1848 عرفت القارة الأوروبية عاما كاملا تقريباً، امتد من ، عرف باسم «ربيع الأمم» أو «ربيع الشعوب»؛ حيث 1849 حتى سادت حالة من الثورات والاضطرابات التي امتدت من فرنسا إلى نحو خمسين دولة ومقاطعة أوروبية. عـــرفـــت تــلــك الــســنــة أكـــثـــر المــــوجــــات الـــثـــوريـــة الأوروبــــيــــة انـتـشـاراً، وإن كانت ذات طابع سياسي بمسحة ديمقراطية، وبـــغـــرض إزاحـــــة الـهـيـاكـل الإقــطــاعــيــة الــقــديــمــة، والــبــحــث عن كيانات وطنية مستقلة. المثير تاريخيا أن شـرارة ربيع أوروبـا الأول انطلقت من فرنسا، وقـديـما كــان يقال إنــه عندما تعطس بـاريـس تُُصاب بقية العواصم الأوروبية بالزكام. أهو خريف أوروبي يُُعيد كتابة تاريخ الربيع السابق؟ المقاربة تحتاج إلى قدر من التاريخية، بمعنى أنه ليس شرطا أن تتحول مشاهد العنف الأوروبية الآنية إلى نوع من أنواع الثورات الماضوية التي هزّّت النظام الأوروبي في القرن التاسع عشر. مـنـطـلـقـات خــريــف الـغـضـب الأوروبــــــي هـــذه المــــرة تتركز حــول أزمـــة الثقة بالنخب الـحـاكـمـة، والـضـغـوط الاقتصادية التي تستتبعها قلاقل مجتمعية وإنسانوية، جنبا إلى جنب مع صعود القوميات والاحتجاج على المؤسسات التقليدية، ناهيك بأهم جزئية في تقدير كاتب هذه السطور؛ حيث السؤال المتجدد عن هوية القارة الأوروبية وجذورها، وكذا مستقبلها. يـــحـــاجـــج بـــعـــض كــــبــــار الـــســـاســـة الأوروبـــــــــــيين بــــأنــــه إذا كـــان الـيـسـار المـتـهـم بـالـتـطـرف، وبــالــشــراكــة، ولـــو غـيـر المرتبة بـــل الــعــشــوائــيــة، مـــع المـــجـــرمين والـــلـــصـــوص، قـــد قُُـــــد ِِّر لـــه قلب الجمهورية الفرنسية رأسا على عقب خلال ساعات. النظر بشيء من التدقيق يقودنا إلى مثلث خطير تتداخل خيوطه، وتتشابك خطوطه، لا فـي فرنسا فحسب، بـل غالب الأمـــر فـي معظم، إن لـم يكن كــل، دول الـقـارة الأوروبـــيـــة: ريـاح اقتصادية معاكسة شديدة، وتيارات من الهجرة غير القادرة، وأحيانا غير القابلة للاندماج في قطاع واسع منها، لا كلها، فيما الطبقة السياسية الحاكمة نضبت قريحتها، وباتت شبه عاجزة عن الخلق والابتكار على مختلف الأصعدة. المشهد الحالي يرتبط بـسـؤال جــذري عـن مصير القارة التنويرية الليبرالية، وهل هي على موعد مع العتم بعد طول تنوير؟ الــجــواب مــن الـكـتـاب، وهـــو هـنـا الــشــارع الأوروبـــــي الــذي تتصاعد فيه موجات اليمين المتشدد إلى حد المتطرف، من عند حزب «البديل» في ألمانيا، مرورا بحزب «التجمع الوطني» في فرنسا، والذي قد ينجح في اقتناص الرئاسة الفرنسية خلال أشهر معدودات، وصولا إلى بقية الجماعات الحزبية المماثلة. غـيـر أن الـغـمـة الأوروبـــيـــة لــن تنجلي فــي حقيقة الـحـال، حتى لـو تغيرت ملامــح ومعالم النخبة السياسية القابضة عـلـى جـمـر الـحـكـم. ستظل المعضلة الاقـتـصـاديـة الـتـي تكابد منها القارة قائمة وقادمة، لا سيما مع فقدان مقدرة التنافس الاقتصادي مع الشرق الآسيوي من جانب، والغرب الأميركي مـــن جــانــب آخــــر، وبـــهـــذا تــظــل أزمــــة عــــدم المـــقـــدرة عــلــى الــوفــاء بالتزامات الإصلاح الاقتصادي حاضرة؛ حيث ستخيم غيوم داكنة لبرامج التقشف فوق سماوات القارة، ما يزيد الاحتقان ويدفع من درجة الغضب الشعبوي. لكن مـاذا لو فشل الشعبويون في الوصول إلـى السلطة في عموم أوروبا وبقي الأمر على الحال ذاتها؟ هنا تتبدى لنا طروحات أوروبـيـة ما ورائـيـة، موصولة بإشكالية خارجية أكثر إثارة، تنقلنا إلى عالم «الروسوفوبيا» والحرب الهجينة. يرى نفر من المراقبين للمشهد الأوروبــي أن لروسيا يدا في الأحداث الأخيرة، بأيدي الأوروبيين أنفسهم، عوضا عن أن تتكبد عناء المواجهة العسكرية من جديد. الكرملين في مواجهة مع التحركات الأوروبـيـة الأخيرة، لا ســيــمــا الألمانـــــيـــــة والـــبـــريـــطـــانـــيـــة، والــــتــــي تـــدعـــم أوكـــرانـــيـــا بــصــواريــخ «شــــادو ســـتـــورم»، وبـمـلـيـارات الـــيـــوروات، فــي ظل أزمـات اقتصادية داخلية طاحنة، ولتعويض زيلينسكي عن الاسـتـكـنـاف الأمــيــركــي؛ حـيـث الـرئـيـس تـرمـب مـــاض قـــدما في صفقات الديزل، وتخفيف العقوبات مع بـوتين، ضمن صفقة أوسع لإنقاذ أميركا المأزومة في ملفات أخرى. على جداريات باريسية، كتب المحتجون عبارة «الـظلام الحالك في مدينة النور»، فهل سيمتد هذا الوهج إلى أوروبا كلها؟ ، لكن تظل 1848 ليس بالضرورة أن تتكرر مـآلات ربيع أسئلة أوروبـــا الوجودية حـاضـرة: مََــن يحكم؟ ولصالح مََن؟ ومــا الـــذي يُُبقي المجتمعات متماسكة عندما تتراجع الثقة بالنظام القائم؟ لــطــالما حــــذ ََّرت الـسـعـوديـة، مـنـذ انــــقلاب الــحــوثــيين على الشرعية وبدء تهديدهم للملاحة البحرية من أن تداعيات هذا الخطر ستتجاوز حدود المنطقة، ودعت إلى تحم ّّل المسؤولية الـــدولـــيـــة عـــن مـــواجـــهـــتـــه. لـــكـــن تــلــك الـــتـــحـــذيـــرات لـــم يــأخــذهــا المجتمع الــدولــي على محمل الـجـد. والــيــوم تتضح الـصـورة كاملة ويلمس العالم ما يعنيه اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، فتعطيل الملاحة فيهما أربك الإنتاج ورفع تكاليف الشحن وأسعار السلع، وبدأ المستهلكون حول العالم يتحم ََّلون تبعات هذه الاضطرابات وهـذا التوتر في مناطق بعيدة عن بلدانهم. وهذا ليس مستغربا عند النظر إلى حجم تدفقات الطاقة والتجارة التي تمر من خلال هذين المضيقين في المائـة من تجارة الطاقة في 30 اللذين يمر عبرهما قرابة العالم. ووفــقا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط مليون برميل يوميا عبر 21.8 عبور النفط ومشتقاته نحو مليون برميل عبر باب المندب. وتتضح تداعيات 9.3 هرمز، و هـذا التوتر والاضـطـرابـات في الإمـــدادات من الشرق الأوسـط وروسيا في تقرير وكالة الطاقة الدولية الـذي صدر مؤخراً، وأشـــار إلــى انـخـفـاض صــــادرات الــديــزل العالمية فـي سبتمبر ألف برميل يوميا مقارنة بالعام السابق. 700 (أيلول) بنحو في آسيا أوضــح التقرير أن تعطل تدفقات النفط عبر هرمز أد ََّى إلى تراجع تشغيل المصافي، خصوصا في الصين والهند 200 وكــوريــا الجنوبية. وتــجــاوزت أسـعـار الــديــزل بالجملة دولارا في 220 دولار للبرميل فـي سـنـغـافـورة، وبلغت نحو أوروبـــا والــولايــات المـتـحـدة. لـن أسترسل فـي أمــر بــات العالم يــدركــه؛ فتداعيات اضــطــراب الـطـاقـة والملاحــــة تنتشر كالنار في الهشيم، وتصل إلى المصانع والأسواق، ثم إلى ميزانيات الأســـر حــول الـعـالـم. هــذا الحجم وهـــذا التشابك فـي المصالح يجعلان حماية المضيقين مسؤولية تتجاوز الدول المشاطئة إلى جميع الدول المستفيدة. وهنا يأتي السؤال: كيف تتحول هـذه المصلحة المشتركة إلـى مسؤولية فعلية تتقاسم الـدول أعـــبـــاءهـــا؟ وفــــي اعـــتـــقـــادي يــمــكــن تـحـقـيـق ذلــــك عــبــر خمسة مسارات رئيسية: ويـــبـــدأ ذلــــك بــدعــم الــتــحــالــف الــبــحــري الـــدفـــاعـــي مـتـعـدد الجنسيات الـــذي تـقـوده الـسـعـوديـة، بوصفه الإطـــار العملي لتقاسم مسؤولية حماية حرية الملاحــة وضمان استمرارية الــتــجــارة الــدولــيــة وسلاســــل الإمـــــداد الـعـالمـيـة. ويـتـطـلـب هـذا الدعم مشاركة أوسع من الدول المستفيدة من أمن الملاحة في الـبـحـر الأحــمــر وبـــاب المــنــدب وخـلـيـج عـــدن، وتـوفـيـر الــقــدرات الـبـحـريـة والمـعـلـومـاتـيـة والـلـوجـسـتـيـة والـتـمـويـل اللازم، كـل حـسـب إمـكـانـاتـه، لـتـتـحـول المـسـؤولـيـة المـشـتـركـة إلـــى حماية فعلية للسفن وطـرق التجارة وإمـــدادات الطاقة. كذلك، يمكن لــــدول مـثـل الــــصين وروســـيـــا وتــركــيــا تـوظـيـف علاقــاتــهــا مع إيــران للضغط عليها لتأمين الملاحــة في هرمز، وحثّّها على اســتــخــدام نـفـوذهـا لـــدى الــحــوثــيين لــوقــف اســتــهــداف السفن فـــي بــــاب المـــنـــدب والـــبـــحـــر الأحــــمــــر. فـــهـــذا الـــنـــفـــوذ الـسـيـاسـي والدبلوماسي أداة مهمة لحماية المصالح المشتركة، كما فعلت الــصين حين حـــذّّرت طـهـران، وفـق مـا نقلته «رويــتــرز»، مـن أن استمرار هجمات الحوثيين قد يضر بعلاقاتهما التجارية. ومن المسارات المهمة كذلك، العمل على مواجهة مصادر التمويل والإمـداد التي تغذي التهديدات، ويشمل ذلك تعقب الشركات الوسيطة التي تستخدم لشراء مكونات الصواريخ والطائرات المسيّّرة، والتحقق من المستخدم النهائي للمعدات ذات الاستخدام المـــزدوج، ورصـد التحويلات المالية المرتبطة بتمويل الاعــتــداءات. كما يستوجب ذلـك التعاون بين الـدول الــتــي تنطلق مـنـهـا الـشـحـنـات أو تـمـر عـبـر مـوانـئـهـا لـتـبـادل المعلومات ومنع وصول الإمدادات إلى الجهات المتورطة، وفق الأطـــر القانونية. فحماية السفن تظل صعبة مـا دامـــت هذه الـجـهـات قـــادرة على الـحـصـول على مـا يمكنها مـن مواصلة اعتداءاتها. ولهذا، فإن تبادل المعلومات وتشديد الرقابة على هـذه الأنشطة جـزء مـن المسؤولية المشتركة عـن أمـن الملاحــة. من هذا المنطلق لا يمكن أن تتحمل دولة واحدة تكلفة ضمان استمرار الإمـــدادات التي يستفيد منها العالم. فـالـدول التي تعتمد على طـاقـة المنطقة وتجارتها معنية بالمساهمة في حماية الموانئ، وإصلاح المنشآت المتضررة، والمساعدة على اسـتـمـرار الشحن بما يساعد على اسـتـمـرار حـركـة التجارة. عـــنـــدمـــا هــــــددت الـــقـــرصـــنـــة قـــبـــالـــة الـــصـــومـــال طـــــرق الـــتـــجـــارة شـاركـت دول مـن خـــارج المنطقة فـي حماية الـسـفـن، وعندما اضطربت أســواق الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، ساهمت دول مستهلكة فـي تخفيف الأزمـــة بالسحب مـن مخزوناتها الـنـفـطـيـة. فـكـمـا تــتــشــارك الـــــدول مــنــافــع الـــتـــجـــارة واســتــقــرار الإمـدادات، عليها أن تتشارك أعباء حمايتهما؛ إذ لا يستقيم أن تكون الفوائد للجميع، ثم تصبح فاتورة الحماية «شأنا إقليميا ً». وستظل هذه المسارات كلها في حدود الرغبة والتمنيات والنيات الحسنة ما لم تترجم إلى أفعال واضحة ومستمرة، تـحـدد بموجبها كـل دولـــة مـا ستقدمه مـن تمويل أو قــدرات أو دعـــم فـنـي. فـحـمـايـة المـــمـــرات الـبـحـريـة تـحـتـاج إلـــى تـعـاون مستمر حتى بعد تحييد التصعيد وهـــدوء الأوضــــاع، لمنع تـــكـــرار الأزمـــــة، وتـــفـــادي الـــعـــودة إلـــى الـخـسـائـر نـفـسـهـا كلما تـجـددت الـتـوتـرات فـي المنطقة. وأعـتـقـد أن نـظـام المـخـزونـات الطارئة لوكالة الطاقة الدولية مثال جيد لقدرة الــدول على الالتزام بالاحتفاظ بمخزونات محددة ومراجعة الجاهزية ثم المشاركة في الاستجابة عند اضطراب الإمدادات. هــــذا يـمـكـن أن يــحــدث مـــن خلال لـجـنـة مـشـتـركـة تـتـابـع تنفيذ مساهمات الـدول وتعالج أسباب التأخير، بالتنسيق مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص. وأخـــيـــرا أرى أن مـــا تــدعــو إلــيــه الــســعــوديــة يـسـتـنـد إلـى حقيقة لا يمكن تجاهلها من أن استقرار هذه المنطقة وحماية ممراتها المائية ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي. وبالتالي، مساهمة الدول المستفيدة في حماية مضيق ََي هرمز وباب المندب هي حماية لاقتصاداتها ومعيشة شعوبها. لقد حان الوقت لتقاسم المسؤولية في ظل هذه الأزمات. لـــم تــكــن مــشــاهــد الاحـــتـــجـــاجـــات الـتـي شهدتها فرنسا أخـيـراً، خـصـوصا فـي مدن بـــاريـــس ولـــيـــون ومـرسـيـلـيـا، مــجــرد أحـــداث عابرة في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل كشفت عن تصدعات عميقة في العلاقة بين المـــواطـــن والمـــؤســـســـات، وعــــن أزمـــــة ثقة تتجاوز المطالب الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. فقد انطلقت احتجاجات شبابية مـــطـــالـــبـــة بـــتـــحـــسين ظـــــــروف الـــتـــعـــلـــيـــم، قـبـل أن تـتـسـع لـتـشـمـل فــئــات اجـتـمـاعـيـة أخـــرى، وتختلط فيها المـطـالـب المـشـروعـة بمظاهر عنف وتخريب كـأنـك فـي فيلم هـولـيـوودي. وهــــي مــشــاهــد تـسـتـدعـي الــتــأمــل فـــي ســـؤال جـــــوهـــــري: كـــيـــف يـــمـــكـــن لمـــجـــتـــمـــعـــات بـلـغـت مستويات متقدمة من التنمية أن تواجه مثل هذه الهزات الاجتماعية؟ ولا تــنــفــرد فــرنــســا بــهــذه الـــتـــســـاؤلات؛ فـقـد عـرفـت مجتمعات أوروبـــيـــة أخــــرى، من إيطاليا إلــى بلجيكا، مظاهر متفاوتة من التوتر والاحتجاج، تعكس تحولات عميقة في علاقـة الأفـراد بالدولة وبالمجتمع. ولئن اختلفت الأســبــاب والـسـيـاقـات، فــإن القاسم المــــشــــتــــرك يــتــمــثــل فــــي تــــحــــديــــات الــتــمــاســك الاجتماعي، وتراجع الثقة، وتنامي الشعور بالإقصاء لدى بعض الفئات. وبدأت الأزمة في أوروبـا عندما تحول الحق في التعبير إلى اعتداء على الأشخاص والممتلكات، أو ل ِِن ََق ُُل عندما عجزت المؤسسات عـــن الإنـــصـــات إلــــى المــــواطــــنين والاســتــجــابــة لتطلعاتهم المشروعة. وهنا يظهر الاختلال في التوازن الدقيق بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات. فالمواطنة ليست مجرد انتماء قانوني تثبته وثيقة الهوية، ولا علاقة إدارية تربط الفرد بالدولة، وإنما هي منظومة من القيم والـسـلـوكـيـات والالـــتـــزامـــات المــتــبــادلــة. إنها وعي الإنسان بأن حريته لا تنفصل عن حرية الآخــريــن، وأن المصلحة الـفـرديـة لا تستقيم خـــارج المصلحة الجماعية، وأن الـوطـن هو أولا وقبل كل شيء مجال للمشاركة والعطاء وتحمل المسؤولية. وقد انشغل كبار الفلاسفة الأوروبيين، من سبينوزا إلى روسو وكانط، بالسؤال عن الشروط الأخلاقية والسياسية التي تجعل الـعـيـش المــشــتــرك مــمــكــناً. فــالــقــانــون، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده بناء مجتمع مــتــمــاســك إذا لــــم تـــســـنـــده ثـــقـــافـــة الاحــــتــــرام والثقة، والمـؤسـسـات، مهما كانت متطورة، تفقد جـانـبا مـن مشروعيتها عندما يشعر المواطن بأنها بعيدة عن انشغالاته اليومية. ولــعــل أخــطــر مـــا تـكـشـف عــنــه الأزمــــات الأوروبــــــــــيــــــــــة المــــــعــــــاصــــــرة هـــــــو أن الــــتــــقــــدم الاقـــــتـــــصـــــادي والــــتــــكــــنــــولــــوجــــي لا يــضــمــن بالضرورة الارتقاء الأخلاقــي والاجتماعي. فقد تمتلك الـدولـة أحــدث البنيات التحتية وأرقــــى المــؤســســات التعليمية، لكنها تظل عــــرضــــة للاهـــــــتـــــــزاز إذا اتــــســــعــــت الـــــفـــــوارق الاجــتــمــاعــيــة، وتــراجــعــت الـــعـــدالـــة، وضـعـف الإحساس بالمصير المشترك. وتـــتـــعـــدد أســـبـــاب تـــآكـــل المـــواطـــنـــة، من الـــبـــطـــالـــة إلـــــى الـــتـــفـــاوتـــات المـــجـــالـــيـــة، ومـــن ضعف التربية المدنية إلى تنامي الفردانية والاســـتـــهلاك المـــفـــرط. وقـــد أضــافــت شبكات الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي تــحــديا جـــديـــداً، حين أصـبـحـت أحـــيـــانا فــضــاء لـتـأجـيـج الـغـضـب، ونشر التضليل، وتغذية الاستقطاب، بدل أن تكون جسرا للحوار والتفاهم. فـــكـــيـــف يـــمـــكـــن إعـــــــــادة بــــنــــاء المـــواطـــنـــة الحقة؟ تبدأ الإجـابـة مـن التربية، لأن المواطن لا يـــولـــد حـــــــاملا جــمــيــع قـــيـــم المــــواطــــنــــة، بـل يكتسبها بـالـتـنـشـئـة والمـــمـــارســـة والـــقـــدوة. ففي الأســـرة يتعلم الطفل احــتــرام الآخـريـن والـــتـــضـــامـــن والانـــــضـــــبـــــاط، وفــــــي المــــدرســــة يــــكــــتــــشــــف مــــعــــنــــى الــــــقــــــانــــــون والاخـــــــــــــتلاف والمسؤولية، وفي الجامعة يتعلم أن المعرفة لــيــســت امـــتـــيـــازا فــــــرديا فــحــســب، بـــل الـــتـــزام أخلاقي تجاه المجتمع. غير أن التربية، مهما بلغت جودتها، لا تؤتي ثمارها إذا غابت القدوة. فلا يمكن مطالبة الشباب الأوروبــي باحترام القانون إذا شـاهـدوا انتهاكه، ولا إقناعهم بفضيلة الـــتـــضـــامـــن إذا لمـــســـوا تـــفـــاقـــم الأنــــانــــيــــة، ولا دعوتهم إلى الثقة في المؤسسات إذا افتقدوا الإنصاف وتكافؤ الفرص. ومن هنا، فإن بناء المواطنة مسؤولية مــشــتــركــة بين الــــدولــــة والمـــجـــتـــمـــع. فــالــدولــة مطالََبة بضمان العدالة والكرامة، والمواطن مــدعــو إلـــى احـــتـــرام المــؤســســات والمـمـتـلـكـات الــــعــــامــــة، والمــــشــــاركــــة الــــبــــنــــاءة فــــي الـــحـــيــاة الـجـمـاعـيـة، وتــقــديــم المـصـلـحـة الــعــامــة على الحسابات الأنانية الضيقة. إن الـــــــواطـــــــنـــــــة تــــتــــجــــلــــى أيــــــــــــضا فـــي التفاصيل الـيـومـيـة: احــتــرام قـواعـد السير، والمـــحـــافـــظـــة عـــلـــى نـــظـــافـــة الــــــــدن، وصــيــانــة الـــــــــــدارس والــــــحــــــدائــــــق، وحــــمــــايــــة الـــبـــيـــئـــة، وترشيد استعمال الماء، واحترام الاختلاف، ومــســاعــدة الـفـئـات الـهـشـة. إنــهــا مـمـارسـات بـسـيـطـة فـــي ظــاهــرهــا، عـمـيـقـة فـــي دلالاتــهــا الحضارية وتماسك المجتمعات. لقد أعادت الاحتجاجات الأوروبية إلى الواجهة ســؤالا قديما متجدداً: كيف نوفق بين مجتمع يطالب بحقوقه ودولـــة تنتظر مـن مواطنيها أداء واجباتهم؟ والـجـواب لا يكمن فـي تغليب أحــد الـطـرفين على الآخــر، وإنما في بناء عقد اجتماعي متوازن، قوامه الثقة والعدالة والمشاركة والمسؤولية. فالأمم لا تقاس عظمتها بما تشيده من طرق ومصانع ومختبرات فحسب، بل كذلك بـقـدرتـهـا عـلـى صـيـانـة الـــروابـــط الإنـسـانـيـة التي تجمع أبناءها. إن المـواطـنـة، فـي نهاية المـطـاف، ليست شعارا ي ُُرفع في المناسبات، بل ضمير ي ُُمار ََس كل يوم. وحين يدرك الإنسان أن الوطن ليس مــا يمنحه الـحـقـوق فـقـط، وإنــمــا مــا يحمّّله مـسـؤولـيـة صـــون كــرامــة الآخــريــن ومستقبل الأجيال المقبلة، تتحول المواطنة من انتماء قـانـونـي إلــى قــوة أخلاقــيــة وحـضـاريـة، ومن مجرد علاقة بالدولة إلى أساس متين لبناء المجتمع ونهضة الأمم. OPINION الرأي 14 Issue 17497 - العدد Saturday - 2026/10/24 السبت أمن الممرات... مصالح عالمية ومسؤولية مشتركة أوروبا... مظاهرات ويمين متطرف واقتصاد يئن المواطنة... أي مستقبل للمجتمعات الأوروبية؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com عبد الحق عزوزي إبراهيم العثيمين إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky