الـغـضـب والـــصـــراخ تــغــريــدات حــيــاة. فــي هـذه الأيــام تعيش أوروبـــا صـحـوةًً، تقارع فيها دنياها التي هامت فيها طويلاًً. رفاهية الاستقرار والأمن والـــتـــأمين الــصــحــي، والـــحـــد الأدنـــــى للأجــــــور. لكن للأجـــيـــال قـــوة أخـــــرى، تــتــمــرّّد عـلـى المــــــوروث الـــذي تراكم منذ سـنين. فرنسا بلاد الثورة الأولـى، التي اخترقت الأزمـنـة الأولـــى، وأزالـــت الملكية، وصنعت روبسبير ونابليون بونابارت. فـــي فـرنـسـا ثـــار الــشــبــاب الـفـرنـسـيـون، رفـعـوا شـــعـــار الــــخــــروج مـــن مــتــحــف أســـســـه الماضــــــي بعد الحرب العالمية الثانية، وسرى طوفان المد الشبابي الــرافــض. قـرصـت أوروبــــا أذن حيرتها، واستيقظ مـــا كــــان فـــي ســـبـــات الــديــمــقــراطــيــة والـــرأســـمـــالـــيـــة. الشيوعية فـي الـشـرق الأوروبــــي، سكون يعد لكنه يعاني القهر والجوع، ويتغنى بحلم ينثر شآبيب الـــويـــل الــكــظــيــم. الآن فــرنــســا تـــرفـــع صــــوت غضب قديم. عندما ثار الشباب الفرنسي في مايو (أيار) ، التحم به الفيلسوف جان بول سارتر، فصار 1968 الغضب ثـورة اجتماعية. قـدّّم الأمـن الفرنسي رأيا للرئيس الجنرال شارل ديغول، باعتقال جان بول ســارتــر، رد الـرئـيـس ديـغـول غــاضــباً: هـل تطلبون مني أن أعتقل فولتير هـذا الـزمـان؟ في سبعينات الـــقـــرن الماضـــــي، كـــان الـغـضـب الـشـبـابـي الأوروبـــــي لـــه مـعـامـل فـــي الــجــامــعــات وفـــي الـــشـــوارع والـكـتـب والصحف، لكن للرؤوس عضاتل متفجرة. منظمة الـفـعـل المــبــاشــر فـــي فــرنــســا، «آكــســيــون ديــريــكــت»، و«بادرماينهوف» في ألمانـيـا و«بريغاتي روسـي» (الألـويـة الـحـمـراء) فـي إيطاليا، هــز ََّت أوروبـــا التي تقارع المد الشيوعي. الحرب الباردة بين المعسكرين الــرأســمــالــي والــشــيــوعــي، كــانــت لـهـا ألـسـنـة نـيـران بـــيـــضـــاء، حــطــبــهــا المال والـــعـــلـــم والأمــــــــن. الــعــمــال فـــي أوروبـــــــا الــغــربــيــة الـــرأســـمـــالـــيـــة اســـتـــفـــادوا من الشيوعية، أكثر مما استفاد منها العمال في الدول الشيوعية، التي كانت تحكم باسم الطبقة العاملة. الديكتاتورية الشيوعية كانت أبــرز تجليات الفلسفة الألمانــيــة، التي أبدعها كــارل مـاركـس، في حـقـبـة ولادة المـــد الــصــنــاعــي، وتــكــدس الــعــمــال في المـصـانـع، الـتـي يملكها أصـحـاب رأس المال، وألـف كـتـابـه «رأس المال». لـكـن آدم سـمـيـت الـفـيـلـسـوف والمـفـكـر الـكـبـيـر، قـــدّّم كـتـابـه «ثــــروة الأمـــــم». دخلت أوروبـــــــا زمـــــنا آخـــــر. صـــــارت لـلـفـلـسـفـة قــــوة تـحـرك العقول، وتطرح أسئلة تشعل فكر العوام، وصارت السياسة حاديا للحياة. الصناعة صنعت طبقات جـــــديـــــدة، قـــضـــت عـــلـــى مــــا كـــــان فــــي زمـــــن الإقــــطــــاع والقنانة. الاستعمار الأوروبـــي هيمن على البشر والأرض في القارة الأفريقية، بعد مؤتمر برلين سنة الذي تقاسمت فيه أوروبا البلدان الأفريقية. 1884 قـــامـــت إمــــبــــراطــــوريــــات أوروبـــــيـــــة، وصـــــــارت الـــقـــوة المـسـلـحـة، الـقـانـون الـــذي نـسـخ اتـفـاقـيـة وستفاليا ، الــــــذي أزاح هــيــمــنــة الإمـــبـــراطـــوريـــة 1648 لــســنــة الرومانية المسيحية، وأس ََّس لقيام الدولة الوطنية. السؤال الكبير الـذي لا مناص من طرحه، على ســطــور مــا يــجــري فــي أيــامــنــا، مــن ثــــورات تشهدها بلدان أوروبية هو؛ هل المحرك لهيجان الشوارع في مـدن أوروبـــا الكبرى هو احتقان اجتماعي، وضيق اقـــتـــصـــادي وقـــلـــق حــــضــــاري، فـــرضـــه غـــيـــاب انـــدمـــاج اجتماعي، أم خلل في التكوين المــوروث منذ عقود، لا تجد فيه الأجيال الجديدة مكانا أو مكانة لها؟ في المجتمعات الـتـي تمنح لشعوبها مساحات لحرية التعبير، تكون الأسئلة الحادة علامات مسار تتخل ََّق فـــي مـــســـارب الـــحـــيـــاة. الأجــــيــــال الـــجـــديـــدة، تــــرى في الموروث متحفا يتكد ََّس فيه ما كان من بقايا الزمان، ولا يصلح لحياة ما يبدعه الصانعون الجدد. الــشــيــوعــيــة انــــهــــارت لأن ََّـــهـــا غــالــطــت الــحـقــائــق الـتـكـويـنـيـة فــي الإنـــســـان، وهـــي المـصـلـحـة الـفـرديـة، والــرأســمــالــيــة مـنـحـت الـــقـــادريـــن لـهـا مــيــزات تكسر الــكــوابــح الـطـبـيـعـيـة. الـلـيـبـرالـيـة الــجــديــدة صنعت قـواعـد اقتصادية، تحتاج إلـى مراجعات تحكمها مــعــايــيــر إنـــســـانـــيـــة، تــتــمــاشــى مـــع مـــا يـسـتـجـد في التغيير العالمي، حتى الوطني. الاتحاد الأوروبــي فـــضـــاء اقـــتـــصـــادي وســـيـــاســـي، مــحــكــوم بمعطيات مـــركـــبـــة، فـــفـــي دولــــــه بــــلــــدان تـــتـــفـــاوت فــــي قـــدراتـــهـــا المالـــيـــة، ومـكـونـاتـهـا الاجـتـمـاعـيـة. هــنــاك إكــراهــات ضاغطة واقعياً، وأغلب دوله تعاني من شيخوخة اجتماعية، وتتدنى فيها نسبة الــولادات، وتحتاج إلى قوة عاملة، تأتي من الخارج، ويصير التفاعل مع القول القديم، لا أبغيك ولا أصبر عليك، حقيقة يـفـرضـهـا الـــواقـــع. الـعـولمـة صــــارت حـلـقـة إنـسـانـيـة، متعددة المفاعيل والتجليات. في هذا القرن الساخن المـثـقـل بـــــالأحلام والمـــخـــاوف، تـرتـفـع فـيـه الأصــــوات المنذرة بالثبور، والتهديد بحروب، لا نعرف مدى أهـوالـهـا، يصرخ الجائعون، ويرتعش الخائفون، ويُُقتل الضعفاء وتستباح أراضـيـهـم، ومـن يمتلك القوة الجبََّارة تحط غشاوة الغرور على رؤوسهم. الضعفاء لا سوط لهم إلا الصوت المعاند. العنف لا ينتزع الحقوق، والتهميش لا يصب تراب الصمت في بطون الجياع، لا مناص من مراجعات تأسيسية في المنظومات الوطنية الاقتصادية والسياسية. الــــفــــوارق الـطـبـقـيـة كـــانـــت مــــوجــــودة عــلــى مــر الـسـنين، لكنََّها لـم تكن تُُــرى ويـحـس بها الجميع، لكنََّها اليوم لها نتوءات توخز كـل من له حـواس. ، جرت دراسة 1968 بعد ثورة الطلاب في فرنسا عام واســـعـــة فـــي فــرنــســا وأوروبــــــــا، لـــدراســـة مـــا حـــدث، واتــخــذت إجــــراءات علمية وعملية، لمـواجـهـة ذلـك، وهناك حاجة اليوم، لوقفة عاقلة وعلمية، تجترح الحلول الموضوعية. قراءة كتاب سلام مسافر، الصحافي الذي عاش ردحا طـــــويلا فـــي الاتـــحـــاد الــســوفــيــاتــي ومــــا بــعــده، المــعــنــون «عـــلـــى تـــخـــوم الإمـــبـــراطـــوريـــة مـــن بـرجـنـيـف إلـــى بـــــوتين» الــــذي شـــرح فـيـه أســـبـــاب انــتــهــاء العهد الـسـوفـيـاتـي، جعلتني أحــــاول المـقـارنـة بين الاتـحـاد السوفياتي والـجـمـهـوريـة الإيــرانــيــة، حيث التشابه في الكثير من العناصر جلي، كلاهما يمكن تصنيفه بـالـحـكـم الــشــمــولــي، الأول عـلـمـانـي والــثــانــي ديـنـي، وكـيـف يمكن للسلطة أن تقيم جـــدار عـزلـة معرفية، وتضع الـنـاس بين خيارين إمـا الطاعة أو البقاء. لا أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه، لكنني أرى أن الأنظمة قد تختلف في عقائدها وتتشابه في أسباب ضعفها. فتتكرر العوامل التي تجعل دولــة قوية فـي الخارج عاجزة عن معالجة أمراضها في الداخل. الشهادات الــــتــــي تـــركـــهـــا صـــحـــافـــيـــون عـــايـــشـــوا أفـــــــول الاتــــحــــاد الــســوفــيــاتــي تـكـشـف مـجـتـمـعا ابــتــعــد تـــدريـــجـــيا عن اللغة الـتـي تتحدث بها قـيـادتـه. كــان الـحـزب يشرح انتصارات الاشتراكية، بينما يقف المواطن في طابور للحصول على حاجاته. وكانت امتيازات المسؤولين وأسرهم تقول شيئا مختلفا عما تقوله المنابر. هناك بـدأ التصدع، في المسافة بين الــكلام المعلن والحياة الـفـعـلـيـة. تــرســل الـــدولـــة رجلا إلــــى الـــفـــضـــاء، ويـظـل الـفلاحـون يحصدون غلتهم بالمنجل، تصنع الدولة الصواريخ، وينتظم قادتها في طقوس! أرى فــــي الـــتـــجـــربـــة الإيــــرانــــيــــة شـــيـــئا مــشــابــها للاتــحــاد الـسـوفـيـاتـي. رفـعـت الــثــورة شـعـار نصرة المـسـتـضـعـفين، ثــم نـشـأت حـــول السلطة مؤسسات ومصالح يصعب إخضاعها للمحاسبة. والمواطن الـــذي يسمع عــن الــعــدالــة يـريـد أن يــراهــا فــي دخله وفـرصـة عمله ومستقبل أولاده. لا تكفيه مطالبة دائمة بالصبر، خصوصا عندما يبدو أن التضحية موزعة على الناس بـدرجـات مختلفة، وأن القريب من القرار أقل تعرضا لتكلفته. العامل الثاني اقـتـصـادي. لـم يسقط الاقتصاد الــســوفــيــاتــي فـــجـــأة، فــقــد تـــراكـــم الـــجـــمـــود وضـعـفـت الحوافز وتأخر التصحيح. وفي إيران يتداخل القمع مع سوء الإدارة والتضخم واختلال الاستثمار. ثــــم تـــأتـــي تــكــلــفــة المــــشــــروع الــــخــــارجــــي. تــحــم ّّــل الاتـحـاد السوفياتي أعـبـاء سباق التسلح والحلفاء والـحـروب، بينما كانت حاجات الداخل تتسع. وفي الــحــالــة الإيـــرانـــيـــة، أرى أن الــتــوســع عـبـر الـجـمـاعـات المسلحة حمل تكلفة تتجاوز الأموال المتوفرة، أو أدى إلى تضييق فرص التنمية الداخلية. ما قيمة النفوذ فـي عاصمة عربية إذا كــان المـواطـن فـي بـلـده يعاني انقطاع الكهرباء وتراجع قيمة عملته؟ وتلتقي التجربتان في الاعتقاد بأن العقيدة تمنح أصحاب السلطة معرفة لا يملكها الآخرون. الــحــزب احـتـكـر تفسير حــركــة الــتــاريــخ، والـقـيـادة الإيـــرانـــيـــة تـــربـــط جـــانـــبا مـــن شــرعــيــتــهــا بتفسير ديني للسياسة. المشكلة هنا في تحويل الاجتهاد السياسي إلى حقيقة فوق النقد. ويتحول الحاكم إلى عقيدة! أدركت القيادة السوفياتية متأخرة أن النظام يحتاج إلى تغيير، لكن إجراءاتها البطيئة فتحت صـراعـات عجزت عـن ضبطها. وفــي طـهـران يبدو الـــخـــوف مـــن مـصـيـر مــشــابــه حـــاضـــرا فـــي مـقـاومـة الانـفـتـاح. غير أن إغلاق طـريـق الإصلاح لا يلغي الحاجة إليه؛ إنه يؤجل معالجة الاختلال، ويتركه يـتـفـاقـم داخـــــل مــؤســســات يــــــزداد اعــتــمــادهــا على الحماية الأمنية. أمـا المجتمع فلا يبقى عند عمر الـثـورة. ظهرت فـــي الاتـــحـــاد الــســوفــيــاتــي أجـــيـــال لـــم تــعــد تستجيب لـــلـــوعـــود الـــقـــديـــمـــة، وفــــي إيــــــران أجـــيـــال تـــريـــد حـيـاة طبيعية، وحرية شخصية، وفرصة اتصال بالعالم. ، الــتــي طالبت 2022 المــــرأة وعـنـوانـهـا مـهـسـا أمـيـنـي بحقها فقتلت، وتـبـع قتلها حـــراك واســــع، والـعـامـل الذي يطالب بأجره، والطالب الذي يرفض الوصاية، لا يمكن تفسير مطالبهم جميعا باعتبارهم أدوات أجـنـبـيـة. هـــذا التفسير يـريـح السلطة ويمنعها من الفهم. وتضيف كتابات المعارضة الإيرانية إلى هذه الــصــورة نـقـدا لاحـتـكـار الـــثـــروة، وتــراجــع الـخـدمـات، وتقديم الالتزامات الخارجية على حاجات المجتمع. لا أتعامل مع كل ما تقوله المعارضة بوصفه حقيقة مكتملة؛ فهي متعددة الاتجاهات ولها حساباتها. لكن تـكـرار الشكاوى المعيشية والسياسية الواضح للعيان يستحق الفحص، خصوصا عندما يجد ما يسنده في المؤشرات الاقتصادية، ولا يصح إسقاطه بمجرد التشكيك في قائليه. هناك أيضا مسألة المركز والأطــــــراف. ســاعــدت الـبـنـيـة الاتــحــاديــة السوفياتية النخب المحلية على تحويل الاعتراض إلى استقلال. إيران مختلفة، ولا يجوز افتراض أن تنوعها القومي والمذهبي يقود حتما إلى التفكك. الذي يمكن مقارنته هو أثر التمييز وغياب المشاركة. فالمواطنة المتساوية تقوي الدولة، بينما يجعل التعامل الأمني مع المطالب المحلية الروابط الوطنية أكثر تعرضا للاهتزاز، كما نشاهد عند الكرد والتركمان والبلوش والعرب. وأخـــيـــراً، لــم يحسم مصير الاتــحــاد السوفياتي السخط الشعبي وحــده. كـان انقسام القيادة وتعطل قـدرتـهـا عـلـى الاتــفــاق عــامــلين حــاســمين. وهـــذه نقطة تحسب عند النظر إلى إيران. قد يتراجع الرضا ويبقى الــنــظــام قــــــادرا عــلــى الاســـتـــمـــرار مـــا دامـــــت مـؤسـسـاتـه الأســـاســـيـــة مـتـمـاسـكـة. لــذلــك فــــإن رصــــد الـــــخلاف بين مراكز القوة في إيـران أهم عامل يمنعها من الوصول إلـــــى وفــــــاق مــــع الـــــخـــــارج. والـــضـــغـــط الــــخــــارجــــي، فـي تقديري، يسرع ظهور العيوب أكثر مما يخلقها من العدم. وقد يمنح الحكم فرصة لتأجيل المحاسبة باسم مواجهة العدو، لكنه لا يصلح إدارة فاشلة، ولا يحول الــشــعــارات إلـــى خـبـز عـلـى مــوائــد الـــنـــاس. قـنـاعـتـي أن العوامل الرئيسية مشتركة، عقيدة تعلو على المراجعة، واقتصاد تثقله الخيارات السياسية الخاطئة، ونخبة تحمي امتيازاتها، ومجتمع يتغير أسرع من حكامه. الاخــــــتلاف فـــي شـكـل الـنـهـايـة وتـوقـيـتـهـا، وقـــد تـكـون تحولات طويلة لا انهيارا مفاجئاً. المطلوب فهم أسباب التآكل، لا تحديد موعد السقوط. آخر الكلام: قد يكون التخلي عن الاعتقاد أقل إيلاما من تحمل تناقضه. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel وقفة على موجة عاصفة في طهران شيء مم ََّا كان يدور في موسكو OPINION الرأي 15 Issue 17497 - العدد Saturday - 2026/10/24 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky