــــــاب فـــي الإقـــلـــيـــم والــعــالــم يتشابه فــي بـعـض الـــوجـــوه، غـيـر أن لــه استراتيجيته الــخــاصــة فـــي كـــل دولـــــة تــبــعا لـلـمـصـالـح الــتــي يـريـدهـا لـلـتـنـظـيـم، ولأن الأردن لـــه مـوقـعـه الـــخـــاص جــغــرافــياً، وأهميته المتفرّّدة على دول الإقليم، فـإن الإرهــاب جعل استهدافه من أولوياته، ويحاول إيجاد أكثر من ثغرة من أجـل استهدافه، بمعنى آخـر فـإن أي نجاح إرهابي في الأردن يعني نجاحه في استهداف كل حلفائه في الإقليم والعالم؛ لذلك و ُُصف حادث الكرك بأنه «زلزال»، لأنه لا يستهدف الكنيسة فحسب، وإنما هو بالأحرى إعلان «انـــبـــعـــاث» لـلـعـنـف مـــن جــديــد بــعــد ســـنـــوات من «الكمون التكتيكي». لــقــيــت هـــــذه الـــجـــمـــاعـــات الإرهــــابــــيــــة فــــي الـــصـــراع الإقليمي الذي بدأ منذ ستة أشهر تقريباً، عبر الضرب الأمـيـركـي والإسـرائـيـلـي لإيــــران، ومــن ثـم ارتــــدادات ذلك على دول الجوار، فرصة مواتية لترتيب الصفوف من جديد من أجل إعلان الانبعاث. ومع تصاعد الإرهاب الحوثي، وجدت الجماعات أن كل الظروف مواتية لبدء الهجوم على أسرع هدف ممكن، مـن هنا كـان اختيارهم للأردن لـه بعده الاستراتيجي والتنظيمي، لأن الجريمة تحمل فــكــرتين؛ أنـهـا نُُــفّّــذت في الأردن المحص ّّن، والصلب أمنيا واجتماعيا بوجه الإرهــاب، وأن المنظ ّّمات السريّّة والعلنيّّة على اختلاف مـذاهـبـهـا لــن تـتـرك الـحـوثـي وحــيــداً، بــل سـتـسـانـده في ممارساته الإرهابيّّة الدمويّّة. الـــخلاصـــة؛ أن جـريـمـة «الـــكـــرك» لا بُُـــد مــن التمعّّن فيها، وفي آثارها المتوقّّعة على بقية الـدول، فالإرهاب يحتفل الآن بإعادة صفوفه، ويعلن خروجه من الكهف إلى ساحات النزال، وعلينا مواجهته بكل قوة وصلابةٍٍ، فحادثة أليمة مثل مجزرة الـكـرك، ببصمات كلها تدل عـلـى الـــتـــورّّط الإرهـــابـــي المــنــظ ّّــم تــوجــب عـلـيـنـا اليقظة الــتــامــة، فـــالإرهـــاب يُُــجــدد جـلـده عـلـى رأس كــل عـقـد أو عقدين من الـزمـان، بأسماء جديدة وعناوين متعددة، ولكن الأفكار الدموية الكارثية هي هي ََ. إن الاسـتـعـداد الشامل هـو السبيل الأمـثـل للنجاة بدولنا من هـذه الـوحـوش الماكـــرة والمنظمات المارقـــة... والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين. يـكـاد لا يـجـد حـــدث كبير فــي الـكـون، والمـظـاهـرات الفرنسيّّة آخـر تلك الأحـــداث، إلا وينقسم اللبنانيّّون على نحو يحاذي انـــقـــســـامـــهـــم الأصــــــلــــــي ّّ. فـــهـــنـــاك مـــــن يـقـف ضـــد الــنــظــام الــفــرنــســي ومــعــه الـعـنـصـريّّــة والــــطــــبــــقــــيّّــــة وقـــــمـــــع الـــــشـــــرطـــــة الـــعـــنـــيـــف، محتفلا بارتفاع الأعلام الفلسطينيّّة في المـــظـــاهـــرات. وهـــنـــاك مـــن يـقـف ضـــد أعـمـال الـشـغـب والــتــخــريــب وعـــمـــوم المــظــاهــر «غـيـر الحضاريّّة» المصحوبة بسياسات الهجرة المتّّبعة في الغرب. ولـــــــــن يــــــكــــــون صــــــعــــــبا رصـــــــــد الـــــجـــــذر الآيــديــولــوجــي الــعــابــر لــلــحــدود فــي كـــل من الموقفين: فالطرف الأو ّّل ينطق بلسان تجتمع فيه نزعات يساريّّة وفوضويّّة وإسلامويّّة و«عــالمــثــالــثــيّّــة» شــتّّــى، تـــيّّـــارات بــاتــت غـــزّّة، مـــنـــذ ثلاث ســــنــــوات، لــحــمــة وحـــدتـــهـــا. أمّّــــا الــــطــــرف الــــثــــانــــي فــيــنــطــق بـــلـــســـان يــنــاجــي أوروبـيّّــة «الصفاء» القديم وحـب الاستقرار ولو محروسا بالهراوات وتسييل الدموع. وإذ يزعم الأوّّلـــون، الشغوفون بالشعبويّّة اليساريّّة، أنّّهم الجسر إلى مستقبل عادل، يــزعــم الأخــــيــــرون، الــشــغــوفــون بـالـشـعـبـويّّــة اليمينيّّة، أنّّهم ح ُُماة الماضي واستمراريّّته الـتـي مــن دونــهــا لا مستقبل. لـكـن الاكـتـفـاء بـمـعـايـنـة هـــذا الــجــذر ســـوف يــكــون م ُُــضــلِِّلا ن الجذور الأخرى التي حين لا يترافق مع تبي ّن ينبثق منها طرفا الانقسام. فــــالأو ّّلــــون يــرســمــون صــــورة للأزمــــات الكونيّّة تهبط بها مـن الأعـلـى إلــى الأدنــى، أي مــــن الـــــصـــــراع الــــكــــونــــي المـــفـــتـــرض حـــول فـلـسـطين والـرأسـمـالـيّّــة والـهـجـرة والإسلام وســـواهـــا، إلـــى جميع الــبــلــدان والـجـمـاعـات المُُــطــالََــبــة بــالــوقــوف وقــفــة رجـــل واحــــد ضـد عدو كوني واحد. أم ّّا الصورة التي يرسمها الأخـــيـــرون فتنطلق مــن بـلـدانـهـم وأحـوالـهـا وتـــمـــزّّقـــاتـــهـــا، ومــــن شـــعـــور، مُُـــــــدرََك أو غير مُُــــــدرََك، بـاسـتـحـالـة الـتـحـالـفـات عـلـى نطاق كوني ّّ، أقلّّه لأسباب عملي ّّة. وإذا كان الأو ّّلون يستعيرون «أمميّّة» و«تكثيفا للتناقضات» تهتدي بهما خطى «مواطن العالم المجرّّد»، فــــالأخــــيــــرون، الــــذيــــن يََـــــبـــــدون مــــحــــلّّــــيّّين بـل أبــرشــيّّين، يـــرون أن قضيّّتهم الـتـي يرونها م ُُــــحــــقّّــــة، قــــد تـــتـــضـــارب مــــع قـــضـــايـــا م ُُــحــقّّــة أخرى. وهكذا ترهن الضفّّة الأولى بالصراع الكبير تقرير مصائر الـصـراعـات الصغرى داخــل لوحة منسجمة من التناقضات. أمّّا على الضفّّة الثانية فتُُرسم كــل واحـــدة من القضايا صراعا كبيرا قد يتقاطع مع صراع آخر لكنّّه أيضا قد يتناقض معه. وقــــد ســبــق أن رأيــــنــــا، ولا نـــــزال نـــرى، شــــواهــــد عــــــد ّّة عـــلـــى تـــبـــايُُـــن يــصــعــب سـكـب أجزائه وأطرافه في قالب ووجهة واحدين: فقطاع عريض جـدّّا من اللبنانيّّين يـرون أن عـلـى بـلـدهـم مـــغـــادرة الـــصـــراع مــع إسـرائـيـل كـشـرط ضـــــروري ّّ، وإن غـيـر كــــاف ٍٍ، لتعافيه. وكنّّا لمسنا، في العقد الماضي، ذاك التصادم الــحــاد بين حـسـاسـيّّــات التغيير فــي بعض الـــــبـــــلـــــدان الــــعــــربــــيّّــــة، خـــــصـــــوصا ســـــوريّّـــــة، والــحــســاســيّّــة الـــتـــي تـــــدور حــــول المـــوضـــوع الفلسطيني ّّ. وفي المشرق خصوصاً، يسود لدى أقلّّيّّات كثيرة، دينيّّة وطائفيّّة وإثنيّّة، حذر شديد حيال أصحاب النظرة «الأممي ّّة» لـــلـــصـــراع لأنّّـــهـــم يــتــجــاهــلــون قــضــايــاهــا أو يُُلحقونها بسواها. فهؤلاء شديدو التحفّّظ على إخراج همومهم من الأجندات النضالي ّّة الــــــدارجــــــة، عــــلــــما بـــــــأن مــــآســــي بــعــضــهــم لـم تتفاقم إلا في ظل صعود الحركات القوميّّة والدينيّّة الجذريّّة. ويُُــــــذكــــــر، فــــي هــــــذا الــــســــيــــاق، كـــيـــف أن أنـظـمـة كـثـيـرة نـجـحـت فـــي اســتــخــدام الـحـق الفلسطيني في مواجهة الحق الكردي بهدف طمس الأخير، وكان الاستخدام هذا يحظى بتأييد شعبي واضح واحتضان كبير. كذلك يرفدنا الـتـاريـخ القريب والـوقـائـع بنزاعات تأسيسي ّّة لا يمكن طي صفحتها، كما لو أن ّّها سحابة صـيـف، كـرمـى للتناقض «الأمــمــيّّ» الأوحــد. فنزاع نُُخب وجماعات عريضة مع الإسلامــــــيّّين، والـــصــراع الـــدمـــوي الـــذي عرفه لـــبـــنـــان بين مـــســـيـــحـــيّّين وفـــلـــســـطـــيـــنـــيّّين، أو الذي عرفه العراق بين سنّّة وشيعة، وكذلك الواقع الراهن للأقلّّيّّات السوريّّة...، كل ذلك يـوحـي بـــأن «أمـمـيّّــة» الـطـرح الأوّّل المتعالية على المسائل المحلّّيّّة، والمناوئة لها أحياناً، قد تتحو ّّل هي نفسها وقودا لنزاعات أهليّّة تـضـاعـف تفتيت الــجــزء بـــدل أن تـسـاهـم في تـوحـيـد الـــكـــل ّّ. والـــيـــوم ثــم ّّــة عــامــل جــديــد قد يــرتّّــب تــأثــيــرات تــتــعــد ّّى كـــل تـأثـيـر آخـــر هو حـرب إيــران، المباشرة والمـــداورة، على بلدان عـربـيّّــة عـــدّّة تــجــاورهــا. ثـــم إن مََـــن يحض ّّون على شحذ حـــروب الــذاكــرة ضــد الاستعمار والــصــهــيــونــيّّــة عـلـيـهـم أن يـــتـــذكّّـــروا المـــــواد السامّّة التي تمتلئ بها ذاكراتنا المشحوذة سلفا حيال بعضنا البعض. وهـــــكـــــذا فـــــــإن طـــلـــب أقــــصــــى الـــــوحـــــدة، وبـــشـــروط م ُُـــتََـــنََـــازََع عـلـيـهـا، فـــي ظـــل أقـصـى الانشقاق والتمز ّّق، قد يشي بعدم الرغبة في رؤيـة أحوالنا كما هي، ومن ثم تفادي دفع الأثمان الباهظة لمغادرتها. وبـدل استنفار حس المسؤولي ّّة الذاتي ّّة لمواجهة تلك المسائل ومـــحـــاولـــة حـــلّّـــهـــا، يـــصـــار إلــــى دمــجــهــا في قضيّّة تشبه الـسـمـاء حين يُُنظر إليها من الأرض. لــــكــــن ْْ، فــــي المــــقــــابــــل، لا بـــــد مــــن مــنــاعــة ّّـــن أصــــحــــاب «الـــقـــضـــايـــا الـــصـــغـــرى» تـــحـــص حـــيـــال إغـــــــــراءات رد الـــفـــعـــل الأهـــــــوج بــاســم وطــنــيّّــة أو ولاء ضـــيّّـــق الأفـــــق لـجـمـاعـة من الـجـمـاعـات. فـرفـض الاخــتــزال والإدمــــاج في «قضيّّة كـبـرى» غير قابلة للنقاش لا يدفع بـالـضـرورة إلــى انــدمــاج فـي مناهضي تلك «القضيّّة الكبرى» حتّّى لو كانوا عنصريّّين ومـتـشـدّّديـن فــي يمينيّّتهم. والانــكــفــاء عن الـعـالـم وعــــدم الإنـــصـــات إلـــى مــا يــجــري فيه ليسا البديل الأوحـد عن الانجذاب القسري إلـــــى الــكــبــيــر والـــضـــخـــم الــــــذي يــــقــــد ّّم نـفـسـه مــلــحــمــيّّاً. وهــــذا نـاهـيـك عـــن تـــجـــارب كثيرة تــعــلّّــم أن حــلــفــاء الاضــــطــــرار اضـــطـــراريّّـــون بــــالــــضــــرورة، خــــصــــوصا فــــي أيّّـــامـــنـــا هــــذه، حيث يتبارى التقلّّب والمزاجيّّة مع الجريمة المفتوحة. OPINION الرأي 12 Issue 17498 - العدد Sunday - 2026/10/25 الأحد مأساة «الكرك»... إرهاب يحتفي بالانبعاث حركة التاريخ... دائرية أم حلزونية؟ تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عد ّّة مختل ََط ََة؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغي ّّة فهد سليمان الشقيران عادل درويش
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky