قبل أكثر من ربع قرن، كان الأمير سلطان بــن عـبـد الـعـزيـز، رحـمـه الــلــه، ينظر إلـــى «جبل صـبـر»، المـطـل على مدينة تعز اليمنية، وأحـد أبـــرز معالمها الطبيعية والــرمــزيــة فــي وجـــدان الــيــمــنــيين، بــوصــفــه فـــرصـــة لـلـتـنـمـيـة وتـعـزيـز الروابط بين الشعبين السعودي واليمني. ففي ، افـتُُــتـح الطريق 2001 ) يـنـايـر (كـــانـــون الــثــانــي مـلـيـون دولار، 12.5 الــــذي مــوّّلــه الأمــيــر بـنـحـو لـــيـــربـــط المـــديـــنـــة بــمــرتــفــعــات الـــجـــبـــل، ويــســه ّّــل حـــركـــة الـــســـكـــان، ويـــعـــزّّز الــحــركــة الاقــتــصــاديــة والـسـيـاحـيـة. وبــعــد ربـــع قــــرن، تــعــود تـعـز إلـى قـلـب الــحــســابــات الــســعــوديــة، ولــكــن مـــن زاويـــة مختلفة تفرضها الـحـرب وأمـــن البحر الأحمر والـــتـــوازنـــات الـعـسـكـريـة فـــي الــيــمــن. فـمـا الـــذي يـجـعـل هــــذه المـــديـــنـــة، الــتــي ارتــبــطــت بـمـشـروع تــنــمــوي ســــعــــودي، ذات أهــمــيــة اسـتـراتـيـجـيـة متجددة بالنسبة إلى الرياض؟ بـالـعـودة إلـــى مطلع الألـفـيـة، أوكـــل الأمـيـر ســـلـــطـــان الإشــــــــراف عـــلـــى تــنــفــيــذ المــــشــــروع إلـــى مـــجـــمـــوعـــة هــــائــــل ســـعـــيـــد أنـــــعـــــم، إحـــــــدى أبـــــرز المجموعات الاقتصادية اليمنية المتحدرة من تعز. وروى الشيخ علي محمد سعيد أن الأمير سلّّمه شخصيا شيكات بقيمة عـشـرة ملايين دولار، قــبــل اســتــكــمــال تــمــويــل المـــشـــروع الـــذي مليون دولار. 12.5 بلغت تكلفته النهائية نحو وامتد الحضور التنموي للأمير سلطان إلـــى مـنـاطـق يمنية أخــــرى، مــن خلال رئـاسـتـه لـــلـــجـــانـــب الــــســــعــــودي فـــــي مـــجـــلـــس الــتــنــســيــق الـــســـعـــودي - الـــيـــمـــنـــي، حـــيـــث رعـــــى اتــفــاقــيــات شملت مشروعات للطرق، والتعليم، والصحة، والتدريب المهني في محافظات مختلفة، بينها دعـــم مستشفى عـــدن الــعــام والمــعــاهــد التقنية، إلى جانب مشروعات تعليمية في جامعة تعز. وقـد جــاءت هـذه المـشـروعـات ضمن التمويلات الحكومية السعودية، في حين مثّّل طريق جبل صــبــر مــــبــــادرة شـخـصـيـة مـــن الأمـــيـــر سـلـطـان، ارتبطت بمكانة الجبل لدى اليمنيين ودوره في تعزيز النشاط الاقتصادي والسياحي. وفـي الوقت الحاضر، يكتسب جبل صبر أهــمــيــة اســتــراتــيــجــيــة فـــي الــــصــــراع عــلــى تـعـز، بحكم موقعه المـطـل على المدينة مـن الجنوب، ومـــا تـتـيـحـه مـرتـفـعـاتـه مـــن قــــدرة عـلـى مـراقـبـة التحركات العسكرية وطــرق الإمـــداد. وتتجلََّى هـــذه الأهــمــيــة فـــي جـبـهـة الــشــقــب، الــتــي تشهد مـواجـهـات بين الـقـوات الحكومية والـحـوثـيين، ضـــمـــن الــــصــــراع عـــلـــى الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى المــديــنــة ومداخلها. ولفهم أهمية جبل صبر، ينبغي النظر إلى مكانة تعز في اليمن. فهي من كبرى المحافظات اليمنية سكاناً، إذ يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نـسـمـة، مـتـقـدمـة عـلـى مـحـافـظـتـي عـدن وصنعاء، وتُُعرف بالعاصمة الثقافية للبلاد، فـــضلا عــن مكانتها الـتـاريـخـيـة بوصفها أحـد أبـــــرز مـــراكـــزهـــا الــتــجــاريــة والــصــنــاعــيــة، حيث نشأت فيها مجموعات اقتصادية كبرى امتد نشاطها إلى خارج اليمن. كما تحتضن ميناء المخا التاريخي الذي ارتبط اسمُُه بتجارة البن العالمية. وتــزداد أهميتها بموقعها الجغرافي الـــــذي يـجـعـلـهـا حــلــقــة اتـــصـــال بين المــرتــفــعــات الوسطى والـسـاحـل الـغـربـي، ويربطها جنوبا بــــعــــدن وغــــــــــربا بــــالمــــنــــاطــــق الــــقــــريــــبــــة مـــــن بــــاب المندب. وهكذا، تجمع تعز بين الثقل السكاني والاقتصادي والموقع الاستراتيجي، مما يجعل السيطرة عليها أو عزلها مؤثرا في التوازنات الــســيــاســيــة والــعــســكــريــة بين الــــداخــــل الـيـمـنـي وساحل البحر الأحمر. وقـــد أعــــادت المــواجــهــات الـعـسـكـريـة خلال تعز إلــى صــدارة 2026 ) أكتوبر (تشرين الأول المـــشـــهـــد، مــــع تـــصـــاعـــد المــــعــــارك فــــي جـبـهـاتـهـا الجنوبية والغربية، بما فيها الشقب ووادي الــــضــــبــــاب. ويـــعـــكـــس هــــــذا الـــتـــصـــعـــيـــد أهــمــيــة المـــحـــافـــظـــة فــــي الــــصــــراع الأوســـــــع عـــلـــى الـــطـــرق والمــرتــفــعــات والمــــواقــــع المـتـصـلـة بــبــاب المــنــدب، وإن كـانـت الـسـيـطـرة عـلـى جـبـل صـبـر لا تعني بالضرورة التحكم المباشر في المضيق. أما بالنسبة إلى السعودية، فتنبع أهمية تـعـز مــن ارتـبـاطـهـا بـأمـن الـبـحـر الأحــمــر وبــاب المندب، وثقلها السكاني والسياسي في موازين الــقــوى الـيـمـنـيـة، وانـعـكـاسـاتـهـا عـلـى مستقبل الدولة اليمنية. فالتوسع الحوثي في المحافظة قــد يـمـنـح الـجـمـاعـة أوراق ضـغـط إضـافـيـة في المـــفـــاوضـــات مـــع الــــريــــاض، ويــعــقّّــد الـتـرتـيـبـات الأمنية والسياسية المستقبلية. وفـي المقابل، فإن استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة لــلــحــوثــيين قـــد يُُــضــعــف قــدرتــهــا عــلــى تشكيل توازن سياسي وعسكري مستقر. ومن هنا، فإن المصلحة السعودية لا تقتصر على منع التمدد العسكري، وإنما تشمل الحفاظ على التوازنات الاجــتــمــاعــيــة والــســيــاســيــة الـــتـــي تــهــيــئ لـقـيـام دولـة يمنية مستقرة، خصوصا أن أي تسوية سياسية مستدامة يصعب أن تتجاهل محافظة بهذا الثقل السكاني والاقتصادي والتاريخي. ويََـــا لها مـن مـفـارقـة مـؤلمـة؛ فالجبل الـذي أراده الأمير سلطان بن عبد العزيز نافذة يطل منها الـزائـرون على جمال تعز، وشـق الطريق إلـــى قممه لـتـكـون مـقـصـدا للحياة والـسـيـاحـة، حـــوّّل الـحـوثـيـون بـعـض مرتفعاته إلـــى مـواقـع عسكرية تطل منها فوهات البنادق على المدينة وأهــلــهــا، بـعـد أن فــرضــوا عليها حــصــارا طـال أمده. وهكذا، تبد ّّلت وظيفة الجبل من احتضان الزائرين والسياح إلى موقع تُُراقََب منه المدينة وسـكـانـهـا، ومـــن مشهد لـلـجـمـال والـــــسلام إلـى ســـاحـــة تـــتـــردد فــيــهــا أصــــــوات الـــــر ََّصـــــاص، في مــفــارقــة تـخـتـزل مــأســاة الــيــمــن، حـيـث تـحـو ّّلـت الطرق التي ش ُُقّّت لتقريب المسافات بين الناس إلى خطوط تماس تفصل بينهم. وبـــــعـــــد ربـــــــع قـــــــرن مـــــن مــــــبــــــادرة الأمــــيــــر ســلــطــان، تـــبـــدو تــعــز الــجــريــحــة شـــاهـــدا على أن الــجــغــرافــيــا الـــتـــي كـــانـــت مـــيـــدانا للتنمية أصبحت سـاحـة لتنافس المصالح والـصـراع عــلــى الـــنـــفـــوذ. فـحـسـم مــعــركــة تــعــز قـــد يـغـيّّــر مـــوازيـــن الـــقـــوى الـعـسـكـريـة والــســيــاســيــة في الـيـمـن، ويـعـيـد تشكيل أوراق الـتـفـاوض بين أطراف الصراع. ولعل التحدي الحقيقي أمام الـسـعـوديـة والـيـمـن لا يـكـمـن فــي إعــــادة رسـم خرائط السيطرة العسكرية فحسب، وإن ََّما في تهيئة الـظـروف التي تسمح بـعـودة التنمية والاستقرار، حتى لا يبقى الطريق الذي جمع الناس ذات يوم شاهدا على انقسامهم. إن لم تكن بين المدعوين، فالتطفل على حفلة الآخـريـن فـن خــاص: أن تهيمن على القاعة وأنـت فعليا خارجها. فـي الـيـوم الـثـانـي للمؤتمر الـسـنـوي للحزب الــقــومــي الاســكــوتــلــنــدي، والــــحــــوار مــحــتــدم حــول الاســـــــتـــــــقلال، خــــطــــف آنــــــــدى بــــيــــرنــــهــــام الأضــــــــواء وكـــامـــيـــرات ومـــيـــكـــروفـــونـــات المــــراســــلين بـوصـولـه إلـى اسكوتلندا، نــاقلا الـحـوار مـن الاسـتـقلال إلى مركزية السلطة، ونقل المـزيـد منها إلـى المجالس والسلطات المحلية الاسكوتلندية. كــــان جــــون ســـويـــنـــي، زعـــيـــم الـــحـــزب الــقــومــي ورئيس الحكومة الاسكوتلندية، قال إن بيرنهام قــــد يـــكـــون آخـــــر رئـــيـــس وزراء لـلـمـمـلـكـة المــتــحــدة إذا تـحـقـق الاســــتــــقلال... الــلــقــب، رفــضــه بـيـرنـهـام سـاخـرا فـي مؤتمره الصحافي فـي دائـــرة عمالية اسكوتلندية. تجاهل بيرنهام طريق وستمنستر المألـوف دفــاعا عن وحـدة المملكة مقترحا توزيع مزيد من السلطة، بدل المركزية. قــال إن لـنـدن بـــدأت، بـمـبـادرتـه، نقل سلطات إلى البلديات المحلية الإنجليزية، ونصح حكومة اسكوتلندا بانتهاج السياسة نفسها، مضيفا أن البرلمان الاسكوتلندي من أكثر المؤسسات مركزية في أوروبا. ّّــــه الـــســـؤال مـبـاشـرة إلـــى رئـيـس حكومة ووج اســـكـــوتـــلـــنـــدا: هــــل يــــريــــد، مـــثـــلـــه، نـــقـــل مــــزيــــد مـن الصلاحيات والاستثمارات وفرص إنشاء المصانع إلى المناطق المحلية؟ فـــــــإذا قـــبـــل الــــحــــزب الـــقـــومـــي الاســـكـــوتـــلـــنـــدي الاقـــتـــراح، يمكن لـبـيـرنـهـام الادعــــاء بـــأن حكومته العمالية دفعت بمزيد من تقوية السلطات المحلية الاسـكـوتـلـنـديـة. وإذا رفــضــه فـسـيـسـائـل الـنـاخـب الاسـكـوتـلـنـدي حكومته لماذا تـطـالـب بنقل مزيد من السلطة من وستمنستر إلى أدنبره، وترفض نقلها من أدنبره إلى الأقاليم الاسكوتلندية. واستمر بيرنهام في إغراء ناخبي اسكوتلندا بــخــدمــات الــتــوظــيــف، ورََبََـــطـــهـــا بـالـنـقـل والـسـكـن والتدريب والمهارات المحلية. كما تحدث عن موانئ بحر الشمال وإعادة التصنيع في مجتمعات فقدت صناعاتها القديمة كاستخراج الغاز والبترول. كـــــرر شـــعـــار «أســــمــــاء لا أرقـــــــــاماً» بــالــتــعــامــل مـع الـفـرد واحـتـيـاجـاتـه المحلية لا مـجـرد رقــم في نظام مركزي. وكـرر ذكر سياساته بوصفه عمدة مانشستر: أن تملك المنطقة مـا يكفي مـن أدوات الـــنـــقـــل والـــســـكـــن والــــتــــدريــــب والاســـتـــثـــمـــار، حـتـى تستطيع صنع مستقبلها الاقـتـصـادي بنفسها. وجـــــــاء بـــمـــثـــال لـــــه وقــــــع إيــــجــــابــــي لــــــدى الـــنـــاخـــب الاسكوتلندي. فــالأوتــوبــيــســات الــتــي تـعـمـل فـــي مانشستر الـكـبـرى صنعتها شـركـة «ألـكـسـنـدر ديـنـيـس» في بلدة فالكريك الاسكوتلندية. وشــرح كيف فض ّّل عقودا مع مصانع بريطانية حتى لو كلفت أكثر، لأن العائد أفضل في خلق وظائف ونشاط اقتصادي داخــــــل الــــــــبلاد؛ فـــقـــد ربـــــط الـــحـــديـــث عــــن تـفـويـض السلطة بـإعـادة التصنيع، ومـعـه خلق الوظائف والـــــــرواج الاقـــتـــصـــادي. بــيــرنــهــام يــــروج للاتــحــاد البريطاني؛ لا بــالأعلام والخطب الدستورية، بل بالمصانع والوظائف والاستثمار. وقد يكون هذا أخطر على القوميين الاسكوتلنديين من محاضرة أخرى عن مزايا البقاء داخل المملكة المتحدة. لكن حجته سلاح ذو حدين. إذا كان بيرنهام صـــادقا فـي أن الــقــرارات يجب أن تتخذ أقــرب إلى الــنــاس، يستطيع الــحــزب الـقـومـي أن يقلب الآيــة ويسأله: لماذا لا يمتد هذا المبدأ إلى قرار اسكوتلندا نفسها بشأن الاستقلال؟ لم يجب بيرنهام مباشرة عن السؤال؛ بل ترك الباب مفتوحاً. وربــمــا يـكـون رهــانــه أن يجعل الاتــحــاد أكثر شعبية قبل أن يعود السؤال من جديد: تفويض أوســـع، واسـتـثـمـارات أكـثـر، وعلاقـــة أقــل عـــداء بين لندن وأدنبره. لــكــن الـــرهـــان يـعـتـمـد أيــــضا عــلــى بــقــاء حــزب «العمال» في الحكم، وفــوزه بالانتخابات العامة المـقـبـلـة، وقـــدرتـــه عـلـى تنفيذ مــا يـعـد بـــه. وهـنـاك سلاح آخــــــر يــــحــــاول بـــيـــرنـــهـــام انــــتــــزاعــــه مــــن يـد القوميين: أوروبـــا؛ فاسكوتلندا صوتت بأغلبية كبيرة للبقاء فـي الاتـحـاد الأوروبـــي فـي استفتاء ، واستخدم القوميون «بريكست» لسنوات 2016 حــجــة بـــأن اسـكـوتـلـنـدا أُُخـــرجـــت مـــن أوروبـــــا ضد إرادتـهـا. لكن بيرنهام نفسه بدأ يفتح باب علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي. النائبة العمالية إميلي ثـورنـبـيـري، رئيسة لجنة الــشــؤون الـخـارجـيـة فـي وستمنستر، ومن المــنــاهــضين لــ«بــريــكــســت»، قــالــت إن الـــعـــودة إلـى الاتــــحــــاد الأوروبـــــــــي يــمــكــن أن تـــوضـــع مــســتـقــبلا فـي بـرنـامـج انـتـخـابـي لـحـزب «الــعــمــال»، مـن دون الحاجة إلى استفتاء آخر. وهنا يظهر سؤال غير مريح للقوميين الاسكوتلنديين: إذا بدأت بريطانيا نفسها تتحرك من جديد نـحـو أوروبـــــا؛ فـهـل تـحـتـاج اسـكـوتـلـنـدا فـــعلا إلـى مغادرة بريطانيا حتى تقترب من أوروبا؟ هـكـذا يجد الـحـزب القومي أن بيرنهام يشد من تحته أكثر من بساط سياسي في الوقت نفسه: مـــركـــزيـــة وسـتـمـنـسـتـر، والـــشـــكـــوى الاقــتــصــاديــة، و«بريكست». لكن السيف ذو حدين. فـإذا نجح بيرنهام فـعلا في جعل التفويض يعمل بصورة أفضل، وجعل الاتحاد أكثر مرونة وجاذبية، فقد يعود القوميون ليسألوه السؤال نفسه بصورة أقوى: إذا كنت تثق بالأسكوتلنديين فـي مزيد من السلطات، فلماذا لا تثق بهم يوما في أن يصوتوا مرة أخرى على مستقبلهم؟ بيرنهام يحاول إنقاذ الاتحاد بأن يجعله أقل مركزية وأكثر مرونة. وإذا نجح أكثر مما يتوقع، فقد يضطر في النهاية إلى اختبار ثقته هذه أمام صناديق الاقتراع. Issue 17491 - العدد Sunday - 2026/10/18 الأحد كــانــت المــــرة الأخـــيـــرة مــن زيـــارتـــي دمــشــق مـمـيـزة في ، الجانب 2024 إطار سبع زيارات، قمت بها منذ أواخر عام الأهـم في تميزها، ذهابي في تجربة عملية مع سوريين مــــن خــــــارج إطــــــار علاقـــــــات الـــصـــداقـــة وعلاقــــــــات الـــقـــربـــى، التي اعـتـدت على الانــخــراط فيها فـي الــزيــارات السابقة. والطريف أن التجربة بدأت مثل غيرها بدعوة من صديق للانــضــمــام إلـــى مـجـمـوعـة «واتـــســـاب» ذات طــابــع ثقافي اجتماعي، قدرت أنها مثل مجموعات درج السوريون على تشكيلها لأهداف متعددة، لكن واجهتها الأساسية نقاش ومحاولة البحث في الموضوع السوري وطـرق علاجاته، وقـد أمضينا سنوات دون الـوصـول إلـى نتائج مرضية، وما زالت المجموعات قائمة وتتكاثر. وخلافا لما اعتدت عليه من التحفظ ورفض الدخول إلى مجموعات جديدة، فقد قبلت ومع الإطلالات الأولى على ما ينشر ويناقش في المجموعة، لمست روحا مختلفة ومستويات عالية من المسؤولية والتعامل بين المشاركين، ولـــغـــة هــــادئــــة ومـــوضـــوعـــيـــة فــــي الـــتـــعـــامـــل مــــع الـــظـــواهـــر والمـــعـــلـــومـــات والأحـــــــــداث، وفــــي نــقــاشــهــا، ولمـــســـت أيـــضا الـجـانـب العملي لـهـذا الـجـهـد مــمــثلا فــي متابعة أنشطة ثقافية واجتماعية، وتفاعل إيجابي معها وصـــولا إلى تنظيم مشاركات جماعية في تلك الأنشطة، وبينها زيارة قـرى ومؤسسات، وإقـامـة نــدوات ثقافية معرفية تتناول قضايا وموضوعات، يتم اختيارها في إطـار المجموعة، وزيـــــــــارات مــــعــــارض لــلــفــنــون وأخـــــــرى لمــنــتــجــات حـرفـيـة وغـذائـيـة، تنظمها هيئات محلية أو أشـخـاص فـي مدن وقـرى سورية، وهـذا بعض من فيض واسـع مفتوح أمام أعضاء المجموعة للاتفاق عليه والتعامل معه بما يمكن. وبطبيعة الحال، فإن نشاطا بهذه الروح وبهذا المدى الواسع من اهتمامات، لا يمكن القيام به دون قدرات مادية وإدارية، أما الأولى فكان حلها سهلاًً، وهو الاعتماد على مــوارد ذاتـيـة، بمعنى أن القيام بأنشطة وأعـمـال تتطلب مـصـاريـف سـفـر وطــعــام مــــثلاًً، يـقـع تـوفـيـرهـا عـلـى عاتق الـقـائـمين بـهـا، فيما يـوفـر منسقو - إداريــــو تلك الأعـمـال والأنشطة الفرص الأفضل والأنسب للتكاليف، إضافة إلى وضع البرامج التنفيذية، والقيام بالاتصالات اللازمة مع الأفـراد والجهات المعنية بنجاح الأنشطة. وبذلك تكتمل حلقة نجاح مـبـادرات المجموعة بمشاركة وقبول ورضا الجميع. المنسقون في المجموعة (الإداريـون عملياً) أشخاص مـــتـــطـــوعـــون يــــحــــوزون رضـــــا المـــــشـــــاركين فــــي المــجــمــوعــة، وغــــالــــبا يــنــتــمــون إلــــى نـخـبـة مـهـنـيـة وأكـــاديـــمـــيـــة رفـيـعـة المستوى ولديهم خـبـرات وعلاقـــات متراكمة، تساعدهم فـــي أداء مـهـمـاتـهـم بـــسلاســـة ويـــســـر، تـسـاعـدهـم فـــي ذلـك قائمة تفاهمات، تقوم على استبعاد ما يثير الخلافات، ويــعــزز الـتـوافـقـات، ويـخـفـف فـــرص الـلـغـط والـــذهـــاب إلـى غير ما تشكلت على أساسه المجموعة في علاقـات المودة والتآخي والتشارك بين المنتمين إليها، بل وفي تآخيهم مع السوريين الذين خارج المجموعة، والعمل إلى أقصى حــد عـلـى إشــاعــة مــا فــي داخــــل المـجـمـوعـة مــن قـيـم نبيلة وتشاركية، حيث أمكن في المجتمع، وهو مسعى أساسي لـلـسـوريين، يساعدهم فـي جـهـود تـجـاوز مرحلة مـا بعد الـحـرب، وإعـــادة بناء سـوريـا، ليس بالمعنى الاقتصادي الـحـصـري، بــل بالمعنى الـشـامـل لـيـكـون الـبـلـد قــــادرا على الحياة والتقدم في الداخل، وقادرا على لعب دور حقيقي في الخارج على المستويين الإقليمي والدولي. ليست السياسة شاغل وهم المجموعة، بل المجتمع، وهــو مـا يكشف بعد نظر المــشــاركين فيها أو أغلبهم في مجانبة ما يثير الانقسام والاختلافات القائمة والممكنة أيضاً، وهذا لا يعني ابتعادا عن السياسة بمعناها العام باعتبارها علم وفن إدارة المجتمعات، بل إنه يخدمها من خلال تقوية المجتمع بتعزيز العلاقات داخله بين الهيئات والمــؤســســات مــن جـهـة، وبين أفــــراده مــن الـجـهـة الأخـــرى، وخـلـق تــجــارب تـشـاركـيـة، وتـفـاهـمـات عملية، وخـطـوات إجرائية، تحسن الحياة وتعزز جودتها، وتجعل الناس أقدر على المشاركة. لـيـسـت مـهـمـة المـــقـــال، امـــتـــداح الــتــجــربــة، إنــمــا شـرح بعض جوانبها. وليس هدفه الكشف عن المجموعة، التي هي علنية وفيها من الشفافية ما يفيض عن كل تجارب الشفافية في سوريا اليوم، الغاية منه قول إن ثمة تجارب سورية (وهذه مجرد واحدة منها) تؤكد اختلاف ما فيها مـع الـصـور الـشـائـعـة، الـتـي يمكن اخـتـصـارهـا بــإشــارات، تـبـرزهـا وسـائـل الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي ومـنـابـر إعلامـيـة، والمناحة العامة الدارجة، وبينها أن سوريا بلد المشاكل والأزمات والخلافات والصراعات، التي تبدأ من السياسة وموضوعاتها وأحداثها إلى الاقتصاد وما فيه من مشاكل وعيوب وتخبط، والمجتمع بما فيه من انقسامات وتنمر في علاقــات مكونات الجماعة الوطنية في خلفياتها ما تحت الهوية السورية، وكلها أمور حاضرة بقدر ما، لكن لا ينبغي التركيز عليها وحدها، فالحياة لا تتوقف عن المشاكل والظروف الصعبة أيا كانت. ليس الـهـدف إبـــراز الاخــــتلاف، وهـــذا مهم للتمييز بين مـا تمثله هــذه المجموعة ومثيلاتها على مستوى المـجـمـوعـات والأفـــــراد الـــســـوريين، وآخــريــن مــن ســـوريين وجـــمـــاعـــات، يـخـلـقـون الـضـجـيـج فـــي ســـوريـــا وحــولــهــا، ويـنـقـسـمـون شـكـلـيا إلـــى فــريــقين مـتـنـابـذيـن، يضيعون فـرص التقدم الـسـوري، بل ويغامرون بمستقبل بلدهم وأجياله القادمة، وقد دفع الشعب السوري فاتورة كبيرة من أجل أن يكون أفضل. التحدي الحقيقي أمام السعودية واليمن لا يكمن في إعادة رسم خرائط السيطرة العسكرية فحسب وإن ََّما في تهيئة الظروف التي تسمح بعودة التنمية والاستقرار دفع الشعب السوري فاتورة كبيرة من أجل أن يكون أفضل فايز سارة عبد الغني الكندي عادل درويش OPINION الرأي 14 من طريق الأمير سلطان إلى معركة «باب المندب» وجه آخر من سوريا استقلال أسكوتلندا... بيرنهام يغي ّّر قواعد اللعبة بيرنهام يحاول إنقاذ الاتحاد بأن يجعله أقل مركزية وأكثر مرونة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky