issue17493

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد تـــرمـــب عــــن صــفــقــة مــــع الـــرئـــيـــس الـــروســـي فلاديــمــيــر بـــــوتين، لـــشـــراء الـــديـــزل، لـــم يكن يتوقع أن تتجرََّأ أوكرانيا، ولا أن تعارض أوروبا خطوته، بل ظن أن ََّه قادر على ضبط الإيقاع، وفرض السلام الأميركي. الرد جاء سريعا من الرئيس الأوكـرانـي فولوديمير زيـــلـــيـــنـــســـكـــي واصــــــــــفا الاتــــــفــــــاق بــــ«هــــديــــة لبوتين» على عدوانه، ولم تمض أيام حتى أعـــلـــن اســتــئــنــاف ضـــربـــاتـــه لمــعــامــل تـكـريـر الديزل الروسية لحرمان بوتين من العوائد المالية المغذية لجيشه؛ وجاء الرد الأميركي بوقف الإنترنت عبر الأقـمـار الاصطناعية الـتـابـع لــرجــل الأعـــمـــال إيــلــون مــاســك، مما عطل أجهزة الإنذار المبكر، وكانت النتيجة سقوط ضحايا مدنيين ووهنا في الجبهة العسكرية. هذا التحدي الأوكراني لم يكن ممكنا ســـابـــقا لأن صـــمـــود أوكـــرانـــيـــا تـــوقـــف على الدعم الأميركي، لكن بعد ما يقارب خمس ســنــوات تـــعـــز ََّزت الــقــوة الأوكـــرانـــيـــة وازداد الانـــخـــراط الأوروبـــــي مــالــيا وعـسـكـريا وإن بشكل غير مباشر. الآن يــدرك زيلينسكي أهمية الدعم الأميركي لكنََّه واثق بأنََّه في سيملك الاتحاد الأوروبـــي قمره 2028 عـام ستبني بلاده 2032 الاصطناعي، وفي عام قمرها الخاص بدعم أوروبي. هـذا التحدي الأوكــرانــي، والأوروبـــي، وإصـــــرار تــرمــب عـلـى سـيـاسـتـه سـيـؤديـان حتما إلـى نظام عالمي جديد لن تكون فيه أمـيـركـا سـيـدة الــعــالــم، وسـتـنـشـأ تــوازنــات مـــعـــقـــدة، ومـــتـــغـــيـــرة بـــاســـتـــمـــرار، وتـصـبـح الـحـروب أمـــرا اعـتـيـادياً. وتـــدرك أوروبـــا أن بــوتين عــازم على إخـضـاع أوكـرانـيـا، وهـذا يـــضـــرب عـــمـــق مــصــالــحــهــا، ومـــــع اشـــتـــداد الـــحـــرب الأوكـــرانـــيـــة تــنــخــرط أوروبــــــا أكـثـر فـــيـــهـــا، وتــتــطــلــع إلـــــى يـــــوم لا تـــحـــتـــاج فـيـه إلــى أمـيـركـا. هــذا التفكير ترجمته أوروبـــا بــــخــــطــــوات عـــمـــلـــيـــة عـــســـكـــريـــة بـــامـــتـــيـــاز، وبــتــهــيــئــة نــفــســيــة لـــلـــمـــواجـــهـــة المـــتـــوقـــعــة. فـــالـــبـــريـــطـــانـــيـــون، وهـــــم الـــحـــلـــيـــف الأوثـــــق للولايات المتحدة كمثال، بــدأوا يتحدثون فـعـلـيا عــن احـتـمـالـيـة الــعــودة إلـــى الاتـحـاد الأوروبـــــي، أو عـلـى الأقـــل تـمـتين الــعلاقــات التجارية والثقافية والدفاعية بالذات التي قـطـعـت شــــوطا كـبـيـراً. ولــيــس مـصـادفـة أن يُُحذر قائد الجيش البريطاني السير رولي ووكــــر بـــأن ََّـــه عــلــى المــــواطــــنين الـبـريـطـانـيين الاســتــعــداد لتقديم تضحيات لـلـدفـاع عن بلادهـم، واصـفا ما يمر به العالم بالمرحلة الـخـطـيـرة. ودعــــا الـحـكـومـة إلـــى مـصـارحـة شعبها بالتحديات والخطوط الحمر التي ينبغي رسمها في سبيل حماية أمن البلاد ومواجهة المستقبل. فــــي خـــضـــم تـــلـــك الــــتــــحــــولات لا تــــزال الولايات المتحدة موز ََّعة الهوى في تحديد بــوصــلــتــهــا، فـــمـــن جـــهـــة تـــريـــد أن تـحـافـظ على هيمنتها، ومـن جهة أخــرى لا ترغب فـــي دفــــع فـــاتـــورة الـهـيـمـنـة الــتــي خدمتها وحققت مصالحها، وبـهـا أصبحت دولـة عـظـمـى لا مـثـيـل لـهـا فــي تــاريــخ الـبـشـريـة. فترمب يقفز في سياساته من موقف إلى آخــر مـدفـوعا ليس باستراتيجية محددة الأهــــــداف بـــل بـتـكـتـيـكـات تــحــو ََّلــت بـذاتـهـا إلـــى اسـتـراتـيـجـيـة، مـمـا أربـــك حـلـفـاءه في أوروبـــا، وفـي الشرق الأوســط لأن التكتيك صفته التغير لملاءمــة الـظـروف، ولا يمكن لدولة مهد ََّدة في أوروبا أو الشرق الأوسط رســم سياساتها على وقــع هــذا التكتيك. فترمب دخـل حــربا مـع إيـــران معتقدا أنها ستنتهي فــي أســابــيــع، تــمــاما كـمـا اعتقد بـــوتين فــي أوكــرانــيــا، فـــإذا بــه يـقـف عـاجـزا عــــن الــتــصــعــيــد، ومـــتـــحـــيـــرا فــــي الـتـكـتـيـك، ومـــكـــبلا بـمـتـطـلـبـات الــســيــاســة الـداخـلـيـة الأمـــيـــركـــيـــة، ومـــنـــزعـــجا مـــن الــتــغــيــرات في سـلـوكـيـات حـلـفـائـه الأوروبـــــــيين الـــذيـــن لم يعودوا يفعلون ما يؤمرون، بل يتحركون وفــــق مـصـالـحـهـم الــبــحــتــة، ولــــو كــــان على حساب التحالف الاستراتيجي التاريخي مـع الـولايـات المتحدة. ففي أوروبـــا انزعج الأوروبيون من تقلبات ترمب، واصطفافه مــــع بـــــــوتين، وتـــكـــونـــت لـــديـــهـــم قـــنـــاعـــة أنـــه لا بـــد مـــن قـــوة أوروبـــيـــة تـحـفـظ المـصـالـح، وتــــتــــأســــس عـــلـــى الـــتـــشـــابـــه فـــــي الأنـــظـــمـــة الـديـمـقـراطـيـة والـلـيـبـرالـيـة لـتـنـضـم تحت هــذه اللافـتـة دول خــارج الإقليم الأوروبـــي مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا. هذا التحول الأوروبي لم يكن طوعياً، بـــل هـــو إجــــبــــاري، لأن تــرمــب ومــعــه حـركـة «لــنــجــعــل أمـــيـــركـــا قــــويــــة»، يــــريــــدان إعـــــادة تـركـيـب أوروبــــا بـإبـعـادهـا عــن الليبرالية، واستعادة هويتها المسيحية، ولذلك تلقى الأحــــــزاب الـيـمـيـنـيـة المـــتـــشـــددة فـــي أوروبـــــا دعــما غير مسبوق مـن القيادة الأميركية. وكــــل المــــؤشــــرات تــؤكــد أن الـــيـــمين المـتـشـدد الأوروبــــــــــــي تـــتـــوســـع قــــاعــــدتــــه الـــشـــعـــبـــيـــة، وطــــروحــــاتــــه الـــســـيـــاســـيـــة لا تــخــتــلــف عـن طروحات تيار «لنجعل أميركا قوية»؛ لهذا أعلنت أليس فايدل، زعيمة حزب «البديل» فـــي ألمانـــيـــا، ونـظـيـرتـهـا مـــاريـــن لـــوبـــان في فرنسا، وآخرون في دول أوروبية، أن الدعم المالــي لأوكرانيا تجاوز سقف الممكن، وأن الاستمرار سيرهق المواطن الألمانــي مالياً، وربما يجر الــبلاد لحرب مع روسـيـا. هذه المـــواقـــف تـــتلاقـــى مـــع المـــوقـــف الأمــيــركــي أن روسيا بلد مسيحي ويمكن أن يكون حليفا ولـــيـــس عـــــــدواً، وقـــــد يــنــضــم إلـــــى المـعـسـكـر الغربي ضد الصين، المهد ِِّد الحقيقي لموقع الولايات المتحدة. لا شك أن حرب أوكرانيا مفصلية لأن تطوراتها تنطوي على تغييرات مهمة في أوروبا وأميركا والعالم. فإذا وصل اليمين المـتـشـدد الأوروبــــي للسلطة، ونـفََّــذ وعــوده الانــتــخــابــيــة، فــلــن تــتــابــع أوروبــــــا مــشــروع الاســــتــــقلال الاســـتـــراتـــيـــجـــي، بـــل ستصبح أقــل تـمـاسـكاً، وأكـثـر تـنـاحـراً. وإذا تمكنت الـتـيـارات الأوروبـــيـــة الليبرالية مـن الـفـوز، فــــالاســــتــــقلال الاســـتـــراتـــيـــجـــي ســيــتــحــقــق، وسـتـصـبـح أوروبــــــا قــــوة جـــبـــارة فـــي عـالـم يتشكل أمام أنظارنا. تعمل الجغرافيا فـي السياسة عـمـل الجينات فـي الكائن الـحـي، تـحـدّّد الـقـسـم الأعـظـم مـن تصرفاتنا وتحدياتنا، لكنََّنا ننساها. وفي هذا ميزة ضخمة وعيب كبير. النسيان يعني أن الأمور تسير على ما يرام، لا يطرأ طارئ يشغل بالنا، وبإمكاننا التفرغ لصناعة التاريخ. والعيب أن نتصرف في التاريخ وكأن هـــذا الاســتــقــرار الـجـغـرافـي دائــــم، وإن طـــرأ طـــارئ سيحل نفسه بنفسه ويعود كل شيء إلى سابق عهده. سيعود الجوار هادئا يـراعـي حسن الجيرة، وسيستمر جـريـان النهر، وعـبـور السفن عبر المضايق، وتدفق الثروات الطبيعية. ثنائية التاريخ والجغرافيا متزامنة، في جدلية دائمة. إن حاولت أن تتجاهل تأمين الجغرافيا، لن يتركك التاريخ لحالك. والمفارقة أن الاستقرار يأتي عادة حزمة واحدة، وعدم الاستقرار أيضا يأتي عادة حزمة واحـدة. وليس ذلك صدفة. انشغالك في اتجاه جغرافي يغري قوى بدت مستكينة بتهديدك في اتجاهات أخرى. جيلنا في مصر عاش استقرارا طويلا ًً. أشيع فيه أن الخطر قادم من اتجاه واحد، وأن أي تحرك في غير ذلك الاتجاه مغامرة وانحراف عن مواجهة الخطر. ثم أثبت التاريخ أن هذا التصور لم عشنا تهديدا من الغرب، واضطرابات 2011 يكن صحيحاً. بعد من الجنوب، بعضها تصفه القيادة المصرية بأن ََّه خطر وجودي يهدد حياة المصريين. ومع ذلك كله، ظل الرجاء في أمان البحر الأحمر، رغم الإشارات، واحــــدة بـعـد أخـــرى إلـــى أطــمــاع إقـلـيـمـيـة، وصـلـت إلـــى حــد التهديد المباشر للملاحة في قناة السويس من قبل ميليشيات الحوثي. الــدرس بسيط. الجغرافيا صفحة كتابة التاريخ. أحياناً، ن ، ومهما استنفدت مهما حاولت أن تتجنََّب خوض صراع مـعيّن صبرك إلـى آخـر نقطة، لـن يتجنبك. تهديد الحوثيين للملاحة فـي البحر الأحـمـر تـهـديـد مباشر لمصالح مـصـر. ويفتح الباب لقوى إقليمية أخرى لاستغلال الوضع أو استلهامه. لكن تعرض أمــن المملكة العربية الـسـعـوديـة للخطر تـهـديـد لمصر أيـــضاً، لا يقل خطورة عن تهديد مصالحها المباشرة في البحر الأحمر. فالمملكة ليست مجرد جار لمصر، بل هي القوة الأكبر على ساحل البحر الأحـمـر، وإحـــدى أهــم ركـائـز اسـتـقـرار المنطقة، فــضلا عن دورها في دعم استقرار الوضع في مصر. هــنــا لا يـتـعـلََّــق الأمــــر بـمـجـامـلـة ســيــاســيــة، بـــل بـحـسـابـات الجغرافيا والمصالح. فالبحر الأحمر ليس ممرا مائيا فحسب، بـل مساحة أمنية مشتركة. وأي اخـــتلال فـي مـيـزان الـقـوى على ضفتيه لا يبقى محصورا في الدولة التي يبدأ عندها. وليس هذا المنطق غريبا في السياسة المصرية. ففي الحرب العراقية - الإيرانية، قد ّّمت مصر دعما عسكريا للعراق. وشاركت ، وشــاركــت فـي تحرير 1990 بــقــوات دفـاعـيـة فـي الـسـعـوديـة عــام . لم تكن هذه التحركات انفصالا عن المصالح 1991 الكويت عام المـصـريـة أو انـشـغـالا عنها، بـل كـانـت تعبيرا عـن تـصـور أوسـع للأمن الإقليمي. من هنا لا أفهم منطق الذين يتجاوزون الجغرافيا الثابتة ليتحدثوا عن تجربة واحدة في التاريخ المتحول. نعم، لا بد أن تستفيد الـــدول مـن تجاربها السابقة، لكن هـذا لا يقتصر على تجربة واحدة، ولا يجوز أن تتحول تجربة تاريخية إلى عدسة تعظمها على حساب بقية المشهد. الجغرافيا تكتب نفس ََها في كتاب التاريخ كله، وليس في صفحة منه. وحين يفكر المشرعون والساسة المصريون في الأمن القومي لمصر، فليس أمام ََهم إلا أن يفكروا بالنظرة الشمولية نفسها، وبالأفق الواسع نفسه. وإلا بدا القرار حكيما على السطح، لكن ََّه متفتت في العمق. أمن مصر القومي لا يبدأ من رفح ولا ينتهي عند الشلالات الجنوبية. الأمن القومي لمصر والمملكة مترابطان. فالجغرافيا لا تمنح الـــدول رفاهية اختيار التهديدات التي تواجهها، ولا تسمح لـهـا بـــأن تعتبر مــا يـجـري وراء حــدودهــا شـــأنا يخص الآخرين وحد ََهم. أكـثـر مـا يُُــؤلـم فـي بعض الكتابات العربية عـن اليمن ليس اخـــتلاف الــرأي معها بشأن ما يجري فيه، بل اخـتـزال بلد عريق وشعب كامل في ميليشيا مسلحة فرضت نفس ََها بالقوة. فكيف يُُــقــد ََّم الـحـوثـي، الـــذي اسـتـولـى على صـنـعـاء ومـؤسـسـات الـدولـة بــالــسلاح، كـأنََّــه اليمن والـيـمـنـيـون؟! وكـيـف تتحو ََّل ميليشيا لم تصل إلى الحكم بانتخاب ولا بتوافق وطني إلى ممث ّّل لشعب لم يتوقف عن مقاومتِِها في كل محافظة ومدينة وقرية؟! الــحــوثــي لـيـس الــيــمــن. الــيــمــن شــعــب واســـــع ومــتــعــدد؛ فيه القبائل والأحــــزاب، والـيـمين والـيـسـار، والـوطـنـيـون والقوميونََ، والمدنيون والعسكريون، والشماليون والجنوبيون، والزيديون والــشــافــعــيــون والإسـمـاعـيـلـيـون، وســـائـــر مـكـونـاتِِــه الاجـتـمـاعـيـة والــســيــاســيــة. وهــــو شــعــب دفــــع ثـــمـــنا بـــاهـــظا دفــــــاعا عـــن دولــتــه وجمهوريته وحـقّّــه فـي أن يـكـون المـواطـنـون فيه متساوين أمـام القانون. من المفارقات أن يتحد ََّث البعض عن «حصار الحوثي» وكأن ََّه حصار لليمن، ويتجاهل ما فعله الحوثي باليمنيين في مدنهم ؛2015 في الداخل. تعز وحدها عاشت حصارين؛ أولهما منذ عام إذ أُُغلقت طرقها، وع ُُرقلت عنها الأدوية والأكسجين ومستلزمات المستشفيات والغذاء والماء والوقود والكهرباء، وق ُُصفت أحياؤها وسكانها. واليوم تتعر ََّض المدينة للاعتداء والحصار مرة أخرى، كأن الحوثي لم يتعلََّم أن تعز لا تستسلم، وأن أهلََها لا يقبلون أن تتحو ََّل مدينتُُهم إلى رهينة لمشروعه. ودفــــع المــدنــيــون فـــي مـــــأرب وتــعــز والـــحـــديـــدة ولــحــج وعـــدن والبيضاء وشبوة والـجـوف وغيرها ثمن الصواريخ والقذائف والألغام، من نساء وأطفال ونــازحين ومدنيين لا علاقـة لهم بأي معركة. ولا يمكن أن تصبح بضعة صواريخ تطلق خـارج اليمن نـحـو الــعــدو الـصـهـيـونـي صـــك بــــراءة مــن الــجــرائــم الـتـي ارتُُــكـبـت في اليمن. القضية الفلسطينية قضية العرب جميعاً، ولا يملك الحوثي ولا غيره حق احتكارها أو استخدامها ستارا لمشروعه. وأي مــوقــف ضــد إســرائــيــل لا يـمـنـح ميليشيا حـــق قـصـف المــدن اليمنية، أو تجنيد الأطفال، أو زرع الألغام، أو مصادرة الدولة، أو إخضاع الناس بالقوة. ولا يجعل من قتل اليمنيين أو حصارهم عـــملا وطــنــيا أو مـقـاومـة. فـالمـقـاومـة لا تـكـون بقهر الـشـعـب، ولا بـتـحـويـل مــعــانــاة الـيـمـنـيين إلـــى ورقــــة دعــائــيــة، ولا بـاسـتـخـدام أساليب الاحتلال ذاتها ضد الشعب اليمني. فــي المـنـاطـق الـتـي يسيطر عليها الــحــوثــي، لا تـوجـد دولــة حـقـوق وقــانــون، بـل سلطة سلاح بلا دسـتـور ولا انتخابات ولا مــؤســســات مـسـتـقـلـة. تُُـــصـــادر الـــحـــريـــات، ويُُــعـتـقـل الـسـيـاسـيـون والــصــحــافــيــون والـــنـــاشـــطـــون، ويُُـــحـــرم المـــوظـــفـــون مـــن رواتــبــهــم، وتُُفرض الجبايات على الناس في لقمة عيشهم. هُُدمت بيوت ٌٌ، ُُــــرِِّد ملايين اليمنيين في واعــتُُــدي على مـسـاجـد وممتلكات، وش الداخل والخارج نتيجة الحرب التي أشعلها والانتهاكات التي مارسها. إن ََّه مشروع يصنع الفقر والجهل والتخلف، ويقف ضد كل ما يصنع الحياة: التعليم، والاقتصاد، والحرية، والمدينة، والدولة. لم يبن مصنعا ولا مؤسسة وطنية ولا اقتصادا يحمي الناس، لكنََّه يدّّعي تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّّرة. والحقيقة أن ما يملكه من أسلحة متقدمة يرتبط بتقنيات وخبرات خارجية، وفـي مقدّّمتها الـخـبـرات والتقنيات الإيـرانـيـة، تُُستخدم لخدمة مشروع إيران، وتهديد الشعب اليمني ودول الخليج، وتعريض سلامة الملاحة الدولية للخطر. واحتلال الحوثي للساحل الغربي و«باب المندب» لم يكن من أجل اليمن ولا دفاعا عن سيادته، بل كان خدمة مباشرة للمشروع الإيـــرانـــي فــي تـحـويـل المــمــرات المائــيــة الـعـربـيـة إلـــى أوراق ضغط وابتزاز. «باب المندب» ليس ملكا لجماعة ولا ساحة للمغامرات؛ إنََّه شريان للتجارة الدولية وأمن المنطقة، وأمنُُه مصلحة يمنية وعربية ودولية. الحوثي، في جوهر مشروعِِه، لا يرى السياسة تنافسا بين مواطنين متساوين، ولا يرى الدولة عقدا وطنيا يحكمه الدستور والانتخابات. وليس مشروعا سياسيا يمكن الاتفاق معه، بل هو مشروع عسكري عقائدي يقوم على الــسلاح، ويستند إلـى فكرة تفضيل الس ّّلالة على المواطنة. وحين تُُستبدل المواطنة بدرجات الـــنـــســـب، ويُُــــفــــر ََّق بين الـــنـــاس فـــي بــعــض أدبــــيــــات هــــذا المـــشـــروع بأوصاف مثل «القناديل» و«الزنابيل»، فنحن لسنا أمـام خلاف سـيـاسـي عــــادي، بــل أمــــام مـنـطـق عـنـصـري يـنـاقـض الجمهورية ومعنى اليمن الحديث. وهذه اللغة تكشف جوهر الفكرة التي يستخدمها الحوثي لتبرير امتيازه واحتكاره للسلطة. فعبد الملك الحوثي لا يقبل أن يكون مواطنا ينافس غير ََه، بل يتحد ََّث ويتصر ََّف بوصفه صاحب حق إلهي مزعوم في الحكم، وهو ما يرفض ُُه اليمنيون بكل فئاتِِهم وطوائفهم وأحزابِِهم وقبائلهم. الـسـعـوديـة تقف الــيــوم مـع الـجـمـهـوريـة اليمنية والشرعية المـعـتـرف بها دولــــياً، وتـدعـم اسـتـعـادة الــدولــة الـتـي انقلب عليها الحوثي. ومساندة مصر أو أي دولة عربية للسعودية في مواجهة الـحـوثـي ليست مـسـانـدة ضـد الـيـمـنـيين، كما يـزعـم الـبـعـض؛ لأن اليمنيين، بحكومتهم الشرعية وأحزابهم وقـواهـم الوطنية، هم الذين يدعمون التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مواجهة الانقلاب واستعادة الدولة. إن السعودية تتعرََّض لاعـتـداءات الحوثي؛ لأنََّها تقف إلى جـانـب الـشـعـب الـيـمـنـي وشـرعـيـتـه، لا لأن ََّــهــا تــعــادي الـيـمـن. ومـن الـعـجـيـب أن يُُــنــظــر إلــــى الاعــــتــــداء عــلــى مــــدن المـمـلـكـة ومــطــاراتــهــا ومنشآتها المدنية وكأنََّه تفصيل يمكن تجاوزه؛ فقط لأن بعض الناس ينظرون إلى دول الخليج بعين مسبقة، لا تراها دولا عربية لها شعوبها وسيادتها وحقها في الأمن. ويــســتــحــق مــــوقــــف مــــصــــرََ، بــــقــــيــــادة الـــرئـــيـــس عـــبـــد الــفــتــاح السيسي، كل التقدير. فقرارُُها دعم السعودية يؤكد أن أمن المملكة مــن أمـــن مـصـر والأمــــن الـقـومـي الـعـربـي، وأن الــقــاهــرة والــريــاض، حين تتوحدان في مواجهة التهديدات، تحميان اليمن والمنطقة ومصالح الأمة العربية. وفي المقابل، فإن التعاطف مع خطاب إيران المعادي لإسرائيل لا يبرر الصمت عن مشروعها الإقليمي القائم على بناء الميليشيات خـــــارج الــــدولــــة، وتــمــزيــق الــــــدول الــوطــنــيــة، وإضـــعـــاف الـجـيـوش والمــــؤســــســــات. لــقــد دفــــع الـــســـوريـــون والــلــبــنــانــيــون والـــعـــراقـــيـــون والــيــمــنــيــون أثــــمــــانا فــــادحــــة حين قُُـــدمـــت المــيــلــيــشــيــات بـوصـفـهـا «مقاومة»، ثم تحو ََّلت إلى سلطات فوق أوطانها وشعوبها. مـن يـريـد أن ينصف الـيـمـنََ، عليه أولا ألا يخلط بين اليمن والـحـوثـي. اليمنيون ليسوا تــابــعين لمــشــروع إيــرانــي، ولا وقــودا لصراع إقليمي، ولا جماعة يمكن تجاوز إرادتهم باسم فلسطين أو «الممانعة» أو أي شعار آخــر. إنََّــهـم شعب ثـار على «الإمـامـة»، ويــقــاوم عـودتـهـا، ويـريـد دولـــة واحــــدة، وجـيـشا واحــــداً، وسلاحا واحداً، ودستورا واحداً. والوقوف مع اليمن الحقيقي يبدأ من هذه الحقيقة البسيطة: لا مقاومة حقيقية من دون حرية، ولا فلسطين تتحر ََّر بقهر اليمنيين، ولا عروبة تُُصان عبر هدم الدول العربية وتسليمها للميليشيات. * مستشار الرئيس اليمني نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق OPINION الرأي 12 Issue 17493 - العدد Tuesday - 2026/10/20 الثلاثاء اليمن ليس الحوثي التاريخ تكتبه الجغرافيا عالم ما بعد حربََي أوكرانيا وإيران وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج *عبد الملك المخلافي خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky