issue17492

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه بـــروايـــة الــســيــرة، أو الـــروايـــة الـسـيـريـة فـهـي تجمع بين مستويين سـرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص. وهذه الرواية تجمع أيضا بين السيرة الذاتية (الأوتــوبــيــوغــرافــيــا) والـــســـرد الـــروائـــي المـــبـــأر الـتـي يـــرويـــهـــا ســــــارد أو مـــشـــاهـــد داخــــلــــي أو خـــارجـــي، فــالــروايــة لا تخلو مــن كـونـهـا روايــــة «بـيـوغـرافـيـة» عـن شخصية الـزعـيـم الـعـراقـي الــراحــل عبد الكريم قـاسـم، لكنها لا تلتزم بسياقات الـتـاريـخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فـالـروائـي سيكتب، أســــاساً، سـيـرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضا يكشف عن بعد (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عـن نفسه أسـرتـه ومجتمعه، أو مـن خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا. والــــروايــــة لـيـسـت عـــن حـــيـــاة الـــزعـــيـــم فـــقـــط، بل ربما أساسا عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خـاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتــلــك الــتــي ســاهــم فـــي صـنـعـهـا، ولــــذا فـــالـــروايـــة لا تخلو إلى حد كبير من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنــهــا تــنــطــوي عــلــى مــقــاطــع تــأريــخــيــة وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحيانا إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تـدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحــدة، بل على مجموعة حبكات ومــــرويــــات وحـــكـــايـــات. ولــــذا فــهــي لا تـنـمـو خــطــياً، وإنـمـا تنتقل بين أزمـنـة وأمـاكـن وتـواريـخ متعددة وتــمــتــد إلــــى بـــدايـــة الـــقـــرن الــعــشــريــن، والاحــــــتلالين العثماني والإنجليزي للعراق. وبسبب تعدد الـروايـات والمتطورات السردية، تـتـحـول الـــروايـــة تــدريــجــيا إلـــى روايـــــة بوليفونية تــتــمــيــز بـــظـــهـــور عـــــدد كــبــيــر مــــن الأصــــــــوات الــــــرواة والـشـهـود الـرئـيـسـيين والــثــانــويين الـذيـن يـسـردون صـــفـــحـــات مـــطـــويـــة مــــن تــــاريــــخ الــــعــــراق الــســيــاســي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام ، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال 1914 ، وهــــي تـــــدون وقــائــع 1917 الإنــجــلــيــز لــلــعــراق عــــام مركزية من تاريخ العراق الحديث. ويـمـكـن الــقــول إن الكثير مــن مــرويــات الــروايــة عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حد كبير على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالبا عبر طـراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحـق الحدث المـركـزي منذ بدايته كاشفة عـن جـــذوره ومساراته وعـوامـل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الـروائـي يعمد بين آونـة وأخــرى لاخــتلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جـورج إلياس الـذي يـروي نيابة عن والــد الزعيم الكثير مـن جـوانـب الحياة فـي العراق آنذاك. هــــــذه الــــــروايــــــة روايــــــــة عــــن الــــتــــاريــــخ الـــعـــراقـــي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الـــذي بـذلـه المــؤلــف فــي نـبـش الــتــاريــخ والـجـغـرافـيـا والـــســـيـــاســـة فـــي الــــعــــراق، وإعـــــــادة تــقــديــم تــصــوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلا ًً. والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المـــعـــروف أن تـقـنـيـة المـــونـــتـــاج تــرتــبــط أســـــاسا بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساسا بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة. ويستطيع القارئ أن يلاحـق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيدا عـــن المــنــظــور الــخــطــي المــتــصــاعــد لــلــحــدث أو لـبـنـاء الشخصية. ويمكن أن نعد شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطــــاريــــة فـــي الـــــروايـــــة، بــوصــفــهــا الــــبــــؤرة المـــولـــدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فـهـنـاك عـــدد غـيـر قليل مــن الــبــؤر الـثـانـويـة المـولـدة للأحداث الروائية. وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديدا بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم فـي انـــقلاب الثامن الــذي دبــره القوميون والبعثيون 1963 من فبراير بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربــمــا عـبـر تقنية الـتـقـريـب والـتـكـبـيـر (الــكــلــوز آب) الـسـيـنـمـائـيـة إلـــى الماضـــــي، الــــذي يـمـتـد إلـــى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولدا سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله. والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المـدنـي وجـدتـه الـتـي قيل إنـهـا ألقيت فـي نهر دجلة آنـــذاك، ومـن خلال تشبيه وجـه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته ، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا 1917 الوحيدة عام غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنـان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سـنا منه، ومعهما شقيقته أمــيــنــة، بـأسـمـالـهـا ووجــهــهــا الـــــذي ســـــو ّّده الـــدخـــان ). ويــقــارن الــروائــي بين صـــورة الـزعـيـم هذه 10 (ص عندما كان طفلا بصورته عندما قتل بين الانقلابين و«صـــــورة وجــهــه يـــوم مـقـتـلـه، بـالأبـيـض 1963 عـــام والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر .)1 ثلاث سنوات فقط» (ص تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم لكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية الثقافة CULTURE 18 Issue 17492 - العدد Monday - 2026/10/19 الاثنين تركي الدخيل بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة» فاضل ثامر آلئ اللُُّغة مِِن أعْْمََاق الص ََّحرََاء َخََرَجََت لَآ في تلك الص ََّحارََى المُُمتد ََّة ع ََلََى م ََرم ََى البََص ََر بِِطقْْس ِِه ََا و ََتََض ََارِِيس ِِه ََا الش ََّاق ََّين يََستغرب المََرء كََيف اس ْْتط ََاع نََاس ه ََذه الأََرْْض أن يُُنشئُُوا لُُغة ع ََظيمة بِِعلُُوم مُُتعدّّدة مِِن أدََب وََش ِِع ْْر ونََحو وََصرف وََبََلاغََة تََبْْهََر الألبََابََ. م، ا ن بين العرب، حتى بُُعََيْْد مجيء الإس ْْلَا ومع أن الكتابة والقراءة لم تكونََا منتشرتيْن فإنََّهما لم تمنعََا العربي من الإبـــداع في لُُغتِِه وبـهََــا، بل لم تمثّّلا بالنّّسبة إليه الوََسيلة الو ََحيدة للتعبير عن خوالج نفس ِِه، وتدبير أفكارِِه وم ََع ََارفِِه وثََقافتِِه. لقد كان قادة الفكر في المُُجتمع العربي آنذاك، يََص ُُوغون أفكارََهم باقتدار ٍٍ، مع أن جل ََّهم، لم يكن يحسن القراءة والكتابة. ويبدو أن المجتمعات العربية لم تكن تواجه أي حاجة حقيقية لوفرة من يقرأ ويكتب ُُ، ولم ََّا لم تبرز هذه الحاجةُُ، لم يجد العرب أنفس ََهم مضطرين إلى معرفة ما لا يحتاجون إليه، حاجة حقيقية في حياتِِهم اليومية. فأهمية اللغة العربية لا تنبع من محب ََّة أبنائِِها له ََا فحسب، فهذا دافع يفرض ُُه الانتماء وتُُلز ِِم ُُه اله ُُوي ََّة، وهو من المُُشتركات التي يتوافق عليها البشر كل ُُّهم، وإنّّما الأمر عائد أيضا إلى تلك السياقات التاريخية التي تخلّّقت فيها الع ََربيّّة، وح ََت ََّم ََت عليه ََا أن تكون لغة ثريةًً، بل غاية ما تكون عليه اللغات من ثراء معنًًى ومبنًًى. ولعل من نافلة القولِِ، الإشــارة إلى ما كان عليه العََرب من فقر في الح ََض ََارة المََاديََّــة، ََــزيـرة العربية تعاني قـسـوة المـنـاخ فـي مناطقِِها وأغلب م، إذ كـانـت الـج ا ِ الإس ْْل َا �ِِ قبل ظـهـور ِِــهـا، وهـــو مــا فـــرض ذاك الـفـقـر الــحــضــاري المادي، فــي مــجــالات الــبِِــنــاء والـعـمـارة ََــاريـس تـض ب، والط ََّقس الم ُُعت ََدل، والأر ْْض الس ََّهلة ا والتََّشييد والابتكار، نََاهيك عن نُُــدرة المناخ الـــخلَّا ََــال في ََـــدََاولِِ، كما هـي الـح الخ ِِص ْْبة، وتـوفّّــر المََاء فـي الـــوََاحـــات ِِ، والـبُُــحـيـرات والأنْْــهــار والـــج تضاريس أغ ْْلََب المََناطق التي تََسكنُُها الش ُُّعوب ُُ. وأمام ن ُُدرة عناصر الإبداع الواقعي العام ّّ، م ََالت كف ّّة الخ ََلق والابتكار ص ََوب ع ََناصر اللغ ََة: أص ْْواتِِها وإيقاع ِِها وبلاغتِِها، فكانت فضاء العربي ِِّ، الذي ص ََنع فيه ح ََض ََارتََه، وتميّّز به ََا. وفـي مقابل ذلـك، ح ََضر الش ّّعر بوصفِِه الفن الرئيس من فنون اللغََة عند الـعََــرََب، وعلم ََهم الََّذِِي لم يكن لهم علم أص ََح منه، علََى حد قول عمر بن الخط ََّاب، رََضي الله عنه. ك ََان ح ُُضورُُه طاغيا بين ََهم، وبه ك ََانوا يُُوث ِِّقون أيام ََهم، وأحداثََهم، وحروبََهم، ومعارك ََهم، وبالش ّّعر كانُُوا يفخرون ويتفاخرون على بعض ِِهم بعضاً، وبه كانُُوا يََمدحون بعض ََهم، وبه يته ََاجون أيضا ً. كان الش ّّعر ي ُُلب ّّي كل حاجات ِِهم الر ََّئيسية والف ََرعي ََّة، ولك أن تتخي ََّل كيف كان هؤلاء يحترمُُون ويـقـدّّرون الش ََّاعر المجيدََ، وكيف ستكون منزلة الش ََّاعر الفََحل في قبيلتِِه وبين قوم ِِه. هذه المنزلة الرفيعة للش ََّاعر، كانت تحفّّز كل عربي على بذل كل ما يََستطيع من جهدٍٍ، لعلََّه يكون شاعرا مفلّّقاً، يُُشار إليه بالبََنان، ويُُلجأ إليه في الملم ََّات. وإلى جانب الش ّّعر، وبهِِ، ح ََضرت الخطابةُُ، بوصفِِها فنّّا من فنون اللغة، فهي الوسيلة الإعلامية الرئيسية، التي يمكن عبرََها إيصال الأفكار إلى النََّاس، وكـان إقناع المستمعين يستلزم توافر الخطيب علََى أساليب بديعية تجذب الانتباه، بل تسلب الألباب ََ، فإذا سلب الخطيب لب المستمع، بات إيصال الأفكار إليه والتأثير فيه وتغيير آرائِِــه أمـورا سهلةًً، لا تحتاج إلى مزيد من العناء والتكلّّف ٍٍ. وفي الش ّّعر والخطابةِِ، تنافس كل من تمك ََّن في هذين الفنين، على أن يبتكر في منتج ِِه داخل الفن ما يكون، من حيث القوة والسلاسة والإيجاز والإعجاز، سببا في سهولة حفظ ِِه، ويُُسر نقلِِه، من شخص إلى آخر، حتى يكون انتشارُُه بين الن ََّاس سريعاً، وسيرُُه في الآفاق ع ََد ْْوا وركضاً، لا سيرا مجر ََّداً. وهذا يعني أن المبدعين الع ََرب الق ُُدام ََى، من الش ُُّعراء والخطباء، كانوا آنذاك، يتنافسون على ما يُُسم ّّى اليوم، بلغة السوشيال ميديا (الترند)، وهو الموضوع الأكثر انتشاراً... ولكن بمقاييس عََصرِِهم وآليات زمانِِهم. ولك أن تتخيََّل أن معيار النبوغ عند العََرب المتقد ِِّمين كان القدرة على نظم الش ّّعر الممي ََّز في عمر متأخ ّّر، لمن لم يقل شعرا في بواكير شبابِِه! إيهاب عبد الحميد يرسم عالما متخيلا عن العدالة عبر العصور «النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير يــنــســج الـــكـــاتـــب الـــــروائـــــي المــــصــــري إيــــهــــاب عـبـد الحميد عـالما متخيلا لبطل روايته «النبي الصغير» فـــي مــســاحــة قــــــادرة عــلــى احــــتــــواء حـــكـــايـــات ملحمية وأسطورية، وقالب فني يميل للتجريب، وطـرق آفاق سـرديـة جـديـدة، عبر أمـثـولات وقضايا كـبـرى أهمها فـكـرة «الــعــدالــة» كـوسـيـط قيمي يضمن سلام العالم وسكينة البشر. تــبــدو فــكــرة الــعــدالــة جـلـيـة مـنـذ الــوهــلــة الأولــــى، ففي مطلع الـروايـة هناك شخص يخضع للمحاكمة، ثم نكتشف أن هـذا الشخص هو قائد جماعة اسمها «الـــعـــدالـــة الـــنـــاجـــزة» تــأســســت للانـــتـــقـــام مـــن الـــســـادة والنبلاء الذين تصدر ضدهم أحكام ولا يستطيع أحد تنفيذها خوفا من نفوذهم. روايــــــة «الـــنـــبـــي الــصــغــيــر» الــــصــــادرة أخـــيـــرا عن «مكتبة ديـوان» بالقاهرة في جزأين يضمان أكثر من ألــف صفحة تضعنا أمـــام عـوالـم شـتـى، يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، واليومي بالملحمي، والخاص بالعام، حيث تتداخل الشخصيات الرئيسية لتصنع مـا يمكن اعتباره لوحة موزاييك بشرية فـي «مملكة رإدمان – مملكة الشمس» التي صنعها توراي الأعظم وقـسـمـهـا عـلـى رغــيــف خــبــز، مـنـطـلـقا مــن إجــابــتــه عن سؤال بسيط: ما الذي يلزمني لإنشاء مملكة؟ وتأتيه الإجابة من داخل عقله: مال وجند وفكرة. وبعد عقود من رخاء المملكة يظهر «كـال» الفتى الصغير المليح القادم من الصحراء. لا يطرق باب أحد فــي عـمـل إلا ويــجــده مـفـتـوحاً. وهــكــذا عـمـل فــي جبال المـلـح مـع شغيلة المملكة وقـــوة اقـتـصـادهـا الـضـاربـة، عمل في الأســـواق وفـي الحمامات، ليأتي اليوم الذي يقرر فيه أنـه نبي. وأنـه يجب أن يعلن دعوته ويضم إليه الأتباع والأعوان لإطاعة أوامر السماء وفي الوقت نـفـسـه تـحـقـيـق الــعــدالــة لـلـمـقـهـوريـن والمـــظـــلـــومين في الأرض، أو على الأقل في الفئات التي عاش بينها. العالم المتخيل أو المملكة التي اختارها الكاتب مـــســـرحا للأحــــــداث ملامــحــهــا مـــحـــددة. فــهــي مـسـاحـة ممتدة تحيطها جبال وصحار وغابات، وفي وسطها مدينة «تــوراي ديما» بها نـاد وسـوق، وحانة الذئاب وقاعة مخصصة للطبيب جميان وبيت الحب وجدار الأخــــبــــار «وســـيـــلـــة الإعلام»، وحــــي الـــســـحـــرة وحــمــام القزم أبّّا وعالم الأقزام عموماً، وبنات الهوى وفتيات العائلات الكبرى الجميلات كلها تتداخل في قصص وحـكـايـات بتقنيات سـرديـة متنوعة، أغلبها تعتمد عــلــى الــــــراوي الــعــلــيــم، وبـعـضـهـا يــنــطــوي عــلــى تـعـدد الأصـــــوات فـــي الــحــكــايــة، مـــع اخــتــيــار «نـــظـــرة الـطـائـر» كتقنية تصويرية بانورامية كاشفة للعالم الروائي. يبدأ «النبي الصغير – كــال» فكرته من انتباهه لــعــدم وجـــــود ديــــن مــحــدد فـــي المـــديـــنـــة، فـبـهـا عــشــرات الـــلـــغـــات وعــــشــــرات المـــعـــتـــقـــدات، ويــنــطــلــق عــــن قـنـاعـة بضرورة نشر دين جديد يدعو للحق والعدل وغيرها من القيم التي ربما افتقر إليها مجتمع المدينة كلما توغ ّّل في المدنية. يبدأ «كــال» دعوته من لقاءات بأشخاص عرفوا بالزهد والتصوف، حتى أن أحدهم كان نبيا وتخلى عـــن رســالــتــه، بـعـد مــنــاوشــات وحـــــروب وســفــك دمـــاء. وحين يناقشه «كال» يخبره أن الإنسان يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا إلـى أن يجد الــخلاص فيعيش في حياة أبدية كلها سعادة وهناء. وحين يلتقي «كـــال» مجموعة الـزهـاد يدخل في حـوار مع كبيرهم الـذي يسأله عن أسمى القيم؛ فيرد «كـال» دون تفكير: «العدل»، فيخبره كبير الزهاد أنه لو كان العدل هو القيمة الأسمى لما خلق الله الدنيا، ويــؤكــد لــه «كــــال» أن الــعــدل قــد يغيب عــن الـدنـيـا لكن علينا أن نعيده. فيرد عليه الـرجـل: «لـو أعدنا العدل قضينا على الدنيا»، ويستطرد شارحا الأمر: «إن كل مـا تـــراه حـولـك، كـل زراعـــة وصناعة وتــجــارة، كـل علم وفن وابتكار، كل ذلك ما كان لينهض من دون مظلمة بعد مظلمة»، مؤكدا في النهاية أن العالم يـدور وفقا للنظام لا العدل. لا يـخـلـو الـــســـرد مـــن مـــخـــاتلات تـسـحـب الـــقـــارئ تدريجيا لعوالم مختلفة وتتركه يتفحص جوهر هذه العوالم بكل ما تحتويه من سحر الأساطير وملاحـة الأحلام وفــداحــة الـــواقـــع. فـفـي مملكة «رإدمـــــان» التي قامت على أفكار القوة والوحدة والعلم والعدل، هناك خلل بدا واضحا في بنيتها، يكشفه هذا الفتى الغريب الذي كاد يقسمها نصفين. تــقــدم روايـــــة «الــنــبــي الـصـغـيـر» واحـــــدا مـــن أكـثـر العوالم المتخيلة طموحا في السرد العربي المعاصر، عـالـم تـتـقـاطـع فـيـه مـصـائـر عــشــرات الـشـخـصـيـات في لـحـظـة فـــارقـــة، تـكـشـف علاقــاتــهــم المـتـشـابـكـة عــن أكثر رغبات البشر جـمـوحاً، وفـي هـذه الشبكة المعقدة من الـــعلاقـــات الـتـي تتمسرح فــي قــاعــات الـعـلـم وسـاحـات الــقــضــاء والأســــــواق والــقــصــور والمــعــابــد ومـعـسـكـرات الـــجـــنـــد ومـــجـــالـــس الـــســـمـــر ومـــنـــاجـــم المــــلــــح، تــتــداعــى التساؤلات التي تشي باختلاط اليقين بالشك والحياة اليومية بالمصائر الكبرى. يـسـتـخـدم الـكـاتـب تـقـنـيـات تنتمي لـفـنـون أخــرى بـخلاف فن الـروايـة إمـعـانا في التجريب عبر ملحمته السردية. من بينها ما يسمى كسر الجدار الـرابـع، أو إزالــــة الــحــواجــز بين الـعـالـم الـفـنـي والمـتـلـقـي، ليناقش القارئ في مسألة بداية الحكاية. كيف تتوالد الحكايات وتـــخـــرج الـحـكـايـة مـــن رحـــم حـكـايـة وكــأنــنــا فـــي دائـــرة سحرية من الحكي الذي لا تتحدد بدايته أو نهايته، أو كأننا في «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها الساحرة. يـطـمـح «الــنــبــي الـصـغـيـر» فــي الـنـهـايـة لتكريس فكرة العدل التي لا تتحقق إلا بالحروب والمواجهات التي يخوضها أتباعه بقيادة «تايشي» القائد السابق لجماعة «العدالة الناجزة». ولكن هل يتحقق العدل؟ يظل الــســؤال مــطــروحا فـي نهاية مفتوحة على نبي جديد آخـر يتحدث عنه أحـد الـــرواة، لتنتهي الـروايـة بطابعها المـلـحـمـي، وتــداخــل الأسـاطـيـر والـخـيـال مع الواقع والتاريخ. القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy