issue17491

في الحقيقة، كان منتظرا أن تشارك مصر الجبهة الخليجية فـي مـواجـهـة إيـــران ووكلائــهــا فـي الـعـراق والـيـمـن. فـهـذه مـن ضــــرورات تـــوازن الـقـوى الإقليمي لمصر نفسها. وبعد أن أعلنت القاهرة استعدادََها للمشاركة نـــتـــوقـــع أن يــــواجــــه هـــــذا المــــوقــــف المــــصــــري الــرســمــي بـالـتـشـكـيـك والانـــتـــقـــاد مـــن أطــــــراف مـخـتـلـفـة كــارهــة ومتشككة: لماذا لم تشارك القاهرة قبل عشرة أشهر؟ وهل لموقفها علاقة بالوديعة المالية السعودية؟ أم أن الأمر مج در وعود كلامية؟ لــكــن الـــقـــاهـــرة، رغــــما عــنــهــا، أصــبــحــت طــــرفا في الحرب. فقد استهدفت مباشرة بالمقذوفات، وأطلقت تهديدات صريحة قبل ذلك ضدها من جماعات إيران في اليمن والعراق. وعـــلـــى مـــــدى ثلاث ســــنــــوات، تـــدفـــع مـــصـــر ثــمــن اعــــتــــداءات الــحــوثــي عـلـى الملاحـــــة فـــي الـبـحـر الأحـمـر مـن إيـراداتـهـا بالعملة الصعبة. وقــد فاقت تكلفتها تــداعــيــات حــــروب ليبيا والـــســـودان وغــــزة مجتمعة. القاهرة تخسر نحو ستة مليارات دولار سنويا من إيرادات قناة السويس وفق تقديرات دولية. ويــواجــه الاقـتـصـاد المـصـري أخـطـر تهديد عليه نتيجة تداعيات الحرب على المصريين العاملين في الـخـلـيـج. فـأكـثـر مــن خمسة ملايين مـصـري يعملون فـــي خــمــس دول خـلـيـجـيـة، وقــــد تــتــعــرض وظـائـفـهـم ومداخيلهم للتوقف مـع اسـتـمـرار الــحــرب، وتـراجـع صادرات هذه الدول من النفط والغاز. تـحـت قــيــادة الـرئـيـس عـبـد الـفـتـاح الـسـيـسـي، لم تـكـن الــقــاهــرة قــط متحمسة لـخـوض الـــحـــروب. إنََّــمـا حروب الخليج هذه وضعت مصر على خط النار دون اختيارها. والـتـحـدي يتجاوز الأخـطـار الاقتصادية وتهديد معيشة ملايين المـصـريين، فبروز إيــران قوة مهيمنة على الخليج سيقلّّص نـفـوذ مصر ويـهـدّّد أمنها القومي. وقد كانت القاهرة ساحة مواجهة غير معلنة بين الحكومات الخليجية والنظام الإيراني، بعد وصول «الإخـــــوان» إلـــى الـحـكـم. حينها، سـعـت طــهــران، عبر سلسلة مـن التحركات، إلـى دعـم «الإخــــوان» وتعزيز سيطرتهم على الدولة. إعلان الرئيس السيسي استعداده لدخول الحرب يبعث برسالة واضحة إلى طهران، التي تستفيد من الـــخلافـــات الخليجية وغــيــاب الــدعــم الـعـربـي اللذين تركا الخليج مفككا ومعزولاًً. وعــــن تــوقــيــت تـــحـــرّّك مــصــر الــــيــــوم، ولـــيـــس قبل أشهر، فقد تكون وراء ذلك اعتبارات مفهومة، إتاحة الفرصة للتفاوض والمصالحة، وتجنّّب الظهور في جبهة واحدة مع واشنطن ضد إيران. وهـــنـــاك مـــن يـــريـــد اخــــتــــزال دوافــــــع الـــقـــاهـــرة في المــقــابــل المالـــــي. لـكـن المــعــادلــة أبــعــد مــن ذلــــك. صعود إيــران سيكون على حساب مصر التي تتحرّّك دفاعا عن مصالحها ونفوذها واقتصادها. ستعود طهران للتدخل فـي شـــؤون مصر وزعزعتها وقــد سبق لها فعل ذلـــك. وهــي كـذلـك تـدافـع عـن أمنها الاقـتـصـادي، فخسائر قـنـاة السويس بسبب الحوثي والإيــرانــي، مليار دولار 18( ،ً نحو ستة مـلـيـارات دولار ســنــويا خلال ثلاث ســنــوات مــن اســتــهــداف الملاحــــة وعـــزوف السفن عن المرور بالقناة)، وإلى جانب خسائر القناة، تهدد الحرُب معيشة ملايين المصريين في الخليج. ويــبــقــى الـــســـؤال الأخـــيـــر، هـــل سـتـغـيـر المــشــاركــة المصرية المعادلة العسكرية على الأرض؟ يتوق ََّف الأمر على طبيعتها وحجمها، وهو ما ننتظر ات ََّضاح ََه. ســـيـــاســـياً، تــبــعــث الـــقـــاهـــرُة بـــرســـالـــة إلــــى إيـــــران والعالم العربي، لم يعد ممكنا السكوت على الحرب الإيرانية على الخليج. بنهاية الأسبوع الفائت، خلال ملتقى فكري عربي، تكلّّم دبلوماسي عــن الــواقــع الـعـربـي بـصـراحـة تـشـاؤمـيـة غـيـر مـعـهـودة مــن دبـلـومـاسـيين محترفين. تكون مكتوبة، إن «أوضاعنا ا لقد قال في كلمة «من القلب»، تعم ّّد ألّا سيئة، وليست أبــدا على ما يـــرام». وانطلق، من ثّّــم، ليشرح بالتفصيل جــــوانــــب مــــن الإخــــفــــاق والالـــتـــبـــاســـات فــــي الأوضــــــــاع الــعــربــيــة الـــراهـــنـــة، والتحدّّيات التي تمر بها منطقتنا وسط الظروف الدولية التي نعرفها كلنا. هـــذه الـكـلـمـة أتــاحــت لمـداخـلـتـي فــي الــيــوم الــتــالــي، أيــــضاً، أن تكون صريحة... لا تخلو من الإقرار بالتقصير. غير أنني مـن دون الانهماك فـي الأرقـــام والإحصائيات التي تؤكّّد مدى عمق أزمتنا، وأيضا بعيدا عن الإفـراط في «جلد الـذات»، لمّّحت إلى أن أزمتنا جزء من مجموعة من الأزمات المتأثرة بـ«أزمة قيادة عالمية». وحــقاً، لا تلوح استراتيجية متماسكة وصلبة عند القوى الكبرى - دولا ومؤسسات - التي تتحكم في آليات اتخاذ القرار، وحـل الأزمـات، وترتيب الأولويات؛ ولهذا بتنا نرى النتيجة ارتباكا ورهانات خاطئة، وتردّّدا في اعتماد علاجات مبكّّرة لأزمات مرّشّحة للتفاقم... ما لم يبادََر إلى احتوائها، ولجم تداعياتها سريعاً. في عالمنا العربي أزمات يمس بعضها مصائر مناطق حس ّّاسة منه، والبعض الآخر له انعكاسات كبرى سياسية وعسكرية واقتصادية على مستوى العالم بأسره. الوضع الخطير المتفج ّّر في الخليج، مـثلاًً، ما كان من المفترض أن يبلغ ما بلغه، بل وما يمكن - لا قد ّّر الله - أن يصل إلى ما وصل إليه... لو أمكن إيجاد بديل معقول وم ُُلزِِم لـ«الاتفاق النووي الإيراني». بناء عليه، أدى استمرار الفراغ الناجم عن غياب صيغة تلزِِم إيران بــ«اتــفــاق» بــديــل، إلـــى تـــرك الـحـبـل عـلـى غــاربــه لـلـيـمين الإسـرائـيـلـي لكي يصع ِِّد ويورّّط، ويحرّّض ويتوس ّّع، بدعم وتغطية مطلقين من واشنطن و«لوبي» الإيفانجيليين المتشد ّّدين. وهكذا، أعطى تشد ّّد «صقور» طهران - من حيث يــدرون أو لا يــدرون - بنيامين نتنياهو وزبانيته المتطرّّفين الـفـرصـة: أولاًً، لتدمير غــزة والـسـعـي لتصفية فلسطين شـعـبا وقضية، وثانياً، لنسف كل إمكانيات السلام مع «جيرانها» بذرائع دفاعية سواء في لبنان أو العراق أو اليمن، ولاحقا سوريا. لا شك في أن «أمــن الطاقة» عالميا مسألة حس ّّاسة جـدا لن تتهاون فيها لا واشنطن ولا العواصم الغربية المؤيدة لها في حربها على إيران؛ ولـهـذا صــارت قضية «ضـمـان حرية الملاحـــة» عبر مضيقي هرمز وبـاب المندب مسألة «شبه إجماعية»، حتى عند العواصم الغربية التي لا تتبن ّّى بالمطلق أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترمب. في المقابل، لا يبدو في الأفق أن الموقف الأميركي يستطيع «البناء» كثيرا على صمت موسكو وبـــكين فـي شــأن المضيقين الـحـيـويين اللذين يــشــكّّلان أولــويــة لـكـل دول «مـجـلـس الـتـعـاون الـخـلـيـجـي». وهــــذا، مــع أن سياسات ترمب، القائمة حاليا على محاولة استرضاء «الكرملين» في شأن الحرب الروسية - الأوكرانية، تثير قلقا متزايدا في أوروبا. ومن ناحية أخرى، يبدو لنفر من المراقبين أن الانشغال الغربي بما يحدث في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يُُقترف فيه من أخطاء مبنية إما على حسابات خاطئة، أو إسرائيلية، يترك الصين مرتاحة، ومر ّكّزة أيضا على تنفيذ طموحاتها التكنولوجية والاقتصادية على مستوى العالم. إن فــقــدان الــقــدرة عـلـى «الاحـــتـــواء» واقـــع خطير للغاية فــي منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط. والسعي إلى خيارات عملية ناجعة، كفيلة بمنع الانزلاق أكثر نحو الــكــارثــة، مـطـلـوب الآن أكـثـر مــن أي وقـــت مـضـى. وبـــالأخـــص، إذ انفلتت الضوابط بالنسبة للتسلّّح عبر «أطـــراف ثالثة»، أو استغلت جماعات مـتـطـرّّفـة «حـكـومـيـة»، أو مـــأجـــورة، الارتــبــاكــات والـــخلافـــات فــي وجـهـات النظر... لإحداث تصعيد كارثي على مستوى المنطقة. صحيح أن الأنـظـار حاليا تتََّجه نحو إيــران ومـا ستقرره واشنطن بشأنها. لكن الأوضاع فلسطينيا باتت كارثية بكل المقاييس. وأيضاً، لا تبدو الآفاق واعـدة أبدا على جبهتي «التوس ّّع» الإسرائيلي على حساب كل من لبنان وسوريا. وهنا، بما يخص سوريا تحديداً، لا بد من رصد القراءات التركية بينما يعمل اليمين الإسرائيلي - علانية - على توريط أنقرة في صراع مع «العالم المسيحي»... بدءا من اليونان وقبرص. أكـثـر مــن هـــذا، إذا تـذكّّــرنـا رفـــع رئـيـس الـحـكـومـة الإسـرائـيـلـيـة أمــام الإعلام العالمي خارطة «من الفرات إلى النيل»، فعلينا أن نتنبّّه للوسائل التي تستطيع إسرائيل اعتمادها في تحريك الأمور. وهـــذه تـبـدأ مــن اســتــغلال مـسـألـة «ســـد الـنـهـضـة» لـصـالـح إثيوبيا، ولا تنتهي بتأمين البدائل لقناة السويس، العصب الحيوي للاقتصاد المصري، من دون إهمال استحواذ نتنياهو على موطئ قدم في «أرض الـــصـــومـــال» الــتــي «ســـتـــريـــح» أديــــس أبـــابـــا لـجـهـة تــــأمين مـنـفـذ لــهــا على البحر... وتحريرها، بالتالي، من الحاجة إلى تقديم تنازلات لـ«جاراتها» العربيات. هـذه صـور مختصرة للحالة المقلقة التي تعيشها منطقتنا العربية. صورة، بتقديري، تستوجب التفكير الجاد، لا التله ّّي بتوجه أصابع اللوم، ولا التراشق بالتهم، ولا فتح المعارك الجانبية. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel دخول مصر الحرب الصورة الواقعية لمنطقتنا... من دون تجميل الـ«إيه آي» OPINION الرأي 13 Issue 17491 - العدد Sunday - 2026/10/18 الأحد عبد الرحمن الراشد إياد أبو شقرا على مدى ثلاث سنوات تدفع مصر ثمن اعتداءات الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر من إيراداتها بالعملة الصعبة أمن الطاقة» مسألة حس ّّاسة جدا لن تتهاون فيها لا واشنطن ولا العواصم الغربية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky